هندسة الإبادة في قطاع غزة.. آليات إنتاج بيئة الموت المستدام: قراءة موثقة في تدمير شروط الحياة

أحمد أبو كميل-دراسة تحليلية

خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، تحوّلت الحرب على قطاع غزة من عمليات قتالية مباشرة إلى عملية منهجية لتفكيك شروط الحياة ذاتها؛ إذ يقدّر التقييم السريع للأضرار المشترك بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي حجم الدمار المادي بنحو 35.2 مليار دولار، مع احتياجات إعادة إعمار تبلغ 71.4 مليار دولار خلال عقد كامل، بينما دُمّر أو تضرر أكثر من 90% من شبكة الطاقة و74% من شبكة الطرق.
ولا يعمل من مستشفيات القطاع الستة والثلاثين سوى نحو نصفها جزئيًا، فيما أعلنت تصنيفات الأمن الغذائي الدولية المجاعة في أجزاء من القطاع خلال آب/أغسطس 2025.
هذه الورقة تُحاجج بأن هذا التراكم المنهجي للأضرار عبر قطاعات الماء والصحة والغذاء والسكن يشكّل، وفق أدبيات قانونية وحقوقية، نمطًا يندرج ضمن ما يوصف بـ”هندسة الإبادة”، وتستعرض الأساس القانوني لهذا التوصيف من خلال دعوى جنوب أفريقيا ضد الكيان الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية، وتخلص إلى مجموعة توصيات لصانعي القرار والهيئات الحقوقية.

مقدمة

لم تعد الحرب في قطاع غزة تُقرأ بوصفها سلسلة من العمليات العسكرية المنفصلة، بل باعتبارها عملية مركّبة تستهدف إعادة تشكيل البيئة التي يعيش فيها السكان، بحيث تتحول مقومات الحياة الأساسية إلى عناصر نادرة أو معدومة. فالحروب الحديثة لم تعد تُقاس بعدد الضحايا الذين يسقطون تحت القصف وحده، بل باتت تُقاس أيضًا بقدرتها على إعادة تشكيل البيئة المادية والاجتماعية بحيث تتحول الحياة اليومية نفسها إلى معركة من أجل البقاء.

وفي قطاع غزة، حيث كان يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في مساحة جغرافية محدودة قبل الحرب، أظهر التقييم الرسمي المشترك أن الأضرار طالت كل قطاع من قطاعات الاقتصاد تقريبًا: السكن الذي استوعب وحده 51% من إجمالي كلفة الأضرار المادية (نحو 18 مليار دولار)، والتجارة والصناعة والزراعة، إلى جانب الطرق ومرافق الاتصالات والمؤسسات التعليمية.

هذا النطاق الواسع والمتزامن للتدمير هو ما يمنح مفهوم “هندسة الإبادة” وجاهته التحليلية بوصفه إطارًا يصف تداخل القوة العسكرية مع تدمير البنية التحتية والخدمات المدنية والموارد الأساسية، بما يُنتج بيئة يصبح فيها البقاء نفسه تحديًا يوميًا.

تتناول هذه الورقة الآليات التي تجعل تدهور شروط الحياة نتيجة مستمرة حتى في الفترات التي تنخفض فيها وتيرة العمليات العسكرية، اعتمادًا على بيانات مؤسسية موثقة صادرة عن الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة (أوتشا، الصحة العالمية، UNEP ، UNDP) والبنك الدولي ومحكمة العدل الدولية، بدل الاكتفاء بالوصف العام.

أولا: هندسة الإبادة من تدمير الإنسان إلى تدمير شروط الحياة

يشير مفهوم “هندسة الإبادة” في الأدبيات القانونية والسياسية إلى نمط من الممارسات لا يقتصر أثره على إيقاع القتل المباشر، بل يمتد إلى تدمير المقومات الأساسية اللازمة لاستمرار حياة جماعة سكانية بأكملها: المساكن، والبنية التحتية، والنظام الصحي، وشبكات المياه والكهرباء، والمنظومة التعليمية، وسبل كسب العيش.

