الذخائر غير المنفجرة في غزة: التحديات الإنسانية والمآلات السياسية والأمنية

تقييم حالة- المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي

تمثل الذخائر غير المنفجرة في قطاع غزة إحدى أخطر تركات الحرب الإسرائيلية، إذ خلّف القصف المكثف آلاف القنابل والصواريخ التي لم تنفجر بعد، وتشير تقديرات أممية إلى أن ما بين 5%  و10% من الذخائر المستخدمة ما زالت ناشطة تحت الأنقاض، ما يجعل غزة من أكثر مناطق العالم تلوثًا بالمتفجرات قياسًا بمساحتها وعدد سكانها.
تتناول الورقة أبعاد هذه الظاهرة في مستوياتها الإنسانية والتنموية والسياسية والأمنية، موضحةً أن الاحتلال الإسرائيلي يوظف القيود المفروضة على إدخال فرق ومعدات الإزالة كورقة ضغط للتحكم في عملية الإعمار وإطالة أمد المعاناة.

وتحذر الورقة من محاولات تدويل الملف أو تسييسه عبر مشروعات لقوى أو بعثات دولية تحت عناوين إنسانية ظاهرًا، مؤكدة أن إدارة هذا الملف تمثل اختبارًا للسيادة الفلسطينية في مرحلة ما بعد الحرب.

وتوصي الورقة بضرورة إطلاق خطة وطنية شاملة لإزالة الذخائر غير المنفجرة بدعم دولي فني ومالي، تضمن حماية المدنيين وإعادة الإعمار الآمن، وتغلق الباب أمام أي وصاية خارجية على الأرض الفلسطينية.

مقــدمــة

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، واجه الفلسطينيون واحدة من أكثر الحملات العسكرية تدميرًا في التاريخ الحديث، إذ لم يقتصر العدوان على استهداف البشر والمباني، بل خلّف وراءه إرثًا قاتلًا من الذخائر غير المنفجرة المنتشرة في كل زاوية من القطاع المحاصر، وتحولت هذه القنابل والصواريخ التي لم تنفجر عند سقوطها إلى قنابل موقوتة تهدد حياة المواطنين في غزة، وتُبقي الخطر حاضرًا في كل بيت وشارع ومزرعة.

وفي ظلّ هذا الواقع المأساوي، أصبح قطاع غزة أشبه بحقل ألغام واسع، تتعايش فيه العائلات مع الخطر اليومي، بينما تتعثر فرق الإنقاذ والإعمار أمام قيود الاحتلال ومنع إدخال المعدات الضرورية للمسح والإزالة، وتشير التقديرات الدولية إلى أنّ ما بين 5% و10% من الذخائر التي أُطلقت على غزة لم تنفجر، ما يجعلها واحدة من أكثر مناطق العالم تلوثًا بالمتفجرات قياسًا بمساحتها وعدد سكانها.

تتجاوز هذه المشكلة البعد الإنساني إلى أبعاد سياسية وأمنية معقدة، إذ يستخدم الاحتلال هذا الملف كورقة ضغط في إدارة ما بعد الحرب، مانعًا إدخال فرق الإزالة الدولية ومتذرعًا بالاعتبارات الأمنية، في محاولة لإبقاء غزة تحت حالة “اللااستقرار الدائم”، كما تسعى بعض الأطراف إلى تسييس القضية وربطها بمشروعات قوى أو بعثات دولية تحمل عناوين إنسانية ظاهرًا، لكنها قد تشكّل مدخلًا للوصاية أو إعادة تدوير الاحتلال بصيغ جديدة.

وعليه، تأتي هذه الورقة في سياق الحاجة الملحّة إلى فهم أعمق للظاهرة في أبعادها المتعددة – الإنسانية، والتنموية، والسياسية، والأمنية – وإلى بلورة رؤية وطنية متكاملة للتعامل معها، فهي لا تكتفي برصد حجم الخطر ومؤشراته، بل تحاول تحليل دلالاته ومآلاته على مستقبل الإعمار والاستقرار والسيادة الفلسطينية، مقدّمة توصيات مواجهة هذا التحدي الذي يُعدّ من أخطر تركات الحرب وأكثرها تعقيدًا.

أولًا: الإطار المفاهيمي والمشكلة العامة

تُعرَّف الذخائر غير المنفجرة (Unexploded Ordnance – UXO) بأنها بقايا من الذخائر الحربية التي لم تنفجر عند استخدامها لكنها تظل نشطة وقابلة للانفجار في أي وقت،  وتشمل هذه الذخائر القنابل الجوية والصواريخ الموجهة والمدفعيات وقذائف الدبابات وقذائف الهاون، إضافة إلى الذخائر العنقودية وشظايا الفسفور الأبيض، التي تشكّل خطرًا مركبًا وممتدًا على البيئة والسكان.

