دراسة تحليلية-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
أصدر الرئيس الفلسطيني مرسوماً بإجراء انتخابات المجلس الوطني في نوفمبر 2026، لتكون الأولى عبر الاقتراع المباشر، في ظل انقسام فلسطيني وضغوط دولية.
التوقيت والتدرج الانتخابي، وغياب ضمانات القدس وغزة، يوحيان بأن الهدف إدارة الأزمة الداخلية أكثر من تعزيز الديمقراطية، وتقلص الشروط القانونية، مثل الالتزام بالبرنامج السياسي ونظام القوائم المغلقة المنافسة، وتحد من مشاركة المعارضة والشباب.
ويزيد الواقع الأمني والسياسي في الضفة وغزة والقدس من صعوبة إجراء انتخابات نزيهة وشاملة.
وتشير قراءات التحليل إلى أن العملية قد تكون إعادة إنتاج للنظام الحالي أو فرصة لإعادة بناء المشروع الوطني إذا رافقها حوار وطني وضمانات احترام النتائج.
تمثل الانتخابات حالياً أولوية دولية بامتياز لإعادة تأهيل السلطة أمام المجتمع الدولي، أكثر من كونها أولوية وطنية حقيقية للصمود والوحدة، لكن نجاحها يعتمد على حوار شامل، مرونة قانونية، وضمانات ميدانية لتمكين المجلس القادم من اتخاذ قرارات فعلية.
المقدمة والخلفية
في 2 فبراير 2026، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسوماً رئاسياً يقضي بإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في 1 نوفمبر 2026، وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، مع ضمان مشاركة الفلسطينيين في الداخل والخارج “حيثما أمكن”، ويأتي هذا القرار ضمن سلسلة خطوات أعلنها الرئيس عباس اعتبار عام 2026 “عام الديمقراطية”، تشمل انتخابات الهيئات المحلية في 25 أبريل، والمؤتمر العام الثامن لحركة فتح في 14 مايو برام الله.
إذا أُجريت هذه الانتخابات، فستكون الأولى في تاريخ المجلس الوطني عبر الاقتراع المباشر بعد عقود من التعيينات أو التوافقات الفصائلية، في وقت تتزايد فيه المطالب الفلسطينية والإقليمية والدولية بإعادة الحياة للعملية الانتخابية بعد توقفها منذ الانقسام السياسي عام 2007.
ومع ذلك، فإن إجراء الانتخابات في هذا التوقيت يثير تساؤلات جوهرية حول جدية العملية ومصداقيتها، بالنظر إلى عدة تحديات: تتعلق بالتوقيت والتدرج الانتخابي، الواقع الأمني والسياسي، والأجندة الدولية.
السؤال الرئيسي للورقة:
هل تمثل الدعوة إلى الانتخابات في هذا التوقيت أولوية وطنية حقيقية لإعادة بناء المشروع الوطني وتجديد الشرعية، أم أنها مجرد آلية لإدارة الأزمة السياسية داخلياً ودولياً، على حساب الأولويات الوطنية الحقيقية للصمود والمواجهة؟
أولًا: الإشكالية المركزية
تكتسب الإشكالية المطروحة في السؤال الرئيسي أهمية مضاعفة، إذ أن الجدول الزمني المعلن والشروط القانونية المصاحبة يثيران مخاوف من أن تكون الانتخابات مصممة لخدمة أجندات محددة داخل السلطة، أكثر من كونها استحقاقاً ديمقراطياً طبيعيًا.
التحديات في التوقيت
- تداخل موعد الانتخابات مع المؤتمر الثامن لحركة فتح
تأتي الانتخابات بعد انتهاء انتخابات الهيئات المحلية وقبل انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت العملية الانتخابية تهدف أولاً إلى حسم ملف الخلافة والقيادة داخل فتح، قبل توسيع العملية لتشمل جميع الفلسطينيين في الداخل والخارج، وقد يعطي هذا الترتيب انطباعاً بأن الانتخابات هي أداة لتقنين الوضع الداخلي وليس لممارسة ديمقراطية مفتوحة.
2. التدرج في الانتخابات كأداة للمناورة
اعتماد نهج تدريجي (بلديات أولاً، ثم المجلس الوطني لاحقاً) قد يُستخدم كفخ سياسي لتأجيل الانتخابات الوطنية إذا لم تثمر نتائج البلديات وفق توقعات القيادة الحالية، مما يحول العملية الديمقراطية إلى أداة تحكم مسبقة النتائج.
