العقد السياسي الغائب: قراءة في إشكالية التمثيل الفلسطيني ومسار انتخابات 2026

دراسة حالة: النظام الانتخابي الجديد للمجلس الوطني الفلسطيني والمجلس التشريعي

أ. إبراهيم الحواجري

خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية-سياسات تحليلية

الملخص التنفيذي
تخلص هذه الورقة إلى أن أزمة التمثيل السياسي الفلسطيني ليست أزمة إجراء انتخابي بل أزمة غياب “عقد سياسي وطني” ينظم شكل النظام وحدود السلطة بعد الاقتراع، فرغم أن استحقاق 2026 يستند لأول مرة منذ عقدين إلى إطار قانوني ومؤسسي مكتمل نسبياً (مرسوم 2 شباط 2026، ونظام انتخابي للمجلس الوطني معتمد في 4 حزيران 2026 يقوم على 350 عضواً)، فإن غياب توافق فتح-حماس، واستبعاد حماس الفعلي من الانتخابات المحلية عبر شرط الالتزام ببرنامج منظمة التحرير، وتحفظ حماس العلني في حزيران 2026 على “هندسة” العملية، ينذر بإعادة إنتاج سيناريو 2006 لا بتجاوزه.
توصي الورقة بحوار وطني ملزم قبل موعد الاقتراع في تشرين الثاني 2026، وبمراجعة آلية “التوافق حيثما يتعذر الاقتراع” في تمثيل الشتات لضمان مصداقيتها.

مقدمة

يقدّم المركز الفلسطيني للدراسات السياسية هذه الورقة في سياق دقيق: فبعد عشرين عاماً من التعطل، دخل الملف الانتخابي الفلسطيني منذ مطلع 2026 مرحلة تنفيذية غير مسبوقة، ففي 2 شباط/فبراير 2026 أصدر الرئيس محمود عباس مرسوماً يدعو لانتخاب المجلس الوطني الفلسطيني في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، تلته انتخابات محلية في 25 نيسان/أبريل، ثم المؤتمر الثامن لحركة فتح في 14 أيار/مايو، وصولاً إلى مصادقة الرئيس في 4 حزيران/يونيو على النظام الانتخابي التفصيلي للمجلس الوطني، وهذا التسلسل يمنح الاستحقاق زخماً إجرائياً حقيقياً يميّزه عن دعوات سابقة بقيت حبراً على ورق (كمرسوم كانون الثاني 2021).

غير أن الورقة تنطلق من فرضية مغايرة لخطاب “استكمال المسار الديمقراطي” الرسمي: أن اكتمال الإطار الإجرائي لا يحل أزمة الشرعية، بل قد يعيد إنتاجها في صيغة أكثر تعقيداً، ما لم يُبنَ الاستحقاق على “عقد سياسي وطني” يحسم مسبقاً موقع حركة حماس، وطبيعة العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير، وآليات تمثيل الشتات.

أهداف الدراسة

  • تحليل الفجوة بين اكتمال البنية القانونية لاستحقاق 2026 واستمرار غياب التوافق السياسي.
  •  تفكيك النظام الانتخابي الجديد للمجلس التشريعي والمجلس الوطني وقراءة آثاره على موازين القوى.
  • تتبع مواقف الفاعلين الفعليين (فتح، حماس، القوى الثالثة) من الاستحقاق بالوقائع لا بالافتراض.
  • قراءة مؤشرات الرأي العام (PCPSR) كمعيار لاختبار مدى تطابق العملية مع تطلعات الجمهور.
  • تقييم آلية تمثيل الشتات في ضوء تجارب مقارنة لتصويت المغتربين.
  • بناء سيناريوهات مستقبلية مرجّحة بمعايير صريحة، وصياغة توصيات قابلة للتنفيذ.

إشكالية الدراسة والإطار المفاهيمي

يكمن السؤال المركزي في: هل يشكل الإطار القانوني والمؤسسي المكتمل لانتخابات 2026 -بما يتضمنه من نظام انتخابي مفصل للمجلس الوطني وآليات لتمثيل الشتات- تعويضاً كافياً عن غياب اتفاق سياسي مسبق بين فتح وحماس، أم أن هذا الإطار، مهما بلغت دقته الفنية، سيصطدم بجدار الأزمة نفسها التي أطاحت بتجربتي 2006 و2021؟

مفهوم “العقد السياسي الوطني” كأداة تحليل

تستعير الورقة من أدبيات الانتقال الديمقراطي  التمييز بين “الانتخابات التأسيسية” التي تسبقها تسوية بين الفاعلين حول قواعد اللعبة، وبين “الانتخابات المفروضة” التي تُجرى دون تسوية فتصبح أداة لإعادة توزيع النفوذ لا لحسم الشرعية، كما تستند إلى مفهوم “الشرعية التعاقدية” الذي يميز بين الشرعية الإجرائية (سلامة الصندوق) والشرعية التوافقية (قبول الأطراف بنتائج ما بعد الصندوق)؛ وتشير تجربتا 2006 و2021 إلى أن الأزمة الفلسطينية تقع تحديداً في الفجوة بين النوعين، والعقد السياسي الوطني، بهذا المعنى، هو الاتفاق المسبق على: من يحكم إن فاز الخصم، وكيف تُدار الأجهزة الأمنية والمؤسسات الدولية بعد النتائج، وما مكانة السلاح والمقاومة داخل النظام الجديد.

لماذا غاب العقد السياسي الوطني؟ تفكيك سبعة عوامل متشابكة

لا يكفي القول إن “العقد السياسي الوطني غائب” ما لم تُفكَّك أسباب غيابه؛ فالغياب ليس صدفة تاريخية ولا مجرد تعنّت بين فصيلين، بل نتاج تراكم سبعة عوامل متداخلة، لكل منها وزن سببي مختلف ولا يمكن اختزالها في عامل واحد.