في السياق الفلسطيني، لا تمثل هذه الظاهرة نتاجًا عرضيًا للحرب، بل مظهرًا من مظاهر العقاب الجماعي طويل الأمد الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي ضد المواطنين العُزل، إذ إن كثافة النيران المستخدمة، وأنواع الذخائر المحرمة دوليًا، وغياب أي جهود إسرائيلية لإزالة مخلفاتها بعد الحرب، تجعل من هذه الذخائر أداة متجددة لإبقاء الخطر قائمًا، حتى بعد توقف العمليات العسكرية.

تتفاقم خطورة الذخائر غير المنفجرة في بيئة حضرية مكتظة كقطاع غزة، حيث تتوزع بين المنازل والمزارع والمدارس والطرق العامة ومرافق الخدمات الأساسية، في مساحة صغيرة تبلغ نحو  (365) كيلومترًا مربعًا يعيش فيها أكثر من مليوني نسمة، وتقدّر الأمم المتحدة أن ما بين 5% و10% من الذخائر التي أُطلقت على غزة خلال الحرب الأخيرة لم تنفجر، أي أن آلاف القنابل والصواريخ ما زالت مدفونة أو عالقة في طبقات الركام، ما يجعل من القطاع أحد أكثر مناطق العالم تلوثًا بالمتفجرات نسبةً إلى مساحته وعدد سكانه.

لا تقتصر المشكلة على بعدها الميداني، بل تمتد إلى كونها تهديدًا مركّبًا ثلاثي الأبعاد:

  1. تهديد إنساني:

يطال حياة المواطنين بشكل مباشر، ويعرّض الأطفال والنساء والعاملين في الإعمار والإنقاذ لخطر دائم، مع تزايد الإصابات والحوادث الناتجة عن التعامل غير الآمن مع مخلفات الحرب.

2. تهديد تنموي:

يعطل إعادة الإعمار ويؤخر عودة الحياة الطبيعية، ويزيد تكاليف المشاريع بسبب الحاجة إلى مسوحات هندسية وأمنية قبل أي عمل عمراني أو زراعي.

3. تهديد سياسي وأمني:

يستخدمه الاحتلال الإسرائيلي كورقة ضغط وتقييد، من خلال التحكم في دخول المعدات وفرق إزالة الألغام، وإبقاء الملف في دائرة السيطرة الإسرائيلية، بما يسمح له بإدامة حالة “اللاحرب – واللاسلم” في غزة.

وبذلك، فإن ملف الذخائر غير المنفجرة لا يُعد مجرد قضية فنية أو إنسانية، بل أحد أشكال استمرار العدوان بوسائل غير مباشرة، حيث تتحول الأرض ذاتها إلى ساحة خطر مؤجل يمنع الاستقرار ويقيد مستقبل الإعمار والتنمية.

ثانيًا: حجم الظاهرة ومؤشرات انتشار الذخائر غير المنفجرة

تُعدّ مشكلة الذخائر غير المنفجرة في قطاع غزة من أوسع الظواهر الميدانية وأخطرها على الصعيد الإنساني بعد الحرب، إذ خلّفت عمليات القصف الإسرائيلي المتواصل على مدى عامين، كميات هائلة من المتفجرات والألغام غير المنفجرة في مختلف مناطق القطاع، من شماله إلى جنوبه، لتتحول غزة إلى واحدة من أكثر المناطق تلوثًا بالذخائر في العالم قياسًا إلى مساحتها وعدد سكانها.

تشير دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام (UNMAS) إلى أن القيود الأمنية الإسرائيلية الصارمة حالت دون تنفيذ أي عمليات مسح ميداني واسعة منذ بداية الحرب، ما يعني أن المجتمع الدولي يفتقر حتى الآن إلى صورة دقيقة لحجم التهديد الحقيقي، ورغم توقف العمليات القتالية الكبرى بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر  2025، فإن الأمم المتحدة لم تتمكن بعد من إدخال معداتها الميدانية.

ووفقًا لتصريحات رئيس بعثة الأمم المتحدة للألغام في فلسطين، فإن عملية إزالة الذخائر في غزة “ستستغرق سنوات طويلة”، وأن مستوى الخطر الحالي يفوق قدرات أي جهة محلية على التعامل معه منفردة.

 وتقدّر منظمة هانديكاب إنترناشونال أن الحرب الأخيرة خلفت ما يقارب 70 ألف طن من المتفجرات، تشمل أنواعًا متعددة من القنابل والصواريخ الأمريكية الصنع ذات القدرة التدميرية العالية، مثل قنابل GBU-39 وJDAM، التي كثيرًا ما تخترق الأرض دون أن تنفجر، لتتحول إلى “قنابل موقوتة” تحت الأنقاض والمنازل المدمرة.

وتُظهر صور الأقمار الصناعية وتحقيقات ميدانية من منظمات حقوقية أن الذخائر غير المنفجرة تنتشر في أكثر من 80% من مناطق القطاع المتضررة، بما في ذلك المناطق الزراعية، والأحياء السكنية، والمناطق المحيطة بالمدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء المؤقتة، وتشير تقديرات ميدانية إلى أن ما لا يقل عن 300 ألف شخص يعيشون اليوم في مناطق تُصنف على أنها “مناطق ملوثة بالذخائر”.

