تحولات المزاج الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر وانعكاساته على الخريطة الحزبية
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
يحلّل المركز الفلسطيني للدراسات السياسية في هذه الورقة تأثير الحرب على توجهات الناخبين في الكيان الإسرائيلي من خلال دراسة أحدث استطلاعات الرأي ومتابعة التحولات في الخريطة الحزبية بعد السابع من أكتوبر. وتظهر النتائج أن الحرب أحدثت تحولًا جذريًا في المزاج الإسرائيلي، تمثل في تراجع الثقة بالحكومة وبنتنياهو، وصعود المطالبة بانتخابات مبكرة ولجنة تحقيق، مقابل انهيار معسكر غانتس وتفكك المعارضة، كما تكشف الورقة عن تصاعد الشعور بانعدام الأمن والهجرة العكسية، ما يعكس أزمة هوية داخل المجتمع الإسرائيلي، وتخلص الورقة إلى أن الهاجس الأمني أصبح محددًا رئيسيًا للتصويت القادم، وأن نتنياهو رغم تراجع شعبيته قد يجد طريقًا للعودة بفعل ضعف البدائل، مع تقديم توصيات فلسطينية لاستثمار هذه التحولات سياسيًا وإعلاميًا.
مقدمة
بينما هدات أصوات المدافع في قطاع غزة وبدأ سريان اتفاق وقف إطلاق النار بين فصائل المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي، اشتعلت في داخل الكيان حرب من نوع آخر، حرب “اليوم التالي” التي تتمحور حول صورة التحالفات السياسية ومستقبل الأحزاب الإسرائيلية في مرحلة ما بعد الحرب، لاسيما بعد دخول ما يُعرف بسنة الانتخابات، المتوقع إجراؤها في أكتوبر 2026.
معركة “طوفان الأقصى” أفرزت زلزالًا سياسيًا داخل الكيان الإسرائيلي، أطاح بعدد من السياسيين البارزين وترك ندوبًا عميقة في ثقة الجمهور بالمؤسسة الحاكمة، لا سيما برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي استهلك معظم خصومه وحلفائه في آن واحد.
تهدف هذه الورقة إلى تحليل أثر الحرب على توجهات الناخبين الإسرائيليين من خلال دراسة أحدث استطلاعات الرأي العام ومتابعة التداعيات السياسية والحزبية والاجتماعية التي خلّفتها الحرب على بنية المجتمع الإسرائيلي وخياراته الانتخابية المستقبلية.
وتنطلق الورقة من فرضية أن عملية السابع من أكتوبر 2023 وما تبعه من حرب على غزة شكّل نقطة تحول بنيوية في المزاج الإسرائيلي العام، حيث أعاد صياغة أولويات الناخبين، وعمّق أزمة الثقة بالحكومة، وأعاد رسم خطوط التحالفات داخل النظام الحزبي الإسرائيلي.
الورقة تعتمد المنهج التحليلي المقارن القائم على رصد الاتجاهات الرقمية من استطلاعات الرأي ومقارنتها بالتحولات السياسية والاجتماعية في الواقع الإسرائيلي خلال فترة ما بعد الحرب، مع توظيف مصادر إسرائيلية رسمية مثل معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، ووسائل أخرى إعلامية متنوعة: القناة 12، “زمان يسرائيل”، وغيرها.
أولًا: تراجع الثقة بالحكومة الإسرائيلية
أظهرت استطلاعات الرأي الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) تراجعًا غير مسبوق في ثقة الإسرائيليين بالحكومة، إذ عبّر 72% من المستطلعة آراؤهم عن عدم ثقتهم بحكومة نتنياهو مقابل 27% فقط عبّروا عن ثقتهم بها مع نهاية الحرب، كما أعرب66% عن فقدانهم الثقة بنتنياهو شخصيًا مقابل 33% ما زالوا يثقون به.
وفي استطلاع نُشر بتاريخ 21 أكتوبر 2025، أيدت أغلبية ساحقة بلغت 73% اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، مقابل 11% فقط رفضوه، في إشارة إلى تصاعد نزعة البراغماتية داخل الرأي العام الإسرائيلي وميوله لتجنّب الحروب الطويلة بعد الصدمة الجماعية التي خلفتها أحداث 7 أكتوبر.
أما بشأن المنتصر في الحرب، فقد رأى56% من الإسرائيليين أن أحدًا لم ينتصر، مقابل 30% رأوا أن الاحتلال خرج منتصرًا، و11% اعتبروا أن حركة حماس هي المنتصرة، وتعكس هذه النتائج إدراكًا متزايدًا للهزيمة المعنوية والنفسية رغم التفوق العسكري النسبي.
