شحنات رغم التحذير: كيف موّلت 51 دولة استمرار الحرب على غزة بعد قرار محكمة العدل الدولية

قراءة تحليلية-قانونية ومسؤولية الدول الموردة

أ. إبراهيم الحواجري
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية- دراسة تحليلية-قانونية

الملخص التنفيذي
وثّق تحقيق استقصائي لشبكة الجزيرة، نُشر في 23 مايو 2026 استناداً إلى تحليل أكثر من 6.5 مليون سجل جمركي إسرائيلي، دخول 2603 شحنة عسكرية من 51 دولة إلى الكيان الإسرائيلي بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2025 بقيمة 3.22 مليار شيكل (885.6 مليون دولار)، شكّلت الذخائر المتفجرة 62% منها، والأخطر أن 91% من هذه القيمة سُجّلت بعد صدور تدابير محكمة العدل الدولية الاحترازية في 26 يناير 2024 التي حذّرت من «خطر محتمل» لوقوع إبادة جماعية في غزة.
تخلص هذه الورقة إلى أن استمرار التوريد بهذا الحجم بعد التحذير القضائي لا يعكس ثغرة تقنية في التنفيذ، بل نمطاً منهجياً تديره فجوة متعمّدة بين التصريح السياسي والالتزام القانوني الملزم، تتيحها فروقات في نوع التراخيص وثغرات «الدمج عبر دول ثالثة» وغياب آليات تحقق من الاستخدام النهائي.
 وتقاطع الورقة بيانات تحقيق الجزيرة مع مصدرين مستقلَّين إضافيَّين (قاعدة بيانات SIPRI ومرصد التعقيد الاقتصادي OEC) وتمدّد الرصد النوعي حتى تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في أبريل 2026، لتقدّم إطاراً قانونياً (اتفاقية الإبادة الجماعية، معاهدة تجارة الأسلحة) وأدلة موثقة من اثنتي عشرة دولة لبناء ملف مساءلة قانونية وسياسية جاهز للتوظيف الفلسطيني والدولي.

مقدمة

تعتمد الورقة بشكل أساسي على تحقيق وحدة الاستقصاء بالجزيرة الإنجليزية، الذي أعدّه الصحفي كولان ماغي ونُشر في 23 مايو 2026 تحت عنوان:” ليس فقط الولايات المتحدة: كيف سلّحت 51 دولة إسرائيل خلال الحرب على غزة”، واستند إلى تحليل بيانات استيراد سلطة الضرائب الإسرائيلية (ITA) للفترة 2022-2025، مدعومة بسجلات جمركية وطلبات حرية معلومات في عدة دول.

 رُكّز التحليل على السلع المصنّفة تحت الفصل الجمركي رقم 93 (الأسلحة والذخائر) وفق نظام التصنيف المنسّق (HS)، إضافة إلى الرمز 87100000 الخاص بالدبابات والمركبات المدرعة.

تبني الورقة على هذه البيانات إطاراً تحليلياً قانونياً-سياسياً خاصاً بها، بربطها بأحكام اتفاقية منع الإبادة الجماعية (1948) ومعاهدة تجارة الأسلحة (2013)، وبتقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة الصادر في سبتمبر 2025.

حدود البيانات: يقرّ التحقيق الأصلي، وتتبنى هذه الورقة الإقرار ذاته حفاظاً على الدقة المنهجية، بأن بيانات الجمارك لا تُحدّد المستخدم النهائي للسلعة ولا طبيعتها الدقيقة، وأن “دولة المنشأ” المسجّلة لا تعني بالضرورة التصدير المباشر إذ قد تمر الشحنة عبر دول وسيطة، كما يستثني التحليل الأسلحة المقدَّمة كمنح مجانية، والطائرات العسكرية وقطع غيارها، وأنظمة الاتصالات والرادار الاستراتيجية، ولا يشمل عمليات تحقق ميداني من الاستخدام الفعلي للمكوّنات بعد وصولها.

تفادياً للاعتماد على مصدر وحيد، تقاطع هذه الورقة بيانات تحقيق الجزيرة مع مصدرين مستقلَّين إضافيين يعتمدان منهجيتين مختلفتين تماماً: الأول قاعدة بيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي (SIPRI) الخاصة بتحويلات الأسلحة الكبرى، المحدَّثة في 9 مارس 2026 وفق مقياس “قيمة المؤشر الموحّد” (TIV) لمنظومات السلاح الرئيسية خلال الفترة 2021-2025؛ والثاني بيانات التجارة الدولية الموثَّقة في مرصد التعقيد الاقتصادي (OEC) المستندة إلى سجلات الأمم المتحدة للتجارة (UN Comtrade) لعام 2024.

