دراسة حالة – المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
مقدمة
تمثل مرحلة ما بعد حرب الإبادة الأخيرة في غزة أحد أخطر وأعقد الفترات التي تمر بها المجتمعات، حيث تتعرض البنية التحتية الأمنية والمدنية للدمار، وينتشر الفوضى والاختلال الاجتماعي، في هذا السياق، يُعد قطاع غزة نموذجًا فريدًا لدراسة إعادة بناء الأمن في بيئة محاصرة ومعزولة سياسيًا واقتصاديًا، بعد أن شهد دمارًا واسعًا وانهيارًا جزئيًا للمؤسسات المحلية.
تركز هذه الورقة على تحليل نموذج إدارة الأمن الداخلي الفلسطيني في غزة بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى في أكتوبر 2025، مع تسليط الضوء على الممارسات الأمنية، التنظيم المدني، ضبط الأسواق، وعمليات مكافحة البؤر العصابية والإجرامية.
كما تهدف إلى تقديم قراءة معمقة لكيفية استعادة الاستقرار الأمني والاجتماعي في بيئة معقدة، مع التركيز على دور الأجهزة الأمنية المحلية، المشاركة الشعبية، والضبط الاجتماعي والاقتصادي في الحفاظ على الأمن بعد الحرب.
تقدم الدراسة تقييمًا للأداء الأمني بعد الحرب، مع استشراف السيناريوهات المستقبلية للأمن في غزة، ودراسة التحديات الداخلية والخارجية التي قد تواجه المنظومة الأمنية.
إن هذه الورقة لا تقتصر على التوثيق، بل تقدم تحليلًا معمقًا لتجربة فلسطينية حديثة في إدارة الأمن بعد حرب إبادة، مع استخلاص الدروس العملية والسياسات الممكن تطبيقها لضمان استقرار طويل الأمد في القطاع.
المحور الأول: الإطار النظري لمفهوم الأمن في بيئة ما بعد الحرب
يُعرَّف الأمن في بيئة ما بعد الحرب بأنه الحالة التي تُستعاد فيها قدرة المجتمع والنظام السياسي — أو أي سلطة — على تحقيق الاستقرار وضبط الفوضى وإعادة بناء الثقة بين المكونات الاجتماعية، ويمثل الأمن في هذه البيئات عملية مركّبة تتجاوز الطابع العسكري أو الشرطي إلى بعدٍ أعمق من ذلك، إذ تشمل إعادة بناء العلاقات الاجتماعية والمؤسسات المدنية، وتفعيل منظومات العدالة والمساءلة، بما يضمن تجديد مقومات الحياة اليومية الآمنة.
تشير الأدبيات الحديثة في دراسات الأمن الإنساني وإدارة ما بعد الصراع إلى أن إعادة بناء الأمن لا يمكن أن تُختزل في تفكيك السلاح أو ضبط الميدان، بل تتطلب تكامل الأبعاد العسكرية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والسياسية في إطار ما يُعرف بـ”الأمن الانتقالي.
هذا المفهوم يقوم على ضمان الأمن الشخصي والغذائي والاقتصادي والسياسي للأفراد، بوصفها متطلبات لا تقل أهمية عن الأمن العسكري، بل تُعدّ ركيزة لنجاح عمليات الإعمار وإعادة بناء الشرعية السياسية والاجتماعية.
في الحالة الفلسطينية، وتحديدًا في قطاع غزة بعد الحرب الممتدة (2023–2025)، تتجلى معالم نموذج خاص لإدارة الأمن، يمكن توصيفه بما يسميه عدد من الباحثين بـ”الأمن المقاوم”، وهو نموذج مغاير للأنماط الأمنية التقليدية التي تقوم على احتكار القوة من قبل الدولة البيروقراطية، إذ يجمع بين الردع العسكري ضد الاحتلال من جهة، وبين ضبط الأمن الداخلي عبر القواعد الشعبية والرضا المجتمعي من جهة أخرى.
