الكيان الإسرائيلي بعد حرب غزة: انهيار السردية الاستراتيجية وصعود الرواية الفلسطينية

تحليل سياسي- المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

مقـدمـة

تتجاوز الحروب الحديثة مجرد النتائج الميدانية لتشمل المعارك الرمزية والسردية التي تحدد شرعية الفاعل السياسي أو العسكري أمام الداخل والخارج، ويشير مصطلح “السردية الاستراتيجية” إلى القصة الشاملة التي تبني بها جهة فاعلة – سواء دولة أو حركة – شرعيتها، وتبرر أفعالها، وتؤثر في بيئات صنع القرار والرأي العام الدولي، ومن خلال هذه السردية، يمكن للفاعلين تحويل معركة ميدانية إلى نجاح معنوي، أو عكس صورة المقاومة إلى مشروع “إرهابي” أمام العالم، والعكس صحيح.

تأتي هذه الورقة لتناقش أزمة السردية الإسرائيلية بعد الحرب على غزة ووقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، مستندة إلى فرضية مفادها أن أي عملية عسكرية -لو افترضنا نجاحها- لم يعد مرتبطًا فقط بالنتائج الميدانية، بل بقدرة الطرف على تشكيل سردية مقنعة داخليًا ودوليًا.

يغطي التحليل الفترة الممتدة منذ اندلاع معركة “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مرورًا بمراحل الحرب على غزة، وصولًا إلى مرحلة وقف إطلاق النار والصفقات المتعلقة بتبادل الأسرى خلال 2024–2025، وقد اعتمدت الورقة على مشاهد ميدانية، ووثائق إعلامية، ومؤشرات رأي عام دولية، وتقارير صحافية، وإقرارات داخلية، بهدف تقديم قراءة شاملة لواقع الكيان الإسرائيلي بعد الحرب، والانعكاسات الاستراتيجية والسياسية للسردية المفقودة.

تسعى الورقة إلى الإجابة على أسئلة مركزية:

  • كيف انهارت السردية الإسرائيلية بعد حرب إبادة استمرت عامين؟
  • ما هي التداعيات الرمزية والاستراتيجية لهذا الانهيار على الداخل الإسرائيلي والمجتمع الدولي؟
  • وما هي الدروس والتوصيات التي يمكن أن يستفيد منها الجانب الفلسطيني في مرحلة ما بعد الحرب؟

من خلال هذه القراءة، تقدم الورقة إطارًا تحليليًا متكاملًا لمرحلة ما بعد الحرب، ويهدف إلى تسليط الضوء على الديناميات المعقدة بين القوة العسكرية والشرعية الرمزية، مع تقديم توصيات لتعزيز الموقف الفلسطيني على المستويات السياسية والإعلامية والأمنية.

تشخيص الأزمة: من “القدرة على الحسم” إلى الخروج المُكرَه

على مدى عقود، نجحت القيادة الإسرائيلية في ترسيخ سردية تقوم على ثلاث ركائز:

أنها دولة مهدَّدة وجوديًا في محيط معادٍ، وأن جيشها يمتلك قدرة استثنائية على الحسم والردع، وأنها تمثل قوة أخلاقية تحارب “الإرهاب” دفاعًا عن نفسها.

هذه السردية مثّلت قاعدة الشرعية السياسية والعسكرية للكيان الإسرائيلي في الداخل، ومصدرًا لتأييدها في الغرب. غير أنّ الحرب على غزة (2023–2025) أدّت إلى تفكك هذه الصورة على نحو غير مسبوق، حيث واجه الكيان الإسرائيلي أزمة سردية عميقة تجلت في ثلاثة تحولات جوهرية:

  1.  الانكشاف البصري للفظائع

أحدثت الحرب تحوّلًا جذريًا في بيئة الاتصال العالمية، فبفضل وسائل التواصل، لم يعد الكيان الإسرائيلي يتحكم في سردية الميدان: صور المجازر، وجثث الأطفال تحت الأنقاض، وشهادات الأطباء والعاملين في الإغاثة، نقلت للعالم رواية لا يمكن تبييضها بالخطاب الرسمي الإسرائيلي.

2. الاستعراض الميداني للمقاومة

تحول “الأمن الإسرائيلي” إلى رمز للقسوة والإفلات من العقاب، بينما صار “الضحايا” الفلسطينيون مركز التعاطف الإنساني العالمي، وهذا الانكشاف البصري أفقد الكيان الإسرائيلي احتكاره التاريخي للرواية الأخلاقية، وأنتج تحولًا عابرًا للثقافات في إدراك الصراع: من “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” إلى “إسرائيل كقوة إبادة”.

