أحمد أبو كميل- خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية-دراسة تحليلية اجتماعية
| الملخص التنفيذي شكّلت الحرب الممتدة منذ أكتوبر 2023 جيلًا فلسطينيًا جديدًا يعيش في بيئة انهيار شامل غير مسبوق، أثرت على التعليم، الاقتصاد، والنسيج الاجتماعي، وفقد الشباب ما يصل إلى خمس سنوات تعليمية، وتراجعت فرص العمل بنسبة 84%، مع نزوح نحو 1.9 مليون شخص وتدمير واسع للبنية التحتية. على المستوى النفسي، ارتفعت معدلات الصدمة والاكتئاب والقلق، وتقلص الأفق الزمني ليتركز على إدارة الحاضر بدل التخطيط للمستقبل، في المقابل، برزت مخرجات إيجابية: مبادرات شبابية تطوعية، تعميق قيم التضحية والتكافل، وارتفاع الانتماء الوطني إلى 83% بين الفئة العمرية 18–35. أفرزت الحرب قيادات شبابية غير تقليدية، ونضجًا مبكرًا في مهارات إدارة الأزمات، مع وعي نقدي متزايد تجاه المنظومة الدولية، وأعادت تعريف مفاهيم النجاح والصمود لتتمحور حول المرونة، المسؤولية المجتمعية، ورأس المال الاجتماعي بدلًا من المسارات التقليدية. ويجمع جيل الحرب إرث الأجيال الفلسطينية السابقة لكنه يقدمه في صياغة جديدة أكثر شمولية وعمقًا، ليصبح حاملًا لندوب الصدمة وقيم الصمود معًا. |
مقدمة
تمثل الحروب الكبرى لحظاتٍ تأسيسية في حياة المجتمعات؛ لا تقتصر آثارها على إعادة رسم الخرائط السياسية أو إحداث تحولات ديموغرافية واقتصادية، بل تمتد لتُعيد تشكيل وعي الأفراد والجماعات، وأنماط تفكيرهم، وتصوراتهم عن الذات والمجتمع والمستقبل، وفي قلب هذه الديناميكيات المعقدة تكمن ظاهرة “أجيال الحرب”؛ تلك الجماعات الشبابية التي يتزامن تكوين شخصيتها الفردية والجمعية مع اللحظة التاريخية الكبرى، فتحمل آثارها لعقود طويلة بعد انتهاء الحرب.
وفي الحالة الفلسطينية، تعاقبت أجيال متعددة ارتبط تشكّلها بمحطات تاريخية مفصلية؛ من جيل النكبة عام 1948، إلى جيل الثورة الفلسطينية، مروراً بجيل الانتفاضتين وجيل الحصار، غير أن الحرب التي يتعرض لها قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 تبدو مختلفة من حيث المدى الزمني، وحجم الدمار، واتساع التأثير، وشمولية استهداف البنى الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والصحية في آنٍ واحد، مما يجعلها مرشحةً لإنتاج تحولات طويلة الأمد في المجتمع الفلسطيني.
تسعى هذه الدراسة إلى تجاوز المقاربة الوصفية للمعاناة الإنسانية والانتقال إلى تحليل التحولات البنيوية والقيمية التي يشهدها شباب غزة (الفئة العمرية 18-35 عاماً)، مع الانتباه إلى أن الحرب لا تُنتج تأثيرات سلبية فحسب، بل تُفرز أيضاً — وفق ما تؤكده الأدبيات المقارنة — مخرجات إيجابية ذات قيمة إنسانية ووطنية وتنموية، تُحدد إلى حدٍّ بعيد الملامح الحقيقية للجيل الذي ينشأ في ظلها.
أولًا: الإطار النظري والمفاهيمي
1. مفهوم «جيل الحرب»: من الفئة العمرية إلى الظاهرة الاجتماعية
لا يُنظر إلى الجيل في الدراسات الاجتماعية الحديثة باعتباره مجرد مجموعة من الأفراد المتقاربين في العمر، بل بوصفه جماعةً اجتماعية تشكّلت هويتها ووعيها تحت تأثير خبرات تاريخية كبرى مشتركة.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الحرب الممتدة على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 باعتبارها حدثاً تأسيسياً مرشحاً لإنتاج جيل اجتماعي جديد يُعيد صياغة تصوراته وقيمه وأنماط إدراكه للمستقبل — بتعقيداتها الكاملة، تراجعاتها وتصاعداتها معاً.
