أ. أحمد أبو كميل
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية- تحليل سياسات
| الملخص التنفيذي تبحث هذه الورقة في قرار حل لجنة متابعة العمل الحكومي في غزة، وتقيّم ما إذا كان يمثل انتقالاً فعلياً في بنية الحكم أم خطوة إجرائية ضمن مسار سياسي أوسع. وتخلص إلى أن القرار أزال العقبة الإدارية الفلسطينية أمام انتقال إدارة القطاع إلى اللجنة الوطنية، لكنه لم يحسم العقبات السياسية والأمنية المرتبطة بتمكينها من مباشرة مهامها، كما توضح أن نجاح المرحلة الانتقالية لا يتوقف على التفويض القانوني للجنة، وإنما على توافقات تتعلق بفتح المعابر وملف السلاح والضمانات الدولية. وترجّح الورقة أن يستمر المشهد بين سيناريو الجمود القائم أو انتقال جزئي يقتصر على الملفات الخدمية، مع بقاء الانتقال الكامل مرهوناً بنتائج المفاوضات السياسية والأمنية. وفي ضوء ذلك، توصي بتعزيز التوافق الوطني، ومعالجة ملف الموظفين، والضغط لتمكين اللجنة الوطنية من مباشرة عملها في قطاع غزة. |
مقدمة
في السادس من تموز (يوليو) 2026، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة حلّ لجنة متابعة العمل الحكومي، واستقالة رئيسها بالإنابة محمد عبد الخالق الفرا، تمهيداً لنقل صلاحياتها إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة برئاسة الدكتور علي شعث.
لا يمكن قراءة هذا القرار بمعزل عن مساره المؤسسي الأوسع، فاللجنة الوطنية لإدارة غزة تأسست بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الصادر في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، بوصفها هيئة تكنوقراطية مؤقتة مخوّلة بإدارة الشؤون المدنية اليومية في القطاع تحت إشراف “مجلس السلام” الذي يرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأُعلن عن أسماء أعضائها الخمسة عشر في منتصف كانون الثاني (يناير) 2026، وباشرت اجتماعاتها التحضيرية من القاهرة دون أن تدخل غزة فعلياً حتى تاريخ إعداد هذه الورقة.
تكمن الإشكالية المركزية لهذه الورقة في السؤال التالي: هل يمثل حل لجنة متابعة العمل الحكومي تحوّلاً فعلياً في بنية الحكم في قطاع غزة، أم أنه خطوة رمزية ضمن مسار تفاوضي أوسع، تبقى فعاليتها معلّقة على شروط سياسية وأمنية لم تتحقق بعد؟
للإجابة عن هذا السؤال، تعتمد الورقة على تحليل البيانات والتصريحات الرسمية الصادرة عن الأطراف المعنية (المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، حركة حماس، اللجنة الوطنية لإدارة غزة، مجلس السلام)، ومقارنتها بالتغطيات الإعلامية والتحليلية للحدث، ضمن إطار يجمع بين المقاربة المؤسسية في تحليل بنية السلطة الانتقالية، والمقاربة التفاوضية في تحليل مواقف الأطراف ومصالحها، وتنقسم الورقة إلى خمسة محاور: خلفية القرار ودوافعه، دلالاته السياسية، انعكاساته القانونية والإدارية، مواقف الأطراف المعنية، وسيناريوهات إدارة القطاع خلال المرحلة المقبلة، تنتهي بتوصيات موجهة لصناع القرار.
أولاً: خلفية القرار ودوافعه
1. المسار المؤسسي: من قرار 2803 إلى حل اللجنة
تشكّلت اللجنة الوطنية لإدارة غزة عقب مصادقة مجلس الأمن على خطة الرئيس الأمريكي ذات النقاط العشرين في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، وأُعلن عن تشكيلتها الكاملة المؤلفة من خمسة عشر عضواً في 14-17 كانون الثاني (يناير) 2026 برئاسة الدكتور علي شعث، بعد اتفاق فلسطيني داخلي على القائمة شمل حركة حماس، وتدقيق إسرائيلي لأسماء المرشحين.