يتأسس هذا النموذج على منظومة قيمية وأيديولوجية ترى في الأمن أداة لحماية مشروع المقاومة، وليس مجرد وظيفة إدارية أو شرطية، ولذلك فإن الأمن — في تصور حماس — ليس منفصلًا عن البنية العقائدية والسياسية للحركة، بل يُعد امتدادًا للمقاومة العسكرية والإدارة المدنية معًا.
ويتميز “الأمن المقاوم” بثلاث خصائص بنيوية:
- الشرعية الثورية بدل الشرعية البيروقراطية، أي أن مصدر التفويض هو المشاركة في المقاومة والتضحيات، لا الانتخابات أو القوانين الشكلية فقط.
- الرقابة المجتمعية غير الرسمية عبر شبكة العائلات والوجهاء والمساجد والمؤسسات الأهلية، التي تُسهم في حفظ النظام الاجتماعي، وتضفي على القرار الأمني طابعًا توافقيًا وشعبيًا.
- المرونة الميدانية والتنظيمية، إذ تتكيّف الأجهزة الأمنية في غزة مع طبيعة التهديدات، سواء كانت عسكرية (من الاحتلال) أو داخلية (من جماعات خارجة عن القانون أو خلايا اختراق).
هذا النموذج، وإن كان غير تقليدي من منظور الدولة الحديثة، إلا أنه اكتسب فاعلية نسبية في سياق الفراغ السياسي والانقسام الوطني الفلسطيني، وأظهر قدرة على ضبط الأمن المجتمعي في فترات الهدوء كما في مراحل التصعيد. وتزداد أهميته اليوم مع دخول غزة مرحلة ما بعد الحرب واتفاق وقف إطلاق النار (أكتوبر 2025)، حيث يصبح الأمن حجر الأساس في إعادة بناء الحياة المدنية ومنع تفكك النسيج الاجتماعي أو انزلاق القطاع إلى الفوضى.
وبناءً على ما سبق، يتضح أن مفهوم الأمن في بيئة ما بعد الحرب لا يمكن فصله عن طبيعة الفاعل الذي يتولى إدارته، ولا عن الظروف البنيوية للمجتمع المحلي، ففي الحالة الغزية، تحوّل الأمن إلى وظيفة سياسية واجتماعية مركّبة، تُعبّر عن قدرة حركة حماس على تحويل مشروعها المقاوم إلى منظومة حكم وأمن محلي، ومن هنا تبرز أهمية تحليل مرتكزات نموذج قطاع غزة في إدارة الأمن، بوصفه نموذجًا فريدًا من نوعه في العالم العربي من حيث نشأته، ومرجعيته الأيديولوجية، وآليات عمله في بيئة محاصرة ومكلومة بالحرب.
المحور الثاني: السياق السياسي والأمني لتشكّل المنظومة الأمنية (2006–2023)
تشكّل الأمن في قطاع غزة خلال الفترة الممتدة من فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية 2006 وحتى عام 2023 نتيجة معقدة للتفاعل بين البنية السياسية، الفعل الأمني الداخلي، والضغط الخارجي من الاحتلال والدول الإقليمية. فقد جاء فوز حماس في الانتخابات كتعبير عن إرادة شعبية واسعة، لكنه في الوقت نفسه أدى إلى تصعيد الصراع مع الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، التي كانت تحت تأثير التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي.
قبل عام 2007، كان القطاع يشهد حالة من الانفلات الأمني الجزئي، حيث عملت بعض المجموعات المسلحة على فرض سلطتها المحلية عبر الجبايات والتهديدات، ما خلق بيئة من الفوضى الأمنية والاجتماعية، مع ضعف القدرة المؤسسية للسلطة على ضبط هذا الانفلات، وكان القطاع يعتمد على هياكل أمنية متوارثة من السلطة، لكنها كانت ضعيفة في مواجهة الانقسامات الداخلية والتحديات الميدانية، ولا تمتلك شرعية فعلية لدى قواعد المقاومة أو المواطنين.