ويؤكد خبراء الأمم المتحدة أن كثافة القصف الإسرائيلي واستخدام أنواع متعددة من الذخائر — بعضها غير تقليدي أو محرم دوليًا كالذخائر الفسفورية — جعلت عملية الرصد والتصنيف أكثر تعقيدًا من أي ساحة نزاع سابقة، فغزة، بمساحتها الصغيرة وكثافتها السكانية العالية، تواجه معدلات تلوث متفجرات تفوق مثيلاتها في العراق وسوريا وأوكرانيا مجتمعة من حيث عدد الذخائر لكل كيلومتر مربع.

إضافة إلى ذلك، تشير تقارير ميدانية إلى أن العديد من حوادث الانفجار وقعت بالفعل منذ بداية عام 2025 أثناء عمليات إزالة الركام أو عودة السكان إلى منازلهم، مما أدى إلى وقوع عشرات الإصابات والشهداء، خصوصًا بين الأطفال والعاملين في الإغاثة، وتؤكد هذه الوقائع أن خطر الذخائر غير المنفجرة ليس محتملًا فحسب، بل هو واقع مستمر ومتجدد يوميًا.

إن هذه المؤشرات مجتمعة تكشف أن قطاع غزة يواجه كارثة أمنية وإنسانية مؤجلة، حيث تحولت أراضيه إلى حقول موت غير مرئية، تجعل من عملية إعادة الإعمار والتنمية مشروطة مسبقًا بإنجاز مهمة بالغة التعقيد وطويلة الأمد، هي إزالة مئات آلاف الذخائر غير المنفجرة المنتشرة في أرجائه.

ثالثًا: الأبعاد الإنسانية والتنموية للظاهرة

تشكّل الذخائر غير المنفجرة في قطاع غزة أحد أبرز التحديات الإنسانية والتنموية بعد الحرب، إذ تتقاطع آثارها مع جميع مجالات الحياة اليومية للسكان، من الأمن الشخصي إلى الاقتصاد والبنية التحتية والخدمات العامة، وتكشف المعطيات الميدانية أن الخطر لم يعد افتراضيًا أو محدودًا، بل أصبح واقعًا يوميًا يعطل التعافي ويعيد إنتاج المأساة الإنسانية بصورة متواصلة.

1. الخطر المباشر على حياة المواطنين

يشكّل الانتشار الواسع للذخائر غير المنفجرة خطرًا دائمًا على حياة المواطنين، خصوصًا الأطفال والعاملين في إزالة الأنقاض والمزارعين.

هذا الواقع يحوّل البيئة المدنية إلى حقل موت مفتوح، لا يمكن التنبؤ بمكان الخطر فيه أو توقيت انفجاره، وغالبًا ما تقع هذه الانفجارات في المناطق التي لم تشهد عمليات مسح هندسي كافية، أو تلك التي أعاد السكان ترميمها ذاتيًا دون إشراف فني.

2.  الأثر النفسي والاجتماعي

تخلق الذخائر غير المنفجرة حالة من الخوف المستمر والقلق المزمن بين السكان، الذين يعيشون في ظل شعور دائم بعدم الأمان، فحتى بعد توقف القصف، يبقى “الخطر الصامت” حاضرًا في الوعي الجمعي، ويمنع الناس من الإحساس الحقيقي بالاستقرار.

الأطفال على وجه الخصوص يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)، والخوف من العودة إلى المدارس أو اللعب في الشوارع أو المزارع، حيث قد تكون هناك ذخائر مخفية تحت الأنقاض.
وتشير تقديرات منظمات الصحة النفسية العاملة في القطاع إلى أن ما لا يقل عن 70% من الأطفال يعانون أعراض الخوف والقلق الناتجة عن الحرب واستمرار خطر الذخائر.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد أدت هذه المخاطر إلى تعطيل حركة العودة إلى الأحياء المدمرة وتأخير إعادة الاندماج المجتمعي، إذ يخشى كثير من الأسر العودة إلى منازلها القديمة أو أراضيها الزراعية خوفًا من انفجارات مفاجئة.

3. تعطيل مشاريع الإعمار والتنمية

تُعدّ الذخائر غير المنفجرة أحد أبرز معوقات إعادة الإعمار، حيث تفرض على الجهات المنفذة إجراء عمليات مسح هندسي دقيقة قبل الشروع بأي مشروع، سواء للبناء أو للبنية التحتية أو الزراعة.
هذه الإجراءات تطيل مدة التنفيذ وترفع التكاليف إلى مستويات تفوق القدرة التمويلية المحلية، ويُقدّر خبراء الأمم المتحدة أن كل مشروع إعادة بناء في غزة يحتاج إلى فحص مسبق يستغرق من 4 إلى 6 أسابيع إضافية بسبب خطر الذخائر، وهو ما يضاعف كلفة الوقت والمال.

وبذلك أصبحت الذخائر غير المنفجرة عائقًا هيكليًا أمام الإعمار والتنمية، لا مجرد خطر أمني مؤقت.