1. الاحتلال: عامل مساهم لا عامل حاسم

يُستخدم الاحتلال تفسيراً جاهزاً لكل تعطّل انتخابي، وله سند واقعي جزئي: فقد استُخدم بالفعل ذريعة مباشرة لتأجيل انتخابات 2021 عبر منع التصويت في القدس، إلا أن الاعتماد الحصري على هذا التفسير يخفي أكثر مما يكشف؛ فالاحتلال لم يكن طرفاً في قرار تجميد المجلس التشريعي بعد 2007، ولا في اشتراط الالتزام ببرنامج منظمة التحرير كشرط للمشاركة في انتخابات 2026 المحلية، وهما قراران فلسطينيان داخليان بامتياز، والاحتلال إذن عامل مساهم يوفر غطاءً ومبرراً جاهزاً، ويضيف عائقاً تشغيلياً حقيقياً (كما في القدس وغزة)، لكنه ليس السبب الجذري لغياب التوافق على قواعد إدارة السلطة بعد الاقتراع؛ فتلك مسألة فلسطينية-فلسطينية بحتة.

2. أوسلو: من إطار تفاوضي إلى شرط إقصاء داخلي

تحوّلت اتفاقية أوسلو من كونها -كما صُممت أصلاً- إطاراً تفاوضياً مؤقتاً مع الكيان الإسرائيلي، إلى أداة تصنيف سياسي داخلي تحدد من هو “شرعي” ومن هو “خارج الإجماع”، فاشتراط الاعتراف ببرنامج منظمة التحرير والاتفاقيات الدولية الموقعة (وأوسلو أبرزها) كمعيار للمشاركة في الانتخابات المحلية 2026 لم يكن معياراً تقنياً بل حسماً سياسياً مسبقاً لهوية الفائز المحتمل، إذ يستبعد تلقائياً حماس والجهاد الإسلامي وأجزاء من الجبهة الشعبية دون الحاجة لمواجهتها في صندوق الاقتراع، وبهذا المعنى، فإن أوسلو لم يعد عائقاً خارجياً مفروضاً من الكيان الإسرائيلي بقدر ما أصبح أداة داخلية لإعادة إنتاج احتكار التمثيل، وهو ما يفسر لماذا وصفت حماس العملية بـ”الهندسة” لا بالتعطيل.

3. طبيعة منظمة التحرير: الجامع الذي احتكرته السلطة

صُممت منظمة التحرير أصلاً كإطار جامع لكل الفلسطينيين أينما وجدوا، شاملاً الشتات، سابقاً على قيام السلطة الفلسطينية ومستقلاً عنها نظرياً، لكن العقدين الأخيرين شهدا انعكاساً في العلاقة: بدل أن تكون المنظمة مرجعية تحكم السلطة وتحد من صلاحياتها، أصبحت اللجنة التنفيذية للمنظمة أداة تُستخدم لتمرير قرارات السلطة وتغليفها بشرعية “وطنية جامعة” -كما حدث مع اعتماد النظام الانتخابي للمجلس الوطني في حزيران 2026 عبر قرار من اللجنة التنفيذية دون مشاركة حماس والجهاد فيها أصلاً، رغم أن هذين الفصيلين يمثلان وزناً شعبياً موثقاً (32% نية تصويت لحماس في استطلاعات PCPSR)، حين تُصاغ قواعد “الجامع الوطني” من داخل جسم تحتكره فصائل منظمة التحرير التقليدية دون تمثيل حقيقي للفصائل خارجها، يتحول العقد الوطني المفترض إلى قرار أحادي بغطاء جماعي شكلي.

4. بنية السلطة الفلسطينية: مصلحة مؤسسية في تأجيل الحسم

السلطة الفلسطينية، كجهاز إداري وأمني ووظيفي ضخم نشأ بعد أوسلو، تراكمت لديها مصالح مؤسسية (رواتب، تنسيق أمني، شرعية دولية، تمويل) لا تتناسب بالضرورة مع مخاطرة انتخابية حقيقية قد تُفضي إلى نتيجة تُغيّر موازين القوى داخلها جذرياً كما حدث عام 2006، وهذا يفسّر نمط “الدعوة إلى الانتخابات دون الالتزام الكامل بمخرجاتها المحتملة” الذي لاحظه الجمهور نفسه؛ إذ اعتقد 60% من الفلسطينيين أن السلطة لا تنوي فعلياً إجراء الانتخابات رغم كل الخطوات الإجرائية المعلنة، والتناقض هنا ليس بين خطاب السلطة وسلوكها فحسب، بل بنيوي: فالجهاز نفسه الذي يُفترض أن يُدير عملية تُخاطر بوجوده هو من يملك مفاتيح تصميم قواعدها.

5. ازدواجية الشرعية: بين شرعية الانتخاب وشرعية الأمر الواقع

منذ 2007، تتعايش في الساحة الفلسطينية شرعيتان متوازيتان لا تعترف كل منهما تماماً بالأخرى: شرعية مؤسسية-قانونية تستمدها السلطة في رام الله من نصوص القانون الأساسي وتواصل الاعتراف الدولي رغم انتهاء الولاية الدستورية للرئاسة والمجلس التشريعي منذ 2010، وشرعية أمر واقع بناها حكم حماس الفعلي في غزة طوال أكثر من 19 عاماً واستمدت جزءاً من رصيدها الشعبي من موقعها في “المقاومة”،أي عقد سياسي وطني حقيقي يفترض أن يحسم كيف تندمج هاتان الشرعيتان في نظام واحد، لا أن تُلغي إحداهما الأخرى عبر صندوق اقتراع مصمم مسبقاً؛ وهذا بالضبط ما تفتقده الهندسة الحالية لاستحقاق 2026.