2. الصدمة الجمعية والصدمة الهيكلية المركبة
بنت الأدبيات التقليدية تحليلها للحروب على مفهوم الصدمة النفسية الفردية (PTSD)، غير أن الحالة الغزية تتجاوز هذا الإطار نحو ما يمكن تسميته “الصدمة الهيكلية المركبة”؛ إذ لم تستهدف الحرب الأفراد فحسب، بل طالت في الوقت ذاته البنى التعليمية والصحية والاقتصادية والخدمية، مما أنتج انهياراً متزامناً لمنظومات الحماية والدعم واليقين الاجتماعي التي تشكل أساس خطط الأفراد وتوقعاتهم المستقبلية.
3. الأفق الزمني وتصور المستقبل
يرتكز مفهوم الأفق الزمني على نظرية فيليب زيمباردو التي تحدد العلاقة بين توجه الفرد الزمني وسلوكياته. في بيئات الغموض وعدم اليقين، يتقلص الأفق الزمني ويتراجع التخطيط بعيد المدى لصالح إدارة الحاضر.
4. المرونة الاجتماعية والتكيف الإيجابي
لا تستجيب المجتمعات للحروب بمنطق الانهيار الكامل دائماً، وفي الحالة الغزية، أفرزت بيئة الأزمة مبادرات مجتمعية ذاتية التنظيم وأشكالاً جديدة من التضامن لم تكن لتظهر في الظروف العادية.
5. التحول ما بعد الصادم
تُقدّم أدبيات علم النفس الإيجابي مفهوم «التحول ما بعد الصادم» (PTG) الذي يُثبت أن الصدمات الجسيمة قد تُفضي — إلى جانب آثارها المؤلمة — إلى نمو شخصي حقيقي يتجلى في: تعميق العلاقات الإنسانية، واكتشاف قدرات خفية، وانفتاح على إمكانيات حياتية جديدة، وتعزيز الروحانية والمعنى، وتوسيع الاهتمام بقضايا الآخرين.
6. بناء الهوية في سياق النزاع الممتد
تتشكل الهوية الفردية والجماعية عادةً عبر التفاعل بين الخبرات الشخصية والبيئة الاجتماعية والسياسية، وتُظهر الدراسات المقارنة للأجيال التي نشأت في ظل نزاعات ممتدة أن الخبرات الجمعية العنيفة — رغم وطأتها — تترك في الوقت ذاته أثراً دائماً في تعميق أنماط الانتماء والوعي السياسي والمسؤولية المجتمعية.
ثانياً: سياق تشكل جيل الحرب
1. الحرب بوصفها حدثاً مؤسساً للأجيال
لا تتشكل الأجيال التاريخية في الظروف الاعتيادية، بل في لحظات التحول الكبرى، وقد أنتجت الحروب الكبرى في التاريخ الحديث أجيالاً ذات خصائص مميزة: جيل الحربين العالميتين في أوروبا، وجيل ما بعد الإبادة في رواندا، وجيل إعادة الإعمار في ألمانيا الغربية، ولعل الشاهد الأبلغ دلالةً أن هذه الأجيال ذاتها — رغم الصدمات الهائلة التي عاشتها — كانت بانية الحضارات ورائدة النهضات في مجتمعاتها.
وبحسب التقييم الأممي الصادر في أبريل 2026، بلغت الأضرار المادية المباشرة في قطاع غزة نحو 35.2 مليار دولار، فيما قُدّرت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية بحوالي 22.7 مليار دولار، مع انكماش اقتصادي يُقارب 84% مقارنةً بمستويات ما قبل الحرب وفق التقييم المشترك للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي (2026).
2. الانهيار المؤسساتي الشامل
أدت الحرب إلى تعطيل أو إضعاف معظم المؤسسات التي تشكّل ركائز الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وفي المجتمعات المستقرة، توفر هذه المؤسسات للأفراد قدراً من اليقين يُمكّنهم من التخطيط للمستقبل، أما في الحالة الغزاوية، فقد تعرضت هذه الركائز لهزة عميقة، الأمر الذي انعكس مباشرةً على تصورات الشباب للمستقبل وفرصهم المتاحة.
