العدالة المؤجلة في فلسطين: البطء القضائي للمحكمة الجنائية الدولية وتداعياته على ملاحقة قادة الاحتلال الإسرائيلي بعد حرب غزة

دراسة تحليلية- المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

ملخص تنفيذي
تسلط هذه الورقة الصادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية الضوء على “العدالة المؤجلة” في فلسطين، من خلال دراسة البطء القضائي للمحكمة الجنائية الدولية في ملاحقة قادة الاحتلال الإسرائيلي بعد حرب غزة 2023–2025، وتوثق الورقة الجرائم الإسرائيلية الكبرى، بما في ذلك القتل الجماعي للمدنيين، التدمير المنهجي للبنية التحتية، التهجير القسري، الحصار، واستهداف فرق الإغاثة والإعلاميين، واستخدام أسلحة محرمة دوليًا، وترصد أنها ارتكبت بطريقة منهجية تؤهلها للملاحقة بموجب القانون الدولي.
تستعرض الورقة العوامل البنيوية والسياسية التي تسببت في بطء الإجراءات، من تعقيد جمع الأدلة ونقص الموارد، إلى الضغوط الدولية وازدواجية المعايير وغياب التنسيق العربي والفلسطيني، وتوضح انعكاس ذلك على الضحايا وثقة المجتمع الدولي، مع ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب وضعف الردع الدولي.
كما تقدم الورقة تحليلاً للسيناريوهات المحتملة لملاحقة قادة الاحتلال، مع ترجيح استمرار المماطلة على المدى القصير، وإمكانية تحريك العدالة عبر الضغط الحقوقي والشعبي والدبلوماسي على المدى المتوسط، وتخلص إلى أن العدالة الفلسطينية ممكنة، لكنها تتطلب استراتيجية متكاملة تشمل التوثيق القانوني الدقيق، الضغط الحقوقي والدبلوماسي الدولي، والتحرك الشعبي والإعلامي لضمان تنفيذ القرار التاريخي وتحقيق مساءلة فعلية للقادة الإسرائيليين.

مقــدمــة

شهد قطاع غزة خلال الفترة بين أكتوبر 2023 و2025 حربًا مدمرة شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من المواطنين الفلسطينيين، بينهم النساء والأطفال وكبار السن، وتدمير واسع للبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك المنازل والمدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء التابعة للأونروا.

توثّق منظمات حقوق الإنسان الدولية، مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، وتقارير الأمم المتحدة، وقوع انتهاكات جسيمة ومتنوعة، تشمل القتل العمد للمواطنين العُزل، التدمير المنهجي للبنية التحتية، الحصار وتجويع السكان، التهجير القسري، واستهداف الإعلاميين وفرق الإغاثة الإنسانية، إلى جانب استخدام أسلحة محرمة دوليًا، هذه الانتهاكات تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفقًا للقانون الدولي.

رغم توافر الأدلة الموثقة والملفات القانونية، فإن مسار العدالة الدولية في القضية الفلسطينية يشهد تأخرًا مستمرًا وبطئًا في التحقيقات والملاحقات القضائية، ما يثير تساؤلات جدية حول مصداقية المحكمة الجنائية الدولية واستقلالها أمام الضغوط الدولية والسياسية.

في هذا السياق، تأتي هذه الورقة الصادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية لتسلط الضوء على العدالة المؤجلة في فلسطين، من خلال:

  • تحليل الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية خلال الحرب الأخيرة على غزة.
  • دراسة أسباب البطء القضائي في المحكمة الجنائية الدولية وانعكاساته على الضحايا والمجتمع الدولي.
  • استعراض السيناريوهات المحتملة لملاحقة قادة الاحتلال الإسرائيلي، وترجيح النتائج القانونية والسياسية لكل سيناريو.
  • تقديم توصيات عملية لتعزيز العدالة الفلسطينية وضمان فعالية الملاحقة القانونية مستقبلاً.

تهدف الورقة إلى تقديم تحليل معمق ودقيق للواقع القانوني والسياسي المحيط بالعدالة الدولية في فلسطين.

