مستقبل غزة بعد وقف إطلاق النار: تقييم المرحلة الأولى من الخطة الأمريكية واستشراف المرحلة الثانية

تقدير موقف- المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

مقدمة

بعد عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، دخل المشهد الفلسطيني مرحلة جديدة اتسمت بوقفٍ هشٍّ لإطلاق النار، جاء في إطار ما عُرف بالخطة الأميركية، التي جرى التوافق على مرحلتها الأولى بوساطة مصرية–قطرية- تركية، ورعاية أميركية مباشرة.

وقد مثّل الإعلان عن وقف الحرب، وبدء تنفيذ عملية تبادل الأسرى والجثامين، وانسحابٍ جزئي للقوات الإسرائيلية من داخل القطاع، تحولًا ميدانيًا مهمًا أنهى – ولو مؤقتًا – دوامة الحرب المفتوحة، وفتح الباب أمام أسئلة كبرى تتعلق بمستقبل غزة السياسي والأمني والإنساني.

إلا أن هذه المرحلة ما زالت تتّسم بالهشاشة والتعقيد؛ فمع تكرار الخروقات الإسرائيلية، وتأجيل تنفيذ بعض البنود الأساسية مثل فتح معبر رفح للأفراد، وارتباط تقدم الإعمار بشروط أمنية، وعودة لغة التهديد الإسرائيلية، يتضح أن وقف إطلاق النار لم يتحول بعد إلى هدنة مستقرة،كما أن استمرار الغموض حول إدارة غزة في المرحلة المقبلة، ومستقبل سلاح المقاومة، يجعل هذه المرحلة بمثابة “هدنة اختبار” أكثر منها انتقالًا فعليًا نحو الاستقرار.

في ضوء ذلك، تسعى هذه الورقة إلى تقديم تقييم تحليلي معمق للمرحلة الأولى من تنفيذ الخطة الأميركية، ورصد التحديات الراهنة التي تهدد صمود وقف إطلاق النار، إلى جانب استشراف ملامح المرحلة الثانية واستحقاقاتها المحتملة، وبناء سيناريوهات واقعية لمستقبل القطاع سياسيًا وأمنيًا وإنسانيًا، كما تقدم الورقة توصيات عملية لتعزيز الموقف الفلسطيني، وتثبيت التهدئة على أسس متوازنة تحفظ حقوق الشعب الفلسطيني وسيادته الوطنية.

المحور الأول: تقييم المرحلة الأولى من تنفيذ الخطة الأمريكية

أولًا: إنجازات نسبية وملامح تطبيق

مثّلت المرحلة الأولى من الخطة الأمريكية لإدارة الوضع في غزة بعد الحرب نقطة تحول سياسية وإنسانية، وإن جاءت بحدودٍ ضيقة وتحت ضغط الوقائع الميدانية.

وقد تمثلت أبرز الإنجازات في ما يلي:

  • وقف إطلاق النار: وافقت الحكومة الإسرائيلية على وقف إطلاق النار بعد ضغوط أمريكية مكثفة، في خطوةٍ بدت استجابة عملية للمرحلة الأولى من الخطة، ورغم أن القرار جاء بصفته “تكتيكيًا” من منظور تل أبيب، فإنه شكّل أول اعتراف إسرائيلي غير مباشر بفشل خيار “الحسم العسكري الكامل” في غزة.
  • تبادل الأسرى والجثامين:  تم تنفيذ عملية تبادل محدودة بين الطرفين، شملت إطلاق عدد من الأسرى الفلسطينيين وتسليم جثامين شهداء مقابل جثث لجنود وضباط إسرائيليين، وقد أعلنت حركة حماس أنها سلّمت جثثًا لعدد من الإسرائيليين بعد عمليات معقّدة في مناطق مدمّرة بالكامل، وهو ما عكس قدرة الحركة التنظيمية والإنسانية في إدارة ملفات حساسة رغم الوضع الكارثي.
  • انسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية:  تمّ سحب وحدات إسرائيلية من مناطق وسط وجنوب القطاع حتى ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، ما مثّل تحولًا رمزيًا مهمًا في المشهد الميداني، وأظهر أن السيطرة الإسرائيلية الكاملة على غزة باتت مستحيلة عمليًا.
  • فتح جزئي للمعابر : شهدت الأيام الأولى للتهدئة فتحًا محدودًا للمعابر التجارية، خصوصًا كرم أبو سالم، ما سمح بدخول شحنات وقود وبضائع أساسية، ورغم أن معبر رفح للأفراد بقي مغلقًا، فإن هذا الانفراج النسبي خفّف من وطأة الأزمة الإنسانية الخانقة.