غير أن اللجنة، رغم اكتمال تشكيلها وانطلاق اجتماعاتها التحضيرية من القاهرة منذ كانون الثاني (يناير) 2026، لم تتمكن من دخول قطاع غزة فعلياً ومباشرة مهامها حتى تاريخ إعداد هذه الورقة؛ إذ ظلت الجهات الحكومية في غزة تدير الشأن المدني عبر لجنة متابعة العمل الحكومي بالتوازي مع وجود اللجنة الوطنية خارج القطاع.
2. الدوافع المعلنة لحل اللجنة
- استكمال الترتيبات الإدارية والقانونية: أكد المكتب الإعلامي الحكومي في بيانه أن عملية التسليم لم تكن ارتجالية، بل استُكملت “كافة الترتيبات الإدارية والقانونية” اللازمة لنقل مهام إدارة القطاع، وعُرضت رسمياً على الفريق الوطني الممثل للفصائل، واللجنة العليا للعشائر، ومؤسسات المجتمع المدني، بحضور ممثل مراقب عن الأمم المتحدة.
- سحب الذرائع الإسرائيلية: أفادت مصادر في حركة حماس بأن الحركة طالبت الوسطاء والممثل السامي لغزة نيكولاي ميلادينوف منذ أشهر بإدخال اللجنة الوطنية، إلا أن الحكومة الإسرائيلية حالت دون ذلك رغم اعتماد أعضائها مسبقاً؛ فجاء حل اللجنة القائمة خطوةً لنزع هذه الذريعة وإثبات الجدية الفلسطينية.
- الالتزام بتعهد سابق: وصفت حماس، في بيان رسمي، القرار بأنه استجابة للمصلحة الوطنية ونزعاً لذرائع الاحتلال، وتأكيد عملي على تعهدها المعلن مسبقاً بعدم البقاء ضمن ترتيبات إدارة “اليوم التالي” للحرب.
وفي هذا السياق، أوضح المتحدث باسم حماس حازم قاسم أن الحركة لن تكون جزءاً من أي ترتيبات لإدارة “اليوم التالي”، وأن المسؤولية باتت بالكامل على عاتق الإدارة الأمريكية ووسطاء مؤتمر شرم الشيخ لإلزام الكيان الإسرائيلي بوقف العدوان والسماح بدخول اللجنة الإدارية إلى القطاع.
ثانياً: الدلالات السياسية
1. نقل عبء الاستحقاق إلى أطراف أخرى
يحمل القرار رسالة سياسية مفادها أن الجانب الفلسطيني في غزة استنفد الخطوات المطلوبة منه، وأن العائق المتبقي أمام الانتقال بات خارجاً عن إرادته المباشرة، وقد عبّر عن ذلك مراقبون اعتبروا أن حماس، بعد استكمال ما هو مطلوب منها، وضعت المجتمع الدولي والوسطاء أمام مسؤولياتهم في إلزام الحكومة الإسرائيلية بالسماح بدخول اللجنة الوطنية.
2. الفصائل بين الإدارة التنفيذية والحضور السياسي
لا يعني حل اللجنة، بحسب متابعين، تراجع حماس عن حضورها السياسي أو التنظيمي في غزة، بل يقتصر على المستويات القيادية العليا للإدارة المدنية، دون أن يعني ذلك حدوث فراغ أمني أو إداري.
3. تباين ردود الفعل: من الحذر الأمريكي إلى الرفض الإسرائيلي
تعامل “مجلس السلام” مع الإعلان بحذر مدروس، إذ أفاد بأنه أُحيط علماً بحل لجنة الطوارئ، لكن “تقييمه سيستند إلى الأفعال لا الوعود”، مؤكداً أن المبدأ الجوهري الذي يحكم أي انتقال هو قيام “سلطة واحدة وسلاح واحد” تحت مظلة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وأن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب تمكين هذه اللجنة من ممارسة مهامها بصورة مستقلة.