وفي تقييم تحقيق أهداف الحرب، رأى 44% أن الأهداف تحققت بالكامل، بينما اعتقد 46% العكس، وهو ما يعكس انقسامًا حادًا في تقييم الأداء العسكري والسياسي. أما الرضا عن نتائج العمليات العسكرية فبلغ 38%، مقابل 33% غير راضين و12% رأوا أن الأهداف لم تتحقق مطلقًا.
وفي سياق توقعات المستقبل، أبدى26% فقط تفاؤلهم بصمود اتفاق وقف إطلاق النار، بينما رأى 60% أن ثمة فرصة لاستمراره على المدى المتوسط، في حين يعتقد 56% بإمكانية تكرار هجوم مشابه لما جرى في 7 أكتوبر.
تدل هذه المؤشرات على أن الثقة بالنظام السياسي والأمني الإسرائيلي تآكلت بشدة، وأن مفهوم “الأمن الشخصي” الذي شكّل ركيزة العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة قد تزعزع بصورة غير مسبوقة.
ثانيًا: التأثيرات السياسية والانتخابية للحرب
تُظهر استطلاعات الرأي أن الحرب على غزة لم تترك أثرًا نفسيًا فحسب، بل أطلقت تفاعلات سياسية وانتخابية عميقة داخل الكيان الإسرائيلي.
فقد أشار استطلاع “INSS” إلى أن 53% من الإسرائيليين يطالبون بتقديم موعد الانتخابات بعد الحرب مباشرة، فيما رأى 39% أنه لا ضرورة لذلك.
كما أبدى74% دعمهم لتشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر، في مقابل 17% فقط عارضوا الفكرة، وهو ما يعكس ميلًا قويًا لدى الجمهور نحو محاسبة القيادة السياسية والعسكرية.
على الصعيد الاجتماعي، أظهر 39% من المستطلعة آراؤهم أن “حصانة المجتمع الإسرائيلي” تضررت مقارنة بما قبل الحرب، مقابل 33% يرون أن النسيج الاجتماعي تعزز، وأعرب60% عن قلقهم الشديد من الوضع الاجتماعي في اليوم التالي للحرب، وهو ما يترجم اتساع الشعور بانهيار منظومة التماسك الداخلي.
أما في البعد الأمني، فقد صرّح 62% من الإسرائيليين بتراجع شعورهم بالأمن الشخصي بعد الحرب، مقابل 37% فقط شعروا بتحسن.
استطلاع آخر نشرته صحيفة “زمان يسرائيل“ أظهر أن 45% يؤيدون إجراء انتخابات مبكرة، مقابل 39% يرفضون ذلك، ما يعزز الاتجاه نحو “تجديد الشرعية السياسية” للنظام الإسرائيلي الذي تآكلت مصداقيته خلال الحرب.
ثالثًا: انتخابات 7 أكتوبر… ذاكرة الفشل والصدمة
يرى المستشار الاستراتيجي الإسرائيلي إيتان زليغر أن الانتخابات المقبلة ستدور فعليًا حول “6 أكتوبر و7 أكتوبر”، أي ما قبل الهجوم وما بعده.
ففي مقابلة مع القناة 12 العبرية، قال زليغر:
“في السادس من أكتوبر كنا على شفا حرب أهلية بسبب التعديلات القضائية، وفي السابع من أكتوبر انهارت نظرية الوهم أمام قطاع غزة واستيقظنا على واقع لم يتخيله أحد.”
بهذا المعنى، تحوّل 7 أكتوبر إلى حدث مؤسس في الوعي الجمعي الإسرائيلي، تمامًا كما كانت حرب يوم الغفران 1973، إذ أصبح “رمزًا للفشل القيادي والانكشاف الأمني”.
أما الباحث “شالوم يوروشالمي” فاعتبر أن الحرب قضت على معسكر الوسط، وعلى رأسه حزب “معسكر الدولة” بزعامة بيني غانتس، الذي تراجع من 40 مقعدًا في بداية الحرب إلى ما دون نسبة الحسم في الاستطلاعات الأخيرة، مرجعًا ذلك إلى استغلال نتنياهو له خلال الحرب وتحميله الإخفاقات، إضافة إلى تأخره في الانسحاب من الحكومة.
في المقابل، يرى يوروشالمي أن نتنياهو لا يزال يمتلك “أوراقًا محتملة للعودة”، مثل:
- التلويح بمهاجمة المشروع النووي الإيراني،
- أو توجيه ضربة لحزب الله،
- أو تحقيق اختراق في ملف الأسرى مع غزة.