الإطار القانوني لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية في فلسطين

تأسست المحكمة الجنائية الدولية (ICC) عام 2002 بموجب نظام روما الأساسي، الذي منحها صلاحية محاكمة الأفراد المسؤولين عن جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، الإبادة الجماعية، وجرائم العدوان، وتمثل المحكمة أحد أهم أذرع العدالة الدولية، بهدف ضمان محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، خاصة في حالات النزاع المسلح.

انضمت فلسطين رسميًا إلى النظام في يناير 2015، ما منح المحكمة ولاية قضائية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، ويُعد هذا الانضمام خطوة تاريخية، حيث يوفر للمجتمع الدولي إطارًا قانونيًا لملاحقة القادة الإسرائيليين على الجرائم المرتكبة ضد المدنيين الفلسطينيين، ويتيح فتح تحقيقات رسمية بمجرد توفر أدلة كافية.

في مارس 2021، أعلن مكتب الادعاء العام فتح تحقيق رسمي في “الحالة الفلسطينية، استنادًا إلى وجود أدلة كافية للاشتباه في ارتكاب جرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وقد شمل التحقيق فحص الهجمات على المدنيين، تدمير البنية التحتية، استخدام الأسلحة المحرمة دوليًا، واستهداف فرق الإغاثة والإعلاميين.

العراقيل التي تواجه التحقيق

  • العراقيل البنيوية:

تعقيد إجراءات جمع الأدلة والتحقق منها في مناطق النزاع، حيث يواجه المحققون صعوبات بالوصول إلى مواقع القصف والمناطق المحظورة.

نقص الموارد البشرية والمالية مقارنة بحجم القضية وتعقيد الملفات، ما يعيق الفحوص الجنائية والتحليل الفني للأدلة.

البيروقراطية القضائية داخل المحكمة، والتي تزيد من طول فترة دراسة الملفات والمستندات.

  • العراقيل السياسية:

ضغوط الولايات المتحدة وحلفائها على المحكمة لمنع الإسراع في التحقيق أو تنفيذ أي إجراءات ضد الكيان الإسرائيلي.

استراتيجيات الكيان الإسرائيلي القانونية والدبلوماسية لعرقلة التحقيق، بما في ذلك التشكيك في الاختصاص القضائي للمحكمة، ورفض التعاون مع فرق التحقيق، وتأجيل تسليم المعلومات والمستندات.

توضح الحالة الفلسطينية تداخل العوائق القانونية والبنيوية مع الضغوط السياسية الدولية، بحيث يصبح تحقيق العدالة الفعلية عملية معقدة وبطيئة، حتى عند توفر الأدلة الموثقة والشواهد الميدانية الكاملة، وهذا الواقع يوضح أن المحكمة، بالرغم من الاختصاص القانوني الواضح، تواجه تحديًا حقيقيًا في تحويل الأدلة إلى مساءلة فعلية، ما يضع مفهوم العدالة الدولية على المحك ويجعل القضية الفلسطينية نموذجًا صارخًا لـ”العدالة المؤجلة”.

الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية خلال حرب غزة 2023–2025

توثّق تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية والأونروا، وقوع مجموعة واسعة من الانتهاكات الجسيمة خلال الحرب على غزة، والتي ترتقي في مجملها إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفقًا للقانون الدولي، ويمكن تلخيص أبرز هذه الانتهاكات كما يلي:

  1. القتل الجماعي للمدنيين

أودت الحرب بحياة عشرات الآلاف من المدنيين، بينهم أكثر من 20 ألف طفل ونساء كبار السن، وفق تقديرات الأمم المتحدة لعام 2025، وثقت فرق التحقيق التابعة للأمم المتحدة أن الهجمات الإسرائيلية استهدفت مناطق مأهولة بالسكان المدنيين بشكل متكرر، بما في ذلك المنازل والملاجئ العامة، في انتهاك مباشر لمبدأ التمييز المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف الأربع.