6. التمويل الدولي: شرط مسبق يحد من هامش المناورة

يرتبط استمرار تدفق الدعم المالي الدولي والعربي للسلطة الفلسطينية بشروط سياسية ضمنية وصريحة تتعلق بالاعتراف بالكيان الإسرائيلي ونبذ “الإرهاب” والالتزام بالاتفاقيات الموقعة -وهي الشروط ذاتها التي تكرّس عملياً استبعاد حماس عن أي شراكة رسمية في الحكم، بصرف النظر عن نتائج صندوق الاقتراع. تجربة 2006 نفسها تؤكد هذا العامل بجلاء: فالمقاطعة المالية الدولية للحكومة المنتخبة كانت من أهم عوامل انهيار التجربة، ما يجعل أي حكومة فلسطينية مقبلة تضم حماس رهينة لحسابات تمويل خارجة عن الإرادة الوطنية بالكامل، وهو قيد بنيوي يجعل التوافق الداخلي وحده غير كافٍ لضمان استقرار أي نتيجة انتخابية.

7. الفاعلون الإقليميون: وسطاء بمصالح متعارضة لا حياديون

مربع نص: الخلاصة التحليلية: لا يوجد سبب واحد لغياب العقد السياسي الوطني، بل بنية متعددة الطبقات تتغذى كل طبقة فيها على الأخرى -فأوسلو يوفر أداة الإقصاء القانوني، وبنية السلطة توفر الحافز المؤسسي لعدم المخاطرة، والتمويل الدولي يحوّل هذا الحافز إلى قيد خارجي صعب الكسر، بينما يوفر الاحتلال والانقسام الإقليمي غطاءً يُعفي الفاعلين الداخليين من كامل المسؤولية أمام الرأي العام. 
فهم هذه البنية المتشابكة، لا تعداد عناصرها فقط، هو ما يفسر لماذا تكرر الفشل ثلاث مرات (2006، 2021، ومساراً مشابهاً يتشكل الآن في 2026) رغم اختلاف الذرائع المعلنة في كل مرة.

لعبت قطر ومصر وتركيا وروسيا أدواراً متكررة كوسطاء بين فتح وحماس، لكن هذا التعدد نفسه يعكس غياب مرجعية وساطة موحدة، وأحياناً تنافساً إقليمياً يُسقط ظلاله على الملف الفلسطيني الداخلي بدل حله. كما تتقاطع الانتخابات الفلسطينية اليوم مع مسار سياسي أمريكي منفصل (خطة السلام ولجنتها التكنوقراطية لإدارة غزة) يملك تأثيراً مباشراً على شكل الشرعية المقبولة دولياً لأي حكومة فلسطينية، بصرف النظر عن نتائج الصندوق، وهذا يعني أن حتى توافقاً فتحاوياً-حمساوياً كاملاً لن يكون كافياً وحده لإنتاج عقد سياسي وطني مستقر، ما لم يُصاحبه توافق إقليمي-دولي مواز على قبول مخرجاته.

أولاً: الأزمة البنيوية عبر ثلاث محطات فاصلة

1. انتخابات 2006: من صندوق الاقتراع إلى الانقسام

منحت انتخابات كانون الثاني/يناير 2006 حركة حماس أغلبية المجلس التشريعي، لكن الأزمة التي تلتها لم تكن نتيجة الانتخابات بل نتيجة غياب اتفاق مسبق حول إدارة نتائجها: بقاء الأجهزة الأمنية والمؤسسات المرتبطة بمنظمة التحرير خارج التغيير الذي أفرزته صناديق الاقتراع، إضافة إلى المقاطعة الدولية والحصار المالي للحكومة المنتخبة، وأفضى ذلك إلى الانقسام الجغرافي والمؤسسي عام 2007 الذي لا تزال تداعياته قائمة حتى اليوم.

2. تعطيل 2021: حين يصبح الاحتلال ذريعة كافية

أصدر الرئيس عباس في كانون الثاني 2021 مراسيم بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية ووطنية، فتشكلت عشرات القوائم قبل أن يُعلن التأجيل إلى أجل غير مسمى في نيسان 2021 بذريعة عدم السماح الإسرائيلي بالتصويت في القدس، وكشفت هذه التجربة أربع حقائق ما زالت حاضرة في استحقاق 2026: هشاشة الإطار القانوني الناظم، استمرار الانقسام حول مفهوم الشرعية، قدرة الاحتلال على التأثير في المسار الديمقراطي الفلسطيني عبر ملف القدس تحديداً، وغياب توافق وطني حول كيفية التعامل مع هذه العقبة.

3. الحرب على غزة: من أزمة ثقة إلى مطالبة شعبية متصاعدة بالانتخابات

مربع نص: يشير هذا التباين -بين تأييد شعبي واسع لفكرة الانتخابات وشك عميق في جدية السلطة بإجرائها- إلى أن أزمة الشرعية لم تعد أزمة غياب الرغبة الشعبية، بل أزمة ثقة بالفاعل الذي يدير العملية.