انتهت المواجهة المسلحة مع الأجهزة الأمنية للسلطة في يونيو 2007 بسيطرة حماس الكاملة على القطاع، وهو ما مثل تحولًا جوهريًا في المشهد الأمني والسياسي، إذ انهار النظام الأمني الرسمي الموروث وبرزت الحاجة الملحة لبناء منظومة أمنية محلية قادرة على ضبط الفوضى، حماية المواطنين، وتأمين حياة الناس في بيئة محاصرة ومحاطة بالحروب المتكررة.
خلال السنوات الأولى بعد 2007، ركّزت حماس على مجموعة من الإجراءات الاستراتيجية لتعزيز الأمن:
- تفكيك المجموعات المسلحة الخارجة عن القانون والتي كانت تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الأهلي، وتسيطر على مناطق داخل المدن والمخيمات.
- توحيد السلاح تحت إشراف وزارة الداخلية، بما أرسى مبدأ السيطرة المركزية على القوة المسلحة.
- إعادة توزيع السيطرة الأمنية على المحافظات والمخيمات والأحياء لضمان الانضباط ومنع الفلتان.
- إطلاق حملات أمنية ضد الجريمة المنظمة وتجار المخدرات والمتعاونين مع الاحتلال، ما ساهم في الحد من الأنشطة الإجرامية وتثبيت سلطة القانون المحلي.
وفقًا لتقارير وزارة الداخلية في غزة انخفضت معدلات الجريمة بنسبة كبيرة جدًا، فيما استقر الأمن المجتمعي عند مستويات غير مسبوقة في قطاع محاصر ومعزول، ما يعكس نجاح منظومة الحوكمة الأمنية الجديدة في تحقيق توازن بين الردع والشرعية المجتمعية.
كما أسست حماس هيكلًا مؤسسيًا منظمًا للأجهزة الأمنية يشمل:
- وزارة الداخلية والأمن الوطني (الأمن العام والشرطة): الإشراف على الأمن العام وضبط النظام الداخلي.
- جهاز الأمن الداخلي: مكافحة التجسس والعملاء، والحفاظ على سرية المعلومات الأمنية.
- قوات الأمن العام والدفاع المدني: إدارة الأزمات والكوارث وحماية المنشآت الحيوية.
- الإدارة العامة للعلاقات المجتمعية: بناء الثقة مع المواطنين والوجهاء لضمان الالتزام بالقوانين والقرارات الأمنية.
مثل هذا التأسيس المؤسسي شكّل قاعدة لما أصبح يُعرف بـ “النظام الأمني المحلي المستقل”، القادر على الحفاظ على التماسك الداخلي والمرونة الميدانية في مواجهة الحروب المتكررة، والحصار الإسرائيلي، والضغوط الاجتماعية والسياسية، ويبرز هذا النموذج كأحد أهم التجارب الفريدة في العالم العربي، التي تدمج الأمن العسكري والسياسي والاجتماعي في منظومة واحدة، معتمدة على الشرعية المجتمعية والقدرة على التكيف مع الأزمات المتلاحقة.
المحور الثالث: إدارة الأمن خلال الحرب وما بعدها (2023–2025)
أثناء الحرب على غزة (2023–2025) واجهت الأجهزة الأمنية في غزة اختبارًا غير مسبوق، إذ تعاملت مع ضغوط متعددة الأبعاد: الهجمات المباشرة على مقراتها، انهيار البنية التحتية، استهداف الكوادر الأمنية، ومحاولات الاحتلال استغلال الفوضى لتعميق الانقسام الداخلي.
ورغم الضغوط، أظهرت الأجهزة الأمنية قدرة عالية على الحفاظ على الانضباط المؤسسي وإدارة الأزمات، حيث تم:
- المساعدة في تنظيم عمليات إجلاء المواطنين بالتعاون مع الدفاع المدني وفرق الطوارئ، بما حافظ على سلامة السكان في مناطق القصف المباشر.
- تأمين المستشفيات ومراكز الإيواء وحماية خطوط الإمداد الطبية، لضمان استمرارية الخدمات الإنسانية والطبية الحيوية.
- متابعة ملفات العملاء والتجسس عبر قنوات سرية ومؤتمتة، ما ساعد على تفكيك شبكات الاختراق قبل تفاقم أضرارها.