4. الآثار على الخدمات الأساسية (الصحة والتعليم)

تعرّضت العديد من المدارس والمستشفيات للقصف خلال الحرب، ومع عودة النشاط التدريجي، اكتُشفت ذخائر غير منفجرة في محيط أو داخل بعض هذه المرافق، ما أدى إلى إغلاقها مؤقتًا لحين التأكد من سلامتها.

وفي عودة إلى الوراء قليلً وتحديدًا في مارس 2025، أعلنت وكالة الأونروا أنها أوقفت العمل في عدد من مدارس الإيواء بعد اكتشاف قنابل وصواريخ غير منفجرة في ساحاتها أو محيطها، كما واجهت فرق الطوارئ الصحية صعوبات كبيرة في الوصول إلى بعض المناطق “الملوثة”، مما أثر سلبًا على تقديم الخدمات الصحية والإغاثية.

وتؤدي هذه الوقائع إلى تقييد الوصول إلى الخدمات الأساسية، وإطالة معاناة الفئات الأضعف من سكان القطاع.

إن الأبعاد الإنسانية والتنموية لهذه الظاهرة تؤكد أن التعامل مع ملف الذخائر غير المنفجرة لا يمكن أن يقتصر على المقاربة الفنية أو التقنية، بل يجب أن يُدرج ضمن سياسات الحماية الاجتماعية والأمن الإنساني، وأن يُنظر إليه باعتباره عنصرًا مركزيًا في عملية التعافي الشامل لقطاع غزة، لا كقضية هندسية معزولة.

رابعًا: الأبعاد السياسية والأمنية

لم تعد الذخائر غير المنفجرة في غزة مجرّد مخلّفات حرب، بل تحوّلت إلى أداة ضغط سياسية وأمنية في يد الاحتلال الإسرائيلي، يستخدمها للتحكم في مسار ما بعد الحرب، ولإدامة حالة “اللااستقرار” كوسيلة من وسائل السيطرة غير المباشرة، فالخطر الكامن في الأرض أصبح امتدادًا للعدوان، يُبقي المواطنين تحت التهديد حتى بعد توقف القصف، ويمنح الاحتلال وسيلة جديدة لتقويض أي مسار نحو التعافي والسيادة.

  1. استخدام الاحتلال للملف كورقة ضغط سياسية

يتعامل الاحتلال الإسرائيلي مع ملف الذخائر غير المنفجرة كأداة تفاوضية في ملف الإعمار والمساعدات الدولية، إذ يربط بين السماح بإدخال المعدات الميدانية المخصصة لإزالتها وبين الشروط الأمنية والسياسية.

ورغم المناشدات الأممية المتكررة، لم تمنح سلطات الاحتلال حتى أكتوبر 2025 سوى تصاريح محدودة للغاية لمرور بعض المعدات الخفيفة، فيما تُمنع المركبات المدرعة ومعدات الكشف المتقدمة من الدخول.

هذا الواقع يكرّس سياسة “التحكم عبر الخطر، حيث يبقى الأمن المدني رهين القرار الإسرائيلي، ويُستخدم الخطر المتبقي على الأرض لتطويع المسار الإنساني والاقتصادي في غزة بما يخدم أهداف الاحتلال السياسية.

وتشير تحليلات مراكز إسرائيلية إلى أن إبقاء غزة في حالة “عدم الأمان الكامل” يُسهم في ردع عودة المقاومة إلى إعادة التمركز، ويُبقي الضغط النفسي على المجتمع المدني الفلسطيني، ما يجعل الاحتلال يحقق “ردعًا صامتًا” دون إطلاق رصاصة واحدة.

2. إضعاف المؤسسات المحلية وإحلال الدور الدولي

نتيجة الحصار والقيود الإسرائيلية، تجد المؤسسات الفلسطينية، خصوصًا الدفاع المدني والهندسة العسكرية، نفسها عاجزة عن التعامل مع هذا الخطر الواسع.

هذا العجز يُقدَّم دوليًا كتبرير لتوسيع دور المؤسسات الأممية أو “القوى الدولية الخاصة” في الإشراف على إزالة الذخائر، الأمر الذي يفتح الباب أمام مشاريع “إدارة دولية للأمن الإنساني” في غزة.

من هذا المنظور، يصبح ملف الذخائر غير المنفجرة جزءًا من التمهيد العملي لمشاريع السيطرة أو الوصاية الدولية التي يجري الترويج لها في بعض الخطط الأميركية والإسرائيلية لما بعد الحرب، تحت عناوين مثل “قوة الاستقرار” أو “آلية أمنية متعددة الأطراف”.

بهذا، تتقاطع الأبعاد الفنية للملف مع أهداف استراتيجية أعمق، هدفها إعادة هندسة السيطرة على غزة بطريقة ناعمة ومشروعة دوليًا.

3. تهديد الأمن المجتمعي وتفكيك البيئة الداخلية

يخلق انتشار الذخائر حالة من الخوف والفوضى الأمنية داخل المجتمع الفلسطيني، ويمنح الاحتلال فرصة لتغذية السردية الإسرائيلية عن “غياب الحوكمة” في غزة.