ثانيًا: إخفاقات وعقبات التطبيق

رغم المظاهر الإيجابية الأولية، فإن التنفيذ واجه جملة من الإخفاقات الجوهرية:

  • خروقات إسرائيلية متكرّرة: وثّق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أكثر من 47 خرقًا منذ بدء التهدئة، شملت قصفًا مدفعيًا واستهدافات محدودة، كان أخطرها موجة القصف الإسرائيلية الأخيرة التي أعقبت اتهام المقاومة بتفجير عبوة بدبابة إسرائيلية، ما أدى إلى استشهاد العشرات من أبناء القطاع قبل أن تتوقف الغارات في مساء اليوم نفسه.

هذه الحادثة كشفت هشاشة التهدئة وطبيعة “الردع المتبادل الحذر”، وأكدت أن الحكومة الإسرائيلية لا تزال تحتفظ بخيار التصعيد الميداني كأداة ضغط تفاوضي.

  • تعطيل فتح معبر رفح للأفراد: تواصل الحكومة الإسرائيلية ربط فتح المعبر بتسليم كامل جثث جنودها المفقودين، في محاولة لابتزاز سياسي وإنساني واضح، رغم علمها بصعوبة العثور على بعض الجثامين تحت الأنقاض.
  • الغموض في ملف الجثث الإسرائيلية: استمرار تعقيد هذا الملف يضعف الثقة بين الأطراف، ويمنح الحكومة الإسرائيلية ذريعة للتلكؤ في تنفيذ التزاماتها، بينما تحاول المقاومة استثماره كورقة تفاوضية للضغط نحو تنفيذ المرحلة الثانية من الصفقة.
  • غياب آليات إدارة مدنية واضحة: لم تشمل المرحلة الأولى أي خطوات عملية لتشكيل إدارة مدنية فلسطينية أو آلية دولية لإعادة الإعمار، ما جعل التهدئة “معلقة”دون أرضية سياسية أو مؤسسية.

ثالثًا: قراءة تحليلية معمّقة

يمكن توصيف المرحلة الأولى بأنها تهدئة مقنّنة أكثر منها اتفاقًا سياسيًا، إذ اكتفت الولايات المتحدة ومصر بإدارة الأزمة لا حلها، فقد ركّزت الخطة على ترتيبات أمنية وإنسانية لتثبيت الهدوء، دون معالجة جوهر القضايا السياسية مثل إعادة الإعمار ومستقبل المقاومة والإدارة المحلية لغزة.

وتبدو الحكومة الإسرائيلية والولايات المتحدة قد تعاملتا مع المرحلة الأولى كاختبار لنوايا المقاومة، وليس كبداية لمسار هدنة مستقرة.

أما من جهة المقاومة الفلسطينية، فقد سعت إلى تحويل الهدنة إلى مكسب سياسي مؤقت يثبّت معادلة “الردع المتبادل”، ويمنع أي فرض لإدارة خارجية أو وصاية دولية على القطاع.

ومن زاوية التقييم العملي، فإن هذه المرحلة أثبتت أن:

  • ميزان الردع لا يزال قائمًا رغم الدمار الواسع.
  • الخطة الأمريكية تواجه فجوة ثقة كبيرة بين أطرافها.
  • الميدان ما زال المتحكم الرئيس في وتيرة التنفيذ واتجاهاته.

وبذلك يمكن القول إن المرحلة الأولى مثّلت استراحة مؤقتة بين جولات الصراع أكثر مما كانت خطوة انتقالية مستقرة، وأن الانتقال إلى المرحلة الثانية لن يكون ممكنًا دون ضمانات سياسية حقيقية تشمل ترتيبات الإدارة المدنية، وتثبيت وقف إطلاق النار بضمانات دولية وإقليمية ملزمة.

المحور الثاني: التحديات الراهنة التي تهدّد صمود وقف إطلاق النار

رغم مرور أسابيع على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، فإن المشهد الميداني والسياسي ما زال هشًّا ومفتوحًا على احتمالات متعددة، فوقف النار لا يستند إلى تفاهمات نهائية، بل إلى ترتيبات مؤقتة ضمن المرحلة الأولى من الخطة الأميركية، التي لم تُحسم آلياتها التنفيذية بعد، ويمكن رصد أبرز التحديات التي تهدّد استقرار الاتفاق واستمراره فيما يلي:

  1.  التهديدات الإسرائيلية المتكرّرة

يُعدّ الخطاب الإسرائيلي الحالي أحد أبرز مؤشرات هشاشة التهدئة. فتصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حول “تفكيك سلاح حماس بالقوة إذا فشلت الجهود الدبلوماسية” تُظهر أن المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية لا تعتبر وقف إطلاق النار نهاية الحرب، بل استراحة لإعادة التموضع.

