الحرب على الجسد الفلسطيني: العنف الجنسي بين استراتيجيات الإخضاع ومنظومة الإفلات من العقاب

أ. إبراهيم الحواجري- خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية- تحليل سياسات

الملخص التنفيذي
في مايو 2026، أُدرج الكيان الإسرائيلي لأول مرة في تاريخ تقارير الأمم المتحدة على القائمة السنوية للأطراف المشتبه في ارتكابها العنف الجنسي في النزاعات، وذلك في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة (S/2025/389)، وتمثّل هذه الخطوة تحولاً نوعياً في طريقة تناول المؤسسات الدولية لهذا الملف، بعد سنوات من التوثيق التراكمي.
رصد تقرير الأمم المتحدة الصادر عام 2026 وقائع موثقة تخص 14 رجلاً و7 نساء و9 أطفالاً ذكوراً وفتاة واحدة من غزة والضفة الغربية، شملت الاغتصاب باستخدام أدوات، والاغتصاب الجماعي المتكرر، غير أن التقرير نفسه أشار صراحةً إلى أن هذه الحالات “لا ترسم الصورة الكاملة، بل تشير إلى نمط أشمل يمتد على فترات مطولة”.
تتبنى هذه الدراسة فرضيةً مركزية مدعومة بأدلة موثقة: أن العنف الجنسي المرتكب بحق الفلسطينيين ليس سلوكاً فردياً عارضاً، بل يندرج في منظومة ممنهجة تخدم أهدافاً سياسية، تشمل إنتاج الخوف الجمعي وترسيخ علاقات السيطرة والإخضاع في ظل استمرار الاحتلال.
تستند الدراسة إلى تقارير أممية رسمية وتحقيقات مستقلة، وتسعى إلى تقديم تحليل متعدد الأبعاد يجمع بين المستويات السياسية والقانونية والاجتماعية والنفسية.

مقدمة

اتجه الاهتمام الدولي منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023 نحو أبعادها الأكثر وضوحاً وقابلية للقياس: أعداد الضحايا وحجم التدمير والكارثة الإنسانية، وفي المقابل، ظل ملف العنف الجنسي من أكثر الملفات حساسيةً وأقلها حضوراً في النقاشات السياسية والإعلامية، رغم خطورته القانونية والإنسانية البالغة.

شكّل صدور تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في مايو 2026 وإدراج الكيان الإسرائيلي على قائمة الأطراف المشتبه بارتكابها عنفاً جنسياً في النزاعات حدثاً استثنائياً دفع هذا الملف إلى دائرة الضوء، غير أن فهمه الحقيقي يستلزم قراءة أعمق من مجرد رصد الأرقام والوقائع، إذ يستدعي تحليل البنية السياسية والاستراتيجية التي تحكم هذه الممارسات وترسم سياقها.

تطرح هذه الدراسة سؤالاً محورياً: هل تمثل الانتهاكات الجنسية الموثقة بحق الفلسطينيين حالات فردية معزولة، أم تعكس نمطاً من ممارسات القوة المرتبطة ببنية الاحتلال ومنظومة السيطرة على السكان؟ للإجابة عن هذا السؤال، تعتمد الدراسة مقاربةً متعددة الأبعاد تجمع بين التحليل السياسي والقانوني والاجتماعي والنفسي، مستفيدةً من المنهج المقارن عبر استحضار تجارب دولية ذات صلة.

أولاً: العنف الجنسي في النزاعات المسلحة — الإطار النظري

من السلوك العارض إلى الأداة الاستراتيجية

شهدت العقود الثلاثة الماضية تحولاً جذرياً في فهم ظاهرة العنف الجنسي أثناء النزاعات، وكانت الأدبيات القديمة تنظر إلى الاغتصاب الحربي باعتباره “غنيمةً” أو سلوكاً عفوياً غير منضبط، غير أن تجارب البوسنة (1992-1995) ورواندا (1994) والكونغو الديمقراطية (2008 وما تلاه) أعادت رسم هذا الإطار جذرياً.