- ضبط الأسواق ومنع النهب والاحتكار، لتوفير الأمن الاقتصادي والحد من استغلال ظروف الحرب، وهو جانب يعكس توازناً بين الأمن الميداني والأمن الاجتماعي.
- منع تفجر الفوضى الداخلية رغم انهيار أجزاء من المؤسسات، عبر نشر الدوريات الأمنية، وتفعيل لجان شعبية، والاعتماد على شبكة المراقبة المجتمعية.
تشير مصادر ميدانية إسرائيلية (الهدهد العبري، مايو 2024) إلى أن الاحتلال فشل في إشعال الفوضى الداخلية رغم محاولاته المكثفة، ما يعكس صلابة البنية الأمنية الداخلية لحماس، وقدرتها على الاستمرار في السيطرة على مفاصل الحياة المدنية حتى أثناء الحرب.
بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، بدأ نموذج الأمن المقاوم يواجه مرحلة إعادة البناء والتكيّف مع بيئة ما بعد الحرب، والتي تتطلب:
- إعادة انتشار الأجهزة الأمنية في المناطق المتضررة.
- تفعيل لجان شعبية لمراقبة الأحياء وحماية المؤسسات الحيوية.
- متابعة الأسواق والتموين لضمان الأمن الاقتصادي والاجتماعي.
- إطلاق حملات مجتمعية لدعم الأمن النفسي والاجتماعي للمدنيين بعد سنوات الحرب والدمار.
يُظهر هذا الأداء أن نموذج غزة الأمني ليس محصورًا في الردع العسكري أو السيطرة التقليدية على السلاح، بل يمتد ليشمل إدارة الحياة اليومية، حماية المواطنين، وضبط الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يجعل التجربة الفلسطينية في غزة مثالًا فريدًا على الأمن المقاوم في بيئة ما بعد الحرب.
المحور الرابع: إدارة الأمن بعد الحرب واتفاق وقف إطلاق النار (أكتوبر 2025)
مع توقيع اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى في أكتوبر 2025، دخلت غزة مرحلة حرجة من إعادة بناء منظومة الأمن ، وهي مرحلة تمثل اختبارًا عمليًا لقدرة النموذج الفلسطيني الداخلي على دمج الانضباط العسكري مع المشاركة الشعبية، وضبط الأمن الاجتماعي والاقتصادي بعد سنتين من الحرب.
- إعادة الهيكلة والانتشار الأمني
- أعادت الأجهزة الأمنية انتشارها في المدن والمناطق المدمرة، مع إنشاء نقاط أمنية متنقلة لضمان الرقابة على الأحياء الحيوية، وحماية المرافق الأساسية، بما في ذلك المستشفيات والأسواق.
- تم تعزيز الانتشار الأمني، وتفعيل شبكة مراقبة شعبية تمكن الأجهزة من التدخل السريع لمواجهة أي تهديدات داخلية.
2معالجة البؤر العصابية والإجرامية
- ركزت الأجهزة الأمنية على تفكيك البؤر العصابية التي شكلت تهديدًا للأمن الأهلي قبل الحرب وبعدها، مع استهداف مجموعات مثل:
– عصابة أبو شباب والأسطل، التي كانت تسيطر على مناطق وأحياء معينة، وتمارس الجبايات والابتزاز، وتستفيد من الدعم المخابراتي الإسرائيلي في بعض الأحيان.
– عصابة الصبرة، والتي تشكل غالبية أعضائها من إحدى العائلات ، وارتبطت بمحاولات تقويض الأمن واستغلال ضعف البنية الاجتماعية بعد الحرب.
- استخدمت الأجهزة مزيجًا من العمليات الميدانية الدقيقة، المراقبة الاستخباراتية، والحوار المجتمعي لكبح نفوذ هذه المجموعات، مع التركيز على الحد من العنف الداخلي والفتنة العشائرية.
- ساهم هذا النهج في احتواء الفلتان الأمني وضمان استقرار الأحياء الأكثر تضررًا من الحرب، ما عزز ثقة المواطنين بالمنظومة الأمنية.