3. انهيار التعليم ورأس المال البشري
يمثل قطاع التعليم أكثر القطاعات تضرراً، وأثمنها على المدى البعيد، وتعرضت نحو 90% من المباني المدرسية للتدمير أو الضرر بدرجات مختلفة، كما أفادت التقييمات بأن 95% من مقار الجامعات والكليات تضررت. وتُشير تقديرات الأونروا إلى أن الشباب قد يكونون فقدوا ما يصل إلى خمس سنوات تعليمية كاملة، الأمر الذي يُهدد بتآكل جزء كبير من رأس المال البشري الفلسطيني المتراكم.
4. الانهيار الاقتصادي وتعطل مسارات الانتقال إلى الرشد
ترتبط مرحلة الشباب عادةً بسلسلة تحولات محددة: إكمال التعليم، والعمل، والاستقلال الاقتصادي، وتكوين الأسرة، وقد عطّلت الحرب هذه المسارات بصورة متزامنة؛ إذ أدى انكماش الاقتصاد بنحو 84% إلى تراجع فرص العمل إلى مستويات غير مسبوقة، مما جعل الانتقال التقليدي من الدراسة إلى الحياة المهنية أكثر صعوبةً وتأخراً.
5. النزوح وإعادة تشكيل المجال الاجتماعي
تعرّض نحو 1.9 مليون فلسطيني للنزوح خلال الحرب — وغالباً بصورة متكررة — بينما فقد أكثر من 60% من السكان مساكنهم كلياً أو جزئياً، وتعرض أكثر من 371 ألف وحدة سكنية للتدمير أو الضرر، وأدى ذلك إلى تفكيك الكثير من البيئات الاجتماعية التقليدية، وتغير أنماط التفاعل اليومي، وتراجع الإحساس بالاستقرار المكاني والزمني.
ثالثاً: التحولات النفسية والاجتماعية لدى جيل الحرب
يُعدّ هذا الفصل ذا طابع مزدوج؛ إذ يرصد في الوقت ذاته التكاليف النفسية والاجتماعية الجسيمة للحرب، والمخرجات الإيجابية التي برزت بوصفها ظاهرةً اجتماعية موثقة ومُثيرة للاهتمام البحثي.
أ. الآثار النفسية والاجتماعية السلبية
1. من الصدمة الفردية إلى الصدمة الجمعية
لم تقتصر الحرب على استهداف الأفراد أو المساكن، بل مسّت بصورة متزامنة معظم مكونات الحياة الاجتماعية؛ من الأسرة والمدرسة والجامعة وسوق العمل إلى شبكات العلاقات الاجتماعية والمؤسسات العامة، ونتيجةً لذلك لم يعد الشباب يواجهون صدمات فردية منفصلة، بل أصبحوا جزءاً من تجربة جمعية مشتركة قوامها الفقدان والنزوح وعدم اليقين والانكشاف المستمر أمام المخاطر.
| المصدر | النسبة المُقدّرة / الاتجاه | المؤشر النفسي |
| WHO/IASC, 2024-2025 | 54-90% من الشباب 18-35 | أعراض PTSD (مستويات متفاوتة بحسب الأداة) |
| IMC/MSF, 2024 | 79-97% | أعراض الاكتئاب (متوسطة إلى شديدة) |
| OCHA/WHO, 2024-2025 | 79-94% | اضطرابات القلق العام |
| Save the Children, 2024 | 88% من الشباب 18-35 | إلغاء الخطط الأكاديمية والمهنية طويلة الأمد |
| Save the Children, 2024 | 72% | رؤية المستقبل تهديداً لا أملاً |
| MSF, 2024-2025 | اتجاه موثق | بلادة الاستجابة الانفعالية (نمط سائد في 2025-2026) |
ملاحظة: التباين في نسب اضطراب ما بعد الصدمة PTSD يعكس اختلاف أدوات القياس وتباين العينات الجغرافية، والاتجاه التصاعدي عبر المراحل الزمنية موثق في مجمل التقارير.
2. انكماش الأفق الزمني وتحولات الشعور بالأمان
أدى تداخل الحرب والنزوح وتعطل التعليم والانهيار الاقتصادي إلى خلق بيئة أصبح فيها التخطيط بعيد المدى بالغ الصعوبة، فبدلاً من «أين سأكون بعد خمس سنوات؟»، أصبح السؤال «كيف سأؤمن احتياجات أسرتي خلال الأشهر القادمة؟»، وقد أدى تراجع الإحساس بالاستقرار المكاني والزمني إلى إضعاف الشعور بالأمان الوجودي الذي يشكل أساس بناء المشاريع الحياتية طويلة الأمد.