فكل انفجار عرضي في منطقة مأهولة يُستثمر إعلاميًا لتصوير المقاومة أو السلطات المحلية على أنها غير قادرة على حماية المواطنين أو إدارة شؤونهم، مما يسهم في ضرب الثقة بالمؤسسات الفلسطينية.

4. البعد القانوني والأخلاقي

يتحمل الكيان الإسرائيلي ، بوصفه قوة احتلال، المسؤولية القانونية الكاملة عن إزالة مخلفات الحرب وتأمين المواطنين العُزل، وفق اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكول الأول الإضافي (1977) الذي يفرض على الأطراف المتحاربة إزالة المتفجرات بعد انتهاء الأعمال العدائية.

ورغم وضوح هذه الالتزامات، فإن الاحتلال يتنصل منها عبر إحالة المسؤولية إلى المؤسسات الدولية، بينما يستمر في منع دخول المعدات الضرورية.

هذا السلوك يُعد خرقًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني، ويؤكد الطابع المنهجي لسياسة الإهمال المتعمد، التي تهدف إلى تحويل البيئة المعيشية في غزة إلى فضاء غير قابل للحياة.

إن الأبعاد السياسية والأمنية للذخائر غير المنفجرة تكشف أن الاحتلال لا يتعامل مع هذه القضية بوصفها نتيجة جانبية للحرب، بل كأداة ممتدة للسيطرة الميدانية والسياسية.

فإبقاء الخطر في الأرض يساوي — من منظور استراتيجي إسرائيلي — إبقاء الفلسطينيين تحت السيطرة، وتعطيل أي إمكانية لبناء بيئة سيادية آمنة، ومن هنا، تتحول الذخائر غير المنفجرة إلى امتداد صامت للعدوان، وجزء من معمار الاحتلال في زمن ما بعد الحرب.

خامسًا: التحديات والمعوقات الراهنة لجهود الإزالة

تُعد عملية إزالة الذخائر غير المنفجرة في قطاع غزة من أعقد المهام الإنسانية والأمنية في العالم المعاصر، نظرًا لتشابك العوامل الميدانية والسياسية والتقنية التي تحول دون تنفيذها على نحو فعّال. فبعد مرور ما يقارب العامين على الحرب، ما تزال الجهود المبذولة محدودة جدًا، وتخضع لقيود صارمة تُبقي الخطر قائمًا في معظم مناطق القطاع.

  1. القيود الإسرائيلية وإغلاق المعابر

تمثل القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي العقبة الأساسية أمام أي جهد جاد لإزالة الذخائر، فالاحتلال الإسرائيلي يتحكم بالكامل في المعابر البرية والمنافذ الحدودية، وتُخضع دخول المعدات الهندسية والفرق الدولية لإجراءات تفتيش وتصاريح أمنية معقدة ومطوّلة.

كما تُمنع معدات الكشف المتقدمة مثل الروبوتات وأجهزة الفحص بالأشعة تحت الحمراء من الوصول إلى غزة، تحت ذرائع “الأمن العسكري” أو احتمال “إساءة استخدامها”.

هذه السياسة تُبقي السيطرة الفعلية على ملف الإزالة بيد الاحتلال، وتحوّله إلى ورقة ضغط سياسية مرتبطة بمسارات الإعمار والمساعدات الدولية.

2.  ضعف القدرات المحلية الفنية والبشرية

تُعاني الجهات الفلسطينية العاملة في هذا المجال — وخصوصًا فرق الدفاع المدني والهندسة العسكرية — من نقص حاد في الكوادر المؤهلة والمعدات الحديثة.

فمعظم ما يُستخدم حاليًا أدوات يدوية وتقنيات بدائية، لا تكفي للتعامل مع الذخائر الجوية العميقة أو القنابل الذكية الأمريكية الصنع التي تُستخدم بكثافة في الحرب الأخيرة.

كما أن غياب برامج التدريب الدولية بسبب الحصار وانقطاع التواصل مع مراكز الخبرة العالمية يحرم غزة من تطوير كفاءات محلية قادرة على إدارة الملف بمعايير مهنية وأممية.

تُضاف إلى ذلك الضغوط النفسية الكبيرة على العاملين في هذا المجال، نتيجة خطر الانفجار الدائم وغياب بيئة الأمان الميداني.

3. غياب الخرائط الميدانية الدقيقة

لم تُسلّم حكومة الاحتلال أي خرائط توضح مواقع القصف أو نوعية الذخائر المستخدمة، رغم المطالبات المتكررة من الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية.

هذا الغياب يجعل عمليات المسح والتنقيب عشوائية ومحفوفة بالمخاطر، ويُطيل أمد العمل لسنوات.
كما أن تدمير البنية التحتية (الطرقات، شبكات المياه والكهرباء) غيّر تضاريس الأرض بشكل كبير، مما يصعّب تحديد المواقع الأصلية للذخائر.

ويؤكد خبراء الأمم المتحدة أن نقص المعلومات الفنية عن نوعية الذخائر ومسارات إطلاقها يضاعف احتمال الانفجارات العرضية بنسبة تفوق 40%.

