صعود “يشار” وآيزنكوت: تحوّلات الخريطة الحزبية الإسرائيلية وفرص إعادة تشكيل المشهد السياسي قبيل انتخابات “الكنيست”

خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية-تقدير موقف

الملخص التنفيذي
يشهد المشهد الحزبي الإسرائيلي قبيل انتخابات الكنيست المرتقبة في الخريف تحوّلاً غير مسبوق، تجسّده موجة الصعود المتواصل لحزب “يشار” الذي يتزعمه رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، والذي باتت أحدث الاستطلاعات ترجّح تفوّقه على حزب الليكود أو تعادله معه للمرة الأولى منذ تأسيسه.
يرتكز هذا الصعود على ثلاثة عوامل متشابكة: فراغ سياسي خلّفه تراجع حزبي “المعسكر الدولة” و”يش عتيد”، وخلفية آيزنكوت الاجتماعية والعسكرية التي مكّنته من اختراق قواعد انتخابية يمينية ووسطية تقليدياً، وثقل الفقد الشخصي الذي أصابه في الحرب على غزة.
في المقابل، يكشف المشهد عن معضلة: لا يستطيع أيّ من المعسكرين، اليميني أو معسكر التغيير، تجاوز عتبة الحكومة (61 مقعداً) دون الاستناد إلى الأحزاب العربية، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، من حكومة أقلية مدعومة من الخارج إلى تجدّد الجمود البرلماني.
يضاف إلى ذلك توتر متصاعد بين نتنياهو وحلفائه التقليديين من أحزاب الحريديم على خلفية قانون التجنيد، وتحذيرات سياسية من احتمال لجوء نتنياهو إلى التصعيد الأمني كأداة للبقاء في السلطة، وهي تحذيرات ينبغي التعامل معها كموقف سياسي معارض له سياقه، لا كحقيقة مؤكدة.

مقدمة

أعلن قائد أركان جيش الاحتلال الأسبق غادي آيزنكوت في أيلول/سبتمبر 2025 عن إنهاء تحالفه مع حزب “المعسكر الدولة” الذي كان يتزعمه وزير الجيش الأسبق بيني غانتس، وشكّل حزباً جديداً يحمل اسم “يشار”!، وهي تسمية عبرية تحمل دلالة “الاستقامة” أو “المضيّ قدماً بثبات”، وجاء الانفصال بعد تراجع حاد في شعبية غانتس، وسط انتقادات وجّهها آيزنكوت له بضرورة تبنّي خط سياسي واضح ومستقل عن نتنياهو.

ولم تمضِ أشهر قليلة على تأسيس الحزب حتى بدأت شعبيته بالتصاعد بشكل لافت، متجاوزاً في أحدث الاستطلاعات تحالف “بياحد” “معاً” الذي يقوده رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت، وبات  حزب آيزنكوت يتصدّر أو يتعادل مع الليكود ذاته في عدد من استطلاعات تموز/يوليو 2026، في ظل “مغازلة” متبادلة بينه وبين قيادات حزبية حريدية غاضبة من نتنياهو.

يستعرض هذا التقدير التحوّلات المتسارعة في الخريطة الحزبية الإسرائيلية قبيل الانتخابات، ويحلّل الأسس الاجتماعية والسياسية لصعود آيزنكوت، ويقيّم مسارات إعادة التموضع الممكنة للأحزاب الحريدية والعربية، قبل أن يخلص إلى قراءة نقدية لتحذيرات التصعيد الأمني المرتبطة بالمشهد الانتخابي.

أولاً: من قيادة الأركان إلى زعامة المعارضة: الجذور الاجتماعية لصعود آيزنكوت

وُلد غادي آيزنكوت عام 1960 في طبريا لأبوين هاجرا إلى الكيان من المغرب، وهو ما يمنحه انتماءً إلى الطائفة المزراحية (الشرقية) التي شكّلت تاريخياً قاعدة انتخابية صلبة لليكود ولأحزاب “شاس” الحريدية، وتدرّج آيزنكوت في مناصب عسكرية رفيعة، من قيادة لواء “غولاني” إلى قيادة المنطقة الشمالية، وصولاً إلى تولّيه رئاسة الأركان بين عامي 2015 و2019.

بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، انضمّ آيزنكوت إلى حكومة الحرب بصفته عضواً مراقباً إلى جانب بيني غانتس، قبل أن يستقيل من الحكومة في حزيران/يونيو 2024، وفي كانون الأول/ديسمبر 2023، فقد آيزنكوت ابنه الأصغر، الرقيب أول (احتياط) غال مئير آيزنكوت (25 عاماً)، الذي قُتل في معارك جباليا شمال قطاع غزة أثناء عملية لجيش الاحتلال، تلاها بيوم واحد مقتل ابن أخته سرغال مئور كوهين آيزنكوت في خان يونس، ثم مقتل قريب آخر من عائلة زوجته، الرائد يوغف بازي، في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

هذا التراكم من الفقد الشخصي، إلى جانب الخلفية العسكرية الرفيعة والانتماء المزراحي، أكسب آيزنكوت – بحسب تحليلات سياسية إسرائيلية متعددة – قدرة على اختراق قواعد انتخابية متعددة لا تقتصر على يمين الوسط العلماني، بل تمتد إلى شرائح مزراحية ومحافظة كانت تُعدّ حكراً على الليكود، وهو ما يفسّر جزئياً اتساع الفجوة بينه وبين نتنياهو في استطلاعات “الأنسب لرئاسة الحكومة”.

ثانياً: الخريطة الحزبية الجديدة في ميزان الاستطلاعات

شهدت الخريطة الحزبية الإسرائيلية تحوّلات متسارعة مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست المرتقبة في الخريف. فعلى صعيد اليمين، تراجع حزب “المعسكر الدولة” بقيادة بيني غانتس إلى حدّ اقترابه من عدم اجتياز نسبة الحسم في عدد من الاستطلاعات، عقب فشل محاولاته المتكرّرة لتقديم بديل انتخابي مقنع، وإخفاق مساعي تحالفه المحتمل مع النائبين حيلي طروبر ويوآز هندل، والتي لم تتجاوز في أفضل تقدير 6 مقاعد.

في المقابل، يواصل حزب “يشار” بقيادة آيزنكوت تسجيل قفزات متتالية: فبعدما كان يحصل على 21-22 مقعداً في استطلاعات أواخر حزيران/يونيو ومطلع تموز/يوليو 2026 (استطلاع “إسرائيل هيوم” بتاريخ 26/6، واستطلاع “i24NEWS “بتاريخ (9/7)، سجّل الحزب تقدّماً حاسماً في استطلاعي “كان” والقناة 12 في الأسبوع الأول من تموز/يوليو، إذ تعادل مع الليكود عند 23 مقعداً لكل منهما، أما استطلاع القناة 13 (معهد “همداد” بإشراف شموئيل روزنر ونوح سلوفكوب) بتاريخ 8/7/2026 واستطلاع “معاريف” بتاريخ 10/7/2026، فقد ذهبا إلى أبعد من ذلك بتسجيلهما تفوّقاً لحزب “يشار” على الليكود للمرة الأولى، بواقع 23 مقابل 21 مقعداً في الأول، و22 مقابل 21 مقعداً في الثاني.

الاستطلاع والمؤسسةالتاريخيشار (آيزنكوت)الليكودالمعسكر المقابل لنتنياهومعسكر نتنياهو
كان (القناة العامة)5-6/7/2026232358 (+11 عربية)51-52
القناة 13 / معهد “همداد” 8/7/202623216951
معاريف10/7/202622216049
القناة 12 6/7/202623236951
إسرائيل هيوم 26/6/20262124
i24NEWS 9/7/202621296159

الجدول من إعداد المركز استناداً إلى استطلاعات الرأي الإسرائيلية المنشورة بين 26 حزيران/يونيو و10 تموز/يوليو 2026؛ الأرقام تقريبية وتعكس هامش الخطأ الإحصائي المعتاد في استطلاعات الكنيست (عادة ±3 مقاعد)، وتتفاوت بحسب المنهجية المتبعة في كل مؤسسة وتضمينها أو استبعادها لسيناريوهات اندماج حزبي محدّدة.