3. أزمة الثقة المؤسسية
وضعت الحرب المؤسساتِ أمام اختبارات غير مسبوقة من حيث قدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية أو توفير الحماية، وفي هذه البيئة، تميل الأجيال الشابة إلى إعادة تقييم علاقتها بالمؤسسات الرسمية والسياسية، مع تنامي النزعة النقدية وارتفاع سقف التوقعات من حيث الكفاءة والشفافية والمساءلة.
ب. التأثيرات الإيجابية لجيل الحرب — قراءة في المخرجات البنّاءة
رصدت الأدبيات المقارنة المتعلقة بأجيال الحروب والأزمات ظاهرةً موثقة ومتكررة: الأزمات الكبرى لا تُنتج دماراً فحسب، بل تستدعي من أعماق المجتمعات طاقاتٍ كامنة وقيماً سامية قد تبقى هامشيةً أو كامنة في زمن الرخاء، وفي الحالة الغزاوية، يمكن رصد مجموعة من التأثيرات الإيجابية الموثقة على شخصية الجيل وقيمه:
1. تعميق قيم التضحية والإيثار وثقافة التكافل
كشفت الحرب بصورة استثنائية عن قيم التضحية والإيثار والتكافل في أعمق تجلياتها، ووثّق برنامج UNDP (2024-2025) أكثر من 180 مبادرة مجتمعية تلقائية نشأت في مراكز الإيواء والمخيمات، قادها شبابٌ تطوعوا بوقتهم وجهدهم — وأحياناً بموردهم الشحيحة — لخدمة المجتمع في أشد اللحظات وطأةً.
وتُشير المقابلات النوعية إلى نماذج لافتة: الشباب الذين حولوا مهاراتهم الطبية والهندسية والتقنية إلى خدمة جماعية مجانية، والشابات اللواتي أنشأن دور إغاثة بأيديهن، والطلاب الذين قدّموا أنفسهم معلمين متطوعين في مخيمات النزوح، وهذه التجارب تُقدّم نموذجاً حياً في الاستجابة المباشرة لمعاناة الآخر.
2. تعزيز الوعي الوطني والانتماء الجمعي العميق
تُظهر تجارب الأجيال المقارنة أن الأزمات الوطنية الكبرى — حين تُعاش جماعياً — تُنتج ارتباطاً وجودياً بالهوية الجماعية يتجاوز بكثير ما تُنتجه ظروف الاستقرار، وفي قطاع غزة، أفرزت الحرب وعياً وطنياً عميقاً يرتكز لا على الخطاب بل على التجربة المباشرة المشتركة: الفقد المشترك، والنزوح المشترك، وإرادة الصمود المشتركة.
ويُشير مسح مؤسسة استطلاع الرأي والأبحاث المسحية الفلسطينية PCPSR (2026) إلى أن 83% من الشباب في الفئة 18-35 يُعبّرون عن ارتفاع ملحوظ في إحساسهم بالانتماء الوطني مقارنةً بما قبل الحرب، وأن 71% يرون في تجربة الحرب — رغم مأساويتها — لحظةً مُعرِّفة لهويتهم بصورة أعمق مما فعلته أي تجربة سابقة.
3. نضج مبكر واكتساب مهارات الأزمات
أكدت الأدبيات النفسية المقارنة أن التعرض للمعاناة وتجاوزها يُطوّر لدى الأفراد مهاراتٍ حياتيةً لا تُكتسب في الظروف الاعتيادية: القدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط، وإدارة الموارد الشحيحة، والتعامل مع الغموض، وتحديد الأولويات في أوقات الأزمات، والتفاوض والتواصل في البيئات عالية التعقيد.
ويُشير الباحثون المتخصصون في سيكولوجيا الصمود إلى أن الأجيال التي نشأت في بيئات الأزمة الشديدة أبدت لاحقاً مستويات استثنائية من المرونة والمسؤولية المجتمعية وأخلاق العمل الجماعي.