ومن الناحية القانونية، يستند هذا الإطار إلى المادة الثانية (ج) من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، التي تُدرج ضمن أفعال الإبادة الجماعية “إخضاع الجماعة عمدًا لأحوال معيشية يُقصد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا” — وهو نص لا يشترط القتل المباشر، بل يكتفي بإثبات تعمّد خلق ظروف مُهلِكة، إلى جانب توافر “القصد الخاص” (dolus specialis) بتدمير الجماعة كليًا أو جزئيًا بصفتها هذه.

 ويبقى إثبات هذا القصد الخاص، لا وقوع الضرر بحد ذاته، هو العتبة القانونية الحاسمة التي تفصل بين توصيف الوقائع كجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية من جهة، وكجريمة إبادة جماعية من جهة أخرى — وهو ما يُبقي المسألة، كما سيرد لاحقًا، رهنًا بتقييم الهيئات القضائية الدولية.

مؤشر تحليلي: الفارق بين “جريمة حرب” و”إبادة جماعية” لا يكمن في حجم الضرر، بل في إثبات نية تدمير الجماعة بصفتها هذه (القصد الخاص)، لذلك تركّز هذه الورقة على توثيق نمط تراكمي وممنهج للضرر عبر قطاعات متعددة ومتزامنة، بوصفه المؤشر الظرفي الذي اعتمدته محكمة العدل الدولية لتقدير “معقولية” هذا القصد في مرحلة التدابير التحفظية.

ثانيًا: البعد القانوني — قضية جنوب أفريقيا ضد الكيان الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية

في 29 كانون الأول/ديسمبر 2023، أقامت جنوب أفريقيا دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم الكيان الإسرائيلي بانتهاك التزاماته بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وطلبت اتخاذ تدابير تحفظية عاجلة، وفي 26 كانون الثاني/يناير 2024، أصدرت المحكمة أمرها الأول، وقضت بأن للمحكمة اختصاصًا ظاهريًا (prima facie) في القضية، وأن بعض الحقوق التي تستند إليها جنوب أفريقيا — حق الفلسطينيين في عدم التعرض لأعمال الإبادة الجماعية — “معقولة” (plausible)، وألزمت الكيان الإسرائيلي باتخاذ كل التدابير الممكنة لمنع أعمال الإبادة الجماعية، وتمكين وصول المساعدات الإنسانية الأساسية، والحفاظ على الأدلة، وأصدرت المحكمة أمرين إضافيين لاحقًا في 28 آذار/مارس و24 أيار/مايو 2024، شدّدت فيهما التدابير استجابة لتدهور الوضع الإنساني وعملية رفح، معتبرة الوضع “بالغ الخطورة”. هذه الأوامر ملزمة قانونًا ولا يجوز استئنافها، وإن كانت المحكمة لا تملك آلية تنفيذية مباشرة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأوامر صدرت في مرحلة التدابير التحفظية فقط، أي أنها لم تفصل بعد في وقوع الإبادة الجماعية من عدمه؛ فالمعيار القانوني المطلوب في هذه المرحلة هو “معقولية” الحق المدّعى لا إثباته يقينًا، والفصل النهائي في الأساس الموضوعي للدعوى يبقى معلّقًا أمام المحكمة وقد يستغرق سنوات.

وقد شكّلت بيانات الأمن الغذائي أحد أبرز المؤشرات التي استندت إليها المداولات القانونية؛ ففي 18 آذار/مارس 2024 أصدر تصنيف المرحلة المتكاملة للأمن الغذائي (IPC) تحذيرًا من أن “المجاعة باتت وشيكة في محافظات شمال قطاع غزة” وأن كامل سكان القطاع (2.23 مليون نسمة) يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وهو ما استُخدم كمؤشر ظرفي على تعمّد خلق ظروف معيشية مهلكة.