3. اهتزاز الثقة الداخلية وتآكل شرعية القوة

شكّلت مشاهد تسليم الأسرى الإسرائيليين في غزة، بعد وقف إطلاق النار-لاسيما خلال هدنة19 يناير 2025- لحظة رمزية فاصلة، فالمواكب المنظمة التي ظهرت فيها المقاومة بمظهر منضبط ومؤسسي، ترافقها حشود مدنية مرحبة، رسخت صورة معكوسة تمامًا عن الحرب، فبدل أن يبدو الكيان الإسرائيلي دولة تفرض شروطها بالقوة، بدا كمن يُجبر على قبول تسوية بشروط عدوه، وهذه الصور، الموثقة والمكررة، شكّلت “هزيمة رمزية” أضعف من السردية الإسرائيلية حول “الانتصار الأخلاقي” و”الردع”، وأعادت تعريف المقاومة كقوة منظمة تمتلك خطابًا وانضباطًا وجمهورًا صامدًا.

في الداخل الإسرائيلي، تصدعت الثقة التاريخية بالمؤسسة العسكرية، فاعترافات قادة الجيش بنقص القوات، وتكرار حالات التمرد والاحتجاج من جنود الاحتياط، فضلاً عن التقارير التي كشفت الخسائر البشرية الضخمة، خلقت شعورًا عامًا بأن الحرب فقدت معناها وجدواها.

تراجعت شرعية أدوات الردع التقليدية، ولم يعد شعار “الجيش الذي لا يُقهر” مقنعًا لجمهور يرى قيادته السياسية تتخبط بين الانقسام الداخلي والضغط الخارجي، وبحلول وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، تحولت “القدرة على الحسم” إلى خيار نظري لا تؤمن به حتى النخب الأمنية نفسها.

سقوط السردية الإسرائيلية: من الأسطورة المؤسسة إلى أزمة المعنى

منذ تأسيس الكيان الإسرائيلي عام 1948، ارتكزت روايته الوطنية على أسطورة متماسكة مفادها أن الكيان الإسرائيلي “وطن قومي نجا من الإبادة ليقيم دولة نموذجية في قلب محيط معادٍ”.

هذه الأسطورة لم تكن مجرد خطاب تعبوي؛ بل كانت جوهر العقد الاجتماعي والسياسي الذي يربط المجتمع الإسرائيلي بذاته وبجيشه، ويبرر للعالم دعم هذا الكيان باعتباره “ديمقراطية مهددة” في منطقة مضطربة.

غير أن الحرب على غزة (2023–2025) مثّلت لحظة انكشاف شامل لهذه الأسطورة، إذ تآكلت مكونات السردية الإسرائيلية على ثلاثة مستويات متداخلة:

  1. السقوط الأخلاقي: نهاية صورة “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”

شكّل توثيق المجازر الممنهجة في غزة، خاصة استهداف المستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء، نقطة انهيار للركيزة الأخلاقية في السردية الإسرائيلية.

فقد تحوّل الخطاب الإسرائيلي من الدفاع عن “حق إسرائيل في الأمن” إلى تبرير الإبادة الجماعية، مستخدمًا مفردات نزع الإنسانية عن الفلسطينيين.

حتى داخل الغرب، تراجعت مصداقية الرواية الإسرائيلية أمام تمرد الإعلام المستقل والمنظمات الحقوقية، وصولًا إلى صدور تقارير من الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية تُصنّف السلوك الإسرائيلي كـ”جرائم ضد الإنسانية”.
بهذا المعنى، لم يعد الكيان الإسرائيلي قادرًا على المطالبة بالشرعية الأخلاقية التي طالما وفّرت له الحماية السياسية.

2.  السقوط العسكري: انكشاف حدود الردع والقوة

الجيش الذي روّج لنفسه عقودًا بأنه “لا يُقهر”، وجد نفسه غارقًا في أطول حرب في تاريخه، من دون تحقيق نصر واضح أو أهداف حاسمة.

فقد فشل في القضاء على المقاومة، وتكبد خسائر بشرية غير مسبوقة، بينما تحولت مدنه الشمالية والجنوبية إلى جبهات استنزاف متواصلة.