4. ظهور قيادات شبابية غير تقليدية
دفعت الحرب الشباب إلى تولي أدوار قيادية في سن مبكرة كانت ستستغرق سنواتٍ طويلة في الظروف الطبيعية، ووثّقت اليونيسف ومنظمات إنسانية عدة نماذج لشباب في العشرينيات من أعمارهم يُديرون شبكات إغاثة معقدة، ويُنظمون صفوفاً تعليمية لمئات الأطفال، ويُقودون مبادرات طبية ميدانية — مما يُشكّل تدريباً قيادياً حياً لا تُوفّره برامج التطوير القيادي
المؤسسية.
| «قبل الحرب كنت طالبة ثانوية، واليوم أُدير مركزاً لتعليم 200 طفل. لم أختر هذا، لكنني اكتشفت أنني أستطيع.» — شابة، 21 عاماً، دير البلح، مقابلة أبريل 2026 |
5. إعادة اكتشاف العلاقات الإنسانية العميقة
كشفت الأزمة عما يمكن وصفه بـ«تقطير العلاقات»: إذ أُفرغت الحياة الاجتماعية من كثير من السطحية، وبقيت في مركزها الروابط الأساسية التي أثبتت قيمتها في الشدة، ويُشير كثير من الشباب في المقابلات إلى أن الحرب «علّمتهم» قيمة الأشخاص على حساب الأشياء، والعلاقات على حساب الأصول.
6. تصاعد الوعي النقدي والانخراط العالمي
أنتجت الحرب جيلاً يُراقب — عبر الفضاء الرقمي — ردود فعل العالم على المأساة التي يعيشها بصورة مباشرة، وهذه التجربة ولّدت وعياً نقدياً عميقاً بالقانون الدولي ومنظومة حقوق الإنسان والسياسة الدولية، يتجاوز المعرفة النظرية إلى الإدراك التجريبي المعاش، ويُقدّر المراقبون أن هذا الجيل سيحمل معه — إلى مرحلة ما بعد الحرب — مستوىً من الوعي السياسي والدولي غير مسبوق في تاريخ الأجيال الفلسطينية.
7. ترسيخ قيم الفداء والشهادة بوصفها منظومة أخلاقية محورية
يستحق أن يُشار إلى ما يمكن وصفه بـ«الأثر التربوي للشهادة»؛ فقد تشكّل جيل الحرب في وسط شواهد حية ومستمرة على التضحية والفداء في أسمى معانيها، ورأى هؤلاء الشباب — عبر التجربة المباشرة لا عبر الكتب — نماذج بشرية حقيقية لمعنى الإقدام والبذل والتضحية بالنفس من أجل الآخر والوطن، ويُعدّ هذا الأثر التربوي من أعمق ما يتشكل من قيم في وعي الأجيال التي تعيش مثل هذه اللحظات التاريخية.
رابعاً: إعادة تعريف القيم والمفاهيم الاجتماعية
1. قراءة في جدلية القطيعة والاستمرارية
لا ينبغي النظر إلى التحولات القيمية عند جيل الحرب بوصفها قطيعةً كاملة مع المنظومة القيمية السابقة. فالقيم التقليدية الكبرى — أهمية التعليم، وقدسية الأسرة، والانتماء الوطني، وقيمة العمل — ما زالت حاضرةً بقوة في وعي الشباب، غير أن الحرب أعادت ترتيبها وتجديد أشكال تجسيدها في الواقع.
| منتصف 2026 | ما قبل أكتوبر 2023 | البُعد |
| الصمود والمرونة والقدرة على إعالة الشبكة الأسرية | المنصب والشهادة العليا والمكانة | معيار النجاح |
| المهارة الوظيفية المرنة القابلة للنقل عبر الحدود | المؤهل الأكاديمي ومسار مهني مخطط له | قيمة التعليم |
| تنويع الدخل والعمل الحر ورأس المال البشري المتنقل | الوظيفة المستقرة والراتب الثابت | الأمن الاقتصادي |
| السيولة النقدية والمهارة غير المرتبطة بالمكان | ملكية الأصول الثابتة (الأرض والعقار) | الاستقرار المادي |
| العلاقات المباشرة والشبكة الاجتماعية الحية | المكان والمؤسسة والتنظيم | مصدر الانتماء |
| قيمة وجودية وهوياتية وأخلاقية ومدنية وتنموية في آن واحد | البقاء على الأرض ومقاومة الضغوط | مفهوم الصمود |
2. صعود رأس المال الاجتماعي
أظهرت الحرب بصورة قاطعة أن العلاقات الاجتماعية ليست مكمّلاً للحياة بل ركيزتها، وفي ظل تراجع قدرة المؤسسات الرسمية، ازدادت أهمية الأسرة الممتدة وشبكات الجوار والمبادرات الشبابية والتضامن المجتمعي، وأصبح رأس المال الاجتماعي أحد أهم الأصول التي يعتمد عليها الشباب في مواجهة آثار الحرب — مادياً ونفسياً ومعلوماتياً.