وقد خلصت لجنة الاستفسار الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في تقريرها الصادر مارس 2025 إلى أن “تكرار العنف الجنسي والنوعي وحجمه وشدته في الأرض الفلسطينية المحتلة يؤكد أنه يُستخدم بشكل متزايد أداةً حربية من قبل الكيان الإسرائيلي بهدف زعزعة استقرار المجتمع الفلسطيني وهيمنته وقمعه”. وأضافت اللجنة برئاسة نافي بيلاي أن أشكال العنف الجنسي موثقة الوقوع إما جرت “بموجب أوامر صريحة أو بتشجيع ضمني من القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية في أعلى مستوياتها”.

ملاحظة تحليلية

تميّز الأدبيات الأكاديمية بين ثلاثة أنماط للعنف الجنسي في النزاعات: (أ) الفرصي العشوائي المرتبط بانهيار الانضباط، (ب) الممارسة الجماعية التي تتسامح معها القيادة، (ج) الاستراتيجي المُوجَّه مؤسسياً، والأدلة المتوافرة في الحالة الفلسطينية تجمع بين النمطين الثاني والثالث، مما يجعل مسألة المسؤولية المؤسسية محورية قانونياً وسياسياً.

التجربتان المقارنتان: البوسنة والكونغو

تُقدم التجربتان المقارنتان الآتيتان نموذجين مختلفين للعنف الجنسي الاستراتيجي، يساعدان على فهم خصائص الحالة الفلسطينية:

في البوسنة، وثّقت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY) ارتكاب اغتصاب منظم بوصفه أداةً للتطهير العرقي، حيث كانت النساء يُعتقلن في مخيمات خُصصت للاغتصاب الجماعي بهدف تدمير الرابط الاجتماعي للمجتمع المستهدف، واعترفت المحكمة بأن الاغتصاب يمكن أن يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية حين يُوجَّه لتدمير المجموعة من الداخل.

في الكونغو الديمقراطية، رصدت الأبحاث الميدانية استخدام العنف الجنسي بوصفه أداةً لإخضاع المجتمعات في مناطق النزاع، حيث يؤدي وظيفة نقل الصدمة من الفرد إلى المجتمع المحيط به ويُعيق قدرة الأخير على الصمود.

أوجه الشبه مع الحالة الفلسطينية واضحة: الانتهاكات ترتكب في سياق حصار واحتلال ممتد، وتشمل فئات محددة (الرجال والأولاد بنسبة لافتة في الاحتجاز)، ويصاحبها التصوير والتوثيق والنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي كأداة للإذلال الممتد.

غير أن الحالة الفلسطينية تتميز بوقوعها في سياق احتلال استيطاني مديد، مما يُضيف بُعداً بنيوياً يجعل العنف الجنسي جزءاً من منظومة تحكم قائمة وليس مجرد أداة حرب طارئة.

ثانياً: الوقائع الموثقة — ماذا كشفت التقارير الدولية؟

القائمة الأممية السوداء: تقرير 2026

في 29 مايو 2026، نشر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش التقرير السنوي للعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات (S/2025/389)، ليُضاف اسم الكيان الإسرائيلي للمرة الأولى إلى قائمة الأطراف المشتبه بارتكابها هذا النوع من الانتهاكات منذ بدء هذه القائمة قبل خمسة عشر عاماً.