4. المخاطر الأمنية المستمرة

تواجه فرق الإزالة تهديدات مباشرة خلال عملها، سواء من احتمال انفجار الذخائر نفسها أو من استمرار تحليق الطائرات الإسرائيلية في أجواء غزة خلال تنفيذ المهام الميدانية.

كما يتسبب غياب التنسيق الميداني الكامل بين المؤسسات المحلية والدولية في زيادة احتمالات الخطأ.
وفي بعض المناطق الحدودية، تمنع الحكومة الإسرائيلية أي نشاط ميداني نهائيًا، بحجة أنها “مناطق عسكرية” مما يجعل مساحات شاسعة من أراضي غزة خارج نطاق الأمان الإنساني حتى اليوم.

5.  نقص التمويل والدعم الدولي

رغم اعتراف المجتمع الدولي بخطورة الملف، فإن التمويل المخصص لإزالة الذخائر لا يزال محدودًا جدًا مقارنة بحجم الكارثة.

المنظمات الأممية والدولية تركز غالبًا على الإغاثة الطارئة أو الإيواء، بينما تُدرج إزالة الذخائر ضمن الخطط الثانوية طويلة المدى.

ويُقدّر أن كلفة تنظيف غزة بالكامل من المتفجرات قد تتجاوز ملايين الدولارت لا يمكن تغطيتها دون شراكات واسعة بين الجهات الفلسطينية والدولية.

لكن الاحتلال يقيّد أيضًا قنوات التمويل، إذ يشترط أن تمر أي مساعدات عبر آلياته الرقابية، مما يحول حتى الدعم المالي إلى أداة ابتزاز سياسي.

6. ضعف التنسيق المؤسسي الداخلي

تعمل في غزة عدة جهات محلية على نحو متوازي — كالدفاع المدني والهندسة العسكرية وبعض المؤسسات غير الحكومية — لكن غياب غرفة عمليات وطنية موحدة يجعل التنسيق بين هذه الأطراف محدودًا.

كما أن غياب البيانات المركزية حول المواقع والأخطار يُضعف القدرة على رسم خريطة وطنية شاملة.
ويؤدي هذا التشتت المؤسسي إلى تكرار الجهود في بعض المناطق، وغياب التغطية في أخرى، وهو ما يضاعف المخاطر ويطيل أمد المعاناة.

إن تراكم هذه التحديات الميدانية والسياسية والإدارية يجعل من ملف الذخائر غير المنفجرة واحدًا من أعقد ملفات ما بعد الحرب في غزة.

فما لم تُرفع القيود الإسرائيلية ويُبْنَ تنسيق وطني موحد بدعم دولي فعّال، فإن الخطر سيبقى قائمًا لسنوات، وستبقى الذخائر المدفونة رمزًا ملموسًا لاستمرار الاحتلال بأشكال جديدة غير مباشرة.

سادسًا: المآلات المستقبلية والانعكاسات المحتملة

يُعد ملف الذخائر غير المنفجرة في غزة أحد الملفات المفصلية في تحديد ملامح مرحلة ما بعد الحرب، لما يحمله من تداعيات إنسانية وسياسية وأمنية ممتدة، فطبيعة التعامل مع هذا الملف، محليًا ودوليًا، ستحدد إلى حدٍّ كبير شكل البيئة الفلسطينية في السنوات المقبلة، ومدى قدرتها على التعافي وإعادة بناء مؤسساتها على أسس سيادية ومستقلة.

يمكن رصد ثلاثة اتجاهات رئيسية محتملة لمآلات هذا الملف:

  1. السيناريو الأول: استمرار القيود الإسرائيلية وبقاء الخطر كأداة تحكم

وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا في ضوء الواقع الراهن.

يستند إلى أن الاحتلال سيواصل استخدام الملف كأداة ابتزاز وضغط سياسي، عبر الإبقاء على القيود المفروضة على دخول فرق ومعدات الإزالة، وربط أي تقدم ميداني في هذا الشأن بشروط أمنية وسياسية تتعلق بملف الإعمار، أو بالترتيبات الأمنية في غزة مستقبلاً.

في هذا السياق، تتحول الذخائر غير المنفجرة إلى وسيلة لتمديد أثر الحرب بعد انتهائها، وإبقاء غزة في حالة من “اللاحرب واللاسلم”، حيث الخطر مستمر والحياة معلقة.

هذا السيناريو يعني عمليًا استدامة الكارثة الإنسانية لسنوات طويلة، وارتفاع أعداد الضحايا من المواطنين تدريجيًا، فضلًا عن تعثر مشاريع الإعمار والتنمية.

كما يتيح للاحتلال إدامة السيطرة غير المباشرة على غزة، تحت غطاء “الإجراءات الأمنية” و”التدقيق الفني”، بما يمنحه قدرة على إدارة المشهد الميداني دون وجود فعلي على الأرض.

2. السيناريو الثاني: تدخل دولي موسّع بذريعة “الأمن الإنساني”

في ظل تصاعد الأصوات الغربية الداعية إلى تشكيل قوة استقرار دولية أو “آلية أمنية متعددة الأطراف” لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، قد يُستخدم ملف الذخائر غير المنفجرة كمدخل عملي لتبرير هذا التدخل.