خامساً: التحولات السياسية لدى جيل الحرب
1. الحرب وإعادة تشكيل الوعي السياسي
لا تقتصر الحروب الممتدة على إعادة تشكيل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بل تُعيد أيضاً بناء العلاقة بين الأفراد والسياسة، فالأجيال التي تنشأ في ظروف النزاع لا تتلقى مواقفها السياسية بصورة مجردة، بل تبنيها من خلال الخبرة اليومية المباشرة، وتُشير دراسات التنشئة السياسية في المجتمعات الخارجة من النزاعات إلى أن الخبرة المباشرة مع الصراع تُصبح العامل الأكثر تأثيراً في تشكيل الاتجاهات السياسية.
2. إعادة تعريف مفهوم الصمود والمقاومة
ظلّ مفهوم الصمود أحد المفاهيم المركزية في التجربة الفلسطينية، لكن الحرب الممتدة أضافت إليه أبعاداً جديدة تتجاوز الدلالة السياسية التقليدية:
• صمود الحضور المادي على الأرض رغم ضغوط التهجير والدمار.
• صمود العملية التعليمية رغم انهيار المؤسسات الرسمية.
• صمود الروابط الاجتماعية والمجتمعية في مواجهة قوى التفكيك.
• صمود المبادرة الاقتصادية في ظروف الانهيار الشامل.
• صمود الوعي الوطني وانتقاله من الجيل الأكبر إلى جيل الحرب عبر الشهادة الحية.
3. من المشاركة الحزبية إلى المبادرات المجتمعية
دفعت الحرب كثيراً من الشباب نحو أشكال جديدة من المشاركة العامة تقوم على المبادرة المجتمعية والعمل المدني أكثر من اعتمادها على الأطر التنظيمية التقليدية، وتتوافق هذه الملاحظة مع نتائج دراسات دولية مقارنة تُظهر أن الشباب في البيئات المتأثرة بالنزاعات يميلون نحو أشكال المشاركة المدنية المحلية المباشرة عندما تتراجع فاعلية القنوات السياسية التقليدية.
4. الوعي النقدي بالمنظومة الدولية
أنتجت الحرب وعياً نقدياً جمعياً غير مسبوق تجاه المنظومة الدولية: القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والمؤسسات الأممية، والحكومات الغربية، ولم يعد هذا الوعي نظرياً بل تجريبياً — مُستقىً من مراقبة التناقضات بين الخطاب والفعل، ومن مقارنة الاستجابة الدولية لأزمات مختلفة. ومن المرجح أن يُشكّل هذا الوعي أحد أبرز ملامح جيل الحرب في تعاملاته مع الشأن الدولي مستقبلاً.
سادسًا: جيل الحرب في سياق الأجيال الفلسطينية المتعاقبة
المقارنة التاريخية
تكشف المقارنة بين الأجيال الفلسطينية المتعاقبة أن جيل الحرب لا يمثل قطيعةً كاملة ولا امتداداً مباشراً، بل يمثل تركيباً نوعياً جديداً.
| الجيل | الحدث التأسيسي | السمة الجوهرية | الموروث لجيل الحرب |
| جيل النكبة (1948) | التهجير والاقتلاع | البقاء والتمسك بالعودة | خبرة الفقدان والمقاومة الوجودية |
| جيل الثورة (1960-70) | صعود الحركة الوطنية | مركزية القضية والتنظيم | الوعي الوطني والانتماء السياسي |
| جيل الانتفاضة (1987) | الفعل الجماهيري الشعبي | المبادرة المجتمعية المحلية | روح التنظيم الذاتي والمبادرة |
| جيل الحصار (بعد 2007) | الحصار والأزمات المتكررة | التكيف مع الضغط المزمن | مهارات التكيف والصمود في المحدودية |
| جيل الحرب (2023-2026) | الحرب الشاملة الممتدة | إعادة التعريف الوجودي الشامل | — |
يحمل جيل الحرب من كل جيل سابق إرثاً نوعياً: من جيل النكبة خبرة الفقدان الجماعي والتمسك الوجودي؛ ومن جيل الثورة مركزية القضية الوطنية؛ ومن جيل الانتفاضة روح المبادرة المجتمعية؛ ومن جيل الحصار مهارات التكيف مع الأزمات، لكنه يجمع هذه الإرثات في سياق جديد وغير مسبوق من حيث الشمولية والعمق والامتداد.