2. تدمير البنية التحتية المدنية الحيوية

تعرضت عشرات آلاف المنازل للدمار الكامل، بينما دُمّرت آلاف المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية، بما في ذلك 18 مستشفى رئيسيًا و75 مركزًا صحيًا تابعًا للأونروا، ويشير تقرير الأمم المتحدة إلى أن الاستهداف كان منهجيًا لتجريد المدنيين من المأوى والخدمات الأساسية، وهو ما يعد خرقًا صريحًا للقانون الدولي الإنساني، خاصة المادة 54 من اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الممتلكات المدنية.

3. الحصار والتجويع كأداة حرب

فرض الكيان الإسرائيلي حصارًا شاملًا على غزة، ما أدى إلى منع وصول الغذاء، الدواء، والوقود، وأسفر عن نقص حاد في المواد الأساسية، وقد وثّقت تقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن هذا المنع أدى إلى أزمة إنسانية حادة، وأثر بشكل مباشر على النساء والأطفال والمرضى، ما يمكن اعتباره جريمة حرب اقتصادية وفق المادة 8 من نظام روما الأساسي.

4. التهجير القسري والنزوح الداخلي

نزح مئات الآلاف من المدنيين من منازلهم، بما في ذلك تدمير المخيمات السكنية والتجمعات المدنية، ما يشكل انتهاكًا لمبدأ عدم الترحيل القسري المنصوص عليه في القانون الدولي،  وقد أظهرت تقارير حقوقية أن التهجير استهدف مناطق استراتيجية لتسهيل العمليات العسكرية الإسرائيلية، وهو ما يعكس طابعًا منهجيًا ومنظمًا للانتهاكات.

5. استخدام أسلحة محرمة دوليًا

شملت الانتهاكات استخدام الفوسفور الأبيض والقنابل العنقودية والأسلحة الدقيقة عالية التدمير داخل مناطق مأهولة بالمدنيين، هذه الأسلحة محظورة وفق القانون الدولي العرفي والمعاهدات الدولية، مثل اتفاقية الأسلحة العنقودية ومعاهدة الأسلحة الكيميائية، ويعتبر استخدامها في هذه السياقات جريمة حرب واضحة.

6. استهداف الإعلاميين وفرق الإغاثة

تعرض صحفيون وفرق طبية وإغاثية لهجمات مباشرة، مما يعكس نية إخفاء الجرائم ومنع التوثيق المستقل، وقد قتل أو أصيب مئات من الاإعلاميين والعاملين في المجال الإنساني خلال العمليات العسكرية، وفق تقارير منظمة أطباء بلا حدود.

تؤكد هذه المعطيات أن الجرائم ارتكبت بشكل منهجي ومنظم، مستهدفة المدنيين والبنية التحتية الحيوية وفرق الحماية الإنسانية، ما يجعلها مؤهلة للملاحقة بموجب القانون الدولي، بما في ذلك أحكام جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

أسباب البطء القضائي وآثاره على العدالة الفلسطينية

أولاً: العوامل البنيوية

  1. تعقيد جمع الأدلة والتحقق منها في مناطق النزاع

التحقيق في الجرائم المرتكبة في غزة يتطلب الوصول إلى مواقع قصف حديثة، جمع شهادات من الناجين، وتحليل الأدلة المادية، بما في ذلك بقايا الأسلحة المحرمة دوليًا، وأعاقت العمليات العسكرية المكثفة، بل وعدم السماح لها بالوصول إلى القطاع أدت إلى تأخر جمع الأدلة بشكل مستمر .

2. الالتزام الصارم بالمعايير القانونية الدولية

المحكمة ملزمة بالتحقق من صحة الأدلة والشهادات وفق قواعد دقيقة، بما يشمل شهادة شهود عيان، تقارير ميدانية، صور الأقمار الصناعية، والفيديوهات الموثقة، هذه الإجراءات الضرورية لضمان مصداقية الأحكام القضائية تسهم في بطء العملية، لكنها تُظهر التحدي البنيوي الأساسي بين السرعة والموثوقية القانونية.

3.محدودية الموارد البشرية والمالية

فرق التحقيق محدودة العدد مقارنة بحجم القضية الفلسطينية، ويتطلب كل ملف آلاف الصفحات من الوثائق والشهادات الميدانية والتحليلات التقنية، وتعيق الموارد المالية المحدودة إجراء الفحوص العلمية، مثل تحليل بقايا القنابل المحرمة وتحليل الفيديوهات والصور، مما يبطئ مسار العدالة.