إذ يمكن تسويقه دوليًا بوصفه قضية إنسانية عاجلة تتطلب وجودًا ميدانيًا فوريًا لتأمين السكان.
لكن هذا التدخل — إذا ما تم خارج الإطار الوطني الفلسطيني — سيحمل انعكاسات سيادية خطيرة، لأنه سيفتح الباب أمام إدارة دولية لشؤون الأمن والميدان في غزة، بما يتجاوز مسألة إزالة الذخائر إلى ضبط الفضاء الأمني والسياسي بالكامل.

وسيشكّل هذا السيناريو خطوة تمهيدية نحو فرض ترتيبات ميدانية شبيهة بتلك التي طُبقت في جنوب لبنان بعد 2006، حيث تحوّلت مهمة “إزالة المخاطر” إلى غطاء لتثبيت واقع أمني جديد.

3. السيناريو الثالث: بناء مقاربة وطنية شاملة بدعم دولي منضبط

يمثل هذا السيناريو الفرصة الإيجابية الواقعية لتفكيك الخطر بطريقة تحفظ السيادة الفلسطينية وتعيد الثقة بالمؤسسات المحلية.

يقوم هذا المسار على صياغة خطة وطنية متكاملة لإزالة الذخائر، تُدار فلسطينيًا بمشاركة هندسية وميدانية من المؤسسات المحلية، وبدعم فني ومالي من الأمم المتحدة وشركائها.

ونجاح هذا السيناريو يتطلب:

  • رفع القيود الإسرائيلية بشكل كامل عن دخول المعدات والفرق المختصة.
  • بناء غرفة عمليات وطنية موحدة لتنسيق الجهود الميدانية بين الجهات المحلية والدولية.
  • دمج عمليات الإزالة ضمن خطة الإعمار الشاملة بحيث تُصبح مقدمة عملية لإعادة البناء الآمن.
  • إطلاق برامج توعية مجتمعية موسّعة لتقليل الحوادث وتعزيز ثقافة الأمان.

إن تبنّي هذا المسار سيحوّل ملف الذخائر غير المنفجرة من “رمز للدمار” إلى فرصة لإعادة بناء القدرات الوطنية وتعزيز الثقة بالمؤسسات الفلسطينية، بما يرسّخ مبدأ السيادة والمسؤولية الذاتية.

الانعكاسات المستقبلية الأوسع

بصرف النظر عن السيناريو الأقرب، فإن استمرار وجود هذا الخطر سيترك تداعيات بعيدة المدى على بنية المجتمع الفلسطيني:

  • إنسانيًا: سيبقى الخوف والقلق النفسي جزءًا من الحياة اليومية لآلاف الأسر، خاصة في المناطق المدمرة.
  • اقتصاديًا: ستتراجع معدلات التنمية والإنتاج الزراعي والعمراني بسبب غياب الأمان الميداني.
  • اجتماعيًا: سيؤدي طول أمد الخطر إلى تأخير عودة المهجرين إلى منازلهم، مما يفاقم أزمة النزوح الداخلي.
  • سياسيًا: سيُستخدم الملف كورقة تفاوضية في أي ترتيبات سياسية قادمة تتعلق بغزة، سواء في ملف الإعمار أو الأمن أو الوجود الدولي.

إن المآلات المستقبلية لملف الذخائر غير المنفجرة ترتبط جوهريًا بميزان الإرادة السياسية والسيادة الميدانية. فإما أن يبقى الملف رهينة بيد الاحتلال والمشاريع الدولية، فيُحوّل الخطر إلى أداة استعمارية مستمرة؛ وإما أن يُدار وطنيًا ضمن رؤية استراتيجية فلسطينية شاملة، فيتحول من رمز للكارثة إلى مدخل لتعافي سيادي آمن.

الخــلاصــة

إنّ ملف الذخائر غير المنفجرة في غزة لا يُعدّ تفصيلًا إنسانيًا عابرًا، بل هو امتداد صامت لحرب الإبادة التي لم تنتهِ بعد، فبين الركام والأنقاض يرقد خطرٌ يوميّ يهدّد حياة الفلسطينيين، ويقيد حقهم في الحياة الكريمة، ويعطّل مسار الإعمار والتنمية، فيما يوظّفه الاحتلال الإسرائيلي كأداة للتحكم في حاضر غزة ومستقبلها.

لقد تحوّل هذا الملف من قضية تقنية إلى قضية سيادية بامتياز، إذ يرتبط بالحق في الأمن الإنساني، والسيطرة على الأرض، والقدرة على إعادة الإعمار دون وصاية خارجية أو ابتزاز سياسي، ويكشف الواقع أن بقاء الذخائر المنتشرة في أنحاء القطاع ليس نتاجًا عرضيًا للحرب، بل جزءًا من منظومة “الاحتلال المستمر بأدوات جديدة”، حيث يتحول الركام إلى حدود ناعمة تُقيّد حركة الحياة وتُبقي الخطر قائمًا لعقود.