سابعاً: الاستنتاجات ومناقشة الفرضية الرئيسة
1. هل نحن أمام «جيل حرب» فلسطيني جديد؟
انطلقت هذه الدراسة من فرضية مفادها أن الحرب الممتدة منذ أكتوبر 2023 لم تترك آثاراً إنسانية ومادية فحسب، بل أسهمت في تشكيل جيل فلسطيني جديد يمتلك خصائص اجتماعية ونفسية وقيمية وسياسية مميزة، وتُشير النتائج التحليلية إلى أن هذه الفرضية تحظى بدرجة عالية من التماسك التفسيري.
غير أن الخلاصة الأهم هي أن هذا الجيل لا يمكن فهمه بمعادلة أحادية البُعد: ليس مجرد ضحية الحرب، ولا مجرد بطل الصمود، بل هو جيل يحمل في داخله في الوقت ذاته: ندوب الصدمة وقدرات المرونة؛ انكسارات الفقد واكتشافات التجربة؛ ضياع الخطط وإعادة اختراع المعنى.
2. الخصائص الجوهرية لجيل الحرب
– جيل تشكّل في بيئة انهيار شامل غير مسبوق في التاريخ الفلسطيني المعاصر.
– جيل يعيش في ظل عدم يقين ممتد أعاد تعريف علاقته بالمستقبل والتخطيط.
– جيل أعاد تعريف النجاح وفق معايير المرونة والاستمرار والمسؤولية المجتمعية.
– جيل أكثر نقدية ووعياً سياسياً، يُقيّم الأداء بمعيار الفاعلية والنتائج لا الخطاب والشعارات.
– جيل شهد على نماذج حية للتضحية والفداء والإيثار جعلت منه حاملاً لمنظومة قيمية وطنية وإنسانية عميقة.
– جيل يجمع بين المحلية والعالمية بفضل بيئة رقمية مكّنته من التفاعل مع الفضاء الدولي مباشرةً.
الخلاصة
تكشف هذه الدراسة أن الحرب الممتدة على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم تُنتج مجرد أزمة إنسانية عابرة أو آثاراً نفسية واجتماعية مؤقتة، بل أسهمت في تشكّل ما يمكن وصفه بـ”جيل الحرب”، وهو جيل يتكوّن وعيه الجمعي والفردي في ظل تجربة تاريخية استثنائية اتسمت بالشمولية والعمق والامتداد الزمني، وقد أظهرت الدراسة أن هذا الجيل يواجه تحديات مركبة ناجمة عن الصدمة الجمعية، وانهيار المؤسسات، وتعطل التعليم، وتراجع الفرص الاقتصادية، وتفكك كثير من أنماط الاستقرار الاجتماعي، الأمر الذي انعكس على تصوراته للمستقبل ومسارات انتقاله إلى الحياة المهنية والاجتماعية.
وفي المقابل، بيّنت الدراسة أن قراءة جيل الحرب من زاوية الخسائر وحدها تبقى قراءة ناقصة؛ إذ أفرزت التجربة أيضاً تحولات إيجابية ذات دلالات بعيدة المدى، تمثلت في تعميق قيم التضامن والتكافل، وتعزيز الانتماء الوطني، وظهور أنماط جديدة من القيادة والمبادرة المجتمعية، واكتساب مهارات التكيف وإدارة الأزمات، وتنامي الوعي السياسي والنقدي تجاه القضايا الوطنية والدولية، وتؤكد هذه المخرجات أن المجتمعات لا تستجيب للحروب بمنطق الانهيار وحده، بل تمتلك قدرة كامنة على إعادة إنتاج ذاتها وتطوير أشكال جديدة من الصمود والفاعلية.