 ولأن هذين المصدرين يعتمدان تصنيفات وفترات زمنية ونطاق سلع مختلفاً عن بيانات الجمارك الإسرائيلية الأولية، تُعرض نتائجهما في هذه الورقة كتقاطع تأكيدي على الاتجاه العام لا كأرقام مطابقة حرفياً، مع الإشارة الصريحة إلى الفارق المنهجي كلما وردت مقارنة بين الأرقام.

أما من حيث الامتداد الزمني، فبينما تتوقف بيانات الجمارك التفصيلية المستخدمة في التحقيق الأصلي عند 31 ديسمبر 2025، فإن هذه الورقة تمدّد الرصد النوعي (لا الكمي التفصيلي) حتى النصف الأول من عام 2026، استناداً إلى تقرير منظمة العفو الدولية السنوي الصادر في 22 أبريل 2026 الذي يوثّق استمرار النمط ذاته من التذبذب بين التقييد والتراجع عنه، وإلى تحديث SIPRI الخاص بمواقف الدول المصدّرة الصادر مطلع عام 2026، وإلى واقعة رفع ألمانيا تعليقها التصديري في 24 نوفمبر 2025 كمثال حي على استمرار هذا النمط بعد نهاية فترة البيانات التفصيلية.

المحور الأول: خريطة الأرقام ــــــــــــــــــــــ منظومة إمداد عالمية بعد التحذير

لم يعتمد الكيان الإسرائيلي خلال الحرب على مخزونه الاستراتيجي وحده، بل على شبكة إمداد دولية ضمّت 51 دولة وإقليماً ذا حكم ذاتي، جميعها دول أطراف في اتفاقية منع الإبادة الجماعية، ودخل الكيان الإسرائيلي بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2025 2603 شحنة عسكرية بقيمة 3.22 مليار شيكل، مقارنة بـ1.41 مليار شيكل فقط خلال العشرين شهراً التي سبقت الحرب — أي أن وتيرة الاستيراد العسكري تضاعفت أكثر من مرتين مع اندلاع الحرب واستمرارها، وهو مؤشر كمي يدعم فرضية أن التوريد الخارجي أصبح شرطاً تشغيلياً لاستمرار العمليات العسكرية وليس مجرد رافد مكمّل.

توزّعت مصادر هذا التوريد بتركّز لافت: استأثرت الولايات المتحدة والهند وحدهما بأكثر من ثلثي القيمة الإجمالية (68%)، فيما وفّرت دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة نحو 19%، ومنطقة شرق وجنوب شرق آسيا (تايوان والصين وكوريا الجنوبية وفيتنام وسنغافورة) نحو 8%.

الدولةنسبة القيمة الإجماليةالترتيب
الولايات المتحدة42%الأولى
الهند26%الثانية
رومانيا8%الثالثة
تايوان4%الرابعة
جمهورية التشيك3%الخامسة

وتؤكد بيانات مستقلة تماماً عن تحقيق الجزيرة الاتجاه العام ذاته من زوايا مختلفة: فوفق قاعدة بيانات SIPRI لتحويلات الأسلحة الكبرى (منظومات رئيسية كالطائرات والمدرعات، وليس المكوّنات والذخائر التي رصدها تحقيق الجزيرة)، استحوذت الولايات المتحدة على 68% من واردات الكيان الإسرائيلي من الأسلحة الكبرى خلال 2021-2025 وألمانيا على 31%، وارتفعت واردات الكيان من الأسلحة 12% مقارنة بالفترة 2016-2020 لتحتل المرتبة 14 عالمياً بين الدول المستوردة للسلاح.