تُشير التقديرات الإسرائيلية المنشورة في صحف مثل يديعوت أحرونوت ومعاريف إلى أن الجيش يواصل استعداداته لعمليات “محدودة”داخل غزة، وهو ما يهدّد بإعادة التصعيد في أي لحظة، كما أن الخلاف داخل الحكومة الإسرائيلية بين التيار اليميني المتطرّف (سموتريتش وبن غفير) ومؤسسة الجيش يعقّد الموقف، إذ يدفع الأول نحو “استكمال الحسم العسكري”، فيما يسعى الثاني للحفاظ على التهدئة المؤقتة لإعادة ترتيب الجبهة الداخلية المنهكة.

2.  مماطلة فتح المعابر وإنهاء الحصار

تتعامل الحكومة الإسرائيلية مع ملف المعابر كأداة ضغط سياسي وأمني، وليس كاستحقاق إنساني، فربط فتح معبر رفح بإعادة الجثامين أو الكشف عن مصير الأسرى يشير إلى استخدام الاحتلال “الابتزاز الإنساني” لتقييد مسار الإغاثة وإعادة الإعمار.

ورغم الوعود الأميركية والمصرية بتطبيع حركة المعابر تدريجياً، لا تزال التقارير الأممية (وخاصة تقارير الأونروا وبرنامج الغذاء العالمي) تؤكد أن حجم المساعدات الداخلة لا يتجاوز 30% من الحدّ الأدنى المطلوب، ما يُبقي الأوضاع الإنسانية قابلة للانفجار.

3.  غياب الثقة بين الأطراف

ثمة فجوة ثقة عميقة بين الحكومة الإسرائيلية وحركة حماس، إذ تتعامل حكومة الاحتلال مع التهدئة كوسيلة لاختبار مدى انضباط المقاومة وقدرتها على فرض الأمن الداخلي، وفي المقابل تخشى المقاومة أن لا تلتزم الحكومة الإسرائيلية بما تعهدت به.

هذا الغياب للثقة ينعكس على كل خطوة تنفيذية في الاتفاق، بدءًا من تبادل الجثث ووصولًا إلى آليات الإشراف الدولي، ما يجعل أي إخفاق صغير قابلاً للتحوّل إلى شرارة تصعيد.

4. الغموض حول إدارة غزة بعد الحرب

يبقى مصير إدارة غزة أحد أعقد ملفات ما بعد الحرب، إذ لم تُحسم بعد هوية الجهة التي ستتولى إدارة القطاع.، والخطة الأميركية لم تقدّم تصورًا واضحًا سوى الحديث عن “إدارة مدنية مؤقتة مدعومة دوليًا”، وهو طرح يثير حساسية ميدانية وشعبية واسعة.

في المقابل، ترفض حركة حماس تسليم الإدارة دون ضمانات سياسية وأمنية، فيما تبدو السلطة الفلسطينية عاجزة عن فرض وجود فعلي في غزة دون توافق وطني شامل، وهذا الفراغ الإداري قد يفتح الباب أمام سيناريوهات اضطراب داخلي.

5. الهشاشة الإنسانية والاقتصادية

رغم مرور أشهر على وقف النار، فإن آثار الدمار الهائل ما زالت قائمة، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 80% من البنية التحتية في غزة متضررة كليًا أو جزئيًا، وأن ثلثي السكان ما زالوا نازحين.

هذه الأوضاع تُبقي التهدئة محاطة ببيئة قابلة للانفجار الاجتماعي في أي لحظة، خاصة إذا تزامن الضغط المعيشي مع غياب الأفق السياسي، كما أن الفشل في بدء عملية إعادة الإعمار بشكل منظم سيُضعف الثقة في جدوى التسوية برمتها.

6.  تضارب الأجندات الإقليمية والدولية

تبدو الدول الضامنة للاتفاق غير متوافقة في رؤاها حول المستقبل السياسي لغزة، فمصر تركز على ضمانات أمنية حدودية واستقرار سيناء، وقطر تسعى لحماية دورها كوسيط إنساني وسياسي، بينما تركز تركيا على استعادة دورها الإقليمي في الملف الفلسطيني، أما الولايات المتحدة، فترى في التهدئة خطوة في إطار “الخطة الأميركية الأوسع” التي تهدف إلى إعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني، وليس فقط تثبيت الهدوء الميداني، وهذا التباين في المصالح يجعل آلية الضمان الدولية ضعيفة التأثير، ويقلّل من فرص تحويل التهدئة إلى سلام مستقر.