وفي سيناريو اندماج مفترض بين “يشار” وحزب “بيحاد” “معا” بقيادة بينيت تحت زعامة آيزنكوت – وهو سيناريو اختبرته عدة استطلاعات دون أن يُعلَن رسمياً – تقفز القائمة المشتركة إلى نحو 39 مقعداً، ما يجعلها الكتلة الأكبر بفارق واسع عن الليكود، ويدفع معسكر نتنياهو إلى ما بين 46 و49 مقعداً فقط بحسب استطلاع “معاريف”.

على صعيد المواجهة الشخصية على منصب رئاسة الحكومة، تُظهر الاستطلاعات اتساعاً مطّرداً في الفجوة لصالح آيزنكوت: من تعادل شبه تام (38% مقابل 37%) في استطلاعات أواخر حزيران/يونيو، إلى فجوة بلغت 8 نقاط مئوية (48% مقابل 40%) في استطلاع “معاريف” في 10 تموز/يوليو، في وقت يتقلّص فيه الفارق بين نتنياهو وبينيت إلى نقطتين مئويتين فقط، ما يعكس تحوّل آيزنكوت تدريجياً من منافس داخل معسكر التغيير إلى المنافس الرئيس لنتنياهو شخصياً.

أما بقية الخريطة الحزبية، فتشير غالبية الاستطلاعات إلى استقرار نسبي لحزبَي “شاس” و”يهدوت هتوراة” الحريديين عند 8-9 مقاعد لكل منهما، وتذبذب حزب “الصهيونية الدينية” بقيادة بتسلئيل سموتريتش قرب نسبة الحسم أو دونها في عدد من السيناريوهات (بين 2.9% و5 مقاعد)، مقابل تحسّن نسبي لحزب “عوتسما يهوديت” بقيادة إيتمار بن غفير إلى 8-10 مقاعد، وعلى يسار الخريطة، يحافظ حزب “الديمقراطيين” بقيادة يائير غولان على نحو 9-10 مقاعد، فيما تتراوح مقاعد الأحزاب العربية (حداش-تعال ورعام) مجتمعة بين 10 و11 مقعداً.

أما توزيع الكتل، فيُظهر اتساقاً لافتاً عبر مختلف الاستطلاعات حول معضلة واحدة: عجز أي من المعسكرين عن بلوغ الأغلبية البرلمانية (61 مقعداً) دون الاستناد إلى الأحزاب العربية؛ إذ يمنح معظم الاستطلاعات معسكر التغيير (المعارضة الصهيونية) نحو 51-60 مقعداً، ومعسكر نتنياهو نحو 46-52 مقعداً، بينما تبقى الأحزاب العربية بمقاعدها العشرة أو الأحد عشر بيضة القبان التي لا يمكن لأي حكومة مقبلة تجاوزها فعلياً.

للمقارنة مع انتخابات الكنيست الأخيرة عام 2022، حيث حصل الليكود على 32 مقعداً وحصل معسكر نتنياهو الحاكم على 64 مقعداً، تشير أحدث الاستطلاعات إلى تراجع محتمل للحزب بما يتراوح بين 8 و11 مقعداً، وتراجع للمعسكر بأكمله بما يتراوح بين 12 و18 مقعداً بحسب الاستطلاع المعتمد، ما يجعله الخاسر الأكبر من تداعيات الحرب على المستوى الانتخابي حتى الآن.

ثالثاً: تصدّع تحالف الحريديم مع نتنياهو حول قانون التجنيد

شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيداً لافتاً في لهجة الزعيم الروحي لحزب “شاس” والحاخام الأكبر السفاردي الأسبق إسحق يوسف تجاه نتنياهو، إذ نقلت إذاعة جيش الاحتلال، عبر الصحفي مردخاي هلبرين، في 12 تموز/يوليو 2026 عن يوسف قوله في لقاء مغلق إن نتنياهو “رجل كاذب لا يمكن الوثوق به”، متّهماً إياه بخداع أحزاب الحريديم بشأن قانون التجنيد الذي كان يفترض أن يضمن تجنيداً محدوداً لطلاب المدارس الدينية مقابل إعفاءات واسعة.