كما تُظهر بيانات التجارة الدولية في مرصد التعقيد الاقتصادي (OEC)، المستندة إلى سجلات الأمم المتحدة، أن أكبر موردي السلاح للكيان في عام 2024 كانوا، بترتيب متطابق تقريباً مع ترتيب تحقيق الجزيرة، الولايات المتحدة (1.6 مليار دولار) فالهند (50.9 مليون دولار) فرومانيا (26.3 مليون دولار) فجمهورية التشيك (12.1 مليون دولار). وتفسير الفارق في القيم المطلقة بين المصادر الثلاثة يعود إلى اختلاف نطاق السلع المرصودة (منظومات كبرى مقابل مكوّنات وذخائر) واختلاف الفترات الزمنية المشمولة، لكن تطابق ترتيب الدول الموردة عبر ثلاث منهجيات مستقلة يعزز موثوقية النمط العام الذي ترصده هذه الورقة.

ومما يزيد المشهد تعقيداً أن الكيان الإسرائيلي لم يكن خلال الفترة ذاتها مستورداً للسلاح فحسب، بل عزّز موقعه كمصدّر عالمي أيضاً: إذ ارتفعت صادراته العسكرية 56% خلال 2021-2025 مقارنة بالفترة السابقة لتصبح سابع أكبر مصدّر سلاح في العالم متجاوزة بذلك المملكة المتحدة، وسجّلت مديرية التصدير الدفاعي الإسرائيلية (SIBAT) رقماً قياسياً بلغ 13 مليار دولار من الصادرات الدفاعية خلال عام 2025 وحده — وهو ما يكشف بعداً إضافياً في الاقتصاد السياسي للحرب لم يتطرق إليه تحقيق الجزيرة: استمرار الصناعة العسكرية الإسرائيلية بالاستفادة تصديرياً من الحرب ذاتها التي استوردت من أجلها السلاح.

ولم يتوقف التدفق مع دخول هدنة أكتوبر 2025 حيّز التنفيذ؛ إذ استمر الكيان الإسرائيلي في استقبال إمدادات عسكرية بقيمة 324.9 مليون شيكل (89.4 مليون دولار) خلال آخر شهرين من عام 2025 فقط، ووثّق التحقيق وصول 220 شحنة على الأقل من 28 دولة مختلفة بين موعد الهدنة ونهاية العام، في وقت واصل فيه الكيان، وفق التوثيق ذاته، عمليات قتل طالت أكثر من 1000 فلسطيني بعد الهدنة.

المحور الثاني: الإطار القانوني ـــــــــــــ من «الخطر المحتمل» إلى واجب المنع

في 26 يناير 2024، وفي إطار الدعوى التي تقدمت بها جنوب أفريقيا ضد الكيان الإسرائيلي بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، أصدرت محكمة العدل الدولية تدابيرها الاحترازية الأولى، قاضيةً بوجود «خطر محتمل» لوقوع إبادة جماعية في غزة، وذكّرت جميع الدول الأطراف في الاتفاقية — وعددها 153 دولة — بالتزامها بالعمل على منع الإبادة الجماعية أينما وُجد خطر جدي لوقوعها.

والإشكالية القانونية المركزية هنا، كما يوضح أستاذ القانون الجنائي غيرهارد كيمب (جامعة غرب إنجلترا)، أن واجب المنع بموجب الاتفاقية لا يُشترط لتفعيله صدور حكم قضائي نهائي، بل يكفي توفر العلم بوجود خطر جسيم — وهو ما توفر فعلياً منذ يناير 2024 على الأقل، أما أستاذ القانون الدولي ستيفن همفريز (كلية لندن للاقتصاد) فيذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن الأدلة كانت كافية حتى قبل قرار المحكمة لاعتبار الدول المصدّرة للسلاح شريكة محتملة في جرائم دولية تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، استناداً إلى مبدأ التواطؤ الوارد ضمنياً في المادة الثالثة من اتفاقية الإبادة الجماعية.

وقد تعزز هذا الأساس القانوني في سبتمبر 2025 حين خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، لأول مرة منذ إنشائها، إلى أن الكيان الإسرائيلي «ارتكب إبادة جماعية» ضد الفلسطينيين في غزة، وأكدت اللجنة في تقريرها أن الدول ملزمة باتخاذ خطوات لمنع أي سلوك قد يرقى إلى فعل إبادة جماعية، بما يشمل صراحة نقل الأسلحة التي تُستخدم أو يُرجَّح استخدامها في ارتكاب أفعال إبادة جماعية، وإن لم يكن هذا التقرير ملزماً قانوناً للدول الأعضاء، فإنه يحمل صفة مرجعية موثوقة تُنشئ، وفق كيمب، مسؤولية سياسية وأخلاقية واضحة على الدول التي تجاهلته.