المحور الثالث: الملامح الأساسية للمرحلة الثانية — الاستحقاقات والفرص

المرحلة الثانية هي محطّة فاصلة: تنجح إذا توفرت ضمانات سياسية ومؤسسية واضحة، وتنهار إن بقيت الترتيبات الأمنية والإنسانية مؤقتة بلا آليات تنفيذ قابلة للقياس، وفيما يلي عرض مفصّل ومدعّم بالشواهد.

  1.  إدارة غزة — من يدير القطاع وماذا يعني ذلك عمليًا؟

المسألة الجوهرية: من سيتولّى الإدارة المدنية والأمنية في غزة بعد المرحلة الأولى؟ الخيارات المطروحة تقود إلى نتائج متباينة في السيادة والشرعية والقدرة على التنفيذ:

  • عودة السلطة الفلسطينية: تعطي مظلّة شرعية فلسطينية لكنها تتطلب إرجاع أجهزة السلطة إلى قطاع تديره منذ سنوات حركة حماس؛ هذا يفترض صفقة داخلية (مصالحة) تسبق أو تترافق مع أي ترتيب خارجي — وهو أمر يبدو صعبًا في غياب ثقة متبادلة.
  • إدارة دولية/تقنية: خيار يدفع إليه بعض الوسطاء والداعمين لملف الإعمار لكونه قد يوفّر ضمانات لمانحين وشروط شفافية، لكنه يعرّض السيادة الفلسطينية لضغوط ويؤدي إلى مقاومة محلية إذا فسّرته الفصائل كـ”وصاية”.
  • بقاء الوضع تحت إدارة حماس:  يحافظ على سيادة محلية لكنه يصطدم بشروط الحكومة الإسرائيلية والداعمين الدوليين، خاصة إذا طُلب تفكيك قدرات عسكرية أو إخضاع المعابر لرقابة مشددة.

أهمية القرار: هو قرار يحدد من يتحمّل مسؤولية الخدمات الأساسية، من سيبرم عقود الإعمار، ومن سيتولى ضمان الأمن داخل المدن والأسواق والمعابر — وبالتالي يحدد مآل التمويل والشرعية المحلية.

2. الأمن وسلاح المقاومة — المفاضلة بين ضبط السلاح وتثبيت الردع

بند “تفكيك السلاح” أو “تقييده” في المرحلة الثانية هو أحد أهم نقاط الاحتكاك، و تصرّ الحكومة الإسرائيلية على تقليص قدرات الفصائل، بينما تعتبر حماس سلاحها ضمانة للحقوق والردع، وتصريحات نتنياهو بأن تفكيك السلاح سيتم “دبلوماسيًا أو عسكريًا” توضح الإطار الضاغط على المفاوضات.

الآثار العملية المحتملة:

  • محاولات تفكيك/تحجيم سلمي (دبلوماسي/تقني): قد تشمل دمج أجهزة معينة ضمن قوة أمنية بمهام مدنية، مع آليات مراقبة دولية، وهذا يتطلب اتفاقًا يقبل به الفصائل وإطارًا وطنياً يقنع الشارع الفلسطيني بعدم المساس بحق الدفاع المشروع.
  • محاولات تفكيك عسكرية: تعيد المشكلة إلى المواجهة المفتوحة؛ أي محاولة عسكرية لتحييد السلاح سترتد إلى تدهور التهدئة وربما إلى اشتعال أوسع، وتصريحات الحكومة الإسرائيلية وبيانات الجيش تشير إلى استمرار الاستعدادات وبقاء “الخيار العسكري” على الطاولة.

أي ترتيبات أمنية ناجحة يجب أن توازن بين مطلب الضامنين بضرورة حفظ قدرة المقاومة على الردع والشرعية الوطنية وبين عدم عودة التهديدات المسلّحة من غزة، ويبدو أن غياب حلول وسط مقبولة سيقود لصدام بين أمن مستورد يقوده الضامن وإحساس محلي بفقدان الحماية.