ومع أنّ حجم التحدي ضخم، إلا أن تحويل هذا الخطر إلى فرصة ممكن من خلال مقاربة وطنية واعية ومدعومة دوليًا، قوامها بناء القدرات المحلية، وتوحيد المرجعيات، وفرض الحق الفلسطيني في إدارة الأرض وتأمينها، إنّ امتلاك زمام هذا الملف هو اختبار حقيقي لجدية السيادة الفلسطينية في مرحلة ما بعد الحرب، ولقدرة المؤسسات الوطنية على تحويل الألم إلى فعلٍ بنّاء.

من هنا، لا بد من الانتقال من منطق “الاستجابة المؤقتة” إلى رؤية استراتيجية طويلة الأمد، تُعالج الخطر في جذوره وتعيد بناء بيئة آمنة للإنسان الفلسطيني، تمهّد لمرحلة تعافٍ شامل سياسيًا وإنسانيًا وأمنيًا.

التــوصيــات

أولًا: على المستوى الوطني

  1. إطلاق خطة وطنية شاملة لإزالة الذخائر غير المنفجرة، تشرف عليها لجنة عليا تضم ممثلين عن الجهات الحكومية والهندسة العسكرية والدفاع المدني والمؤسسات الأهلية.
  2. تأسيس “غرفة عمليات وطنية موحدة “لتنسيق العمل الميداني وتبادل المعلومات والخرائط بين الفرق المحلية والدولية.
  3. تطوير القدرات الفنية والبشرية عبر برامج تدريب مهنية متقدمة بالتعاون مع الأمم المتحدة والدول الصديقة، لتأهيل فرق محلية قادرة على التعامل مع مختلف أنواع الذخائر.
  4. إدماج ملف إزالة الذخائر ضمن خطة الإعمار الوطنية باعتباره خطوة أولى أساسية لأي عملية إعادة بناء، مع تخصيص بند تمويلي مستقل له.
  5. تعزيز التوعية المجتمعية الواسعة من خلال حملات إعلامية ومناهج تعليمية وبرامج تدريبية للأطفال والمزارعين والعاملين في الإعمار، للحد من الحوادث الناجمة عن التعامل العشوائي مع الذخائر.
  6. توثيق كل الحوادث والانفجارات بدقة، وتشكيل قاعدة بيانات وطنية موحدة يمكن استخدامها في المحافل القانونية والدولية لإثبات مسؤولية الاحتلال عن استمرار الخطر.

ثانيًا: على المستوى الدولي

  1. الضغط على سلطات الاحتلال لرفع القيود فورًا عن دخول فرق ومعدات إزالة الألغام، باعتبار ذلك التزامًا قانونيًا بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني.
  2. تفعيل دور الأمم المتحدة ووكالاتها المختصة لتوفير الدعم الفني والمالي واللوجستي دون المرور عبر القيود الإسرائيلية، مع ضمان إشراك المؤسسات الفلسطينية في كل المراحل التنفيذية.
  3. تخصيص صندوق دولي لدعم إزالة الذخائر في غزة بإدارة شفافة، يموّل برامج المسح والإزالة والتأهيل المجتمعي، ويمنع تسييس التمويل أو ربطه بشروط سياسية.
  4. تحميل الاحتلال المسؤولية القانونية الكاملة عن جميع الإصابات والأضرار الناتجة عن الذخائر غير المنفجرة، واعتبارها امتدادًا للجرائم الحربية التي تستوجب الملاحقة في المحاكم الدولية.
  5. رفض أي محاولات لتدويل الملف أو تسييسه عبر تشكيل قوى أو بعثات أمنية ذات طابع استعماري جديد تحت مسمى “القوى الإنسانية” أو “الاستقرار الدولي”، والتأكيد أن إزالة الذخائر شأن وطني فلسطيني بدعم فني دولي فقط.

ثالثًا: على المستوى الإعلامي والمجتمعي

  1. تحويل ملف الذخائر إلى قضية رأي عام من خلال تغطية إعلامية متواصلة تُظهر حجم الخطر الإنساني وتفضح تنصّل الاحتلال من مسؤولياته.
  2. تبنّي خطاب وطني موحد يربط هذا الملف بمفاهيم “الأمن الإنساني” و“الحق في الحياة الآمنة” و“مسؤولية الاحتلال المستمرة”.
  3. إشراك المجتمع المدني والبلديات في جهود الرصد والتوعية والتبليغ عن المواقع الملوثة، بما يعزز روح المشاركة والمسؤولية الجماعية.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية – غزة أكتوبر 2025

شارك:

المزيد من المقالات

قرار مجلس الأمن 2803..إدارة الانتقال أم شرعنة الاحتلال؟: قراءة سياسية واستراتيجية لغزة بعد الحرب

تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل شامل ومتوازن للقرار، من حيث السياق السياسي والقانوني، الإشكالات التفسيرية، النتائج الإيجابية والسلبية، التداعيات على القضية الفلسطينية والمشهد الإقليمي