وإلى جانب اتفاقية الإبادة الجماعية، تُلزم المادة السادسة من معاهدة تجارة الأسلحة (2013) الدول الأطراف بعدم الترخيص لأي عملية نقل أسلحة متى توفّر «خطر واضح» من استخدامها في ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني — وهو معيار قانوني مستقل عن اتفاقية الإبادة الجماعية يفتح مساراً موازياً للمساءلة. وتضاف إلى ذلك التزامات وطنية في عدد من الدول (كالمملكة المتحدة) تفرض عناية واجبة قبل الترخيص بالتصدير إلى دول متورطة أو يُحتمل تورطها في جرائم دولية.

الحجة المضادة والرد عليها

من الأمانة المنهجية عرض الحجة الرئيسية التي تستند إليها الحكومة الإسرائيلية والدول الحليفة لتبرير استمرار التصدير، قبل مناقشتها: فوفق هذا الطرح، تدابير محكمة العدل الدولية الاحترازية ليست حكماً نهائياً بوقوع إبادة جماعية بل تقرير بوجود «خطر محتمل» فقط ريثما يُبت في الدعوى الأصلية التي قد تستغرق سنوات، وأن للكيان الإسرائيلي حقاً مشروعاً بالدفاع عن النفس عقب هجوم 7 أكتوبر 2023، وأن جزءاً غير قليل من الواردات العسكرية ذو طبيعة دفاعية بحتة (كمنظومات الاعتراض الصاروخي) لا هجومية، وبالتالي لا يندرج ضمن أي حظر محتمل حتى في ظل تشدد قانوني.

غير أن معطيات هذه الورقة نفسها تُقيّد هذه الحجة من ثلاث زوايا:

أولاً، يوضح الخبراء القانونيون المستشهد بهم أعلاه (كيمب تحديداً) أن واجب المنع بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية يُفعَّل بتوفر العلم بخطر جسيم لا بانتظار حكم نهائي، وأن معيار «الخطر الواضح» في معاهدة تجارة الأسلحة يحمل المنطق القانوني ذاته — أي أن حجة «لا حكم نهائي بعد» لا تعفي الدول الموردة من الالتزام أصلاً بموجب النصين معاً. ثانياً، تُظهر بيانات التصنيف الجمركي أن الذخائر المتفجرة الهجومية الطابع (القنابل والقذائف والصواريخ) شكّلت 62% من إجمالي القيمة المستوردة، مقابل نسبة محدودة نسبياً صُنِّفت ضمن قطع الدبابات والمركبات المدرعة (7.24%) التي قد يُحتج بطابعها الدفاعي أو المختلط؛ أي أن الافتراض القائل بأن معظم الواردات دفاعية لا تسنده نسب الفئات الفعلية.

 ثالثاً، فإن تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة لعام 2025، وإن لم يكن ملزماً قانوناً، يمثل أقرب ما توفر حتى الآن من تقييم أممي مستقل لطبيعة الحرب، وقد خلص صراحة إلى تصنيفها إبادة جماعية — ما يُضعف عملياً حجة الانتظار إلى أجل غير محدد لحكم قضائي نهائي بوصفها ذريعة لتأجيل الالتزام بواجب المنع.

المحور الثالث: الفاعلان المركزيان ــــــــــــــ الولايات المتحدة والهند

تصدّرت الولايات المتحدة قائمة الموردين بنسبة 42% من إجمالي قيمة الشحنات، بما يعكس عمق الشراكة الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية واستمرار اعتماد العمليات العسكرية الإسرائيلية على تدفق الإمدادات الأمريكية، أما الصعود اللافت فكان للهند، التي جاءت في المرتبة الثانية بنسبة 26%، في تطور يعكس تحوّلاً في خريطة العلاقات الدفاعية الإسرائيلية نحو تنويع مصادر التوريد وتقليل الاعتماد الحصري على الموردين الغربيين.

ويمنح التحقيق الأصلي هذا الصعود الهندي عمقاً توثيقياً نادراً: فقد حصلت وحدة الاستقصاء على 91 وثيقة تصدير جمركية هندية خاصة بشحنات مرتبطة بالسلاح إلى الكيان خلال عام 2024، تحت الرمز الجمركي 93069000 (قنابل وقذائف).