3.  إعادة الإعمار — أرقام، شروط، آليات التنفيذ

حجم التحدي: الأمم المتحدة تقدّر حاجات إعادة الإعمار بعشرات المليارات — تقديرات حديثة تشير إلى نحو 70 مليار دولار لإعادة إعمار غزة وإعادة الحياة الاقتصادية، مع كميات هائلة من الأنقاض (ملايين الأطنان) وتأثيرات طويلة المدى على البنية التحتية.

المشكلات المرتبطة بالتمويل والتنفيذ:

  • الشرط الأمني: غالبية المانحين الغذائية والاقتصادية تشترط آليات ضمان رقابة وشفافية وربط التمويل بشروط أمنية وسياسية (مثل مراقبة المعابر وإدارة موثوقة)، وهذا ما تطلبه الحكومة الإسرائيلية والضامنون قبل ضخ مبالغ كبيرة.
  • إشكالية دخول المواد: فتح المعابر (بما فيها رفح وكَرم أبو سالم) لا يزال مجزّأ الشروط؛ الحكومة الإسرائيلية تستخدم التحكم في المعابر كأداة ضغط لتأخير دخول مواد وإمدادات الإعمار.
  • الاحتياج المؤسسي: إعادة الإعمار تتطلب جهازًا مؤسسيًا محليًا قادرًا على إجراءات مناقصات، إشراف تقني، مكافحة فساد، وتنسيق توزيع عادل يعيد ثقة السكان، غياب إدارة واضحة يعرقل بدء المشاريع.

إن كانت هناك إرادة دولية لجمع التمويل (تقرير الأمم المتحدة يشير إلى استعداد دولي)، فنجاح التنفيذ مرتبط بوجود إطار إداري موثوق وفتح معابر من دون قيود تعسفية — خلاف ذلك ستبقى الأموال جامدة أو تدخل بطرق محكومة بآليات رقابية تقصي جهات محلية أساسية.

4. الدور الدولي والإقليمي — تشتت الضمانات ومحدودية النفوذ

الضامنون (مصر، قطر، تركيا، الولايات المتحدة) لديهم مصالح متداخلة ومتناقضة أحيانًا:

  • مصر: أولوية أمنية حدودية واستقرار سيناء، تسعى لآلية تضمن عدم تدفق تسليح أو عناصر متطرفة.
  • قطر: تسعى للحفاظ على دور الوسيط وإدخال مساعدات، وتدافع عن مشاركة فلسطينية فاعلة.
  • تركيا: تبحث عن دور إقليمي ونفوذ دبلوماسي.
  • الولايات المتحدة: تركز على ضمانات أمنية وإطار سياسي يتماشى مع مصالحها الإقليمية وحلفائها.

هذا التنوّع في الأجندات يقلل من فاعلية أي ضامن منفرد ويجعل التفاهم متوقفًا على تلاؤم المصالح الكبرى؛ كما أن انقسام الموقف الأوروبي والاحتجاجات على مواقف بعض الدول قد يؤثر على درجة الضغوط والالتزامات المالية.

النتيجة العملية: غياب تنسيق مرن وموحّد بين الضامنين يزيد من خطر فشل الآليات الرقابية أو تفاهمات الإدارة، ويمنح الحكومة الإسرائيلية هامش مناورة لتأخير التنفيذ أو فرض شروط إضافية.

5. فرص التنفيذ — نقاط قوة يمكن بناؤها الآن

  • التهدئة الحالية تمنح فرصة فنية لبدء إزالة الأنقاض وتنفيذ مشاريع إنسانية عاجلة (مدارس، مياه، مستشفيات) إذا فُتحت المعابر بشكل منتظم، ووجود ضغط شعبي دولي يرفع احتمال التزام مانحين.
  • الاهتمام الدولي والإعلامي: تقارير الأمم المتحدة دفعت العديد من الدول إلى إظهار الاستعداد للتمويل، ما يمكن أن يُستثمر لبدء مشاريع خبِرة تُظهر نتائج سريعة وتبني ثقة.

6. عوائق التنفيذ — مخاطر تُمكن أن تُقضي على المرحلة الثانية قبل انطلاقها

  • الخروقات المتكرّرة وإصرار الحكومة الإسرائيلية على ربط الملفات الإنسانية بشروط أمنية تجعل أي انطلاقة هشّة.
  • الانقسام الفلسطيني: غياب توافق داخلي حول إدارة غزة سيمنع توافُق جهات مانحة وبناء جهاز إداري محلي مقبول.
  • الشروط الإسرائيلية للتمويل: تشدد الحكومة الإسرائيلية على آليات رقابية قد تؤدي إلى عزل الجهات المحلية، ما يثير رفضًا سياسيًا وشعبيًا.
  • مخاطر الاستغلال السياسي للتمويل: تحول المشروعات إلى أدوات ضغط سياسية على المقاومة أو الحكومة الفلسطينية قد يُجهض الجهود.