كما توصلت الدراسة إلى أن جيل الحرب لا يمثل امتداداً بسيطاً للأجيال الفلسطينية السابقة ولا قطيعة معها، بل يشكل تركيباً تاريخياً جديداً يجمع بين خبرات النكبة، وروح المبادرة التي أفرزتها الانتفاضات، ومهارات التكيف التي فرضها الحصار، ضمن سياق غير مسبوق من حيث حجم الدمار وشمولية التأثير. ومن المرجح أن يكون هذا الجيل أحد أهم الفاعلين في صياغة ملامح المجتمع الفلسطيني في مرحلة ما بعد الحرب، بما يحمله من تجارب ومعارف وقيم تشكلت في واحدة من أكثر المحطات قسوة وتأثيراً في التاريخ الفلسطيني المعاصر.
وعليه، فإن التحدي المركزي في السنوات المقبلة لن يقتصر على إعادة إعمار الحجر والبنية التحتية، بل سيتركز بالدرجة الأولى على الاستثمار في الإنسان الفلسطيني، وتمكين جيل الحرب من استعادة فرص التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية، وتحويل ما راكمه من خبرات الصمود والمرونة إلى طاقة بنّاءة قادرة على الإسهام في إعادة بناء المجتمع الفلسطيني وتعزيز قدرته على مواجهة التحولات المستقبلية.
التوصيات
1. تطوير استراتيجية وطنية شاملة لاستعادة رأس المال البشري الفلسطيني، تركز على تعويض الفاقد التعليمي، وإعادة دمج الشباب في مسارات التعليم والتدريب والتأهيل المهني، باعتبار التعليم المدخل الأساسي لإعادة بناء المجتمع بعد الحرب.
2. إنشاء صناديق وطنية ودولية لدعم مرونة الشباب الاقتصادية، وتوفير التمويل الميسر والمنح الأولية للمشروعات الريادية القابلة للنمو، خاصة في القطاعات المعرفية والتكنولوجية.
3. الاستثمار في تنمية مهارات المستقبل لدى الشباب، بما يشمل البرمجة، والتصميم الرقمي، وصناعة المحتوى، والعمل الحر عبر المنصات الرقمية، والإدارة المالية الحديثة.
4. اعتماد مقاربة شاملة للتعافي النفسي والاجتماعي تربط بين الدعم النفسي وإعادة البناء المجتمعي والاقتصادي، وتتجاوز التدخلات الإسعافية قصيرة الأمد إلى برامج تعافٍ مستدامة.
5. تطوير برامج للصحة النفسية تستند إلى الخصوصية الثقافية والدينية الفلسطينية، وتستثمر عوامل الصمود المجتمعي والتحول الإيجابي بعد الصدمات لتعزيز المرونة الفردية والجمعية.
6. إشراك الشباب بصورة فعلية في عمليات التخطيط وإعادة الإعمار وصنع السياسات العامة، وضمان تمثيلهم في الهيئات الاستشارية والتنموية والرقابية ذات الصلة بمستقبل القطاع.
7. دعم المبادرات المجتمعية الشبابية التي برزت خلال الحرب وتحويلها إلى مؤسسات أو شبكات عمل مستدامة قادرة على الإسهام في التنمية وإعادة البناء.
8. توثيق التجارب والخبرات التي راكمها جيل الحرب، بما في ذلك نماذج التضحية والتكافل والقيادة والمبادرة المجتمعية، وتحويلها إلى رصيد معرفي وتربوي للأجيال القادمة.
9. إنشاء مرصد وطني متخصص لدراسة التحولات النفسية والاجتماعية والسياسية والقيمية لدى الشباب الفلسطيني، وتوفير قاعدة بيانات دورية تدعم عملية التخطيط وصنع القرار.
10. تعزيز التواصل بين جيل الحرب داخل فلسطين والتجمعات الفلسطينية في الخارج، والاستفادة من طاقات وخبرات شبكات الشتات في دعم مسارات التعافي والتنمية وإعادة الإعمار.
“إن التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمع الفلسطيني بعد الحرب لا يتمثل فقط في إعادة بناء ما دمرته الحرب من حجر ومؤسسات، بل في تمكين جيل كامل تشكل وعيه في ظلها، وتحويله من جيل نجاة وصمود إلى جيل بناء وتنمية ومستقبل.”
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يونيو 2026 — جميع الحقوق محفوظة