وتُظهر الوثائق أن شركة “كالياني رافائيل للأنظمة الدفاعية المتقدمة” (KRAS) — وهي مشروع مشترك بين مجموعة كالياني الهندية وشركة رافائيل الإسرائيلية للأنظمة الدفاعية المتقدمة — صدّرت ما مجموعه 554,120 وحدة من مكوّنات التشظّي «HEAVY FRAG» إلى شركة رافائيل، وهي مكوّنات تُستخدم عادة في الذخائر المتفجرة المصمَّمة لتفريق الشظايا المعدنية عند الانفجار، كما صدّرت شركات هندية أخرى أجساماً لقذائف مدفعية عيار 155 ملم وحبيبات تفجير معزِّزة (booster pellets) ومكوّنات معدنية للذخيرة إلى شركات إسرائيلية أخرى منها IMI Systems وMCT Materials وReshef Technologies، وتوضح الورقة أن هذه الوثائق، كما يشير التحقيق الأصلي بأمانة منهجية، لا تُثبت بمفردها وصول هذه المكوّنات تحديداً إلى ساحة المعركة في غزة، لكنها تقدّم أدق صورة متاحة حتى الآن لبنية سلسلة التوريد الفعلية خلف الأرقام الإجمالية.

المحور الرابع: ازدواجية المعايير ــــــــــ من الخطاب إلى الممارسة

تكشف مقارنة التصريحات الرسمية لعدد من الدول ببيانات الجمارك الإسرائيلية عن فجوة منهجية بين الموقف السياسي المعلن والسلوك التصديري الفعلي.

 الجدول التالي يوثّق اثني عشر نموذجاً قطرياً، أحد عشر منها استناداً إلى بيانات تحقيق الجزيرة ونموذج إضافي (سلوفينيا) استناداً إلى تقرير منظمة العفو الدولية 2026 المستقل:

الدولةالموقف المعلنالواقع في بيانات الجمارك الإسرائيلية% بعد قرار المحكمة
الصينأعربت عن أملها في تنفيذ تدابير المحكمةشحنات بقيمة 19.6 مليون دولار83%
سنغافورةاعتبرت قرارات المحكمة ملزمة وأيدت قرارات الهدنةشحنات بقيمة 5.6 مليون دولار88%
سويسراأكدت احترامها الكامل للقانون الدوليشحنات بقيمة 2.5 مليون دولار98%
تركياأعلنت وقف كامل التبادل التجاري مع الكيان الإسرائيلي منذ مايو 2024استمرار دخول شحنات عبر مطار بن غوريون وميناء حيفا79%
البرازيللم توافق على أي طلبات تصدير دفاعي جديدة منذ فبراير 2023فئات معينة مستثناة من الموافقة المسبقة~80%
إسبانياأعلنت في يناير 2024 عدم بيع أي سلاح منذ بدء الحرب99 شحنة بقيمة 5.9 مليون دولار قبل تقنين الحظر قانونياً (أكتوبر 2025)
كنداأوقفت الموافقة على تصاريح تصدير جديدة (مارس 2024)19 من أصل 23 شحنة وصلت بعد قرار البرلمان83%
فرنسادعا الرئيس ماكرون لوقف تسليم السلاح (أكتوبر 2024)25 شحنة إضافية بقيمة 13.7 مليون دولار بعد الدعوة92%
ألمانياعلّق المستشار ميرتس التصدير في أغسطس 2025، ثم رفع التعليق في 24 نوفمبر 2025 بحجة استقرار الهدنة رغم استمرار القتل اليومي100 شحنة طوال الحرب (43.5 مليون دولار)؛ شحنة كبرى وصلت بعد إعلان التعليق بشهر واحد فقط
بريطانياعلّقت 29 ترخيص تصدير (سبتمبر 2024) وأبقت نحو 350 ساريةتراخيص “دمج” عبر دول ثالثة بمئات ملايين الجنيهات غير مدرجة في الأرقام الرسمية
سلوفينياأعلنت حظراً شاملاً لتجارة السلاح مع الكيان يشمل الترانزيت والاستيرادسجّلت منظمة العفو الدولية إشكاليات في التنفيذ الفعلي للحظر المعلن