أعادت الحرب تشكيل المزاج الشعبي الفلسطيني تجاه الاستحقاق الانتخابي بصورة قابلة للقياس، فبحسب استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية PCPSR رقم (96)، أيّدت نسبة 65% من الفلسطينيين إجراء انتخابات عامة بعد عام من وقف إطلاق النار (72% في الضفة الغربية مقابل 54% في قطاع غزة)، في حين اعتقد 60% من الجمهور أن السلطة الفلسطينية لا تنوي فعلياً إجراء الانتخابات ولا يتوقعون حدوثها. وفي استطلاع سابق (رقم 92)، أظهرت النتائج تقدّم حماس على فتح بفارق واسع بين المصوّتين الفعليين (46% مقابل 25%)، وتصدّر مروان البرغوثي -في حينه- نوايا التصويت الرئاسي بفارق حاسم.

ثانياً: البنية القانونية والمؤسسية لاستحقاق 2026

خلافاً لتجربتي 2006 و2021، يستند استحقاق 2026 إلى تسلسل تشريعي وتنفيذي متكامل: مرسوم رئاسي (2 شباط)، ثم تعديل جوهري لقانون الانتخابات العامة رقم (1) لسنة 2007، ثم نظام انتخابي تفصيلي معتمد للمجلس الوطني (4 حزيران)، إضافة إلى انتخابات محلية (25 نيسان) ومؤتمر تنظيمي لأكبر فصيل حاكم (فتح، 14 أيار) بوصفهما محطتين تحضيريتين فعليتين، وهذا التسلسل الإجرائي المكتمل هو ما يميّز 2026 عن كل المحاولات السابقة، لكنه في الوقت نفسه ما يجعل تحليل تفاصيله الفنية ضرورياً لفهم من يستفيد منه فعلياً.

أبرز تعديلات قانون الانتخابات العامة

البندالوضع السابقالوضع بعد التعديل (2026)
عدد أعضاء المجلس التشريعي132 عضواً200 عضو
نسبة الحسم الانتخابية2%1%
الحد الأدنى لمرشحي القائمة16 مرشحاً20 مرشحاً
الحد الأدنى لسن الترشح28 عاماً23 عاماً
كوتا تمثيل المرأةمتفاوتةامرأة واحدة على الأقل بين كل 3 مرشحين
العلاقة بالمجلس الوطنياستكمال العضوية بآليات منفصلةالفائزون بالتشريعي أعضاء حكميون في الوطني

النظام الانتخابي الجديد للمجلس الوطني الفلسطيني

حدد النظام المعتمد في 4 حزيران 2026 عضوية المجلس الوطني بـ350 عضواً: 200 عضو يمثلون “دائرة الأرض الفلسطينية” الواحدة (وتُحتسب مقاعد المجلس التشريعي المنتخب ضمنها)، و150 عضواً يمثلون الفلسطينيين في الخارج والشتات، موزعة كدوائر انتخابية مستقلة بحسب كل منطقة تجمع، وينص النظام على عدم جواز المساس بحصة الشتات (150 مقعداً) أو الانتقاص منها، مع اعتماد صيغة “الانتخاب حيثما أمكن، والتوافق حيثما تعذر” لاختيار ممثلي المناطق التي يتعذر فيها الاقتراع المباشر، بمراعاة موافقة الدول المضيفة.

من الناحية التحليلية، يحمل هذا التصميم دلالتين متعاكستين: فمن جهة، يمثل تخصيص 150 مقعداً ثابتاً وغير قابل للانتقاص للشتات اعترافاً مؤسسياً غير مسبوق بوزن فلسطينيي الخارج -وهو ما عجزت عنه صيغ سابقة اكتفت بالحديث العام عن “تفعيل تمثيل الشتات” دون آلية ملزمة، ومن جهة أخرى، فإن اعتماد “التوافق” بديلاً عن الانتخاب في الحالات التي يتعذر فيها الاقتراع -وهي الأغلبية العملية المرجحة في مناطق كسوريا ولبنان ودول الخليج- يحوّل جزءاً كبيراً من الـ150 مقعداً إلى مقاعد شبه معيّنة تُدار عبر لجان توافق تخضع لموازين القوى التنظيمية القائمة أصلاً، لا لإرادة تصويتية جديدة.

ثالثاً: خارطة الفاعلين المتعددين ومنطق مواقفهم

يتجاوز هذا القسم القراءة الثنائية المعتادة (فتح في مقابل حماس) نحو تحليل موقع كل فاعل من معضلة واحدة مشتركة: من يملك حق تصميم قواعد التمثيل قبل الاقتراع؟ فالفارق بين الفاعلين ليس فقط في موافقتهم أو رفضهم للانتخابات كمبدأ (فالجميع تقريباً يؤيدها من حيث المبدأ)، بل في موقعهم من عملية صياغة قواعدها.

حركة فتح: تثبيت الموقع عبر تسلسل مؤسسي

استثمرت حركة فتح التسلسل الزمني للاستحقاقات: هيمنت على أغلب المجالس البلدية والقروية في الانتخابات المحلية (25 نيسان 2026) التي اقتصرت على الضفة الغربية ودير البلح واستثنت القدس، ثم عقدت مؤتمرها الثامن (14 أيار) بمشاركة أعضاء من الضفة والقطاع وبيروت والقاهرة عبر تقنيات الاتصال المرئي، واللافت أن هيمنة فتح على الانتخابات المحلية ارتبطت بعامل إجرائي حاسم: اشتراط الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً والالتزام ببرنامجها السياسي والاتفاقيات الدولية (أوسلو ضمناً) كشرط للمشاركة -وهو شرط لم يكن مطبقاً في انتخابات 2006 أو حتى في الانتخابات المحلية لعام 2022، ما أدى فعلياً إلى تغييب حركة حماس والقوى الرافضة لأوسلو عن هذا الاستحقاق التحضيري.