ثالثًا: استهداف البنية التحتية — القراءة بالأرقام

خلُص التقييم السريع للأضرار والاحتياجات (RDNA) المشترك بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي، الصادر في نيسان/أبريل 2026 عن بيانات حتى تشرين الأول/أكتوبر 2025، إلى أن الأضرار المادية المباشرة في قطاع غزة بلغت 35.2 مليار دولار، إضافة إلى 22.7 مليار دولار خسائر اقتصادية واجتماعية غير مباشرة، بما يجعل إجمالي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار خلال العقد المقبل نحو 71.4 مليار دولار؛ أي ما يقارب تسعة أضعاف التقدير الأولي الذي كان قد صدر في آذار/مارس 2024 (18.5 مليار دولار) قبل عام ونصف من استمرار العمليات العسكرية، وهو ما يعكس بحد ذاته الطابع التراكمي للتدمير لا اللحظي.

النسبة / الرقمالقطاع
90%دمار شبكة الطاقة الكهربائية
74%دمار شبكة الطرق
88%دمار أصول المياه والصرف الصحي الظاهرة
92%دمار منشآت التجارة والصناعة
51%حصة القطاع السكني من إجمالي الأضرار المادية
98%نسبة المياه غير الصالحة للاستهلاك الآدمي
50%نسبة المستشفيات العاملة جزئيًا من أصل 36
61.5مليون طن أنقاض متراكمة في القطاع
71.4مليار دولار احتياجات إعادة الإعمار المقدّرة لعقد قادم

وبحسب التقييم ذاته، فإن دمار البنية التحتية لم يكن انتقائيًا بل شمل كل الشبكات الحيوية في آن واحد: 90% من البنية التحتية للطاقة (شبكة التوزيع الكهربائي وملحقاتها)، و74% من شبكة الطرق (دُمّر بالكامل) مع 13% إضافية متضررة جزئيًا، و88% من أصول المياه والصرف الصحي الظاهرة و76% من الشبكات الجوفية، و92% من منشآت التجارة والصناعة، و81% من أصول الاتصالات وتقنية المعلومات.

 هذا التزامن بين انهيار شبكات الطاقة والمياه والاتصالات والطرق في وقت واحد هو ما يفسّر تحوّل الأضرار من “دمار مبانٍ” إلى “انهيار منظومة” بالمعنى الوظيفي: فتعطل الكهرباء يعطّل بدوره محطات ضخ المياه والتحلية، وتعطل الطرق يمنع نقل الوقود والمعدات اللازمة لتشغيل المولدات الاحتياطية، في حلقة تغذية ذاتية للانهيار.

ووفق تقييم مشترك بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، أدت سنتان من تصعيد العمليات العسكرية إلى تراجع مستوى التنمية في قطاع غزة بما يقدَّر بنحو 77 عامًا إلى الوراء، وهو مؤشر مركّب يعكس أثر الدمار المتزامن للبنية التحتية على مسار التنمية البشرية للقطاع بأكمله، لا على قطاع بعينه.

رابعًا: الماء والغذاء — من الاحتياجات الأساسية إلى بيئة المجاعة

لا يقتصر أثر تدمير شبكات المياه على النقص الكمي، بل يمتد إلى تلوث المصادر المتبقية؛ إذ تقدّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن نحو 98% من المياه المتاحة في قطاع غزة غير صالحة للاستهلاك الآدمي، فيما تضرر أو دُمّر ما يقارب 90% من البنية التحتية للمياه، وقد أدى تعطل نقطة تعبئة رئيسية من خط أنابيب “ميكوروت” الإسرائيلي في نيسان/أبريل 2026 — عقب استشهاد عاملين تعاقديين تابعين لليونيسف أثناء توصيل مياه الشرب — إلى تعليق العمليات في تلك النقطة وإجبار الشركاء الإنسانيين على اللجوء إلى مصادر بديلة كمحطات التحلية الخاصة، وهو مثال ملموس على كيفية تحوّل حادثة أمنية واحدة إلى أزمة مياه تطال مئات الآلاف؛ ففي جنوب القطاع تسبب عطل واحد في البنية التحتية بانقطاع الوصول الموثوق للمياه النظيفة عن 500 ألف شخص خلال 2026، كما أدى النقص الحاد في غاز الطهي إلى لجوء ما يقارب نصف السكان لحرق النفايات كوقود بديل، ما يضيف مصدر تلوث هوائي مباشر فوق أزمة المياه القائمة.