وقد وثّق التقرير في عام 2025 وحده 31 حالة موثقة تتوزع على الفئات التالية:

–  14 رجلاً، 7 نساء، 9 أطفالاً ذكوراً، وفتاة واحدة من غزة والضفة الغربية

–  اغتصاب باستخدام أدوات واغتصاب جماعي متكرر طال 9 ضحايا أغلبهم من غزة

–  عنف جسدي موجه نحو الأعضاء التناسلية وحالات تصويب متعمد للرصاص باتجاهها

–  تعرية قسرية وتصوير في أوضاع مهينة في 10 حالات موثقة على الأقل ونشرها عبر الإنترنت

– تفتيش تجاويف الجسد دون مبرر أمني واضح وإخضاع للتعري الكامل مرات متعددة

وأفاد التقرير بصراحة بأن الحالات الموثقة “تعكس نمطاً أشمل يمتد عبر فترات زمنية طويلة، وليست قائمةً شاملة”، مشيراً إلى أن حرمان المحققين الأمميين من الوصول إلى مرافق الاحتجاز يُقيّد قدرتهم على الرصد الشامل.

 (المصدر: تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول العنف الجنسي في النزاعات، S/2025/389، مايو 2026).

تقرير لجنة الاستفسار: مارس 2025

سبق ذلك تقرير اللجنة الاستفسارية الدولية المستقلة الصادر في 13 مارس 2025، المعنون “أكثر مما يحتمله الإنسان: الاستخدام الممنهج لإسرائيل للعنف الجنسي والإنجابي وغيره من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي منذ أكتوبر 2023″، وهو وثيقة من 49 صفحة قُدمت إلى مجلس حقوقالإنسان. وخلص التقرير إلى نتائج بالغة الخطورة، أبرزها:

– أن التعرية العلنية القسرية والتحرش الجنسي بما فيه التهديد بالاغتصاب والاعتداء الجنسي تُمثّل “إجراءات تشغيل معتادة” لقوات الجيش الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين.

– أن أشكالاً أشد خطورة من العنف الجنسي بما فيها الاغتصاب ارتُكبت “إما بموجب أوامر صريحة أو بتشجيع ضمني من القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية في أعلى مستوياتها”.

– أن “إسرائيل” دمّرت ممنهجةً منشآت الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية في غزة بما فيها مستشفيات الأمومة ومراكز أطفال الأنابيب.

– أن نافي بيلاي، رئيسة اللجنة، خلصت إلى أنه “لا مهرب من الاستنتاج بأن إسرائيل وظّفت العنف الجنسي ضد الفلسطينيين لإرهابهم وإدامة نظام قمعي يزعزع حقهم في تقرير المصير”.

(المصدر: التقرير الخاص للجنة الاستفسارية الدولية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، A/HRC/58/CRP.6، مارس 2025).

مراكز الاحتجاز: شهادات وتحقيقات موثقة

برزت مرافق احتجاز بعينها في شهادات متعددة ومتقاطعة من مصادر مستقلة، أبرزها:

معسكر سدي تيمان

وثّقت منظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان في تقريرها الصادر في 5 أغسطس 2024 «أهلاً بك في الجحيم» شهادات 55 فلسطينياً محرراً، واصفةً المنشأة بأنها “جزء من شبكة مخيمات تعذيب”، ووثّق التقرير حالات اغتصاب باستخدام أدوات معدنية، وعنفاً جنسياً تسبب في وفاة معتقل على الأقل، فضلاً عن استخدام الكلاب في الاعتداء الجنسي على المعتقلين، وهو ما أكدته تحقيقات منفصلة أجرتها شبكة الجزيرة (أكتوبر 2024) وصحيفة نيويورك تايمز (مايو 2026).

في فبراير 2025، أُحيل خمسة جنود من الاحتياط إلى المحاكمة بسبب اعتداء جنسي جسيم في صدي تيمان، لكن لوائح الاتهام أغفلت تحديداً تهم الاغتصاب رغم توافر أدلة مادية وتسجيلات مرئية، وفي مارس 2026، أُسقطت جميع التهم، وهو ما وصفته الأمم المتحدة بأنه يُعمّق منظومة الإفلات من العقاب.