المرحلة الثانية ممكنة ولكنها مشروطة بعوامل سياسية مؤسسية: إدارة واضحة ومقبولة محليًا، إطار أمني متوازن يحفظ الردع ويمنع التصعيد، وآليات تمويل وإشراف دولية شفافة، وغياب أي من هذه العناصر سيجعل من المرحلة ثانية مجرد تمديد لتهدئة هشّة قد تنهار بأقل شرارة ميدانية.

المحور الرابع: السيناريوهات المحتملة لمستقبل غزة

السياسات والقرارات التي تُتخذ الآن — إسرائيليًا، فلسطينيًا، وإقليميًا/دوليًا — ستحدد أي من السيناريوهات أدناه يصبح واقعًا، لكل سيناريو مجموعة شروط أساسية، مشغِّلات قادرة على تحويله إلى واقع، ومجموعة مؤشرات مبكرة تتيح التنبؤ باتجاه الانحراف عن التهدئة.

السيناريو الأول — الإيجابي: “استكمال المرحلة

الملامح: معالجة الملفات الأمنية بنهج تفاوضي تقني، فتح كامل ومستمر للمعابر (رفح/كرم أبو سالم) أمام الأفراد والبضائع، انطلاق تمويل منسق لإزالة الأنقاض وإعادة الإعمار تحت إطار إداري شفاف (لجنة وطنية ـ تقنية)، ويؤدي ذلك إلى استقرار نسبي، عودة خدمات أساسية، وتهدئة اجتماعية تقلل دوافع المواجهة.

شروط تحقيقه (لازمة وممكنة):

  • استكمال تسليم واضح ومقبول للجثث والمفقودين أو آلية مقبولة للتعامل مع الملف.
  • موافقة إسرائيلية على فتح مستدام للمعابر ورفع قيود ضخمة على مواد الإعمار.
  • إطار إدارة مؤقت تقبله الفصائل (لجنة إشراف وطنية ـ تقنية مع مشاركة الضامنين).
  • التزام مانحين دوليين بضخ تمويل مرحلي مرتبط بإنجازات ملموسة.

المشغِّلات:

  • اتفاق فني على فتح معبر رفح بشكل ثابت.
  • إعلان صندوق إعمار دولي أو مؤتمر مانحين.

مؤشرات مبكِّرة:

  • فتح منتظم للمعابر لأسابيع متتالية دون توقف.
  • إعلان دولي عن حزمة تمويل والتوقيع على مشاريع أولية.
  • بيانات مشتركة من الضامنين تؤكد آليات مراقبة واضحة.

الفرص: تخفيف الضغط الإنساني، بناء مؤسسات محلية قادرة، تقليص رواسب الغضب الشعبي، خلق مناخ لإجراءات سياسية لاحقة (مصالحة/انتخابات محلية).

الترجيح الحالي: مشروط ومنخفض-متوسط، والسبب: اشتراطات إسرائيلية وغياب توافق داخلي يجعل التنفيذ الكامل صعبًا إلا بضغط دولي مستمر وتقديم تنازلات من الطرفين.

السيناريو الثاني — المحايد: “التجميد” (الأسوأ بين الاستقرار والخراب)

الملامح: تنفيذ جزئي ومحدود لالتزامات المرحلة الثانية: فتح متقطع للمعابر، مشاريع إنسانية صغيرة لا تؤثر على الأزمة البنيوية، استمرار قيود على مواد الإعمار، تهدئة تبقى لكنها هشة، والوضع الإنساني يتحسّن ببطء، لكن لا تغيير جذري في بنية السلطة أو في وضع سلاح المقاومة.

شروطه:

  • استمرار مماطلة الحكومة الإسرائيلية في فتح المعابر بشكل كامل.
  • مانحون يقدمون تمويلًا محدودًا مرتبطًا بشروط صارمة.
  • غياب تفاهم وطني واضح على إدارة غزة.

المشغِّلات:

  • تأجيل مؤتمرات المانحين أو تحويل التمويل إلى مشاريع قصيرة الأمد فقط.
  • تفاقم الخلافات الفلسطينية حول الصيغة الإدارية.

مؤشرات مبكرة:

  • تذبذب في جدول مرور الشاحنات ومعوقات إدارية تتكرر أسبوعياً.
  • إطلاق مشاريع صغيرة متعددة دون خارطة طريق شاملة.
  • تزايد الشكاوى الشعبية واحتجاجات عن ندرة الخدمات.