التحليل هنا لا يقف عند تسجيل النتيجة (فوز فتح بأغلبية المجالس المحلية)، بل يمتد إلى قراءة آليتها: فالانتخابات المحلية 2026 لم تكن اختباراً حراً لشعبية فتح مقابل حماس، بل اختباراً محكوماً بشرط تأهيل مسبق يستبعد أحد المنافسين الرئيسيين قبل عد الأصوات، وهذا الفارق جوهري تحليلياً لأنه يغيّر طبيعة “النصر” ذاته: فوز غير منافَس عليه ليس بالضرورة دليل تفويض شعبي واسع، بل قد يكون في جزء منه أثراً لضيق دائرة المنافسة نفسها، والأخطر من ذلك أن هذا النمط -تصميم قواعد الأهلية بما يخدم نتيجة معروفة سلفاً- يكرر الآلية البنيوية التي أنتجت أزمة 2006، وإن انعكست هذه المرة لصالح الطرف الذي كان خاسراً حينها؛ أي أن المشكلة ليست في هوية المستفيد المحدد في كل جولة، بل في استمرار مبدأ تصميم القواعد أحادياً بما يخدم نتيجة متوقعة، بصرف النظر عمّن يمسك بأدوات هذا التصميم في كل مرحلة.

حركة حماس: تحفظ علني ومطالبة بالتوافق المسبق

لم تكتف حماس بموقف ضمني؛ فقد أصدرت في 20 حزيران 2026 بياناً صريحاً طالبت فيه بعقد “اجتماع وطني شامل” قبل انتخابات المجلس الوطني، مؤكدة رفضها لـ”التفرد أو الإقصاء أو احتكار القرار السياسي والتنظيمي” في إدارة العملية الانتخابية أو تحديد مخرجاتها، ورافضة تحديداً ما وصفته بـ”تصميم وهندسة الانتخابات” عبر اشتراطات سياسية أو قانونية مسبقة، وحذّرت الحركة من أن إجراء الانتخابات دون توافق وطني “قد يترك آثاراً سلبية على وحدة الصف الفلسطيني ومصداقية المؤسسات الوطنية”، وهذا الموقف ليس شعبياً هامشياً: أظهر استطلاع PCPSR في تشرين الأول 2025 أن 63% من الفلسطينيين يعارضون شرط الالتزام ببرنامج منظمة التحرير كمعيار للمشاركة الانتخابية، وأن 80% طالبوا باستقالة الرئيس عباس، فيما بلغ تأييد حماس 35% مقابل 24% لفتح.

تحليلياً، ينبغي التمييز بين قراءتين ممكنتين لموقف حماس: قراءة تختزله في “رفض تكتيكي لخسارة موقع”، وقراءة أعمق تراه تعبيراً عن معضلة موضوعية لا تخص حماس وحدها -وهي أن أي فاعل سياسي يملك رصيداً شعبياً موثقاً (32%-46% بحسب طريقة القياس) لكنه مستبعد من صياغة قواعد اللعبة، سيرى في أي انتخابات مصممة من طرف واحد تهديداً لوجوده لا فرصة له، بصرف النظر عن مضمون خطابه المعلن، والقراءة الثانية أكثر تفسيرية لأنها تنسجم مع سلوك حماس نفسها حين كانت هي المستفيدة من نظام 2006 المصمم بمعايير مختلفة؛ أي أن الأزمة بنيوية في موقع “مصمم القواعد” ذاته لا في هوية من يشغله، وهو استنتاج يتقاطع مباشرة مع العامل الثالث في تحليل “غياب العقد الوطني” أعلاه (احتكار الجامع التنظيمي).

القوى الثالثة: تحالف فصائلي معارض للهندسة الأحادية

خلافاً لتصور شائع يختزل المشهد الفلسطيني في ثنائية فتح-حماس، أظهرت الأسابيع الأخيرة قبل انتخابات المجلس الوطني اصطفافاً فصائلياً أوسع يتجاوز هذه الثنائية، ففي 28 حزيران 2026 وقّعت خمسة فصائل بياناً مشتركاً -حماس، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وحركة الجهاد الإسلامي، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية-القيادة العامة- دعت فيه إلى “اجتماع وطني شامل يفضي إلى بلورة استراتيجية وطنية موحدة، ويمهد الطريق لإجراء انتخابات ديمقراطية شاملة”، ويكشف هذا التوقيع الجماعي أن الاعتراض على آلية 2026 ليس موقفاً حمساوياً منفرداً، بل موقفاً يشمل فصائل يسارية (الشعبية والديمقراطية) لا تُصنَّف عادة ضمن “محور المقاومة الإسلامي”، ما يضعف تفسير الاعتراض بوصفه خلافاً أيديولوجياً بين إسلاميين وعلمانيين، ويقوّي تفسيره كخلاف بنيوي حول من يملك حق صياغة قواعد التمثيل.

كما تباينت مواقف هذه الفصائل في التفاصيل: فقد وصف أحد قادة الجبهة الشعبية دعوة الانتخابات بأنها “خطوة إيجابية” لكنها غير كافية ما لم تندرج ضمن مسار أشمل لإنهاء الانقسام، في موقف أقرب إلى “القبول المشروط” منه إلى الرفض الكامل؛ بينما أظهرت حوارات ثنائية بين فتح والجبهتين الشعبية والديمقراطية (شباط 2026) طابعاً وُصف من مصادر مطلعة بـ”المجاملة السياسية بلا مخرجات”، إذ لم تتطرق هذه اللقاءات بصورة جدية لملفي انتخابات المجلس الوطني ومسودة الدستور، ولم تتضمن التزاماً بالشروع في حوار مع حماس والجهاد الإسلامي، وهذا النمط -حوار ثنائي شكلي مع القوى الأصغر، وتجاهل الحوار مع القوى الأكبر وزناً- يعكس استراتيجية تفتيت لجبهة المعارضة الداخلية أكثر منه سعياً حقيقياً لتوافق شامل.