ولفت يوسف، في السياق ذاته، إلى إمكانية أن يدعم حزب “شاس” ترشّح آيزنكوت لرئاسة الحكومة، واصفاً إياه بأنه “رجل طيّب ويهودي دافئ يحب طلاب التوراة”، مشيراً إلى أن جدّته كانت من مصوّتي “شاس” وتمنّت أن يصبح حاخاماً. وأعرب عن أمله في أن ينضمّ حزب “يهدوت هتوراة” إلى هذا التوجّه.

في المقابل، ردّ آيزنكوت بأنه “لن يقدّم أي تنازلات بشأن قانون التجنيد للجميع، حتى لو كان الثمن الذهاب إلى انتخابات إضافية”، مشترطاً لأي شراكة مستقبلية قبول ثلاثة مبادئ: الطابع اليهودي الديمقراطي الليبرالي للدولة، والالتزام بقيم وثيقة الاستقلال، وإلزامية التجنيد للجميع.

هذا التوتر ليس معزولاً، بل يأتي في سياق هجوم متكرّر شنّه آيزنكوت خلال الأسابيع الماضية على مشروع “قانون الإعفاء من التجنيد” الذي تقدّمه الحكومة، إذ وصفه في مهرجان جماهيري بديمونا بأنه “استمرار غير مقبول لحالة التفلّت من الخدمة”، مؤكداً أن “من فشل في السابع من أكتوبر لا يحقّ له إلقاء دروس أخلاقية”، في إشارة مباشرة إلى نتنياهو الذي عيّنه رئيساً للأركان عام 2015.

مغزى هذا التصدّع يتجاوز الخلاف على بند تشريعي بعينه؛ فحزبا “شاس” و”يهدوت هتوراة” يشكّلان الحلفاء التاريخيين الأكثر ثباتاً لغالبية حكومات نتنياهو منذ التسعينيات، وأي انزياح جدّي لهما نحو معسكر آيزنكوت من شأنه أن يقلب موازين تشكيل الحكومة المقبلة بصورة جذرية، وإن كان من المبكر تقييم ما إذا كانت تصريحات يوسف تمثّل تحوّلاً استراتيجياً في موقف “شاس” أم مجرد أداة ضغط تفاوضي على نتنياهو في مفاوضات قانون التجنيد الجارية.

رابعاً: خيار الاستناد إلى الأحزاب العربية بين التلميح والتنصّل

لم ينفِ آيزنكوت، خلافاً لخطاب سياسي إسرائيلي سائد يتجنّب الحديث علناً عن هذا الخيار، إمكانية تشكيل حكومة أقلية تستند إلى دعم خارجي من الأحزاب العربية لبلوغ عتبة الـ61 مقعداً أو حتى 63 مقعداً التي يعتبرها ضرورية لحكومة “صهيونية مملكتية” مستقرة، ففي مقابلة تلفزيونية على القناة 12 أشار آيزنكوت إلى هذا الخيار دون الإفصاح الكامل عنه، وهو ما أثار عاصفة سياسية فورية: هاجمه الليكود بوصف الأمر “تحالفاً خطيراً مع الإخوان المسلمين”، بينما حذّر شريكه السابق بيني غانتس من “تكرار سيناريو رأيناه من قبل”، في إشارة إلى تجربة حكومة بينيت-لبيد التي ضمّت حزب “رعام” بزعامة منصور عباس بين عامي 2021 و2022.

يُذكَّر في هذا السياق أن منصور عباس ورعام سبق أن شكّلا، في حزيران/يونيو 2021، سابقة هي الأولى من نوعها بانضمام حزب عربي إلى ائتلاف حكومي إسرائيلي رسمي، لا كداعم خارجي بل كشريك كامل الصلاحيات صوّت لصالح موازنة الدولة بما فيها موازنة الجيش، في وقت عارضها الليكود من موقعه في المعارضة، كما كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية لاحقة أن نتنياهو نفسه سعى في مناسبات سابقة، عبر مقرّبين منه، إلى استمالة عباس لتشكيل حكومة أو الحصول على دعمه الخارجي، وهو ما يقوّض الرواية التي تصوّر خيار الاعتماد على الأحزاب العربية كمعضلة أخلاقية حصرية بمعسكر آيزنكوت.