الآثار: تهدئة ظاهرة لكنها “خانقة”؛ يعمق الإحباط الشعبي، ويبقي احتمالات الانفجار عالية عند أي استفزاز أمني أو سياسي.

الترجيح الحالي: ازدواج ـ متوسط إلى مرتفع، وهذا السيناريو هو الأكثر احتمالاً ما لم تُكسر المماطلة الاسرائيلة أو يحدث توافق فلسطيني إداري سريع.

السيناريو الثالث — السلبي: “عودة الصراع

الملامح: أي خرق كبير متكرر أو قرار إسرائيلي واسع يستهدف بنية المقاومة أو محاولة اقتحام واسعة تؤدي إلى فشل وقف النار؛ أو أن تداعيات ملف الجثث/المفقودين تُحوّل الاحتقان إلى شرارة، وتؤدي هذه الانزلاقات إلى انفجار عسكري جديد بعنف أكبر أو مماثل للمرحلة السابقة.

شروطه:

  • تنفيذ إسرائيلي لعمل عسكري كبير أو سلسلة اغتيالات/غارات مكثفة.
  • فشل الوساطة وقطع قنوات الاتصال بين الأطراف.
  • استفزاز داخلي حاد (انفجار داخل غزة يُنسَب إلى الاحتلال أو تحرير جثمان بصورة غير منسقة).

المشغِّلات:

  • قرار إسرائيلي بإعادة “العمل العسكري المحدود” بعد ادعاء خرق أمني كبير.
  • عمل مسلح داخل الكيان الإسرائيلي  يُنسب إلى جهات خارجة عن سيطرة المقاومة أو خلافات داخلية تفقد ضبط الحالة.

مؤشرات مبكرة:

  • تكثيف الغارات الإسرائيلية خلال ساعات/أيام، تحركات دبابات نحو محاور حساسة، أو تصريحات تصعيدية رسمية.
  • فشل محادثات تبادل الجثث أو واقعة قتل جماعي تثير رد فعل شعبي واسع.

الآثار: تردي إنساني كارثي أسرع وأعمق من سابقه، واستنزاف جديد للقدرات المادية والبشرية، وتزلزل في الإقليم.

الترجيح الحالي: قابل للتحقق ـ منخفض إلى متوسط حالياً، لكنه يرتفع بسرعة عند أي مشغّل كبير. نظراً للتهديدات الإسرائيلية وتحفّظ الضامنين، هذا السيناريو يبقى “خطرًا داهمًا” إذا ما فشلت إدارة القضايا الحساسة.

ترجيح نسبي بين السيناريوهات

السيناريو الأكثر احتمالاً على المدى القصير (شهور): السيناريو المحايد — التجميد، والسبب: وجود تهدئة تقنية لكنها مرتهنة بمصالح إسرائيلية وشروط مانحين، وعدم وجود توافق فلسطيني فوري.

  • السيناريو الإيجابي ممكن لكنه يحتاج تدخلاً دبلوماسيًا قويًا وتنازلات متبادلة وحزمة تمويل كبيرة منسقة — احتمال حدوثه واقعي إذا توافقت ثلاث شروط (فتح رفح، صندوق تمويل فوري، اتفاق إدارة مؤقت).
  • السيناريو السلبي احتمال تحققه مرتفع عند وقوع حدث عسكري كبير ؛ لذلك يبقى الاحتمال القابل للارتفاع المفاجئ.

الخلاصة

تُظهر قراءة تطورات تنفيذ الخطة الأميركية لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى أن ما تحقق في المرحلة الأولى لم يتجاوز الإطار الإنساني والأمني المؤقت، دون ملامسة جوهر الصراع أو تأسيس لمرحلة سياسية جديدة، فالتهدئة وإن مثّلت مكسباً ميدانياً وإنسانياً، إلا أنها كشفت هشاشة الالتزامات الإسرائيلية، واستمرار سعي تل أبيب لإدارة الأزمة لا لحلّها، مع محاولتها إعادة تشكيل المشهد في غزة عبر أدوات سياسية وأمنية جديدة.

في المقابل، أثبتت المقاومة الفلسطينية حضورها كفاعل رئيس لا يمكن تجاوزه في أي صيغة ترتبط بغزة، رغم الضغوط العسكرية والسياسية والمالية، ومع انتقال البحث إلى المرحلة الثانية، تتكثف الأسئلة حول مستقبل إدارة القطاع، وسلاح المقاومة، وآفاق الإعمار، وكلها ملفات ترتبط عضوياً بالتوازنات الإقليمية والدولية وبمدى صمود الموقف الفلسطيني الموحد.