في المقابل، لم يصدر عن الحكومة الإسرائيلية موقف رسمي تعليقاً على الخطوة، بل وُصفت في تغطيات إعلامية بأنها “مناورة سياسية”، فيما اعتبر الأكاديمي محجوب الزويري أن الخطوة فاجأت “إسرائيل” لأنها تغلق الذرائع التي كانت تُستخدم لتبرير تعطيل دخول المساعدات والحوكمة إلى القطاع، مشيراً إلى أن انتقال مركز الثقل من حماس إلى بقية القوى الفلسطينية سيحمل تبعات داخلية لاحقة.
4. مفارقة الشروط المتقاطعة
يلاحظ أن رئيس اللجنة الوطنية علي شعث نفسه اشترط لنجاح عمل اللجنة توافر “سلطة واحدة وقانون واحد ذات مرجعية واضحة، وسلاح واحد خاضع لهذه السلطة”، وهي صياغة تتقاطع – بحسب انتقاد مراقبون – مع الشروط ذاتها التي يطرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن نزع سلاح الفصائل، ما قد يحوّل الأنظار من استحقاق تمكين اللجنة إلى الخلافات الفلسطينية الداخلية حول ملف السلاح.
ثالثاً: الانعكاسات القانونية والإدارية
1. إنهاء الإطار التنفيذي القديم دون فراغ إداري
يعني القرار انتهاء الصفة التنفيذية للجنة متابعة العمل الحكومي بوصفها الجهة التي أشرفت على عمل الوزارات خلال سنوات الحرب، غير أن الجهات الحكومية في غزة حرصت على تفادي أي فراغ إداري أو خدماتي، إذ أوضح بيانها الرسمي أن رؤساء المؤسسات الحكومية الحاليين سيُعتبرون “هيئة مؤقتة” خلال المرحلة الانتقالية، وأن جميع الموظفين سيواصلون عملهم تحت إشراف اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى حين استكمال الإجراءات التنظيمية.
وبحسب البيان ذاته، فإن من تبقى على رأس عمله هم موظفو المستويين الفني والمهني حصراً، فيما أكد مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة أن جميع موظفي وزارة الداخلية والأجهزة الشرطية سيواصلون عملهم كالمعتاد لضمان فرض النظام ومنع أي فراغ أمني خلال هذه المرحلة.
2. مبدأ استمرارية المرافق العامة: السند القانوني الفلسطيني المباشر
لا يحتاج هذا المبدأ إلى الاستعانة بقانون إداري مقارن عام، إذ يوجد له سند مباشر في التشريع الفلسطيني ذاته. فالمادة (79) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003 تنص على أنه عند انتهاء ولاية رئيس الوزراء وأعضاء حكومته، يمارسون أعمالهم مؤقتاً بصفة “حكومة تسيير أعمال”، ولا يجوز لهم اتخاذ قرارات إلا ما هو لازم وضروري لتسيير الأعمال التنفيذية إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة.
صحيح أن هذا النص صيغ أصلاً لحالة حجب الثقة عن الحكومة في إطار مؤسسات السلطة الفلسطينية في رام الله، لا لحالة لجنة إدارية استثنائية في غزة، إلا أن المبدأ القانوني الذي يقوم عليه – استمرار الجهاز التنفيذي في تسيير الشؤون اليومية دون اتخاذ قرارات استراتيجية جديدة، إلى حين اكتمال الجهة الجديدة المخوّلة – هو الأقرب توصيفاً لما تعلنه الجهات الحكومية في غزة عملياً حين تصف رؤساء المؤسسات الحاليين بـ”الهيئة المؤقتة”، والموظفين الباقين بأنهم كوادر فنية ومهنية فقط دون صلاحية اتخاذ قرارات سيادية جديدة.