3. القدس والتحديات اللوجستية
تحديد موعد الانتخابات دون ضمانات واضحة لإجرائها في القدس يعيد سيناريو انتخابات 2021، حيث يمكن استخدام أي رفض إسرائيلي كذريعة للتأجيل أو الإلغاء، مما يعكس هشاشة الاستقلالية التنظيمية للانتخابات أمام الضغوط الخارجية.
4. الوضع في غزة والشتات
إجراء الانتخابات في غزة بعد الحرب الأخيرة، وكذلك للفلسطينيين في الشتات، يتطلب تنسيقاً دولياً ولوجستياً معقداً، بما في ذلك تسجيل الناخبين وإعداد مراكز الاقتراع، وتجعل هذه التحديات موعد نوفمبر 2026 يبدو طموحاً وربما غير قابل للتحقيق عملياً.
5. شرط الالتزام بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير
اشتراط توقيع المرشحين على برنامج المنظمة قبل الانتخابات قد يقصي قوى سياسية رئيسية مثل حماس والجهاد الإسلامي، ويحوّل الانتخابات إلى استفتاء على برنامج السلطة الحالي بدلاً من أن تكون منصة تنافسية حقيقية بين برامج سياسية مختلفة.
تبدو الانتخابات، وفق الجدول الزمني والشروط الحالية، أكثر كأداة هندسة سياسية لإدارة الوضع الراهن من كونها استحقاقاً ديمقراطياً طبيعياً، مما يثير مخاوف من أن تحول العملية إلى مجرد تجميل للواقع السياسي القائم دون إحداث تغيير حقيقي في التمثيل والمشروع الوطني الفلسطيني.
ثانيًا: السياق السياسي والأمني
تحديد التوقيت المناسب للانتخابات لا يمكن فهمه بمعزل عن الواقع الأمني والسياسي المحلي والدولي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، فالنجاح أو الفشل المحتمل للعملية الانتخابية يعتمد بشكل أساسي على مدى توافق هذا الواقع مع متطلبات الديمقراطية والنزاهة والتمثيل الشامل.
- السياق الأمني
الضفة الغربية: تشهد مناطق الضفة الغربية حالة من الغليان الأمني المستمر، مع اجتياحات عسكرية إسرائيلية متكررة، ومداهمات للمدن والمخيمات، ما يعوق حركة المرشحين والناخبين، ويجعل إقامة انتخابات حرة ومنتظمة أمرًا صعب التحقيق.
قطاع غزة: بعد الحرب الأخيرة، ما زال الوضع الأمني واللوجستي شديد التعقيد، نتيجة تدمير البنية التحتية، ونزوح السكان، وإعاقات إعادة سجل الناخبين، مما يزيد من صعوبة إقامة مراكز اقتراع مناسبة وآمنة.
القدس: تخضع المدينة لسياسات إسرائيلية تمنع عادة أي نشاط سياسي فلسطيني، خصوصاً تحت حكومة يمينية متطرفة، ويجعل هذا الواقع من شبه المستحيل ضمان تنفيذ الانتخابات في القدس، ويزيد من احتمالية استخدام ذلك كذريعة لتأجيل أو إلغاء العملية.
2. السياق السياسي الداخلي
الانقسام السياسي المستمر: انتخابات المجلس الوطني غالباً ما تأتي كجزء من جهود المصالحة وليس كبداية لها، وعدم وجود توافق بين فتح وحماس يمثل عقبة رئيسية أمام إجراء انتخابات نزيهة وذات مصداقية.
شرط الالتزام بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير: يُنظر إليه من قبل الفصائل المعارضة كـ “لغماً سياسياً” قد يقصي القوى السياسية المنافسة، ويحول العملية الانتخابية من منصة للتنافس الديمقراطي إلى أداة لترسيخ الوضع القائم.
أزمة الثقة الشعبية: هناك شعور واسع في الشارع الفلسطيني بأن الانتخابات قد تكون شكلية وتُنفذ لتلبية مطالب المانحين الدوليين، وليس لتمكين الشعب من اختيار ممثليه بحرية.
3. السياق الإقليمي والدولي
الموقف الإسرائيلي: لا توجد مؤشرات على أن الحكومة الإسرائيلية ستسهل إجراء الانتخابات، بل على العكس، قد تستخدم أي مبرر لعرقلة العملية، خصوصاً في القدس والضفة الغربية.