مؤسسات الشتات المدنية: نقد من داخل صفوف الشتات نفسه

لا يقتصر النقد على الفصائل المسلحة أو ذات الحضور داخل الأراضي الفلسطينية؛ فقد دعت “مبادرة فلسطينيي أوروبا للعمل الوطني” -وهي إطار مدني لا فصائلي يمثل جزءاً من الجاليات الفلسطينية في أوروبا- إلى “مراجعة آلية الانتخابات المعلنة للمجلس الوطني”، محذرة تحديداً من أنها “قد تكرس الانقسام وتُقصي شرائح واسعة من الفلسطينيين، خاصة في الشتات”، وهذا الموقف مهم تحليلياً لأنه يأتي من صلب الفئة التي صُمم النظام الانتخابي الجديد لتمثيلها (150 مقعداً)، ويؤكد بصورة مستقلة الإشكالية التي رصدتها هذه الورقة سابقاً حول آلية “التوافق البديل”: أن من المفترض أن يستفيدوا من توسيع تمثيل الشتات هم أنفسهم من يشككون في مصداقية الآلية المصممة لتمثيلهم.

قراءات نقدية مستقلة: تحذير من إعادة إنتاج الهيمنة

تلتقي هذه المخاوف مع تحليلات مراكز بحثية أخرى؛ إذ خلصت ورقة تقدير موقف صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات (23 حزيران 2026) إلى أن إجراء انتخابات المجلس الوطني دون توافق وطني شامل قد يؤدي إلى “تعميق الانقسام الفلسطيني وإعادة تشكيل مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني بصورة تعزز هيمنة السلطة الفلسطينية وحركة فتح على القرار الوطني”، وأن اشتراطات الالتزام بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير “من شأنها أن تحدّ من مشاركة قوى فلسطينية رئيسية… بما يؤدي إلى إقصائها من مؤسسات التمثيل الرسمية”.

رابعاً: تمثيل الشتات بين الطموح المؤسسي وإشكالية “التوافق البديل”

يمثل تخصيص 150 مقعداً ثابتاً للشتات -أي 43% من مقاعد المجلس الوطني- أوسع اعتراف مؤسسي بتمثيل فلسطينيي الخارج في تاريخ منظمة التحرير الحديث، وبحسب لجنة متابعة الانتخابات، اعتُمد مبدأ “الانتخابات حيثما أمكن، وصيغة التوافق حيثما تعذر”، مع مراعاة الخصوصية السياسية والأمنية لكل تجمع، وموافقة الدول المضيفة.

مقارنة دولية: تصويت المغتربين ومخاطر “التوظيف الحزبي”

تُظهر تجارب دولية أن آليات تصويت المغتربين ومقاعدهم المخصصة عرضة لمخاطر منهجية مشابهة، حتى في أنظمة مستقرة، ففي كرواتيا مثلاً، خُصص للناخبين في الخارج (ومعظمهم من كروات البوسنة والهرسك) عدد من المقاعد البرلمانية بلغ اثني عشر مقعداً قبل إصلاح عام 2000، وقد لوحظ أن هذه الآلية عادت بالنفع بصورة غير متناسبة على الحزب الحاكم آنذاك مقارنة بحجم الإقبال الفعلي، ما دفع لاحقاً إلى ربط عدد المقاعد المخصصة للخارج بنسبة الإقبال الفعلي مقارنة بالداخل، بدلاً من تثبيتها مسبقاً، وهذه السابقة ذات دلالة مباشرة للحالة الفلسطينية: فكلما ازداد الاعتماد على آليات “التوافق” بدل الاقتراع المباشر في دوائر الشتات، ازداد احتمال أن تعكس المقاعد موازين القوى التنظيمية القائمة سلفاً (وهي موازين تميل تاريخياً لصالح فتح في أغلب أطر الجاليات الرسمية) لا الإرادة الفعلية للناخبين هناك.

وتكمن الإشكالية الفلسطينية الخاصة في أن نسبة كبيرة من مناطق الشتات ذات الكثافة الأعلى (سوريا، لبنان، الخليج) هي على وجه التحديد المناطق التي يتعذر فيها الاقتراع المباشر لأسباب قانونية أو أمنية أو سياسية مرتبطة بالدول المضيفة -أي أن آلية “التوافق البديل”، المصممة كاستثناء، قد تتحول عملياً إلى القاعدة الغالبة لا الاستثناء، بما يفرغ الحصة الثابتة (150 مقعداً) من مضمونها التمثيلي الفعلي، مهما بلغت الضمانات القانونية الشكلية بعدم المساس بعددها.

خامساً: القدس والبيئة الجغرافية-الأمنية

تبقى القدس أحد أكثر الملفات حساسية في استحقاق 2026، بحكم السابقة المباشرة لتجربة 2021 حين استُخدم عدم السماح الإسرائيلي بالتصويت فيها ذريعة للتأجيل الكامل، والفارق الجوهري هذه المرة هو أن الأطراف الفلسطينية والمراقبين يدركون سلفاً حجم هذا الخطر، ما يفرض ضرورة معالجته مبكراً عبر آليات تصويت بديلة (بطاقات هوية، صناديق متنقلة، تصويت عبر مؤسسات مقدسية) والتخطيط الدولي المسبق لها، بدل تركها إلى أسابيع الاستحقاق الأخيرة كما جرى سابقاً.