ويؤكد هذا الاتجاه الفقه الإداري العام، الذي يعتبر القرار الإداري بطبيعته أمراً “موقوتاً” لا دائماً، تنتهي آثاره إما بتنفيذه أو بانتهاء مدته أو بتدخل سلطة أعلى تلغيه أو تسحبه؛ وأن النص على استمرار سريان القرارات واللوائح القائمة عند تغيّر الجهة المسؤولة يُعد استثناءً وظيفته الأساسية سد أي فراغ إداري أو تشريعي إلى حين استكمال الترتيبات الجديدة – وهو بالضبط المنطق الذي استندت إليه الجهات الحكومية في غزة حين أبقت الموظفين الفنيين في مواقعهم وأحالت الإشراف السيادي إلى اللجنة الوطنية دون قطيعة إدارية مفاجئة.
3. صلاحيات معلّقة بين التفويض القانوني والتمكين الفعلي
الإشكالية القانونية الأعمق لا تكمن في نص التفويض، بل في تطبيقه: فاللجنة الوطنية تملك تفويضاً أممياً واضحاً بموجب القرار 2803 منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، وأكملت تشكيلها منذ كانون الثاني (يناير) 2026، أي قبل نحو ستة أشهر من قرار حل لجنة متابعة العمل الحكومي، دون أن تتمكن من دخول القطاع فعلياً، وتشير هذه الفجوة الزمنية الطويلة بين التفويض القانوني والتمكين الفعلي إلى أن العقبة الحقيقية أمام الانتقال ليست تشريعية أو إدارية، بل سياسية وأمنية بالدرجة الأولى، مرتبطة بمعابر الدخول واستكمال ملف المفاوضات حول مراحل اتفاق وقف اطلاق النار وحيثياته.
4. ملف الموظفين: التحدي الأكثر تعقيداً
يبقى ملف عشرات آلاف الموظفين الحكوميين الذين عملوا في مؤسسات القطاع خلال سنوات ما بعد الانقسام (2007) من أكثر الملفات حساسية أمام أي إدارة جديدة، سواء من حيث إعادة تقييم أوضاعهم الوظيفية ودرجاتهم وسلالم رواتبهم، أو من حيث تأمين مصادر تمويل مستقرة لصرف الرواتب، في ظل الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية وحجم الاحتياجات الهائل في القطاع بعد الحرب.
رابعاً: مواقف الأطراف المعنية
1. الحكومة الإسرائيلية
لم يصدر عن الحكومة الإسرائيلية موقف رسمي مرحّب بالقرار، بل تعاملت معه أوساط إسرائيلية بوصفه “مناورة سياسية”، في إطار موقف عام يربط أي ترتيبات لإدارة غزة بمصير القدرات العسكرية لحركة حماس أكثر من ربطه بالهيكل الإداري ذاته، ويتقاطع هذا الموقف مع اشتراط رئيس اللجنة الوطنية نفسه توحيد السلاح تحت سلطة واحدة، ما يجعل ملف نزع السلاح، لا الهيكل الإداري، جوهر الخلاف الفعلي.
2. مجلس السلام والإدارة الأمريكية
تبنّى مجلس السلام، الذي يرأسه الرئيس الأمريكي، موقفاً مشروطاً وحذراً قوامه أن التقييم سيقوم على الأفعال لا التصريحات، وأن المبدأ الناظم لنجاح المرحلة الانتقالية هو توحيد السلطة والسلاح تحت مظلة اللجنة الوطنية، مع التأكيد على ضرورة تمكينها من العمل المستقل فور توافر الشروط.
3. مصر وقطر وتركيا: الرعاة الإقليميون
بوصفها الدول الراعية لتشكيل اللجنة الوطنية، رحّبت مصر وقطر وتركيا رسمياً باكتمال تشكيلها في كانون الثاني (يناير) 2026، معتبرة ذلك تطوراً يسهم في ترسيخ الاستقرار وتحسين الأوضاع الإنسانية في غزة، وهو موقف يُرجَّح أن يتكرر بصيغة مماثلة إزاء خطوة حل لجنة متابعة العمل الحكومي بوصفها استكمالاً لمسار التمكين ذاته.