سجن مجدو وسجن النقب (كتسيوت) ومركز إيتسيون

وثّق تقرير الأمم المتحدة (S/2025/389) 12 حادثة عنف جنسي موثقة في هذه المرافق الثلاثة، نفّذها عناصر من جيش الاحتلال وجهاز السجون الإسرائيلي بما فيه وحدة “نحشون” والقوات الخاصة “كيتر” وجهاز الشاباك ووحدة مكافحة الإرهاب في الشرطة “يمام”.

كذلك وثّق مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان أن الحكومة الإسرائيلية أفرجت عن 1968 معتقلاً فلسطينياً في إطار اتفاق وقف إطلاق النار، في حين لا يزال أكثر من 9000 فلسطيني محتجزاً يشمل ذلك 4000 منهم قيد الاعتقال الإداري دون توجيه اتهامات أو محاكمة.

(المصادر: بتسيلم،”أهلاً بك في الجحيم”، أغسطس 2024؛ تقرير المفوضية الأممية لحقوق الإنسان، أغسطس 2024؛ تقرير الأمين العام S/2025/389).

تنويه منهجي مهم

أفاد التقرير الأممي بأن الضحايا يواجهون عقبات جدية في الإبلاغ، تشمل تهديدات مباشرة من أجهزة الأمن الإسرائيلية لمنعهم من الإدلاء بشهاداتهم، فضلاً عن الخوف من الوصمة الاجتماعية وغياب الثقة بآليات الشكاوى. ويعني ذلك أن الأرقام الموثقة تمثل الحد الأدنى لا الصورة الكاملة.

ثالثاً: الجسد الفلسطيني ساحةً للسيطرة السياسية

الأهداف الاستراتيجية الكامنة: قراءة في الأنماط

تتيح لنا مقارنة شهادات الضحايا ونتائج التحقيقات المستقلة تحديد أنماط ثابتة تدل على وجود توجيه مؤسسي لا مجرد سلوكيات عشوائية:

النمط الأول — التصوير والنشر: في عشر حالات موثقة على الأقل، تعمّد عناصر من الجيش والسجون تصوير الضحايا في أوضاع مهينة ونشر الصور على منصات التواصل الاجتماعي، ولا يخدم هذا الفعل أي غرض أمني، بل يهدف صراحةً إلى إنتاج الإذلال الجماعي وتحويل الصدمة الفردية إلى رسالة سياسية موجهة للمجتمع بأسره.

النمط الثاني — استهداف هوية الرجل الفلسطيني: تُشير الأرقام إلى أن الرجال والأولاد يشكلون نسبة مرتفعة من ضحايا الانتهاكات في مراكز الاحتجاز، وفي السياق الثقافي لمجتمعات المقاومة، يستهدف هذا النمط تحديداً تدمير الرجل بوصفه حاملاً لقيم الشرف والكرامة والصمود، بما يُلحق ضرراً بالغاً بالبنية الأسرية والجمعية في آن معاً.

النمط الثالث — العنف في المشافي والنقاط الحدودية: وثّق التقرير الأممي حادثتَي ضرب وإيذاء للأعضاء التناسلية في نقطة تفتيش وخلال مداهمة منزلية في الضفة الغربية، مما يشير إلى أن الانتهاكات لا تقتصر على مرافق الاحتجاز الرسمية.

تقدير تحليلي

ثمة فارق جوهري بين الادعاء بأن هذه الممارسات “استراتيجية” وبين توافر الأدلة على ذلك، وما تتيحه الوثائق المتاحة هو: تكرار الأنماط عبر مواقع متعددة، وتصريح لجنة أممية بوجود “أوامر صريحة أو تشجيع ضمني” من القيادة، وغياب أي محاسبة رغم توافر الأدلة.

هذه العوامل مجتمعةً تُرسّخ فرضية التوجيه المؤسسي دون أن تُلغي الحاجة إلى مزيد من التحقيق.