وعلى صعيد الأمن الغذائي، أعلن تصنيف المرحلة المتكاملة (IPC) رسميًا المجاعة في أجزاء من قطاع غزة في آب/أغسطس 2025، مع تسجيل 421 حالة وفاة مرتبطة بسوء التغذية خلال ذلك العام، ورغم أن التصنيفات اللاحقة، بعد وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، لم تعد تُصنّف أي منطقة ضمن حالة المجاعة الرسمية، فإن نحو 1.6 مليون شخص ظلوا حتى منتصف نيسان/أبريل 2026 يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ما يعني أن الخروج من عتبة “المجاعة” التقنية لا يعادل التعافي، بل انتقالًا إلى حالة أقل حدة من الأزمة الغذائية البنيوية ذاتها.

خامسًا: انهيار المنظومة الصحية

تعتمد المستشفيات على منظومة مترابطة تشمل الكهرباء والمياه والأدوية وسلاسل الإمداد؛ وعندما تتعطل هذه العناصر مجتمعة، يتحول النظام الصحي من مؤسسة علاج إلى منظومة عاجزة عن الاستجابة حتى لو ظلت مبانيها قائمة، فمنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى مطلع 2026، وثّقت منظمة الصحة العالمية أكثر من 930 اعتداءً على قطاع الصحة، وتضرر جميع مستشفيات القطاع البالغ عددها 36 مستشفى وأغلب مراكز الرعاية الصحية الأولية، بحيث لا يعمل اليوم سوى نصف المستشفيات جزئيًا فقط، ولا يعمل بكامل طاقته أي منها، فيما لا تتجاوز نسبة مراكز الرعاية الصحية الأولية العاملة 48-63%، إذ تفتح بعضها بمعدل يوم واحد أسبوعيًا فقط بعدما كانت تعمل ستة أيام قبل 2023.

 وقدّرت منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 1,800 منشأة صحية — من مستشفيات كبرى إلى صيدليات ومختبرات — تضررت جزئيًا أو كليًا، بكلفة أضرار مباشرة في القطاع الصحي وحده تُقدَّر بـ1.4 مليار دولار، فيما تحتاج إعادة تأهيل المنظومة الصحية بأكملها استثمارات تناهز 10 مليارات دولار على مدى خمس سنوات.

ولا ينحصر أثر هذا الانهيار في ضحايا العمليات العسكرية المباشرة، بل يمتد إلى المرضى المزمنين ومرضى غسيل الكلى والحوامل والأطفال وكل من يعتمد على خدمات صحية منتظمة، إضافة إلى تسجيل ما لا يقل عن 853 إصابة جديدة بإعاقات دائمة بين تشرين الأول/أكتوبر 2025 ومنتصف شباط/فبراير 2026 وحدها، تشمل 496 حالة بتر و186 إصابة في النخاع الشوكي و171 إصابة دماغية رضّية، وهي إعاقات ستستمر تبعاتها الصحية والاجتماعية لعقود بعد توقف الأعمال العسكرية، بما يُبقي أثر انهيار المنظومة الصحية أثرًا ممتدًا زمنيًا لا لحظيًا.

سادسًا: السكن والنزوح — مجتمع في حالة انتقال دائم

استحوذ القطاع السكني وحده على 51% من إجمالي كلفة الأضرار المادية المباشرة في التقييم الأخير، أي نحو 18 مليار دولار من أصل 35.2 مليار دولار، مع محو أحياء سكنية بأكملها من الوجود، وقد اضطر عدد كبير من السكان إلى النزوح المتكرر داخل القطاع والإقامة في مراكز إيواء أو خيام أو مبانٍ متضررة جزئيًا، وسط اكتظاظ شديد ونقص حاد في الخدمات الأساسية يضاعف مخاطر انتشار الأمراض ويؤثر في الخصوصية والأمن الشخصي، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن.