الضغط الدولي: المجتمع الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، يربط استمرار الدعم المالي والسياسي للسلطة الفلسطينية بتنفيذ إصلاحات سياسية، تشمل الانتخابات، ومع ذلك، غالباً ما يكون هذا الضغط مصممًا لتحقيق أهداف الدول المانحة أكثر من تعزيز الديمقراطية الحقيقية.
من منظور الأولوية الوطنية، الشعب الفلسطيني بحاجة ماسة إلى تجديد قيادته واستعادة شرعية مؤسسات منظمة التحرير.
لكن من منظور الواقع العملي، السياق الأمني والسياسي الحالي غير ملائم لإجراء انتخابات نزيهة وذات مصداقية، مما يثير احتمال أن تتحول العملية إلى مجرد أداة سياسية لإدارة الأزمة والحفاظ على الوضع القائم، بدلاً من أن تكون خطوة حقيقية نحو إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني.
ثالثًا: الشروط القانونية والتنظيمية
تشكل الإطار القانوني والتنظيمي للانتخابات أحد العناصر الأساسية التي تحدد مدى نزاهة العملية وشرعيتها، إلا أن التعديلات الأخيرة والمرسوم الرئاسي يثيران تساؤلات حول استخدام القوانين كأداة للهندسة المسبقة للنتائج، بدلاً من تنظيم انتخابات حقيقية تمثل الشعب الفلسطيني بكل فصائله.
- شرط الالتزام بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير
يشترط القانون على المرشحين التوقيع على إقرار بالالتزام ببرنامج منظمة التحرير وقرارات الشرعية الدولية.
التحدي الديمقراطي: هذا الشرط قد يُقصي الفصائل المعارضة (مثل حماس والجهاد الإسلامي) قبل بدء العملية الانتخابية، ويحوّل الانتخابات من منافسة على البرامج والسياسات إلى استفتاء على برنامج السلطة الحالي.
التأثير السياسي: يحد من مشاركة القوى الجديدة أو الشبابية المستقلة، ويضمن أن تظل نتائج الانتخابات ضمن إطار سياسي محدود ومحكوم مسبقاً.
2. نظام التمثيل النسبي الكامل
يعتمد المرسوم نظام القائمة المغلقة بالكامل بنسبة 100%:
القيود على الترشح الفردي: يمنع هذا النظام الشخصيات المستقلة والحراكات الشبابية من المنافسة خارج القوائم الكبرى.
تعزيز الهيمنة: يساهم في ترسيخ سيطرة الأحزاب التقليدية والمنظمة على المجلس الوطني، ما يقلل من ديناميكية التمثيل ويضعف التجديد السياسي.
3. عبارة “حيثما أمكن”
تنص القوانين على إجراء الانتخابات في الداخل والشتات “حيثما أمكن”:
غموض قانوني: لا يوجد معيار واضح لتحديد الأماكن التي يُسمح فيها بالتصويت.
الخطورة العملية: هذا يترك السلطة وحدها لتقرير مناطق المشاركة، مما قد يؤدي إلى استبعاد مناطق معارضة أو ضعيفة الولاء، أو حتى لتبرير تأجيل الانتخابات في القدس أو في مناطق معينة.
4. سجل الناخبين في الشتات
تمثل انتخابات المجلس الوطني للمرة الأولى فرصة لتمثيل الفلسطينيين في الشتات، لكن هناك تحديات لوجستية كبيرة:
غياب سجل موحد : لا يوجد قاعدة بيانات موحدة للفلسطينيين في الأردن، لبنان، سوريا، وأوروبا.
تعقيدات التسجيل والتصويت: التنسيق مع الدول المضيفة وضمان نزاهة العملية الانتخابية يمثل مهمة شبه مستحيلة في الإطار الزمني المتاح قبل نوفمبر 2026.
5. محكمة الانتخابات
تم تشكيل محكمة خاصة بقضايا الانتخابات بمرسوم رئاسي:
الاستقلالية محل شك: تعيين القضاة يتم من قبل السلطة التنفيذية، مما يثير المخاوف من أن تصبح المحكمة أداة لشرعنة الاستبعاد السياسي تحت غطاء قانوني.
التأثير على النزاهة: أي طعن أو اعتراض على القرارات الانتخابية قد يتم التعامل معه بطريقة تكرس نتائج محددة مسبقاً.