ورغم ذلك، يؤكد يوروشالمي أن محاولة نتنياهو التعويل على نسيان الشعب لما جرى في 7 أكتوبر “ادعاء وقح”، لأن الحدث محفور في الذاكرة الجمعية ولن يُمحى بسهولة.
واستنادًا إلى استطلاع أجرته القناة 12، اعتبر 70% من الإسرائيليين أن الانتخابات القادمة ستكون مصيرية لمستقبل الكيان، فيما يرى 63% ضرورة استبدال كل السياسيين بعد 7 أكتوبر، وأكد 64% أن الهجوم سيكون عاملًا حاسمًا في تصويتهم.
هذه الأرقام تكشف عن تحول في المزاج الانتخابي من الانتماء الحزبي إلى التصويت العقابي، وعن ميلٍ نحو إعادة تشكيل الطبقة السياسية برمتها، ما يفتح الباب أمام خريطة حزبية جديدة، وإن لم تتبلور بعد بوضوح.
رابعًا: موجة الهجرة العكسية… أزمة هوية وشرعية
من أبرز انعكاسات الحرب على المجتمع الإسرائيلي تصاعد الهجرة العكسية، وهي مؤشر خطير على تراجع الثقة الوجودية بمشروع الدولة.
فقد أظهر أحد استطلاعات الرأي أن واحدًا من كل خمسة إسرائيليين يدرس الهجرة من الكيان إذا جاءت نتائج الانتخابات المقبلة خلافًا لتطلعاته، فيما قال 17% إنهم سيفكرون جديًا بالهجرة بناءً على نتائج الانتخابات.
ووفق معطيات مركز الأبحاث التابع للكنيست الإسرائيلي، فإن 145 ألف إسرائيلي هاجروا إلى الخارج خلال السنوات الأربع الماضية، معظمهم خلال عامي الحرب 2023–2024، وسجّل عام 2023 وحده 83 ألف مهاجر، بزيادة 39% عن العام السابق.
وصف رئيس لجنة الهجرة في الكنيست، جلعاد كريف، هذه الظاهرة بأنها “تسونامي هجرة”، مشيرًا إلى أنها تمثل تهديدًا استراتيجيًا لحصانة المجتمع الإسرائيلي.
هذه الظاهرة لا تعكس فقط الخوف من الحرب، بل تعبّر عن تآكل الهوية الجماعية وانحسار الإيمان بمستقبل الدولة، وهي أخطر نتائج الحرب على المدى الطويل.
خامسًا: التحولات في الخريطة الحزبية والتحالفات المستقبلية
تُظهر الاتجاهات الحالية أن الخريطة الحزبية الإسرائيلية تتجه نحو إعادة تشكيل واسعة.
فقد تراجعت قوة معسكر الوسط (غانتس، لبيد، آيزنكوت)، في حين حافظت أحزاب اليمين الديني (شاس، الصهيونية الدينية، عوتسما يهوديت) على قاعدتها الصلبة بفضل الخطاب الديني – الأمني، رغم تراجع زخمها الشعبي.
أما اليسار الإسرائيلي (العمل، ميرتس) فما زال شبه غائب عن المشهد، ولا يمتلك رؤية أو قيادة قادرة على استثمار الغضب الشعبي.
يتوقع عدد من المحللين الإسرائيليين أن يشهد النظام الحزبي ما يشبه “إعادة الاصطفاف التاريخي”، بحيث:
- يعاد تشكيل حزب يميني جديد يضم وجوهًا أمنية وعسكرية من خارج الطبقة السياسية التقليدية.
- تتراجع الأحزاب الصغيرة لصالح تكتلات كبرى تُعيد إنتاج “الليكود” بصيغة أكثر قومية وشعبوية.
هذه التحولات، في حال ترسّخت، قد تؤدي إلى انتخابات حاسمة في بنية النظام السياسي الإسرائيلي، ليس فقط في من يحكم، بل في طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسياسية، وبين الدولة والمجتمع.
خــلاصــة واستشراف
تؤكد مجمل استطلاعات الرأي الإسرائيلية أن نتائج الحرب على غزة أصبحت البوصلة الأساسية للانتخابات المقبلة.
فالإسرائيليون يسعون إلى معاقبة نتنياهو على فشله في 7 أكتوبر، لكن غياب البديل القوي في المعارضة يجعل عودته إلى الحكم احتمالًا واردًا، مستفيدًا من انقسام خصومه وضعف القيادات البديلة.