هذا الفشل أضعف صورة المؤسسة العسكرية باعتبارها رمز التماسك الوطني، وأعاد فتح النقاش داخل الكيان الإسرائيلي حول معنى “الانتصار” ذاته.

لقد تهاوت معادلة الردع التي شكّلت أحد أعمدة السردية الإسرائيلية، واستبدلت بمعادلة جديدة مفادها: “إسرائيل تستطيع القصف لا الحسم”.

3.  السقوط الرمزي: فقدان القدرة على تعريف الذات أمام العالم

السردية الإسرائيلية لطالما اعتمدت على التحكم في “لغة التعريف”— أي تحديد من هو الضحية ومن هو المعتدي.
لكن بعد عامين من الحرب، فقد الكيان السيطرة على صورته الرمزية؛ إذ بات يُرى في الوعي العالمي كقوة استعمارية تستخدم التكنولوجيا والتمويل الغربي لسحق شعب محاصر.

تحول علمها، الذي كان رمزًا لـ”النجاة والأمان”، إلى رمز للهيمنة والقهر في المظاهرات والفضاء الرقمي.
حتى لدى اليهود في الشتات، برز انقسام واضح بين من يرى أن سياسات الحكومة تمثل “خيانة للقيم اليهودية”، ومن يتمسك بخطاب “الوجود المهدد” القديم.

أزمة المعنى: تفكك المبرر الوجودي

مع نهاية الحرب وسريان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، لم يعد الكيان الإسرائيلي يواجه فقط أزمة سياسية أو أمنية، بل أزمة معنى وجودي.

فالسردية التي قامت على فكرة “الملجأ الآمن لليهود” تحولت إلى سؤال مقلق:

هل لا يزال هذا المكان آمنًا؟ وهل ما زال مشروع الدولة قادرًا على الاستمرار أخلاقيًا وسياسيًا؟

ترافق هذا التفكك مع تآكل الثقة داخل المجتمع الإسرائيلي، وتصاعد موجة الهجرة العكسية، وازدياد حدة الانقسامات بين المعسكرات الدينية والعلمانية، واليمينية والليبرالية.

إنها أزمة سردية بمعناها الأعمق: حين تفقد الدولة القصة التي تُبرّر وجودها، تبدأ بالتحلل من الداخل مهما امتلكت من السلاح أو الحلفاء.

ما بعد السردية: الكيان الإسرائيلي بين إعادة التشكيل والانكفاء

مع نهاية الحرب وسريان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، وجد الكيان الإسرائيلي نفسه أمام مرحلة ما بعد السردية — أي لحظة فقدان القدرة على إنتاج رواية متماسكة تفسر وجوده وتبرر ممارساته.

لقد انتهت الحرب، لكن المعركة الأعمق بدأت: معركة تعريف الذات.

والكيان الإسرائيلي الذي اعتاد أن يُعرّف نفسه كـ”ضحية التاريخ” تحول في الوعي العالمي إلى فاعل استعماري مفرط في القوة، وفي الوعي الداخلي إلى دولة مأزومة أخلاقيًا ومنقسمة سياسيًا.

أمام هذا التحول، يمكن تشخيص أربعة سيناريوهات رئيسة لمسار الكيان الإسرائيلي في مرحلة ما بعد السردية:

  1.  إعادة تشكيل السردية – محاولة استعادة الشرعية المفقودة

يقوم هذا السيناريو على سعي النخبة السياسية والعسكرية إلى ترميم السردية الإسرائيلية عبر خطاب جديد يُعيد تعريف الحرب ويُحمّل مسؤوليتها لـ”القيادة السابقة” أو “الفشل الاستخباري”.

تبدأ هذه العملية بإعادة تسويق صورة الكيان الإسرائيلي كـ”دولة ديمقراطية جُرّت إلى الحرب” وإعادة التركيز على خطاب “التهديد الإيراني” أو “الإرهاب الإسلامي”.

لكن هذا المسار يواجه تحديين جوهريين:

  • أن العالم لم يعد يتقبل بسهولة الخطاب الإسرائيلي القديم، خصوصًا بعد توثيق جرائم الحرب.
  • وأن الداخل الإسرائيلي نفسه لم يعد يثق في حكوماته أو مؤسساته الإعلامية، ما يجعل إعادة إنتاج السردية أمرًا شبه مستحيل دون إصلاح عميق في البنية السياسية والأخلاقية.