القوانين والتعديلات التنظيمية أُعدت بدون حوار وطني شامل، مما يحوّل العملية الانتخابية إلى أداة لصالح طرف واحد أكثر من كونها فرصة لإعادة الديمقراطية والمشروع الوطني.
باختصار، الهندسة القانونية للانتخابات تهدف إلى ضبط النتائج مسبقاً، وتقليص مشاركة القوى المعارضة والمستقلة، مما يجعل الانتخابات شكلية أكثر من كونها تعبيراً عن إرادة الشعب الفلسطيني.
رابعًا: قراءات تحليلية: إعادة إنتاج النظام أم إعادة بناء المشروع الوطني؟
الانتخابات المقررة للمجلس الوطني الفلسطيني تطرح سؤالاً جوهرياً: هل هي آلية لإعادة إنتاج النظام السياسي القائم بشكل شكلي، أم فرصة لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني وتجديد الشرعية الشعبية والسياسية؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلب قراءة متوازنة تجمع بين تحليل الفرص والمخاطر والتحليل النقدي للواقع والنيات.
- إعادة إنتاج النظام: “ديمقراطية شكلية“
تشير مؤشرات عدة إلى أن الانتخابات قد تُستخدم لتثبيت الهيمنة الحالية للسلطة الفلسطينية:
شرعية دولية أكثر من وطنية: العملية الانتخابية تبدو وسيلة لإضفاء شرعية انتخابية على السلطة أمام المجتمع الدولي والمانحين، دون أي تغيير جوهري في هياكل أو مراكز القوى الحقيقية.
تقييد المنافسة: شرط الالتزام بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير يقيد المنافسة السياسية ويحول الانتخابات من منافسة على البرامج والسياسات إلى استفتاء على برنامج السلطة الحالي.
تجميل الواقع القائم: الانتخابات يمكن أن تُستخدم كأداة لإعادة إنتاج السلطة الحالية بصورة ديمقراطية شكلية، بينما تظل القرارات الاستراتيجية والسياسات الأساسية محكومة بالهياكل القديمة.
2. إعادة بناء المشروع الوطني: الفرصة الكامنة
رغم القيود، تظل هناك فرصة حقيقية لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني:
تمثيل شامل للفلسطينيين: انتخاب مجلس وطني جديد يوفر منصة لتمثيل الفلسطينيين في الداخل والخارج، ويعيد ربط ملايين الفلسطينيين بالمنظمة الأم، مما يعزز المشروع الوطني كحركة تحررية، وليس مجرد سلطة تحت الاحتلال.
فرض توافق وطني جديد: المجلس الوطني القادم يمكن أن يجبر جميع القوى السياسية على التحاور والتوافق على استراتيجية وطنية شاملة، تشمل مواجهة الاستيطان والعدوان وإعادة الإعمار في غزة.
تجديد الدماء السياسية: دخول قيادات جديدة وشبابية قد يغير الديناميكية السياسية داخل المجلس الوطني، حتى في ظل القواعد الأولية المقيدة، ويفتح المجال لمبادرات وطنية جديدة.
3. التحليل النقدي: قراءة أعمق للنيات والتداعيات
ازدواجية الهدف بين الداخل والخارج: الانتخابات تبدو أداة لإرضاء المجتمع الدولي والمانحين، بينما لا توفر ضمانات حقيقية للشعب الفلسطيني في الداخل، خصوصاً في غزة والقدس.
التناقض بين الشكل والمضمون: رغم الإعلان عن الديمقراطية، تُفرغ الشروط القانونية والجدول الزمني من مضمونها الحقيقي، خصوصاً شرط الالتزام بالبرنامج، ونظام القوائم المغلقة، وعبارة “حيثما أمكن”، ما يعكس هندسة مسبقة للنتائج أكثر من رغبة حقيقية في التغيير.
تأثير الانقسام الفلسطيني: الانتخابات الوطنية في ظل الانقسام لا يمكن أن تكون أداة توحيد، بل قد تكرس الانقسام إذا جرى استبعاد فصائل مثل حماس والجهاد الإسلامي، أو مناطق مثل غزة والقدس، مما يحول العملية إلى واجهة شرعية لنظام سياسي مقيد.