ويبقى هذا النزوح، حتى بعد وقف إطلاق النار، بنيويًا لا مؤقتًا: فمواقع الإيواء تتعرض بدورها لمخاطر بيئية متجددة، إذ أدت عاصفة رملية ومطرية واحدة في آذار/مارس 2026 إلى تضرر 894 أسرة في مواقع النزوح، بينها 29 مأوى دُمّر بالكامل و32 آخر تضرر جزئيًا، إلى جانب مرافق تعليم وتغذية وحماية طفل، وهو ما يوضح أن هشاشة الإيواء المؤقت تحوّله من حل طارئ إلى مصدر خطر إضافي متكرر.

سابعًا:  التعليم — خسائر تمتد إلى المستقبل

أدى تضرر المدارس واستخدام بعضها كمراكز إيواء إلى انقطاع طويل عن الدراسة طال نحو 728 ألف طفل في القطاع، إذ لم يكن مشغّلًا بحلول منتصف آذار/مارس 2026 سوى 494 حيّزًا تعليميًا مؤقتًا، وسط تقييد إضافي فرضته إجراءات إلغاء تسجيل بعض المنظمات غير الحكومية العاملة في قطاع التعليم، ما حدّ من قدرتها التقنية وقدرتها على إدخال الكوادر واللوازم التعليمية، ولا تقتصر آثار هذا الانقطاع على فقدان التحصيل الدراسي، بل تمتد إلى الصحة النفسية للأطفال وتراجع فرص التنمية البشرية وإضعاف قدرة المجتمع على التعافي وإعادة البناء لاحقًا — أي أن كلفة تعطل التعليم، خلافًا لكلفة إعادة بناء مبنى مدرسي، كلفة تراكمية لا تُقاس بالدولار وحده بل بجيل كامل من الفرص الفائتة.

ثامنًا: الإبادة البيئية

يتجاوز الدمار المباني ليطال البيئة ذاتها بأثر يُقدَّر أن يمتد لعقود؛ فبحسب تقييم مشترك بين برنامج الأمم المتحدة للبيئة وموئل الأمم المتحدة، تراكم في قطاع غزة نحو 61.5 مليون طن من الأنقاض، أي ما يعادل 169 كيلوغرامًا من الركام لكل متر مربع من مساحة القطاع — وهي كمية تفوق سبع عشرة مرة إجمالي الأنقاض الناتجة عن كل التصعيدات العسكرية في غزة منذ 2008 مجتمعة، وأكثر من خمسة أضعاف كمية الأنقاض التي خلّفتها معركة الموصل في العراق عام 2017. ويحذّر البرنامج من أن ما لا يقل عن 4.9 مليون طن من هذه الأنقاض قد يكون ملوّثًا بمادة الأسبستوس السرطانية، وأن 2.9 مليون طن إضافية قد تكون ملوّثة بنفايات صناعية خطرة، فيما يُقدَّر أن نحو 20 ألف قطعة ذخيرة غير منفجرة (صواريخ وقذائف وقنابل) لا تزال مبعثرة داخل الركام، بما يجعل عملية التطهير من مخلفات الحرب على السطح وحدها مشروعًا يستغرق ما بين 20 و30 عامًا وفق منظمة “إنسانية وإدماج” (Humanity & Inclusion).

هذا التلوث الممتد يضاف إلى واقع مسبق أصلًا؛ إذ كان أكثر من 97% من طبقة المياه الجوفية الساحلية في غزة غير صالح للاستهلاك الآدمي قبل اندلاع الحرب بسبب الاستنزاف المفرط والتداخل الملحي، وقد فاقمت أضرار محطات معالجة الصرف الصحي والاستخدام المكثف للمياه الجوفية هذا التدهور، بما يهدد الأمن المائي لسنوات قادمة.

تاسعًا: الأثر النفسي والاجتماعي

لا يقل تدمير الصحة النفسية الجماعية خطورة عن تدمير البنية المادية، وإن كان أصعب قياسًا؛ فبخلاف الأضرار العمرانية التي تُوثّق بالقمر الصناعي، يعتمد توثيق الأثر النفسي على مسوح سكانية ميدانية أظهرت خلال العامين الأخيرين معدلات غير مسبوقة في الأدبيات الطبية الخاصة بالنزاعات المسلحة.