بالمقابل، لا يحظى هذا الخيار بإجماع داخل التحالف الذي يسعى آيزنكوت لبنائه؛ إذ يرفضه بوضوح زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان، معتبراً أي اعتماد على الأحزاب العربية “ارتهاناً لأجندة غير صهيونية”، بينما يبدي يائير غولان (“الديمقراطيون”) استعداداً أكبر لشراكة كاملة معها، وهذا الانقسام الداخلي يجعل من مسار “حكومة الأقلية المدعومة خارجياً” خياراً واقعياً من الناحية الحسابية، لكنه مثقل سياسياً وقابل للتفجّر داخل معسكر التغيير نفسه قبل الوصول إليه أصلاً.

خامساً: مخاطر التصعيد الأمني قبيل الانتخابات: قراءة نقدية لتحذير إيهود براك

في ظل تراجع أسهم اليمين في الاستطلاعات، وانتهاء الجولة الأخيرة من المواجهة مع إيران دون حسم استراتيجي واضح، حذّر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود براك، في مقابلة مع “هبوكر هزيه” على إذاعة “كان” (الشبكة الثانية)، من أن نتنياهو قد يلجأ إلى تصعيد أمني متعمّد لتأجيل الانتخابات إذا تيقّن من خسارته فيها.

ورسم براك سيناريو محدداً: تنفيذ ضربة “مفاجئة” في بلدة النبطية جنوب لبنان تستدرج ردّ فعل من حزب الله، تليها ضربة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية في بيروت، بما قد يفضي إلى استئناف المواجهة مع إيران وتعليق العملية الانتخابية بذريعة حالة الطوارئ.

وذهب براك إلى حدّ التحذير من أن نتنياهو قد يعلن، قبل 4-5 أيام من موعد الاقتراع، تعذّر إجراء الانتخابات بسبب “أحداث أمنية طارئة”، كما لوّح باحتمال وقوع أعمال شغب في مراكز فرز الأصوات.

من المهم منهجياً التعامل مع هذه التحذيرات كموقف سياسي صادر عن شخصية معارضة معلنة لنتنياهو، لا كتوقّع استخباراتي أو تحليل محايد؛ فبراك نفسه صرّح بأنه “إذا حاول نتنياهو التخريب في الانتخابات، فلن يكون هناك مفرّ من طرده بالعصي والحجارة”، وهي لغة سياسية حادة أثارت ردود فعل غاضبة من الائتلاف الحاكم، ودفعت وزير الاتصالات شلومو كرعي إلى المطالبة بفتح تحقيق جنائي بحق براك، وكما ينبغي التذكير بأن براك أدلى بتصريحات مشابهة حول نوايا نتنياهو الأمنية في مناسبات سابقة متعددة على مدى العقد الماضي، ما يجعل من الضروري التمييز بين نمط خطابي متكرّر لدى براك وبين مؤشر فعلي على نيّة تصعيدية لدى الحكومة.

مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن هذا التحذير يتقاطع مع معطيين موضوعيين مستقلّين عن موقف براك: الأول، أن استطلاعات الرأي الإسرائيلية ذاتها تُظهر أن نحو 70% من اليهود في “إسرائيل”، بحسب استطلاع المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي، يؤيدون تصعيد المواجهة مع لبنان، ما يمنح أي قرار تصعيدي غطاءً شعبياً جاهزاً، والثاني، أن تقارير استخباراتية أمريكية – نقلتها صحيفة “واشنطن بوست” في وقت سابق – حذّرت إدارة ترامب من أن نتنياهو قد يتّخذ خطوات تُفشل جهود واشنطن للتوصل إلى تسوية طويلة الأمد مع إيران، تحت وطأة الضغط السياسي الداخلي المرتبط بالانتخابات ومحاكمته الجارية.