المخاطر الرمزية والسياسية: إجراء الانتخابات في ظروف غير مناسبة قد يُنتج مجلساً يحمل شرعية شكلية دون قوة تنفيذية حقيقية، مما قد يخلق إحباطاً شعبياً إضافياً ويقوض الثقة بالمؤسسات الفلسطينية.
الفرصة النقدية: رغم كل القيود، تظل الانتخابات فرصة لإعادة دمج الفلسطينيين في الداخل والخارج، وإجبار القوى السياسية على الحوار، لكنها تحتاج إلى إرادة وطنية حقيقية، وضمانات ميدانية، وإصلاحات قانونية جوهرية لتكون أكثر من مجرد “استعراض شكلي”.
4. الخلاصة التحليلية
نجاح الانتخابات في أن تتحول من أداة لإعادة إنتاج النظام إلى أداة لإعادة بناء المشروع الوطني يعتمد على عاملين أساسيين:
- حوار وطني شامل قبل الانتخابات :لضمان مشاركة جميع القوى السياسية والشبابية دون شروط إقصائية، وخلق أرضية توافقية واضحة لبرنامج عمل المجلس الجديد.
- ضمانات ميدانية لاحترام النتائج :بما يتيح للمجلس الوطني القادم صلاحية فعلية لمراجعة السياسات السابقة، وإعادة بناء المؤسسات بطريقة تعكس مصالح الشعب الفلسطيني وتحديات المرحلة الراهنة.
الاستنتاج النهائي: الانتخابات، في شكلها الحالي، ليست حتمياً أداة للتغيير، لكنها قد تتحول إلى فرصة حقيقية إذا رافقها التزام وطني وحماية للمصداقية العملية والحقوق السياسية لجميع الفلسطينيين.
خامسًا: الانتخابات كأولوية وطنية أم أولوية دولية؟
تطرح الانتخابات الوطنية الفلسطينية في هذا التوقيت سؤالاً محورياً حول أولوية هذه العملية السياسية: هل هي فعل وطني صادق لتجديد الشرعية وتعزيز المشروع الوطني، أم أداة تفرضها الضغوط الدولية لإعادة تأهيل السلطة الفلسطينية؟
- أولوية دولية بامتياز
تبدو الانتخابات اليوم محركاً دولياً أساسياً أكثر من كونها حاجة وطنية ملحة:
الشرط الدولي للتمويل والاعتراف: يربط المجتمع الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، استمرار الدعم المالي والسياسي بتنفيذ إصلاحات انتخابية، وهذا يجعل الانتخابات أداة لتلبية متطلبات خارجية أكثر من خدمتها للشعب الفلسطيني.
فرض شروط سياسية مسبقة: الاشتراطات القانونية والسياسية، مثل الالتزام بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير ونظام القوائم المغلقة، تُقيّد خيارات القوى الوطنية، خصوصاً قوى المقاومة، وتحوّل العملية الانتخابية إلى أداة لتطويع الصمود الفلسطيني السياسي لصالح الاستقرار الدولي والنظام القائم.
إدارة الأزمة بدل المعالجة: بدلاً من أن تكون الانتخابات أداة لتعزيز الوحدة الوطنية أو مواجهة التحديات الميدانية، تُستنزف القوى الوطنية في إجراءات شكلية، فيما تظل ملفات الاستيطان والعدوان المستمر على الأرض خارج نطاق الاهتمام الفعلي.
2. تأثير التنافس الفصائلي
التركيز على الانتخابات في ظل الانقسام السياسي قد يزيد من التنافس الفصائلي بين فتح وحماس والجهاد الإسلامي، بدلاً من توحيد الجهود، وقد تُستخدم الانتخابات لتصفية الحسابات الداخلية أو لترسيخ مراكز نفوذ محددة داخل السلطة، ويعزز هذا الامر من مخاطر تقليص مشاركة الشعب الفلسطيني الفعلي في صياغة مستقبل المشروع الوطني، وتحويل العملية إلى مجرد واجهة شرعية للسلطة الحالية.
من خلال قراءة السياق السياسي الداخلي والخارجي، يمكن القول إن:
الانتخابات اليوم أداة لإدارة أزمة سياسية دولية وسلطوية أكثر من كونها أولوية وطنية لتعزيز الصمود، مواجهة العدوان، أو إعادة بناء الوحدة الفلسطينية.
وبالتالي، أي نقاش حول الديمقراطية أو الشرعية يجب أن يُفصل عن الضغوط الدولية وأجندة السلطة الحالية، ويضع نصب العين مصلحة الشعب الفلسطيني والتحديات الواقعية على الأرض.