فعلى مستوى البالغين، أظهرت دراسة طولية تتبّعت 677 شخصًا في محافظات غزة وشمال غزة ورفح عبر ثلاث موجات مسح (2020 و2023 و2025) أن نسبة من يعانون “ضائقة نفسية مرتفعة” وفق مقياس GHQ-12 المعتمد دوليًا قفزت من 19.5% عام 2020 و17.4% عام 2023 إلى 67.2% عام 2025 — أي أن احتمال إصابة الفرد بضائقة نفسية حادة بات أعلى بواقع اثنتي عشرة مرة مقارنة بما قبل الحرب (نسبة الأرجحية المعدَّلة 12.45)، وهذا الرقم مهم تحديدًا لأنه طولي لا لحظي: فهو يقيس التغيّر داخل الأفراد أنفسهم عبر الزمن، لا فارقًا بين عيّنتين مختلفتين، بما يوفر أقوى دليل كمّي متاح على أن الأذى النفسي في غزة تراكمي ومتصاعد مع امتداد الحرب، لا ثابت أو عابر.

وتتفاقم الصورة لدى الفئات الأصغر سنًا؛ إذ تشير مراجعة نشرتها المجلة الصحية لشرق المتوسط التابعة لمنظمة الصحة العالمية إلى معدلات انتشار مرتفعة لاضطراب ما بعد الصدمة (54% بين الأطفال مقابل 40% بين البالغين)، والاكتئاب (41% بين الأطفال مقابل 45% بين البالغين)، والقلق (34% بين الأطفال).

أما صندوق الأمم المتحدة للسكان فقد قدّر أن أكثر من مليون طفل في غزة بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي متخصص، وأن 96% من الأطفال يشعرون بأن الموت وشيك، فيما تبلغ نسب اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق بين المراهقين والشباب 61% و38% و41% على التوالي.

 وسبق لليونيسف أن قدّرت في نيسان/أبريل 2024 أن 100% من أطفال غزة، بلا استثناء، بحاجة إلى شكل من أشكال الدعم النفسي والاجتماعي — وهي نسبة، بحسب المنظمة نفسها، لم يسبق أن أعلنتها اليونيسف عن أي بلد آخر في العالم، رغم أن نصف أطفال غزة كانوا أصلًا بحاجة إلى دعم نفسي حتى قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، ما يعكس أن الحرب الحالية ضاعفت أزمة كانت قائمة أصلًا لا أنها خلقتها من عدم.

كما يؤدي تفكك المؤسسات التعليمية والخدمات الاجتماعية إلى تراجع قدرة المجتمع على استعادة تماسكه؛ فالفجوة بين الحاجة الهائلة للدعم النفسي واتساع نطاقها من جهة، ومحدودية القدرة الاستيعابية للخدمات المتاحة من جهة أخرى، تجعل من التعافي النفسي والاجتماعي بُعدًا لا يقل إلحاحًا عن التعافي المادي في أي خطة لإعادة الإعمار — بل إن التجارب الدولية في مجتمعات ما بعد النزاع تُظهر أن الأثر النفسي غير المعالج غالبًا ما يكون الأبطأ زوالًا والأكثر تكلفة على المدى البعيد، مقارنة بإعادة بناء البنية المادية.

عاشرًا: الأبعاد القانونية — توصيف محل جدل بين الاتهام والدفاع

أثارت الأوضاع في قطاع غزة نقاشًا قانونيًا واسعًا بشأن مدى انطباق أحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية على الوقائع الميدانية، وترى جهات حقوقية وخبراء قانون دولي أن التراكم الممنهج لتدمير مقومات الحياة الأساسية عبر قطاعات متعددة ومتزامنة — كما توثقه بيانات هذه الورقة — قد يكون ذا صلة مباشرة بتقييم مدى توافر “القصد الخاص” المطلوب لإثبات جريمة الإبادة الجماعية، وهو ما دفع محكمة العدل الدولية إلى اعتبار هذا الحق “معقولًا” في مرحلة التدابير التحفظية، في المقابل، تؤكد الحكومة الإسرائيلية أن عملياتها تستهدف أهدافًا عسكرية محددة، وأنها تتخذ إجراءات للحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين وفق ما يقتضيه القانون الدولي الإنساني، وترفض توصيف عملياتها بالإبادة الجماعية، مستندة إلى حجج من بينها الاستخدام العسكري المزعوم للبنية المدنية من قبل أطراف مسلحة فلسطينية، وهي حجة تفرض على أي تحليل قانوني رصين فحص مدى التناسب بين الهدف العسكري المزعوم وحجم الضرر المدني الناتج فعليًا — وهو الفحص الذي لا تزال الهيئات القضائية الدولية بصدد إجرائه.