رابعاً: التداعيات الاجتماعية والنفسية — الجراح الخفية

الصدمة الجماعية وأثر الموجات المتتالية

تُميّز أدبيات الصدمات الجماعية بين نوعين من الأثر: الصدمة الحادة المرتبطة بحدث بعينه، والصدمة التراكمية الناجمة عن تعرض مديد لضغوط متعاقبة.

في الحالة الفلسطينية، وبعد ثلاثة أعوام من الحرب المستمرة، تتراكم هذه الطبقات على جيلَي 2008 و2014 ومحطات العنف السابقة، مما يُضاعف من مديونية الصدمة الجماعية.

يؤدي تداول الشهادات المتعلقة بالانتهاكات الجنسية إلى توسيع دائرة الأثر النفسي؛ فالحادثة الفردية تتحول عبر الشبكات الاجتماعية إلى تجربة جمعية يعيشها المجتمع من خلال الخوف والتعاطف والقلقالمستمر.

تحديات خاصة بالسياق الفلسطيني

يُضيف السياق الفلسطيني تعقيدات إضافية على إشكاليات الصدمة المعروفة في سياقات النزاعات الأخرى:

– غياب مساحة آمنة للتعافي: استمرار الحرب والحصار يعني استمرار التعرض للمحفزات الصادمة.

– انهيار منظومة الصحة النفسية: دمّر الاحتلال منشآت الرعاية الصحية الجسدية، ناهيك عن خدمات الصحة النفسية.

– الوصمة الاجتماعية والصمت: تُحجم الضحايا عن الإفصاح خشية النبذ، مما يُعقّد مسار الشفاء الفردي والجماعي.

– تأثير الأجيال: تشير دراسات الصدمة عبر الأجيال إلى إمكانية انتقال آثار الصدمة غير المعالجة إلى الأبناء.

تقدير اجتماعي

إن التحدي الحقيقي أمام المجتمع الفلسطيني لا يكمن فقط في الجراح المباشرة لهذه الانتهاكات، بل في بناء قدرة مجتمعية على معالجة الصدمة في خضم استمرار الحرب ذاتها، وهذا يستلزم مقاربات نفسية-اجتماعية مبتكرة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية السياق لا نقل نماذج جاهزة من سياقات مختلفة.

خامساً: الإطار القانوني الدولي — بين النص والتطبيق

المرجعيات القانونية الناظمة

يُشكّل القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي الإطار القانوني الأساسي للتعامل مع هذا الملف. وأبرز المرجعيات:

– نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (المادتان 7 و8): يُصنّف الاغتصاب والإكراه الجنسي والإفضاء القسري وأي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي جرائمَ حرب وجرائم ضد الإنسانية.

– اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولان الإضافيان: تحظر صراحةً جميع أشكال الاعتداء على الكرامة الإنسانية وتُلزم بحماية المعتقلين والمحتجزين.

– قرار مجلس الأمن 1820 (2008): يُقرّ صراحةً باستخدام الاغتصاب سلاحاً حربياً ويطالب بمحاسبة مرتكبيه.

– اتفاقية مناهضة التعذيب وبروتوكولها الاختياري: تُلزم الدول بالتحقيق في ادعاءات التعذيب الجنسي.

إجراءات المحكمة الجنائية الدولية والفجوة القائمة

في نوفمبر 2024، أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بيد أن اللافت أن لوائح الاتهام لم تتضمن تهماً صريحة بالعنف الجنسي رغم توافر الأدلة التوثيقية الكافية، وقد رصدت مبادرة المرأة من أجل العدالة الجنسانية هذه الثغرة وطالبت بتوسيع نطاق الاتهامات لتشمل انتهاكات العنف الجنسي ضد الفلسطينيين.

يكشف هذا التناقض عن أحد أوجه الازدواجية في تطبيق القانون الدولي: بينما تضمنت أوامر الاعتقال بحق قادة من الفصائل الفلسطينية تهم الاغتصاب، أُغفلت تهم مماثلة في حق المسؤولين الإسرائيليين رغم ما أثبتته التحقيقات.