2. الانكفاء والعزلة – العودة إلى “قلعة الخوف”

يُحتمل أن يتجه الكيان الإسرائيلي إلى الانغلاق الاستراتيجي، أي العودة إلى ذهنية “القلعة المحاصرة”، بتشديد القبضة الأمنية، وتقليص التواصل مع المجتمع الدولي إلا عبر الولايات المتحدة.

هذا السيناريو تدفع نحوه النخب اليمينية التي ترى في العالم الخارجي “عدوًا أخلاقيًا” خان الكيان الإسرائيلي حين دعم الفلسطينيين.
لكنه يحمل خطرًا وجوديًا مزدوجًا:

  • داخليًا، لأنه يكرّس دولة محاطة بالخوف والرقابة والانقسام.
  • خارجيًا، لأنه يسرّع عزلته الدبلوماسية وتآكل صورته الدولية، خصوصًا مع تصاعد الدعوات في الغرب لفرض عقوبات على القادة الإسرائيليين.

3 التحول نحو الفاشية الدينية – من أزمة المعنى إلى أيديولوجيا الخلاص

يُعد هذا السيناريو الأكثر خطورة، إذ يُمكن أن يدفع انهيار السردية العلمانية المؤسسة إلى صعود التيارات الدينية المتطرفة التي تقدم “التوراة” كمرجعية بديلة للسردية الوطنية.

فبعد أن فشلت “إسرائيل الحديثة” في تحقيق الأمن والنصر، قد تنزلق نحو خطاب خلاص ديني يرى الحرب على غزة جزءًا من “معركة وجودية مقدسة”.

هذا التحول يعني عمليًا نهاية “إسرائيل الديمقراطية” وبداية دولة دينية أصولية، تعيد تعريف نفسها وفقًا لمنطق العقيدة لا الدولة.

وقد ظهرت بالفعل مؤشرات هذا السيناريو في ازدياد نفوذ الحاخامات في المؤسسة العسكرية، وتوسع الخطاب العنصري ضد الفلسطينيين وحتى ضد اليهود العلمانيين.

4. الاندماج في المظلّة الأمنية الأميركية – الكيان الإسرائيلي كذراع تابعة

السيناريو الرابع يقوم على أن الكيان الإسرائيلي، بعد فقدان شرعيته الأخلاقية والسياسية، قد يختار الاحتماء الكامل بالمظلّة الأميركية.

أي أن يتحول من فاعل مستقل إلى ذراع أمنية في الاستراتيجية الأميركية الإقليمية، مقابل ضمانات حماية ودعم اقتصادي وإعادة إعمار.

وهذا السيناريو يبدو مرجحًا جزئيًا في ضوء التحولات بعد الحرب:

  • تزايد الدور الأميركي المباشر في إدارة الأمن والحدود في غزة.
  • إنشاء مشاريع “إغاثة” أميركية بغطاء إنساني لكنها تؤسس لوجود دائم.
  • انخراط الكيان الإسرائيلي في ترتيبات أمنية مع دول عربية برعاية واشنطن لتقليل الاحتكاك المباشر مع الفلسطينيين.

إلا أن هذا الاندماج، وإن كان يوفر للكيان الإسرائيلي مظلة حماية مؤقتة، إلا أنه يفقده استقلاله الاستراتيجي ويجعله رهينة لتقلبات السياسة الأميركية ومصالحها الإقليمية.

دولة بلا سردية

تُظهر هذه السيناريوهات أن الكيان الإسرائيلي يعيش اليوم أعمق أزمة هوية في تاريخها؛ فهو قوي عسكريًا، لكنه ضعيف سرديًا؛ يمتلك أدوات القتل، لكنه فقد القصة التي تبرر استخدامها.

وما بعد الحرب ليس استراحة بين جولات، بل منعطف وجودي يحدد إن كان الكيان الإسرائيلي قادرًا على إعادة تعريف ذاته كدولة حديثة، أم أنه سيغرق في صراعاته الداخلية إلى أن يفقد مبرر وجوده ككيان سياسي موحّد.

الخـلاصـة

تكشف نتائج الحرب على غزة وما أعقبها من اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 عن مفارقة بنيوية في المشهد الإسرائيلي: فبينما تمكنت حكومة الاحتلال من انتزاع ترتيبات أمنية مؤقتة تلبّي بعض متطلباتها، كضمان الرقابة على محور صلاح الدين “فيلادلفيا” ومعابر غزة وآليات الإعمار، كما يروج قادتها فإنه في المقابل فقدت سرديتها الاستراتيجية التي كانت تستند إليها منذ عقود لتبرير قوتها ووجودها كـ”دولة ضحية”.