ويبقى الفصل النهائي في هذه المسائل من اختصاص المحاكم والهيئات الدولية، التي تنظر في الأدلة والوقائع وفق الأطر القانونية المعتمدة؛ فالتدابير التحفظية الصادرة عن محكمة العدل الدولية تُلزم إسرائيل باتخاذ إجراءات فورية، لكنها لا تشكّل حكمًا نهائيًا في وقوع الإبادة الجماعية من عدمه — وهو تمييز قانوني دقيق يجب أن يُراعى عند توظيف مخرجات هذه القضية في الخطاب السياسي والإعلامي.

الخلاصة

تكشف الوقائع الميدانية الموثقة في هذه الورقة أن تدمير البنية التحتية والخدمات الأساسية في قطاع غزة لا يقتصر أثره على لحظة القصف، بل يمتد ليعيد تشكيل البيئة التي يعيش فيها السكان، بحيث تصبح ندرة الماء والغذاء والرعاية الصحية والطاقة جزءًا من الحياة اليومية لسنوات مقبلة، في ظل احتياجات تعافٍ تُقدَّر بـ71.4 مليار دولار على مدى عقد كامل، ومن هذا المنظور، فإن هذه الحالة تُوصف في بعض الأدبيات بأنها “هندسة لبيئة الموت”؛ أي إنتاج ظروف تتراكم فيها المخاطر الصحية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية بصورة تجعل آثار الحرب مستمرة حتى خارج ساحات القتال، وتطيل أمد المعاناة الإنسانية ومسار التعافي لعقود قادمة، كما تُظهره كلفة إزالة الذخائر غير المنفجرة وحدها الممتدة لثلاثة عقود.

التوصيات

  1. دعوة الهيئات الأممية المختصة إلى تحديث التقييمات القطاعية (الصحة، المياه، التعليم) بشكل دوري ونشرها كمرجع موحّد يحول دون تضارب الأرقام المتداولة، وربط كل ملف حقوقي أو إعلامي بمصدره المؤسسي مباشرة.
  2. متابعة مسار قضية جنوب أفريقيا ضد الكيان الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية والتمييز الدقيق، في أي مادة تحليلية أو إعلامية، بين التدابير التحفظية الملزمة والحكم النهائي في الأساس الموضوعي الذي لم يصدر بعد.
  3. إدراج بُعد “استدامة الأثر” (الأنقاض، الذخائر غير المنفجرة، تلوث طبقة المياه الجوفية) ضمن أي خطة إعادة إعمار أو مناصرة حقوقية، نظرًا لامتداد هذه المخاطر لعقود بعد توقف العمليات العسكرية.
  4. توثيق الأثر النفسي والاجتماعي طويل المدى، خصوصًا لدى الأطفال وذوي الإعاقات المكتسبة حديثًا، بوصفه بُعدًا من أبعاد “شروط الحياة” لا يقل أهمية عن الأبعاد المادية في أي مساءلة قانونية مستقبلية.
  5. دعم آليات تمويل مستدامة لإعادة تأهيل القطاع الصحي (10 مليارات دولار على خمس سنوات) بوصفها أولوية إنسانية عاجلة لا تنتظر حسم المسار القانوني للقضية الدولية.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يوليو 2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات

بين إنهاء دور الأونروا وإعادة هندسة غزة: الأبعاد القانونية والسياسية لمشروع استبعاد الوكالة من «غزة الجديدة»

ورقة سياسات تحلل تصريح مجلس السلام بإنهاء دور الأونروا في غزة (تموز 2026) في ضوء فتوى محكمة العدل الدولية وقرار الجمعية العامة 80/116، مع سيناريوهات وتوصيات لصناع القرار.