4. حركة فتح والسلطة الفلسطينية: تحفظ مرجعي دون مبادرة موازية
لم تصدر عن حركة فتح، حتى تاريخ إعداد هذه الورقة، تصريحات مباشرة موثقة حول حل لجنة متابعة العمل الحكومي بعينه، غير أن الموقف المرجعي للحركة، الذي أعلنه متحدثها الرسمي عبد الفتاح دولة في كانون الثاني (يناير) 2026 حين رفضت المشاركة في اجتماع الفصائل بالقاهرة الخاص بتشكيل اللجنة الوطنية، يبقى الإطار الأقرب لفهم موقفها: إذ أكدت فتح أن أي لجنة لإدارة غزة يجب أن تستمد شرعيتها من ارتباطها بالمرجعية الشرعية لمؤسسات دولة فلسطين السيادية، وأن قطاع غزة “جزء لا يتجزأ” من الدولة الفلسطينية ونظامها السياسي والقانوني الموحد مع الضفة الغربية والقدس.
وينسجم هذا الموقف مع تصريحات نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حسين الشيخ، الذي أكد أن السلطة الفلسطينية هي “الممثل الشرعي” للشعب الفلسطيني وأنها مستعدة لتولي إدارة غزة بعد الحرب، مقروناً بدعوته إلى تقييم وطني فلسطيني شامل تشارك فيه كل الفصائل، بما فيها حماس.
غير أن اللافت أن السلطة الفلسطينية لم تقدّم، حتى أيام قليلة بعد إعلان حل اللجنة، أي مبادرة عملية موازية لهذه الخطوة، وهو ما رصدته متابعات ميدانية أبقت الموقف الرسمي الفلسطيني “بين التشكيك والرفض والانتظار”، دون بلورة مسار سياسي متكامل يستثمر الفرصة التي فتحتها الخطوة الحكومية في غزة.
5. حركة الجهاد الإسلامي: تعاون مشروط ورفض قاطع لملف السلاح
اتخذت حركة الجهاد الإسلامي موقفاً مزدوجاً إزاء اللجنة الوطنية: فمن جهة أعلن الناطق باسمها محمد الحاج موسى استعداد الحركة للتعاون مع اللجنة برئاسة علي شعث وتسهيل عملها لتخفيف معاناة سكان القطاع، مسجّلاً في الوقت ذاته تحفظات على أداء أحد أعضائها، ورفضاً قاطعاً لأي شكل من أشكال “الوصاية” على الشعب الفلسطيني عبر “مجلس السلام”، الذي اعتبر أن تركيبته تعكس توافقات إسرائيلية.
ومن جهة أخرى، شدد الحاج موسى على أن السلاح والمقاومة يمثلان “الضمانة الحقيقية لحماية الشعب الفلسطيني”، ورفض تسليمه أو القبول بأي إملاءات بهذا الشأن، معتبراً أن استمرار الحكومة الإسرائيلية في منع دخول اللجنة الإدارية إلى القطاع هو أحد أساليب فرض رؤيتها على مخرجات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، إلى جانب عراقيل أخرى مثل القيود على معبر رفح واشتراط نزع سلاح فصائل المقاومة.
6. الموقف الفصائلي الجماعي من ملف السلاح: تفاهم شكلي وخلاف جوهري
يكشف الرد الفلسطيني الموحّد الذي سلّمته الفصائل – بما فيها حماس والجهاد الإسلامي – إلى الوسطاء على خارطة الطريق التي طرحها الممثل السامي ميلادينوف عن حدود التوافق الفعلي حول مبدأ “سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد”: فقد أبدت الفصائل تفهماً لهذا المبدأ من حيث الشكل، لكنها رفضت أي صيغة تعني تسليم السلاح إلى الكيان الإسرائيلي، واشترطت أن تتم عملية حصر السلاح وجمعه تحت قيادة فلسطينية خالصة عبر اللجنة الوطنية، وبإشراف تحقق دولي مستقل، لا بنقل الأسلحة إلى الجانب الإسرائيلي بأي شكل، وهذا التمايز بين “حصر السلاح فلسطينياً” و”نزعه لصالح إسرائيل” يفسر إلى حد بعيد استمرار الجمود، رغم القبول الشكلي المشترك بالمبدأ من جميع الأطراف الفلسطينية.