 أما في قطاع غزة، فلا تزال تداعيات الحرب الإنسانية والأمنية والإدارية تشكل عائقاً تشغيلياً مباشراً أمام تسجيل الناخبين والحملات الانتخابية وحرية الحركة، إضافة إلى مسار “اللجنة الإدارية التكنوقراطية” المرتبط بالمرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي، والتي قد تتقاطع مع مسار الانتخابات أو تتنافس معه على إدارة المرحلة الانتقالية في القطاع.

سادساً: المحددات الحاكمة لإمكانية إنجاز الاستحقاق

المحدد السياسي (الحاسم)

استمرار غياب اتفاق فتح-حماس حول ثلاث مسائل جوهرية: قبول نتائج الاقتراع أياً كانت، آليات إدارة الأجهزة الأمنية بعد الانتخابات، ومكانة السلاح والمقاومة داخل النظام السياسي الجديد، وهذا العامل وحده -بصرف النظر عن سلامة الإجراء الفني- كفيل بإنتاج انتخابات هشة الشرعية حتى لو اكتملت شكلياً.

المحدد الجغرافي-الأمني

تتفاوت العوائق بين غزة (تداعيات الحرب وإدارة المرحلة الانتقالية)، والضفة الغربية (تصاعد القيود الميدانية والاقتحامات)، والقدس (العقبة الإسرائيلية المباشرة كما في 2021).

المحدد المؤسسي: من إطار قانوني ناقص إلى إطار مكتمل لكنه أحادي الصياغة

بعد اكتمال تعديلات 2026 والنظام الانتخابي التفصيلي، لم يعد الإطار القانوني ناقصاً من الناحية الفنية ؛ لكن إشكاليته انتقلت من النقص إلى الأحادية: فقد صدرت جميع هذه القرارات بمراسيم رئاسية وقرارات من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير دون مشاركة حماس أو القوى الرافضة لأوسلو في صياغتها، وهو ما يفسر اعتراض حماس على “هندسة” الانتخابات لا على مبدأ إجرائها.

المحدد الدولي والإقليمي

يتقاطع مسار الانتخابات مع مسار “خطة السلام” الأمريكية ومرحلتها الثانية القائمة على لجنة إدارية تكنوقراطية لغزة تحت إشراف “مجلس السلام”، وهو ما يطرح تساؤلاً إضافياً حول علاقة هذا الترتيب الدولي بشرعية الانتخابات المحلية القادمة وصلاحياتها الفعلية في القطاع.

سابعاً: السيناريوهات المستقبلية ومعايير الترجيح

تطرح الورقة خمسة سيناريوهات مرجّحة وفق ثلاثة معايير: (أ) مدى التوصل لتوافق فتح-حماس قبل تشرين الثاني 2026، (ب) موقف الاحتلال من القدس وحرية الحركة، (ج) تطورات ملف إدارة غزة ضمن الخطة الأمريكية.

السيناريوالوصف الموجزدرجة الترجيح الحاليةالشرط الحاكم
إعادة إنتاج أزمة 2006إجراء الانتخابات دون توافق، وتحوّل النتائج إلى مصدر أزمة جديدةمرتفعةغياب اتفاق فتح-حماس قبل موعد الاقتراع
تعثر جزئي أو تأجيل موضعيتأجيل التصويت في القدس أو أجزاء من غزة مع المضي في باقي الدوائرمتوسطة إلى مرتفعةتعنت إسرائيلي في القدس أو تعقّد أمني بغزة
إنجاز إجرائي بشرعية منقوصةإتمام الانتخابات شكلياً بمقاطعة حماس أو مشاركة رمزية محدودةمتوسطةاستمرار شرط الالتزام ببرنامج المنظمة
توافق وطني متأخر لكنه فعّالالتوصل لتفاهم فتح-حماس في الأشهر الأخيرة يعيد صياغة قواعد المشاركةمنخفضة إلى متوسطةضغط شعبي وإقليمي كافٍ لإجبار الطرفين
إعادة تأسيس شاملة للنظام السياسيعقد سياسي وطني جديد يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمنظمة والفصائلمنخفضةتوفر إرادة سياسية جماعية غير متوفرة حالياً

الترجيح الحالي، استناداً إلى المعطيات الموثقة أعلاه (استبعاد حماس الفعلي من الاستحقاق المحلي، وبيانها الرافض لصيغة الإعداد الأحادي، وتحذير مراكز بحثية مستقلة من النتيجة ذاتها)، يميل نحو مزيج من السيناريوهين الأول والثالث: إنجاز إجرائي للانتخابات في موعدها أو قريباً منه، لكن بمشاركة منقوصة لحماس والقوى الرافضة لأوسلو، وبشرعية توافقية أضعف من الشرعية الإجرائية -أي تكرار بنية أزمة 2006 وإن اختلفت تفاصيلها.