لقد غيّرت الحرب من المزاج الإسرائيلي جذريًا:
- فالقضايا الأمنية طغت على الاجتماعية،
- والخوف على الوجود حلّ محلّ الجدل حول الهوية،
- وأصبح هاجس “النجاة” هو المحرك الأساسي للسلوك الانتخابي.
كما أن تصاعد الهجرة العكسية يعكس تحوّلًا خطيرًا في الثقة بمشروع الدولة، ويؤشر إلى أزمة شرعية متنامية تهدد البنية الديمغرافية والسياسية على المدى البعيد.
في ضوء ذلك، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات محتملة:
- انتخابات عقابية تُسقط نتنياهو مؤقتًا لكن من داخل نفس اليمين، دون تغيير جوهري في التوجهات.
- إعادة إنتاج قيادة يمينية جديدة ذات طابع أمني – قومي مستفيدة من رموز الجيش والمؤسسة الأمنية.
- تصاعد نزعة الهجرة والانعزال الداخلي إذا فشلت أي حكومة جديدة في ترميم الثقة أو تحقيق الأمن.
في المحصلة، لم تنتهِ الحرب، بل انتقلت من ساحات غزة إلى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، حيث تتجلى تداعياتها في أزمة قيادة، وانقسام اجتماعي، وانعدام ثقة، وتحولات في الوعي الجمعي ستستمر آثارها في تشكيل مستقبل الكيان لسنوات طويلة قادمة.
التــوصيــات
- التركيز على تعميق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي عبر الخطاب الإعلامي والسياسي الفلسطيني الذي يبرز فشل القيادة الإسرائيلية في تحقيق أهداف الحرب، وتكريس خطاب المساءلة الداخلية والانقسام بين المستويين السياسي والعسكري، بما يغذي التآكل في الثقة العامة بمؤسسات الدولة.
- استثمار الفجوة بين الرأي العام والحكومة الإسرائيلية إذ تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع التأييد الشعبي لنتنياهو وحكومته، مما يتيح فرصًا أمام الإعلام الفلسطيني لتصوير الكيان الإسرائيلي كدولة مأزومة داخليًا وغير قادرة على الاستمرار في نهج الحرب أو فرض حلول أحادية.
- تعزيز الجبهة الفلسطينية في مواجهة أي سيناريو إسرائيلي محتمل سواء عاد اليمين المتطرف أو صعد تيار “الوسط الأمني”، فكلاهما يسعى إلى إخضاع غزة، لكن بأدوات مختلفة، والمطلوب تطوير رؤية فلسطينية موحدة لإدارة العلاقة مع هذه التحولات، تجمع بين الثبات السياسي والمرونة التكتيكية.
- تفعيل مراكز الدراسات الفلسطينية والعربية لإنتاج دراسات دورية ترصد اتجاهات المزاج الإسرائيلي وتحولاته، بما يسمح ببناء “مؤشر رأي عام إسرائيلي” فلسطيني موازٍ، يعتمد على تحليل البيانات المنشورة في المعاهد العبرية ومتابعة الخطاب الإعلامي الإسرائيلي.
- توظيف المعطيات الانتخابية والإعلامية في العمل الدبلوماسي عبر نقل صورة واضحة للمجتمع الدولي بأن المجتمع الإسرائيلي ينزاح نحو مزيد من التطرف والعسكرة، مما يعزز سردية الشعب الفلسطيني كضحية لعقيدة الإبادة والسيطرة الاستعمارية.
- إعادة صياغة الخطاب الفلسطيني الموجّه للإسرائيليين بتطوير محتوى إعلامي يستهدف شرائح المجتمع الإسرائيلي المتململة من الحرب، وخاصة فئات الجنود المسرّحين، وأسر القتلى، والطبقة الوسطى المتضررة اقتصاديًا، لإظهار كلفة استمرار الحرب على حياتهم اليومية ومستقبلهم.
- تطوير رواية فلسطينية بديلة توازي التحولات داخل الكيان الإسرائيلي تبرز صورة الفلسطيني القادر على الصمود، والمجتمع الذي ينهض رغم الحرب، مقابل “المجتمع الإسرائيلي المأزوم نفسيًا وأخلاقيًا”، بما يعمّق الأثر المعنوي في الوعي الإسرائيلي ويقوّي موقع الفلسطينيين في السجال الدولي.
- تفعيل التنسيق الإعلامي العربي المقاوم لإنتاج سردية متماسكة تُبرز فشل الكيان الإسرائيلي الاستراتيجي وتآكل صورته كقوة ردع، بما يسهم في إضعاف التأييد الخارجي لحروبه.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية – أكتوبر 2025