وفي مقابل هذا التعقيد، رحّبت فصائل المقاومة في بيان جماعي بقرار حل لجنة الطوارئ الحكومية، معتبرة أنه يعكس الجدية والحرص التام على إنجاح مسار ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، وطالبت الأطراف المعنية كافة بالإسراع في تمكين اللجنة الوطنية من دخول القطاع لممارسة مهامها.
7. قراءات تحليلية فلسطينية إضافية
تباينت أيضاً قراءات الكتّاب والمحللين الفلسطينيين للخطوة على المستوى غير الفصائلي: فقد رأى رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان رامي عبده أنها كانت تستحق ترحيباً وتعاطياً بنّاءً يتيح للجنة الوطنية مباشرة عملها فوراً، منتقداً ما وصفه بأن “لجنة ميلادينوف” تتحرك وفق اشتراطات أمريكية وإسرائيلية.
في المقابل، وجّه المحلل السياسي ياسين عز الدين نقداً لاشتراطات رئيس اللجنة الوطنية نفسه، معتبراً أنها تضع عراقيل أمام بدء عملها وتتقاطع مع مطالب نتنياهو، أما الكاتب والمحلل وسام عفيفة فرأى أن الخطوة تمثل تطوراً يتجاوز حدود الإجراء الإداري وتفتح الباب أمام اختبار سياسي جديد، فيما شدد الكاتب فايز أبو شمالة على أن الاستقالة لا تعني حدوث فراغ أمني أو إداري، كونها تقتصر على المستويات القيادية العليا دون المساس بالكوادر الفنية العاملة.
خامساً: سيناريوهات إدارة قطاع غزة خلال المرحلة المقبلة
تعتمد الورقة في تقدير احتمالية كل سيناريو على أربعة مؤشرات مركبة: (1) مدى الالتزام الإسرائيلي بفتح المعابر أمام دخول اللجنة الوطنية، (2) وتيرة التقدم في ملف السلاح، (3) مدى صمود اتفاق وقف إطلاق النار القائم منذ 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2025، و(4) مستوى التمويل والضمانات الدولية المتاحة لإعادة الإعمار.
| السيناريو | الوصف | أبرز المؤشرات الداعمة | درجة الاحتمال |
| دخول كامل وتفعيل شامل للجنة الوطنية | تدخل اللجنة الوطنية إلى غزة وتتسلم كامل الملفات المدنية، مع بقاء الموظفين الحاليين تحت إشرافها المباشر. | التزام إسرائيلي بفتح المعابر + تقدم ملموس في ملف السلاح + دعم تمويلي دولي | متوسطة |
| دخول جزئي ومتدرّج | تبدأ اللجنة بإدارة ملفات الخدمات والإغاثة وإعادة الإعمار حصراً، بينما تبقى الملفات الأمنية والسيادية مؤجلة. | استمرار الخلاف حول السلاح مع تقدم إنساني وخدماتي محدود | مرتفعة |
| استمرار الجمود الراهن | تبقى اللجنة الوطنية خارج القطاع كما هي الحال منذ كانون الثاني 2026، فيما تستمر الكوادر الحالية بتسيير الأعمال اليومية دون انتقال فعلي للصلاحيات. | تعثر مفاوضات فتح المعابر وملف السلاح دون انهيار كامل لوقف إطلاق النار | مرتفعة |
| تدخل دولي أو عربي محدود موازٍ | تتولى هيئة دولية أو عربية بالتنسيق مع الأمم المتحدة إدارة ملفات محددة (إغاثة، إعادة إعمار) دون أن تحل محل اللجنة الوطنية. | رفض فلسطيني وازع لأي إدارة خارج الإطار الفلسطيني يحد من هذا المسار | منخفضة |
| انهيار وقف إطلاق النار وتعطل المسار بالكامل | تعثر شامل في التفاهمات السياسية يعيد فتح ملف الإدارة من الصفر، مع تصاعد الفراغ المؤسسي واعتماد أكبر على المنظمات الدولية. | مرتبط مباشرة باستمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار | قائمة |
يُلاحظ أن السيناريوهين الثاني والثالث (الدخول الجزئي، واستمرار الجمود) هما الأقرب إلى الترجيح في المدى القصير، ذلك أن حل لجنة متابعة العمل الحكومي أزال عقبة إجرائية فلسطينية داخلية، لكنه لم يغيّر المعادلة الأساسية المتحكمة بالملف: استمرار الاشتراط الإسرائيلي المرتبط بمصير سلاح الفصائل، وهو شرط لم يُحسم بعد رغم مرور نحو ستة أشهر على اكتمال تشكيل اللجنة الوطنية.