لقد خرج الكيان من الحرب مثقلاً بأسئلة الشرعية والجدوى، بعدما تآكلت الثقة الداخلية بقدرة الجيش على الحسم، وتبددت صورة “الردع الدائم”، فيما تكشّف للمجتمع الدولي حجم الفظائع والدمار الذي ألحقه بمواطنين عُزّل، وعلى الرغم من محاولات تل أبيب إظهار الاتفاق كإنجاز أمني، فإن المشهد الأوسع يوحي بانهيار العمود الرمزي لسرديتها: من دولة قادرة على فرض إرادتها إلى كيان يفاوض للخروج الآمن، ومن جيش يُسوّق كـ”الأكثر أخلاقية” إلى جيش متورط في حرب إبادة.

بذلك، تُختزل مرحلة ما بعد الحرب في معادلة دقيقة: نصر أمني محدود مقابل هزيمة سردية شاملة، فالمقاومة، رغم التضحيات الكبيرة، استطاعت أن ترسّخ سردية الفداء والصمود، وأن تُحدث تحولًا عميقًا في إدراك الرأي العام العالمي لطبيعة الصراع، لتصبح الرواية الفلسطينية — لا الإسرائيلية — هي التي تمتلك اليوم قوة المعنى والتأثير.

التـوصيـات

  1. توحيد السردية الفلسطينية الرسمية من خلال غرفة تنسيق سياسية–إعلامية تضم ممثلين عن الفصائل والفلسطينيين في الشتات، بهدف بلورة خطاب سياسي موحد يعكس جوهر العدالة والحقوق الوطنية.
  2. تدويل ملف جرائم الحرب والإبادة عبر تسريع التحرك القانوني في المحاكم الدولية، واستثمار الزخم الأخلاقي العالمي ضد الكيان الإسرائيلي لتثبيت الرواية الفلسطينية قانونيًا وإعلاميًا.
  3. الانفتاح على القوى الدولية الصاعدة (كالصين، روسيا، جنوب إفريقيا، ودول الجنوب العالمي) ضمن دبلوماسية متوازنة تكسر احتكار الرواية الغربية، وتؤسس لشراكات سياسية وإنسانية جديدة.
  4. تأسيس “مرصد السردية الفلسطينية” يتابع الخطاب الدولي والإسرائيلي يوميًا، ويوفر تحليلًا مهنيًا مضادًا يدعم الصحفيين وصُنّاع المحتوى الفلسطينيين.
  5. الاستثمار في الإعلام الميداني والشهود البصريين الذين وثّقوا المجازر، وتحويل أرشيف الحرب إلى مواد مرئية منظمة (أفلام، معارض، وثائقيات، حملات رقمية) تحافظ على الزخم العالمي.
  6. تعزيز الخطاب الإنساني الذكي الذي يقدّم غزة كرمز للنجاة والكرامة لا فقط كضحية، لتوسيع التعاطف الدولي وإعادة توجيه الرأي العام نحو قيم الحياة والعدالة.
  7. تدريب نخب إعلامية فلسطينية جديدة على مهارات تحليل السرديات والتواصل الدولي وصناعة الصورة الذهنية، لضمان استدامة الفعل الإعلامي بعد الحرب.
  8. الانتقال إلى نموذج “المقاومة الذكية” التي تمزج بين الردع العسكري المدروس والمناورة السياسية، بما يمنع الاحتلال من فرض معادلات أمنية طويلة الأمد.
  9. الحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية وتعزيز الثقة بالمؤسسات المدنية والأمنية، لأن الحرب أظهرت أن هشاشة الجبهة الداخلية أخطر من الخسائر الميدانية نفسها.
  10. تحويل تجربة الحرب وسقوط السردية الإسرائيلية إلى مادة بحثية وطنية عبر مؤسسات الدراسات الفلسطينية، لتكون أساسًا لبناء استراتيجيات الردع المعنوي والإعلامي في المستقبل.

شارك:

المزيد من المقالات

قرار مجلس الأمن 2803..إدارة الانتقال أم شرعنة الاحتلال؟: قراءة سياسية واستراتيجية لغزة بعد الحرب

تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل شامل ومتوازن للقرار، من حيث السياق السياسي والقانوني، الإشكالات التفسيرية، النتائج الإيجابية والسلبية، التداعيات على القضية الفلسطينية والمشهد الإقليمي