تُفسَّر هذه الفجوة بآلية قانونية دقيقة أوضحها الخبير في ضوابط التصدير مارتن درو: تعليق ترخيص تصدير قرار سياسي وإداري وليس حظراً قانونياً؛ فإذا اقتصر إجراء الدولة على وقف إصدار تراخيص جديدة دون سحب التراخيص القائمة، تبقى الشحنات المرخَّصة سابقاً سارية المفعول وقابلة للتنفيذ. وتزداد هذه الفجوة اتساعاً في حالة ما يُعرف بـ«تراخيص الدمج» التي تتيح لشركات التصنيع الدفاعي شحن مكوّنات إلى دولة ثالثة لتُدمَج هناك في منظومات سلاح كاملة تُصدَّر لاحقاً إلى وجهتها النهائية؛ وقد وثّق التحقيق أن المملكة المتحدة منحت، بين يناير 2024 وسبتمبر 2025، تراخيص دمج لقطع طائرات مقاتلة ومحركات وأنظمة استهداف وملاحة بقيمة تراكمية تُقدَّر بمئات ملايين الجنيهات الإسترلينية، مع إدراج الكيان الإسرائيلي ضمن الوجهات النهائية المحتملة — وهي قيمة لا تظهر إطلاقاً في الأرقام الرسمية البريطانية المعلنة لصادرات السلاح إلى الكيان.

وفي المقابل، توثّق أستاذة العلاقات الدولية آنا ستافريانكيس (جامعة ساسكس) أن الضغط الشعبي والتقاضي الاستراتيجي كانا العامل الأكثر فاعلية في دفع بعض الحكومات لإعادة تقييم سياساتها التصديرية، مستشهدة بدعوى قضائية بريطانية رفعتها منظمة الحق ومنظمة الشبكة القانونية العالمية للعمل (GLAN) بدعم من منظمة العفو الدولية، وبرفض عمال الموانئ الإسبان مناولة سفن تحمل معدات عسكرية متجهة إلى الكيان الإسرائيلي، وبالتصويت البرلماني الكندي، وباتساع الاحتجاجات في فرنسا.

ويؤكد التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية، الصادر في 22 أبريل 2026، أن نمط التذبذب بين التقييد والتراجع استمر إلى ما بعد الإطار الزمني لتحقيق الجزيرة: ففي 24 نوفمبر 2025 رفعت ألمانيا تعليقها التصديري الذي كانت قد أعلنته في أغسطس من العام نفسه، بحجة أن الهدنة “استقرت”، رغم توثيق استمرار عمليات قتل يومية في غزة خلالها، وفي المقابل، سجّل التقرير ذاته تطورات معاكسة الاتجاه: تحوّل الحظر الإسباني من موقف سياسي معلن إلى نص قانوني ملزم، وإعلان سلوفينيا حظراً شاملاً يغطي حتى عمليات الترانزيت والاستيراد وإن سجّلت المنظمة إشكاليات في تنفيذه الفعلي، وتشكّل ما يُعرف بـ”مجموعة لاهاي” (بوليفيا وكولومبيا وكوبا وهندوراس وماليزيا وناميبيا والسنغال وجنوب أفريقيا) كتكتل دولي التزم بوقف كامل لتجارة السلاح مع الكيان الإسرائيلي ضمن إطار تنسيق قانوني ودبلوماسي جماعي — وهو نموذج مؤسسي جديد يستحق المتابعة الفلسطينية عن كثب باعتباره أقرب تجسيد فعلي حتى الآن لما تقترحه هذه الورقة في السيناريو الثاني.

المحور الخامس: تدفق السلاح وإطالة أمد الحرب ـــــــــــــ البعد الإنساني

شكّلت الذخائر المتفجرة — القنابل والقذائف والصواريخ والألغام وما شابهها — الفئة الأكبر ضمن الواردات العسكرية بنسبة 62% من القيمة الإجمالية (2 مليار شيكل)، بما يتجاوز أي فئة أخرى بفارق كبير، ويربط باحث منظمة العفو الدولية باتريك ويلكن هذه الفئة تحديداً بأنماط السلاح المصمَّمة للتأثير واسع النطاق في مناطق مكتظة بالسكان، وهو ما أسهم في التدمير الممنهج للبنية التحتية المدنية، وتشير بيانات مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية إلى أن 81% من إجمالي المنشآت في قطاع غزة كانت قد تضررت أو دُمّرت بحلول 11 أكتوبر 2025، فيما قدّر مكتب الإعلام الحكومي في غزة كمية المتفجرات التي أُسقطت على القطاع بأكثر من 200 ألف طن بحلول 5 أكتوبر 2025.