ثانياً: العوامل السياسية

  1. الضغوط الدولية

الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مارسوا ضغوطًا واضحة على المحكمة لعدم الإسراع في التحقيقات ضد الكيان الإسرائيلي، مستغلين نفوذهم السياسي والمالي على مجلس الأمن وعلى مؤسسات التمويل الدولية للمحكمة، وقد أكد المدعي العام للمحكمة في مقابلات رسمية أن هذه الضغوط أثرت على سرعة الإجراءات.

2. ازدواجية المعايير الدولية

  • ازدواجية المعايير الدولية

مقارنة بالقضايا الدولية الأخرى، مثل جرائم روسيا في أوكرانيا أو السودان، تظهر المحكمة سرعة أكبر في معالجة قضايا دول أقل نفوذًا، بينما تُؤجل التحقيقات ضد حلفاء الغرب، بما في ذلك الكيان الإسرائيلي، وهو ما يوضح وجود “معيار مزدوج” في تطبيق العدالة الدولية .

3. غياب الضغط العربي والفلسطيني المنسق

ضعف التنسيق بين المؤسسات العربية والفلسطينية، بالإضافة إلى الانقسامات الداخلية، سمح للقوى الكبرى بالتحكم في مسار العدالة وإبقاء القضية الفلسطينية في خانة التأجيل المستمر، دون مساءلة فعلية.

انعكاسات البطء على العدالة والضحايا والمجتمع الدولي

  1. الإحباط وفقدان الثقة

استمرار التأخير يولّد شعورًا بالإحباط واليأس لدى الضحايا الفلسطينيين وأسر الشهداء، ويضعف ثقتهم في المؤسسات الدولية، دراسة ميدانية للأمم المتحدة أظهرت أن أكثر من 70% من المستجوبين يرون أن العدالة الدولية “غير فعالة” تجاه الجرائم الإسرائيلية.

  • ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب

البطء المستمر يعزز شعور الاحتلال بأن الجرائم لن تُحاسب، ويزيد احتمالية تكرار الانتهاكات في المستقبل. هذه الظاهرة تعكس ضعف الردع الدولي الذي من المفترض أن يفرضه القانون الدولي.

  • ضعف الردع الدولي

التأخير يقلل قدرة العدالة الدولية على منع جرائم مستقبلية، ويضعف دور المحكمة كمؤسسة رادعة على المستوى الدولي، سواء تجاه الكيان الإسرائيلي أو غيره من الدول المحتلة.

  • الأثر النفسي والاجتماعي على المجتمع الفلسطيني

التأجيل المستمر يفاقم الصدمات النفسية للأطفال والناجين، ويزيد من مشاعر الغضب واليأس، ويضعف المشاركة المجتمعية والسياسية، تقارير نفسية حديثة أشارت إلى ارتفاع حالات القلق والاكتئاب بين المواطنين الفلسطينيين نتيجة الشعور بعدم جدوى العدالة الدولية.

الترابط بين العوامل البنيوية والسياسية يُظهر أن البطء ليس مجرد مسألة إجرائية، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين التحديات القانونية، القيود الميدانية، الضغوط الدولية، وغياب الضغط الفلسطيني والعربي. وهذا يجعل ملف فلسطين اختبارًا حقيقيًا لمصداقية المحكمة الجنائية الدولية، ويكشف عن حدود قدرة النظام الدولي على محاسبة القادة الأقوياء.

السيناريوهات المحتملة لمستقبل العدالة الفلسطينية

مع استمرار التحقيقات البطئية في المحكمة الجنائية الدولية، يمكن تلخيص السيناريوهات المستقبلية للعدالة الفلسطينية في ضوء الجرائم الإسرائيلية كما يلي:

  1. تحرك قضائي فعلي

يشمل هذا السيناريو إصدار مذكرات توقيف وتنفيذها إذا توفرت الإرادة السياسية الدولية والدعم القانوني الكافي.