الخلاصة
يمثل حل لجنة متابعة العمل الحكومي في غزة خطوة إدارية وسياسية مهمة، لكنها تبقى، في جوهرها، إجراءً فلسطينياً داخلياً يعالج نصف المعادلة فقط، فقد أزالت الجهات الحكومية في غزة العقبة التي كانت بيدها، لكنها تركت العقبة الأكبر – المتعلقة بالموقف الإسرائيلي من فتح المعابر ومصير سلاح الفصائل – معلّقة دون حل. وطالما بقيت الفجوة الزمنية قائمة بين التفويض القانوني للجنة الوطنية (نوفمبر 2025) واكتمال تشكيلها (يناير 2026) من جهة، وتمكينها الفعلي من دخول القطاع من جهة أخرى، فإن السيناريو الأرجح في المدى القصير سيظل تراوحاً بين استمرار الجمود الإداري الراهن ودخول جزئي محدود للملفات الخدمية، فيما يبقى السيناريو الأكثر طموحاً – الانتقال الكامل والمنظم للسلطة – مرهوناً بمتغيّر واحد حاسم: نتائج التفاوض حول ملف السلاح والضمانات الأمنية، وليس بأي إجراء إداري إضافي من الجانب الفلسطيني.
التوصيات
السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية
1. الدفع نحو حوار وطني شامل وسريع لحسم ملف صلاحيات اللجنة الوطنية وعلاقتها بمؤسسات السلطة القائمة، بما يمنع تكرار سيناريو الفراغ المؤسسي.
2.إعداد إطار قانوني وإداري واضح لدمج الموظفين الحكوميين العاملين في غزة منذ 2007 ضمن هيكل الخدمة المدنية الفلسطينية، تفادياً لتفجّر هذا الملف لاحقاً.
اللجنة الوطنية لإدارة غزة
3. فصل ملف الشروط التقنية والإدارية لبدء العمل عن ملف السلاح الذي يخص تفاوضاً سياسياً وأمنياً أوسع، لتفادي اتهامها بتبني شروط تتقاطع مع الموقف الإسرائيلي.
4. وضع خطة تشغيل مرحلية معلنة (خدمات أساسية أولاً) تتيح دخولاً جزئياً فورياً حتى قبل حسم الملفات السيادية الشائكة، تخفيفاً للمعاناة الإنسانية العاجلة.
الوسطاء الإقليميين (مصر وقطر وتركيا)
5. تكثيف الضغط الدبلوماسي على الحكومة الإسرائيلية لفتح المعابر أمام دخول اللجنة الوطنية، بوصف ذلك الاختبار الحقيقي لجدية مسار “اليوم التالي”.
© المركز الفلسطيني للدراسات السياسية يوليو 2026 — جميع الحقوق محفوظة