وتكشف بيانات التوريد نمطاً لافتاً يتعلق بفترات الهدنة: فخلال الهدنة المؤقتة الثانية (19 يناير – 18 مارس 2025) سُجّلت بعض أكبر الشحنات المفردة طوال الحرب، أبرزها شحنة بقيمة 605 ملايين شيكل (16.6 مليون دولار) من قطع الدبابات والمركبات المدرعة دخلت عبر ميناء حيفا في فبراير 2025 — وهي أكبر شحنة مفردة رصدها التحقيق بأكمله، ويرى خبراء تجارة السلاح أن هذا النمط يعكس استغلال فترات وقف إطلاق النار لإعادة التزوّد وتعويض المخزون المستهلك، بما يناقض الافتراض الشائع بأن الهدنة تعني بالضرورة تراجع النشاط العسكري اللوجستي.

وفي يوليو 2025، ومع تحذير تصنيف المرحلة المتكاملة للأمن الغذائي (IPC) من خطر مجاعة وشيك في غزة، وتزايد حوادث القتل عند نقاط توزيع المساعدات التي تديرها ما يسمى «مؤسسة غزة الإنسانية»، سجّلت واردات الذخيرة (الرصاص) أعلى مستوى شهري لها منذ بداية الحرب بقيمة تجاوزت 12.4 مليون دولار، معظمها من شحنة أمريكية واحدة، ووفق وزارة الصحة الفلسطينية، قُتل نحو 2600 فلسطيني أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات غذائية بين 27 مايو و9 أكتوبر 2025.

المحور السادس: تداعيات على النظام الدولي ومكانة القوى الكبرى

يرى أستاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان نيف غوردون (جامعة كوين ماري بلندن) أن استمرار عشرات الدول في تسليح الكيان الإسرائيلي رغم معرفتها بالمخاطر القانونية يمثل مساهمة مباشرة من هذه الدول نفسها — التي ساعدت تاريخياً في بناء النظام القانوني الدولي وتحتج به باستمرار — في تفكيك هذا النظام من الداخل، ويحمل هذا التشخيص دلالة خاصة بالنسبة للولايات المتحدة التي تصدّرت قائمة الموردين: فاستمرار الدعم العسكري الأمريكي بالتزامن مع تصاعد الأزمة الإنسانية يقوّض قدرة واشنطن على تقديم نفسها مستقبلاً كمرجعية عالمية لحقوق الإنسان وسيادة القانون، ويغذّي تصاعد الانتقادات لسياساتها في أوساط الرأي العام العربي والإسلامي والعالمي.

ويؤكد المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن ملف تدفق السلاح إلى الكيان الإسرائيلي، بما يحمله من توثيق قانوني وإحصائي دقيق، مرشّح لأن يتحول إلى أحد أهم الملفات المركزية في النقاشات الدولية حول مستقبل القانون الدولي الإنساني ومسؤولية الدول عن انتهاكاته خلال العقد المقبل، خاصة مع تنامي مسارات التقاضي الاستراتيجي في عدة دول أوروبية.

المحور السابع: السيناريوهات المستقبلية

السيناريو الأول: استمرار الوضع القائم

استمرار تدفق السلاح دون قيود فعلية، مع اكتفاء الدول بخطاب سياسي لا يقابله سحب فعلي للتراخيص القائمة.

 مؤشرات المراقبة: استمرار صدور تراخيص «الدمج» عبر دول ثالثة، وثبات حصة الولايات المتحدة والهند فوق 65% من الإجمالي.                 

   احتمالية التحقق: مرتفعة على المدى القريب (سنة إلى سنتين).

السيناريو الثاني: قيود جزئية انتقائية

توسّع بعض الدول الأوروبية (تحت ضغط قضائي وشعبي متصاعد على غرار السابقة البريطانية والإسبانية) في سحب تراخيص قائمة فعلياً لا الاكتفاء بوقف الجديد منها.

 مؤشرات المراقبة: عدد الدعاوى القضائية الناجحة ضد حكومات مصدّرة، وصدور تشريعات حظر ملزمة (على غرار الحظر الإسباني في أكتوبر 2025).                                            

 احتمالية التحقق: متوسطة خلال 2-3 سنوات.