  • الشروط المحتملة: ضغط دولي متزايد، دعم قوي من التحالفات الحقوقية الدولية، ومشاركة نشطة من المجتمع المدني الفلسطيني والعربي.
  • التقييم الواقعي: على الرغم من الأثر الرمزي والقانوني الكبير، يبدو هذا السيناريو صعب التحقيق في المدى القريب بسبب الحصانة السياسية الفعلية التي تتمتع بها القيادة الإسرائيلية ودعمها من القوى الكبرى، إلا أنه يبقى السيناريو الأكثر تأثيرًا من الناحية القانونية والأخلاقية.

2.  إصدار مذكرات رمزية

يقصد بها إصدار مذكرات توقيف تستهدف الضباط الميدانيين أو المسؤولين الأقل رتبة، دون القدرة على الوصول إلى القيادات العليا.

  • أثر هذا السيناريو: يرسل رسالة محدودة للردع، لكنه يظل أقل قوة مقارنة بالملاحقة الفعلية للقادة السياسيين والعسكريين.
  • التقييم الواقعي: هذا السيناريو محتمل جدًا على المدى القصير، حيث يمكن للمحكمة استخدامه لإظهار استمرار النشاط القضائي، مع حماية نفسها من الصدام المباشر مع الضغوط الدولية.

3. استمرار المماطلة

يشير هذا السيناريو إلى استمرار التأخير في اتخاذ أي خطوات فعلية نتيجة الضغوط الدولية والسياسية، وضعف الضغط العربي والفلسطيني المنسق.

  • الأثر: استمرار الشعور بالإحباط بين الضحايا، ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، وضعف الردع الدولي، وزيادة احتمالية تكرار الجرائم.
  • التقييم الواقعي: هذا السيناريو مرجح بدرجة عالية إذا استمرت المعطيات الحالية، خصوصًا غياب التنسيق العربي وضغط حقوقي عالمي فعّال، وهو ما يتفق مع التجربة السابقة في الحالات الدولية المماثلة.

4. تصاعد الضغط الحقوقي والشعبي

يشمل الحملات الإعلامية المكثفة، والضغط السياسي والدبلوماسي على الدول الفاعلة، وتحريك المحكمة عبر التحالفات الحقوقية الدولية.

  • أثر هذا السيناريو: قد يُجبر المحكمة على اتخاذ إجراءات فعلية أكثر صرامة، ويعزز إمكانية إصدار مذكرات بحق القيادات العليا.
  • التقييم الواقعي: هذا السيناريو محتمل على المدى المتوسط، خاصة إذا توفرت استراتيجية فلسطينية منظمة تجمع بين الضغط المحلي والدولي، والقدرة على توظيف وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لزيادة الرأي العام الدولي المؤيد للملاحقة.

ترجيح السيناريوهات

  • الأكثر احتمالية على المدى القصير: استمرار المماطلة، بسبب العوامل السياسية والضغط الدولي المستمر وضعف الضغط العربي المنسق.
  • المحتمل على المدى المتوسط: تصاعد الضغط الحقوقي والشعبي، ما قد يؤدي إلى إجراءات أكثر جدية ضد الضباط الميدانيين وربما تهيئة الظروف لتحريك المحكمة لاحقًا ضد القادة الكبار.
  • الأقل احتمالًا على المدى القصير: التحرك القضائي الفعلي ضد قيادات سياسية، بسبب الحصانة السياسية والدعم الدولي للكيان الإسرائيلي.
  • السيناريو الرمزي: إصدار مذكرات رمزية، محتمل كحل مؤقت لعرض نشاط المحكمة دون الوصول إلى العدالة الكاملة.

قراءة السيناريوهات توضح أن مستقبل العدالة الفلسطينية يتأثر بشكل مباشر بالتفاعل بين الإرادة السياسية الدولية، قوة التحالفات الحقوقية، وفعالية الضغط الإعلامي والدبلوماسي الفلسطيني والعربي، واستمرار البطء بدون ضغوط منظمة يهدد بإضعاف الردع الدولي، بينما استراتيجيات الضغط المدروسة يمكن أن تُحدث تغييرًا محدودًا لكنه مؤثر على المدى البعيد.