إن مستقبل غزة يقف اليوم عند مفترق حاسم بين التهدئة المستدامة والانفجار مجدد، فنجاح الخطة الأميركية – رغم محدودية دوافعها – مرهون بمدى التزام الحكومة الإسرائيلية بوقف الخروقات، وبتوافر إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف الضامنة لإطلاق عملية إعمار عادلة ومستقلة لا تخضع للابتزاز الأمني أو السياسي.

وعليه، تبقىالمرحلة الثانية اختباراً مصيرياً ليس فقط لمستقبل غزة، بل لمفهوم العدالة والاستقرار في المنطقة، إذ يتوقف عليها ما إذا كانت التهدئة ستتحول إلى فرصة لإعادة بناء غزة وصياغة مشروع وطني جامع، أم ستظل هدنة هشة تؤجل الانفجار المقبل.

التـوصيـات

  1. تعزيز الموقف الفلسطيني الموحد وضرورة تشكيل إطار وطني تنسيقي مؤقت بين الفصائل الفلسطينية، يتولى إدارة الحوار مع الوسطاء حول استحقاقات المرحلة الثانية، لمنع الحكومة الإسرائيلية من استغلال الانقسام أو فرض ترتيبات أحادية.
  2. دعم الجهود الرامية إلى صياغة رؤية فلسطينية جامعة حول مستقبل إدارة غزة، تتكامل فيها أدوار المقاومة والسلطة والمجتمع المدني.
  3. تثبيت وقف إطلاق النار بضمانات ملزمة ومطالبة الولايات المتحدة والأمم المتحدة ومصر وقطر بتحويل وقف إطلاق النار من اتفاق هش إلى اتفاق مُلزم بضمانات دولية مكتوبة، مع آلية متابعة ميدانية لرصد الخروقات الإسرائيلية.
  4. تفعيل دور المؤسسات الحقوقية الدولية لتوثيق الخروقات اليومية وتقديمها كملف رسمي إلى المحكمة الجنائية الدولية.
  5. ربط الإعمار بالحقوق لا بالشروط الأمنية والتأكيد أن إعادة إعمار غزة حق إنساني غير مشروط، ورفض أي مقايضة بين المساعدات وملفات الأمن أو نزع السلاح.
  6. تعزيز الجبهة الإنسانية والاقتصادية وإنشاء صندوق وطني لإعادة الإعمار والتنمية تشارك فيه المؤسسات الوطنية والداعمين العرب والإسلاميين، لضمان استقلال القرار المالي.
  7. دعم القطاعات الحيوية (الصحة، التعليم، الكهرباء، المياه) كأولوية فورية لإعادة الحياة إلى غزة وتخفيف الضغط الشعبي.
  8. إدارة ملف الأمن بعقلانية وطنية والعمل على صيغة أمنية فلسطينية توافقية تُبقي سلاح المقاومة في إطار وطني منضبط، وتمنع الفوضى أو الفصائلية المسلحة خارج الإجماع.
  9. تفعيل الحراك السياسي والإعلامي وإطلاق حملة دبلوماسية وإعلامية فلسطينية وعربية تشرح للعالم طبيعة الخطة الأميركية ومخاطرها على السيادة الفلسطينية، وتبرز صمود غزة وحقها في الإعمار دون شروط.
  10. توظيف المنصات الإعلامية والحقوقية لإبراز جرائم الاحتلال واستمرار الخروقات، مع تقديم رواية فلسطينية موحدة ومهنية.
  11. التنسيق الإقليمي الذكي والعمل مع مصر وقطر وتركيا والأردن لضمان أن تكون هذه الدول شركاء ضغط على الحكومة الإسرائيلية لا مجرد وسطاء نقل رسائل.
  12. الاستعداد للسيناريوهات المختلفة وبناء خطط طوارئ فلسطينية متعددة المسارات.

شارك:

المزيد من المقالات

قرار مجلس الأمن 2803..إدارة الانتقال أم شرعنة الاحتلال؟: قراءة سياسية واستراتيجية لغزة بعد الحرب

تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل شامل ومتوازن للقرار، من حيث السياق السياسي والقانوني، الإشكالات التفسيرية، النتائج الإيجابية والسلبية، التداعيات على القضية الفلسطينية والمشهد الإقليمي