السيناريو الثالث: تصاعد المساءلة القانونية الدولية

توسّع الدعاوى أمام محاكم وطنية ودولية ضد دول وشركات تصنيع بصفتها شريكة، استناداً إلى تقرير لجنة التحقيق الدولية لعام 2025 وسوابق قانونية أوروبية.

 مؤشرات المراقبة: عدد الدعاوى الجديدة المستندة صراحة إلى المادة السادسة من معاهدة تجارة الأسلحة.

   احتمالية التحقق: متوسطة، مرهونة باستمرار الدعم الحقوقي والإعلامي.

السيناريو الرابع: إصلاح بنيوي لمنظومة تجارة السلاح العالمية

مراجعة جماعية لقواعد التصدير العسكري عالمياً، تشمل إلزامية التحقق من الاستخدام النهائي وحظر تراخيص الدمج عبر دول ثالثة.

 مؤشرات المراقبة: مبادرات تعديل معاهدة تجارة الأسلحة أو انعقاد مؤتمر مراجعة دولي.

احتمالية التحقق: منخفضة في المدى المنظور نظراً لعمق المصالح الصناعية والاستراتيجية المرتبطة بالوضع القائم.

الخلاصة

تكشف بيانات 2603 شحنة عسكرية موزّعة على 51 دولة، وبقيمة تجاوزت 3.22 مليار شيكل، وبنسبة 91% منها وصلت بعد تحذير محكمة العدل الدولية من خطر محتمل للإبادة الجماعية، عن نمط عالمي منهجي وليس استثناءً معزولاً: فجوة متكررة بين الالتزام السياسي المعلن والفعل التصديري الملموس، تتيحها ثغرات قانونية وتقنية محددة (فرق التراخيص، تراخيص الدمج، غياب التحقق من الاستخدام النهائي) أكثر مما تُفسّرها عشوائية أو تقصير إداري، وقد أضاف تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة في سبتمبر 2025 غطاءً قانونياً إضافياً يُصعّب على الدول الموردة الاحتجاج بجهل مسبق بالمخاطر.

التوصيات

1. إنشاء قاعدة بيانات فلسطينية دورية تتبع شحنات السلاح بالاستناد إلى بيانات الجمارك الإسرائيلية المتاحة علنياً، بالشراكة مع مؤسسات إعلامية واستقصائية دولية.

2. توظيف الفجوة الموثقة بين الموقف السياسي وبيانات التصدير الفعلي (كما في النماذج القطرية الإحدى عشرة) في حملات مناصرة قانونية موجّهة لكل دولة على حدة، بدل الخطاب العام.

3. دعم مسارات التقاضي الاستراتيجي في الدول التي تتيح تشريعاتها الوطنية ذلك، بالاستناد إلى المادة السادسة من معاهدة تجارة الأسلحة وتقرير لجنة التحقيق الدولية 2025.

4. حشد الضغط لإغلاق ثغرة «تراخيص الدمج عبر دول ثالثة» التي تسمح لدول أعلنت تعليق التصدير بمواصلته فعلياً عبر سلاسل توريد غير مباشرة.

5. متابعة نمط «إعادة التسلح خلال الهدن» إحصائياً كمؤشر إنذار مبكر يمكن توظيفه دبلوماسياً قبل الدورات القتالية اللاحقة.

6. تطوير خطاب إعلامي فلسطيني يعتمد على الأرقام الموثقة والمصادر الأولية (الجمارك، منظمات حقوقية، خبراء بالاسم) لتعزيز مصداقية الملف أمام الرأي العام الدولي.

7. مواصلة التنسيق مع الجهود الدبلوماسية والقانونية الفلسطينية لتحويل هذا الملف إلى محور دائم في المطالبات الدولية المتعلقة بالمساءلة عن الحرب على غزة.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يوليو 2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات

بين إنهاء دور الأونروا وإعادة هندسة غزة: الأبعاد القانونية والسياسية لمشروع استبعاد الوكالة من «غزة الجديدة»

ورقة سياسات تحلل تصريح مجلس السلام بإنهاء دور الأونروا في غزة (تموز 2026) في ضوء فتوى محكمة العدل الدولية وقرار الجمعية العامة 80/116، مع سيناريوهات وتوصيات لصناع القرار.