الخــلاصــة

توثّق هذه الورقة أن الجرائم الإسرائيلية المرتكبة خلال حرب غزة 2023–2025، بما في ذلك القتل الجماعي للمواطنين العُزل، تدمير البنية التحتية، التهجير القسري، الحصار، واستخدام أسلحة محرمة دوليًا، تُرتكب بطريقة منهجية ومنظمة، ما يجعلها مؤهلة للملاحقة بموجب القانون الدولي ومواد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

على الرغم من توفر الأدلة الموثقة، البطء القضائي في المحكمة يعكس تحديات بنيوية وسياسية، منها تعقيد جمع الأدلة، محدودية الموارد، ضغوط الدول الكبرى، وغياب الضغط العربي والفلسطيني المنسق، ما يؤدي إلى إحباط الضحايا، ضعف الردع الدولي، وترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب.

القرار التاريخي بملاحقة نتنياهو وقيادات سياسية يمثل خطوة إيجابية ورمزية، لكنه يواجه تحديات تنفيذية وسياسية كبيرة، وتظل المماطلة مستمرة في ظل غياب إرادة سياسية دولية قوية، ومع ذلك، تبرز إمكانيات تعزيز العدالة عبر تحالفات حقوقية دولية، استراتيجيات ضغط شعبي ودبلوماسي، وتوظيف الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ما قد يسرع الإجراءات على المدى المتوسط ويضع أسسًا لردع الاحتلال مستقبلًا.

الرسالة الأساسية:  العدالة الفلسطينية ممكنة، لكنها تتطلب استراتيجية متكاملة تجمع بين التوثيق القانوني الدقيق، الضغط الحقوقي والدبلوماسي الدولي، والضغط الشعبي المحلي والإقليمي، لضمان تحويل القرار التاريخي إلى واقع ملموس وحماية المواطنين العُزل من إفلات قاتليهم من العقاب.

التــوصيــات

متابعة مستمرة لمسار التحقيقات وتكثيف المراقبة القانونية والسياسية على المحكمة لضمان استمرارية التحقيقات وتقديم الملفات بشكل دوري، مع إعداد تقارير مرحلية دقيقة للضغط على صناع القرار القضائي .

  1. توثيق الجرائم بشكل منهجي وإنشاء آلية فلسطينية مستقلة لتوثيق الجرائم، تشمل شهادات ناجين، صور الأقمار الصناعية، الفيديوهات الميدانية، وتحليل الأدلة العلمية، لضمان توافر ملفات قوية تدعم ملاحقة القادة الإسرائيليين .
  2. تعزيز التحالفات الدولية وتشكيل تحالف فلسطيني–حقوقي دولي يضم منظمات أوروبية وأمريكية لدعم الملفات القانونية، ممارسة الضغط السياسي والدبلوماسي على المحكمة، وتأمين متابعة مستمرة للملف الفلسطيني.
  3. استراتيجية إعلامية فعالة واستخدام وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لتسليط الضوء على الجرائم وتوضيح البطء القضائي، ما يزيد من الضغط على المجتمع الدولي لدعم العدالة دون ازدواجية.
  4. دعم شعبي ودبلوماسي واسع وتحفيز المشاركة المجتمعية والضغط الشعبي على الحكومات والمؤسسات الدولية لدعم الملاحقة القضائية، مع تنظيم حملات توعية قانونية وسياسية حول أهمية العدالة الفلسطينية.
  5. التخطيط للطوارئ القانونية وإعداد ملفات بديلة ومحدثة لكل عملية إسرائيلية كبيرة، لتقديمها فورًا إلى المحكمة عند توفر الظروف السياسية والحقوقية، ما يضمن استمرار القضية حية على جدول أعمال العدالة الدولية.

شارك:

المزيد من المقالات

قرار مجلس الأمن 2803..إدارة الانتقال أم شرعنة الاحتلال؟: قراءة سياسية واستراتيجية لغزة بعد الحرب

تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل شامل ومتوازن للقرار، من حيث السياق السياسي والقانوني، الإشكالات التفسيرية، النتائج الإيجابية والسلبية، التداعيات على القضية الفلسطينية والمشهد الإقليمي