سادساً: خاتمة-قراءة تحليلية وسيناريوهات ما بعد الانتخابات

يكشف المسار المتسارع لصعود آيزنكوت عن ظاهرة أعمق من مجرد نجاح انتخابي فردي؛ فهو يعكس عملية “اصطفاء سياسي طبيعي” داخل معسكر مزدحم بالطامحين (غانتس، طروبر-هندل، أدلشتين-أردان-شاكيد)، حسمتها حتى الآن مزايا تراكمية يتمتّع بها آيزنكوت دون غيره: الثقل العسكري، والانتماء المزراحي القادر على اختراق قاعدة الليكود التقليدية، ورمزية الفقد الشخصي في الحرب، إلى جانب خطاب يتموضع كبديل “مملكتي” وسطي لا كخصم أيديولوجي حاد لليمين.

غير أن هذا الصعود لا يترجَم تلقائياً إلى قدرة على الحكم؛ فالمعضلة التي تكشفها كل الاستطلاعات دون استثناء – عجز أي معسكر عن بلوغ 61 مقعداً دون الأحزاب العربية – تجعل السيناريوهات الثلاثة التالية هي الأكثر ترجيحاً بعد الانتخابات:

السيناريو الأول: حكومة وحدة واسعة تُفرض بضغط “الكتلة الثالثة” (تيار مركزي يرفض الانحياز الكامل لأي من المعسكرين)، وهو ما ألمح إليه غانتس بحديثه عن “معسكر عام إسرائيل”، وما تُظهره استطلاعات اختبار شعبية قادة يمينيين جدد كإيلي وينتر أو يولي أدلشتين.

السيناريو الثاني: حكومة أقلية بقيادة آيزنكوت أو بينيت مدعومة خارجياً من “رعام” و”حداش-تعال”، على غرار نموذج 2021، لكن بمستوى تدقيق سياسي وأمني أعلى بكثير في ظل استمرار الحرب وتداعياتها، وهو خيار حسابي ممكن لكنه مثقل بانقسامات داخل معسكر آيزنكوت نفسه (ليبرمان في مقابل غولان).

السيناريو الثالث: استمرار الجمود البرلماني وتكرار سيناريو جولات انتخابية متتالية شهده الكيان بين عامي 2019 و2022، خصوصاً إذا فشلت المفاوضات حول قانون التجنيد في إحداث اختراق حاسم في تحالفات الحريديم.

وفي الخلفية، يبقى مسار قانون التجنيد هو المتغيّر الأكثر حسماً لمصير التحالفات القادمة: فإذا نجح نتنياهو في تمرير نسخة تُرضي “شاس” و”يهدوت هتوراة”، فسيستعيد جزءاً من تماسك معسكره؛ أما إذا استمر التصدّع الحالي، فقد يشكّل انضمام الحريديم أو جزء منهم إلى معسكر آيزنكوت النقطة الفاصلة التي تُنهي عقداً ونصف من هيمنة نتنياهو على المشهد السياسي الإسرائيلي.

أما احتمالات التصعيد الأمني كأداة لتأجيل الاستحقاق الانتخابي، فتبقى في حدود التحذير السياسي المعارض أكثر منها تحليلاً موثّقاً، وإن كانت مؤشرات الرأي العام المؤيدة لتصعيد الجبهة الشمالية، إلى جانب سوابق نتنياهو في إدارة الأزمات الأمنية بالتزامن مع استحقاقات سياسية داخلية، تجعلها احتمالاً لا يمكن استبعاده بالكامل من المتابعة التحليلية الفلسطينية لمجريات المشهد الإسرائيلي في الأشهر المقبلة.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يوليو 2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات

بين إنهاء دور الأونروا وإعادة هندسة غزة: الأبعاد القانونية والسياسية لمشروع استبعاد الوكالة من «غزة الجديدة»

ورقة سياسات تحلل تصريح مجلس السلام بإنهاء دور الأونروا في غزة (تموز 2026) في ضوء فتوى محكمة العدل الدولية وقرار الجمعية العامة 80/116، مع سيناريوهات وتوصيات لصناع القرار.