(المصدر: وثيقة المحكمة الجنائية الدولية ICC-01/18-169، نوفمبر 2024؛ مبادرة المرأة من أجل العدالة الجنسانية، 2025).

سادساً: منظومة الإفلات من العقاب — تشريحٌ بنيوي

ملف سدي تيمان: دراسة حالة في الإفلات

تُعدّ قضية سدي تيمان النموذج الأوضح لكيفية عمل آليات الإفلات من العقاب، وفي يوليو 2024، اعتُقل عشرة جنود بعد تسريب تسجيل مرئي يُظهر اغتصاباً جماعياً لمعتقل فلسطيني، وفي فبراير 2025، أُحيل خمسة منهم إلى المحاكمة، لكن لوائح الاتهام تجاهلت تهمة الاغتصاب تحديداً رغم الأدلة المادية والتسجيلات والتقارير الطبية، وفي مارس 2026، أُسقطت جميع التهم.

وقد رصد استطلاع للرأي أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلية أن أغلبية الإسرائيليين تعارض فتح تحقيقات جنائية مع الجنود المتهمين باعتداءات على معتقلين فلسطينيين من غزة، ويكشف ذلك عن بُعد إضافي لمنظومة الإفلات: الرأي العام المحلي بوصفه حاضنةً اجتماعية لهذه المنظومة.

العوامل البنيوية للإفلات

تتضافر عوامل متعددة في إنتاج هذه المنظومة وإدامتها:

– حرمان المحققين الأمميين من الوصول إلى مرافق الاحتجاز — وهو انتهاك صريح لاتفاقية مناهضة التعذيب.

– إغلاق الملاحقة الفلسطينية أمام المحاكم الإسرائيلية بسبب التبعية القانونية للاحتلال

– انعدام الإرادة السياسية الدولية لتفعيل آليات المساءلة رغم وضوح الإطار القانوني

– تهديد شهود العيان والضحايا المحررين من الإدلاء بشهاداتهم

– الاستقطاب السياسي الدولي الذي يجعل مسارات العدالة مرهونةً بحسابات التحالفات الاستراتيجية.

ولفت تقرير الأمين العام 2026 إلى أن اللجنة الاستفسارية رصدت «غياباً منهجياً للمساءلة» عن الانتهاكات المرتكبة ضد الفلسطينيين، مشيراً إلى أن هذا الغياب يُرسّخ مناخ الإفلات ويُحفّز على تكرار الانتهاكات.

درس مقارن

تتضمن تجربة البوسنة درساً مهماً: الملاحقة القضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا استغرقت عقوداً، لكنها أسست في نهاية المطاف سابقةً قانونية راسخة اعتُرف فيها بالاغتصاب جريمةَ إبادة. سجل التوثيق المبكر وحفظ الأدلة قيمةٌ تاريخية وقانونية بالغة حتى حين تتأخر الملاحقة الرسمية لعقود.

سابعاً: البُعد الإعلامي — معركة السرديات

تكتسب معركة السرديات في ملف العنف الجنسي أهمية استثنائية لاعتبارات بنيوية خاصة: حساسية الموضوع وصعوبة التوثيق وسهولة الطعن في المصداقية.

 وتواجه الرواية الفلسطينية في هذا الملف تحديات متعددة:

– صعوبة الوصول إلى الضحايا وتعرض من يُفصحون منهم لتهديدات مباشرة

– الخوف من الوصمة الاجتماعية داخل المجتمع الفلسطيني ذاته

– حملات تشكيك منظمة ترفض وصف الانتهاكات بالممنهجة وتُصوّرها حالات فردية شاذة

– التفاوت في التغطية الإعلامية الغربية التي تُعامل هذه الانتهاكات معياراً مختلفاً عما طُبّق في البوسنة أو أوكرانيا.