الخـلاصــــة
الانتخابات المقررة للمجلس الوطني الفلسطيني في نوفمبر 2026 تمثل صداماً بين الأولويات الوطنية والضغوط الدولية والأجندة الداخلية للسلطة.
التوقيت والتدرج: الانتخابات بعد البلديات وقبل مؤتمر فتح، وغياب ضمانات القدس وغزة، يوحي بأن الهدف إدارة الأزمة الداخلية أكثر من تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي.
القيود القانونية: شرط الالتزام بالبرنامج السياسي، ونظام القوائم المغلقة، وعبارة “حيثما أمكن”، تُفرغ الانتخابات من مضمونها الديمقراطي وتقصي المعارضة والشباب المستقل.
الواقع الأمني والسياسي: الانقسام الفلسطيني، الوضع الميداني في غزة والضفة، ورفض الحكومة الإسرائيلية لأي نشاط انتخابي في القدس، يجعل إجراء انتخابات نزيهة وشاملة تحدياً كبيراً.
القراءات التحليلية: العملية قد تكون إعادة إنتاج للنظام السياسي القائم أو فرصة لإعادة بناء المشروع الوطني، لكنها تحتاج إلى حوار وطني شامل، وضمانات احترام النتائج، ومرونة قانونية لتوسيع المشاركة.
الأولوية الوطنية مقابل الدولية: الانتخابات اليوم أكثر أولوية دولية لإعادة تأهيل السلطة أمام المجتمع الدولي، ولا تعكس بالضرورة مصالح الشعب الفلسطيني أو تعزيز وحدته وصموده.
الاستنتاج النهائي: دون إرادة وطنية واضحة، وضمانات ميدانية، وإصلاحات قانونية، ستظل الانتخابات أداة لإدارة الأزمة السياسية والدولية، وليس وسيلة لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني أو مواجهة التحديات الواقعية على الأرض.
التـوصيــــات
- إطلاق حوار وطني شامل ومسبق للانتخابات، وتشكيل لجنة وطنية تضم كل الفصائل السياسية والمجتمع المدني والشبابية لتحديد قواعد مشتركة للترشح، وبرنامج وطني واضح، يضمن مشاركة الجميع دون شروط إقصائية.
- اعتماد ميثاق شرف انتخابي ينظم العلاقة بين القوى السياسية ويحدد الالتزامات تجاه احترام النتائج.
- ضمان نزاهة العملية وشفافيتها وإنشاء هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، تتضمن ممثلين عن المجتمع المدني والفصائل المختلفة، وليس فقط السلطة التنفيذية.
- مرونة قانونية لضمان مشاركة واسعة وتعديل بعض القيود مثل شرط الالتزام بالبرنامج السياسي ونظام القوائم المغلقة، للسماح للشخصيات المستقلة والحراكات الشبابية بالمشاركة الفعلية.
- تحديد آلية واضحة لتطبيق عبارة “حيثما أمكن” بحيث لا تتحول إلى وسيلة لإقصاء مناطق معينة.
- تأمين مشاركة الفلسطينيين في الشتات وبدء تسجيل موحد للناخبين في الخارج بالتنسيق مع الدول المضيفة، لضمان تمثيل فعلي للمجتمع الفلسطيني بالخارج في المجلس الوطني القادم.
- تطوير آليات تصويت آمنة وشفافة، سواء عبر مراكز الاقتراع أو التصويت الإلكتروني المؤمَّن، مع ضمان مراجعة النتائج.
- تسوية الانقسام السياسي قبل الانتخابات والعمل على اتفاق مؤقت بين فتح وحماس لتحديد “قواعد اللعبة”، بما يتيح إجراء انتخابات شاملة تشمل كل الفلسطينيين في الداخل والخارج.
- اعتماد آلية لفض النزاعات والطعون الانتخابية عبر محكمة مستقلة وموثوقة، لضمان عدم استخدام القضاء لتصفية حسابات سياسية.
- ربط الانتخابات بالمشروع الوطني والشأن الميداني ووضع جدول موازي لمتابعة القضايا الوطنية الملحة (مواجهة الاستيطان، إعادة الإعمار، القدس، الأسرى)، بحيث لا تُستهلك كل الطاقات في الإجراءات الشكلية للانتخابات.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-فبراير 2026