ثامناً: نتائج الدراسة

  • استحقاق 2026 يمتلك -خلافاً لتجربتي 2006 و2021- إطاراً قانونياً ومؤسسياً مكتملاً شكلياً (مرسوم، تعديل قانوني، نظام انتخابي تفصيلي للمجلس الوطني)، وهو ما يميّزه فعلياً عن المحاولات السابقة.
  • اكتمال الإطار الفني لم يرافقه اتفاق سياسي مسبق بين فتح وحماس، وهو ما يكرر البنية العميقة لأزمة 2006 وإن اختلفت تفاصيلها الإجرائية.
  • استُبعدت حماس فعلياً من أول استحقاق تحضيري (الانتخابات المحلية، نيسان 2026) عبر شرط الالتزام ببرنامج منظمة التحرير، وهو شرط يعارضه 63% من الجمهور الفلسطيني بحسب استطلاعات PCPSR.
  • الرأي العام الفلسطيني يؤيد إجراء الانتخابات بأغلبية واسعة (65%)، لكن أغلبية مماثلة (60%) لا تثق بجدية السلطة في إجرائها فعلياً، ما يعكس أزمة ثقة بالفاعل المنظِّم أكثر منها أزمة رغبة شعبية.
  • تخصيص 150 مقعداً ثابتاً للشتات في المجلس الوطني (43% من مقاعده) يمثل تطوراً مؤسسياً غير مسبوق، لكن اعتماد “التوافق” بديلاً عن الانتخاب في غالبية مناطق الكثافة العالية (سوريا، لبنان، الخليج) يهدد بإفراغ هذه الحصة من مضمونها التمثيلي الفعلي، على غرار مخاطر موثقة في تجارب دولية مماثلة (كرواتيا).
  • القدس تبقى العقبة الأكثر قابلية لتكرار سيناريو 2021، في ظل عدم وضوح آلية بديلة معلنة ومختبرة للتصويت فيها حتى تاريخ إعداد هذه الورقة.
  • يتقاطع مسار الانتخابات مع مسار سياسي إقليمي-دولي منفصل يتعلق بإدارة قطاع غزة (المرحلة الثانية من خطة السلام الأمريكية ولجنتها التكنوقراطية)، ما يضيف مصدر تعقيد وتنافس محتمل على الشرعية في القطاع تحديداً.

الخلاصة وتقدير موقف المركز

على عكس ما افترضته قراءات سابقة رأت في اكتمال الإطار القانوني والمؤسسي مدخلاً كافياً لتجديد الشرعية الوطنية، تخلص هذه الورقة إلى أن الفجوة الحقيقية في استحقاق 2026 ليست فجوة إجرائية بل فجوة تشاركية: فقد اكتمل “كيف تُجرى الانتخابات”فنياً (350 مقعداً، تمثيل نسبي كامل، حصة ثابتة للشتات، كوتا نسائية وشبابية)، بينما بقي “من يشارك في صياغة قواعدها” محسوماً من طرف واحد، وهذا بالضبط ما عبّرت عنه حماس بوضوح حين وصفت العملية بأنها “تصميم وهندسة”، وما أكدته مراكز بحثية مستقلة حين حذرت من أن الاستحقاق قد يُنتج شرعية إجرائية بلا شرعية توافقية.

الإجابة عن السؤال المركزي للدراسة -هل تمثل انتخابات 2026 مدخلاً لإعادة بناء الشرعية أم إعادة هندسة للتمثيل دون معالجة الأزمة البنيوية- هي إجابة مشروطة لا حاسمة بطبيعتها في تموز 2026: فالمعطيات الراهنة (استبعاد حماس من المحلي، غياب اتفاق مسبق، تحذيرات متعددة المصادر) ترجّح كفة “إعادة الهندسة”، لكن الأشهر المتبقية حتى تشرين الثاني 2026 تبقي الباب مفتوحاً أمام سيناريو التوافق المتأخر إذا ما تحرك الفاعلون الإقليميون والوطنيون بجدية لسد فجوة العقد السياسي الغائب.

 وبعبارة أخرى: لن يُقاس نجاح الاستحقاق بسلامة الصندوق، بل بقدرة النظام السياسي الفلسطيني على معاملة نتائجه -أياً كانت- بوصفها أساساً للحكم لا موضوعاً للتفاوض من جديد.

توصيات المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

1. الدعوة العاجلة لاجتماع وطني ملزم بين فتح وحماس والفصائل الرئيسية قبل الموعد المقرر (1 تشرين الثاني 2026)، يتناول تحديداً ثلاث مسائل: قواعد قبول النتائج، مستقبل الأجهزة الأمنية بعد الانتخابات، ومكانة السلاح داخل النظام الجديد -لا الاستحقاق الانتخابي بذاته.

2. إعادة النظر في شرط “الالتزام ببرنامج منظمة التحرير والاتفاقيات الدولية” كمعيار للمشاركة في الاستحقاقات التحضيرية، بما ينسجم مع سابقتي انتخابات 2006 والمحلية 2022 التي لم تشترطه.

3. تفعيل آلية تصويت مباشر بديلة ومختبرة مسبقاً للقدس (لا أسابيع قبل الموعد)، مع تنسيق دولي مبكر لضمانها.

4. مراجعة نسبة الاعتماد على “التوافق البديل” في دوائر الشتات، وربطها بمعايير شفافة وقابلة للتدقيق من أطراف الجاليات المختلفة، تفادياً لتكرار إشكالية “التوظيف الحزبي” الموثقة في تجارب مقارنة.

5.  توضيح العلاقة المؤسسية بين مسار الانتخابات المحلية والتشريعية في غزة وبين مسار “اللجنة الإدارية التكنوقراطية” المرتبط بالمرحلة الثانية من خطة السلام الأمريكية، تفادياً لتنازع الشرعيات.

6. نشر معايير واضحة ومعلنة مسبقاً لمراقبة الانتخابات محلياً ودولياً، تشمل تقييم مدى الالتزام بصيغة “الانتخاب حيثما أمكن” فعلياً لا شكلياً في دوائر الشتات.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يوليو 2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات

في لقاء نظمه المركز الفلسطيني للدراسات السياسية ونقابة الموظفين تحذيرات من تفاقم الفراغ الإداري في غزة وسط غياب اللجنة الوطنية وتعطل الإدارة الانتقالية

غزة – 30 يونيو 2026  حذر مشاركون في لقاء حواري نظمه المركز الفلسطيني للدراسات السياسية بالتعاون مع نقابة الموظفين في القطاع العام، من استمرار حالة