في المقابل، فتحت منصات التواصل الاجتماعي فضاءات جديدة لنقل الشهادات وتوسيع دائرة المتابعين، وإن كانت في الوقت ذاته تُتيح انتشار المعلومات المُضلِّلة والتشكيك المنظم.

وقد أفاد تقرير الأمين العام تحديداً بأن الحكومة الإسرائيلية استخدمت منصات التواصل الاجتماعي لنشر صور الضحايا في أوضاع مهينة بوصفها أداةً للإذلال الممتد، مما يعني أن المنصة الرقمية ذاتها تُستخدم في آن واحد أداةً للجريمة وأداةً للتوثيق.

ثامناً: الاستنتاجات والسيناريوهات المستقبلية

الاستنتاجات الرئيسية

تُقدّم هذه الدراسة جملةً من الاستنتاجات المدعومة بالأدلة:

1. ثبتت المنهجية: خلصت لجنة استفسارية أممية مستقلة إلى أن العنف الجنسي المرتكب بحق الفلسطينيين يُمثّل “إجراء تشغيلياً معتاداً” وليس سلوكاً فردياً عارضاً، وأنه يجري “بتشجيع ضمني أو أوامر صريحة” من القيادة العليا.

2. ثبت التوثيق الأممي: لأول مرة في تاريخ تقارير الأمم المتحدة، أُدرج الكيان الإسرائيلي على قائمة الأطراف المشتبه بارتكابها عنفاً جنسياً في النزاعات.

3. ثبتت منظومة الإفلات: تسقط التهم وتُغلق ملفات التحقيق رغم توافر الأدلة، في ظل غياب الوصول الأممي إلى مرافق الاحتجاز.

4. ثبتت الأهداف الاستراتيجية: أنماط التصوير والنشر واستهداف المجموعات وتكرار الأساليب تُرسّخ فرضية الوظيفة السياسية للعنف الجنسي.

8.2 السيناريوهات المستقبلية

السيناريو الأول — استمرار الإفلات من العقاب: يستمر الوضع الراهن، حيث تبقى الفجوة بين التوثيق والمحاسبة واسعةً، وأرجحيته مرتفعة في المدى القريب في ظل الاستقطاب السياسي الدولي الحالي. غير أن التوثيق المتراكم يُشكّل قاعدةً قانونية للمستقبل.

السيناريو الثاني — التدويل القانوني المتصاعد: تتوسع صلاحيات المحكمة الجنائية الدولية وتُوجَّه تهم محددة تشمل العنف الجنسي، ويستلزم هذا السيناريو تحولاً في الموقف الأمريكي أو تصاعداً في الضغط الدولي، وأرجحيته متوسطة في المدى البعيد.

السيناريو الثالث — بناء منظومة وطنية شاملة للتوثيق: تُطوّر الجهات الفلسطينية آلياتها المستقلة لتوثيق الأدلة وحمايتها واستثمارها في مسارات المناصرة الدولية، وهذا السيناريو الأكثر قابلية للتحقق في المدى المنظور بصرف النظر عن المسارات الدولية الأخرى.

قراءة استراتيجية

قيمة التوثيق الجاري اليوم تتجاوز المدى الزمني الراهن، فكما أن محاكمات جرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة ورواندا أتت بعد سنوات من وقوع الجرائم مدعومةً بسجلات التوثيق المبكر، فإن كل شهادة محفوظة وكل دليل موثق اليوم قد يُشكّل ركيزةً في ملف مساءلة مستقبلي، والتوثيق ليس مجرد أداة للعدالة، بل هو فعل مقاومة لطمس التاريخ.

الخلاصة

يُثبت توثيق الأمم المتحدة وتقارير منظمات حقوق الإنسان المستقلة أن العنف الجنسي المرتكب بحق الفلسطينيين لم يعد في دائرة الادعاء؛ فهو موثق بوثائق أممية رسمية، وتثبته شهادات متعددة ومتقاطعة، ورأت فيه لجنة دولية مستقلة إجراءً ممنهجاً يخدم أهدافاً سياسية واستراتيجية محددة.

غير أن الموثق هو في الوقت ذاته الجزء المرئي من الصورة، وتُشير طبيعة القيود المفروضة على الوصول، وحجم الضغوط المُمارَسة على الضحايا لإسكاتهم، والنمط الثابت لإغلاق ملفات التحقيق، إلى أن ما خفي أكثر وأعمق.

يرى المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن مواجهة هذا الملف ليست مهمة حقوقية طارئة، بل مسؤولية وطنية واستراتيجية ذات أبعاد ثلاثة: حفظ الحقيقة التاريخية، وحماية الضحايا في الحاضر، والتأسيس لملف مساءلة في المستقبل، والتاريخ يُعلمنا أن منظومات الإفلات من العقاب، مهما طال أمدها، لا تُلغي الجريمة — بل تُؤجّل المحاسبة.

التوصيات

أولاً: على المستوى الوطني الفلسطيني

1. إنشاء مرصد وطني متخصص لتوثيق انتهاكات العنف الجنسي وفق معايير الأدلة الجنائية الدولية، يعمل بالتنسيق مع المؤسسات الأممية المختصة.

2. بناء قاعدة بيانات وطنية مؤمَّنة لحفظ الشهادات والأدلة بما يضمن صلاحيتها الإجرائية أمام المحاكم الدولية.

3. تطوير برامج دعم نفسي-اجتماعي متخصصة وطويلة المدى للضحايا وأسرهم، مُصمَّمة لبيئة النزاع المستمر لا بيئة ما بعد النزاع فقط.

4. إطلاق حملات توعية مجتمعية تُكافح وصمة العار المرتبطة بضحايا الاعتداء، وتُرسّخ ثقافة الحماية والإسناد للناجين.

5. تخصيص مسار أكاديمي لإنتاج أبحاث فلسطينية مُحكَّمة في الموضوع تُغذّي مساعي المناصرة الدولية بالبيانات والتحليلات.

ثانياً: على مستوى الدبلوماسية والمناصرة الدولية

6. إدراج ملف العنف الجنسي ضمن أولويات التحرك الدبلوماسي الفلسطيني باعتباره ملفاً قانونياً وسياسياً لا ملفاً إنسانياً ثانوياً.

7. الضغط على المحكمة الجنائية الدولية لتوسيع نطاق تهمها لتشمل انتهاكات العنف الجنسي ضد الفلسطينيين بذات المعيار المُطبَّق في ملفات أخرى.

ثالثاً: على مستوى الإعلام والخطاب

8.  تطوير خطاب إعلامي احترافي يوازن بين الكشف الصريح عن الانتهاكات وحماية كرامة الضحايا وخصوصيتهم.

9. توثيق التناقض بين المعيار المُطبَّق على الانتهاكات الإسرائيلية والمعيار ذاته حين يتعلق الأمر بنزاعات أخرى، وتحويله إلى حجة سياسية وإعلامية.

10. بناء شراكات مع صحفيين وإعلاميين دوليين متخصصين في ملفات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يونيو 2026 — جميع الحقوق محفوظة

شارك:

المزيد من المقالات

التفاهمات الأمريكية–الإيرانية وإعادة تشكيل معادلة الردع الإقليمي: قراءة تحليلية في الموقف الإسرائيلي

خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية- تحليل سياسات من منظور إسرائيلي الملخص التنفيذيتتناول هذه الورقة التحولات في الموقف الإسرائيلي من التفاهمات الأمريكية–الإيرانية المحتملة، في ظل تصاعد

العقوبات الأوروبية وإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني ..دراسة حالة: العقوبات الأوروبية على قيادات حركة حماس (2024–2026)

إلى أي مدى تنجح العقوبات الأوروبية في إعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني، وما التداعيات المترتبة على ذلك على مستقبل الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي؟