3. المشاركة المجتمعية والشرعية الشعبية
- تم تشكيل لجان حماية الأحياء بإشراف وزارة الداخلية، لتشمل مراقبة الأسواق، الأمن الأهلي، والتبليغ عن أي نشاط مشبوه.
- ساهمت هذه اللجان في دمج المواطنين في إدارة الأمن المحلي، ما يعكس استمرار استخدام الشرعية الثورية كأساس، إلى جانب مبدأ “الأمن بالرضا الشعبي”.
4. الأمن الاقتصادي والاجتماعي
- أُنشئت وحدة الأمن الاقتصادي لمراقبة الأسواق، ضبط الأسعار، ومنع الاحتكار، وهو جانب حيوي لضمان الاستقرار الاجتماعي ومنع استغلال الظروف الصعبة التي خلفتها الحرب.
- ربطت الأجهزة بين الأمن الاقتصادي والأمني، إذ أثبتت التجربة أن الحد من الفوضى الاقتصادية يساهم بشكل مباشر في منع الانهيار الاجتماعي وانتشار الجريمة.
5. الأمن السيبراني والمعلوماتي
- تم تطوير منظومة الأمن السيبراني لمواجهة محاولات الاحتلال الإسرائيلي للاختراق والتجسس، وحماية معلومات الأجهزة ومراقبة أي محاولات تسريب أو تحريض من داخل القطاع.
6. تدريب وتأهيل الكوادر الأمنية
- تم تجنيد دفعات جديدة من الكوادر، مع برامج تدريبية قصيرة ومتخصصة تشمل إدارة الأزمات، الأمن الاقتصادي، الأمن السيبراني، والتعامل مع العصابات.
- ركزت البرامج على التأهيل المهني والنفسي لضمان قدرة العناصر على العمل في بيئة صعبة ومتقلبة.
7. مؤشرات الأداء والنتائج الميدانية
- وفق التقارير الميدانية المحلية والدولية، تم تحقيق استقرار نسبي في الأسواق، وضبط الأمن الأهلي في الأحياء الحيوية ، ما يعكس نجاح الإجراءات في احتواء التوترات والفلتان الاجتماعي.
- نجحت الأجهزة في الحد من نشاط العصابات المدعومة خارجيًا أو داخليًا، وهو ما يمثل مؤشرًا على صلابة النموذج الأمني الفلسطيني الداخلي بعد الحرب.
8. التحديات المستمرة
- نقص التمويل وتضرر البنية التحتية.
- استمرار التهديدات الإسرائيلية عبر العملاء والاختراق الإلكتروني.
- التحدي الأكبر يتمثل في موازنة الردع مع المشاركة المجتمعية لضمان عدم ظهور مظاهر قمعية أو رد فعل شعبي سلبي.
- ضرورة استمرار مراقبة البؤر العصابية التي تحظى بدعم خارجي، لضمان ثبات الاستقرار المحلي.
تمثل مرحلة ما بعد أكتوبر 2025 نموذجًا فريدًا في الأمن المقاوم الفلسطيني، إذ تُظهر قدرة الأجهزة الأمنية في غزة على:
- المرونة المؤسسية والتكيف مع الواقع الجديد.
- دمج الأمن العسكري مع الرقابة الشعبية والأمن الاقتصادي والاجتماعي.
- احتواء التهديدات الداخلية والخارجية، بما في ذلك العصابات المدعومة خارجيًا.
وتبرز هذه التجربة كأحد أهم النماذج الفلسطينية لدراسة الأمن في بيئة ما بعد الحرب، مع إمكانية الاستفادة منها في فهم ديناميكيات الأمن المقاوم في سياقات محاصرة ومهددة.
المحور الخامس: الأمن المجتمعي والاقتصادي كدعامة للاستقرار
أدركت حركة حماس منذ اللحظات الأولى بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 أن الأمن لا يقتصر على السيطرة العسكرية وحدها، بل يعتمد على استقرار الحياة اليومية للمواطنين، والقدرة على إدارة الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية بشكل فعال.
ويعكس هذا التوجه فهم الحركة العميق لمفهوم الأمن الشامل أو الانتقالي، الذي يدمج بين الأمن الميداني، الرقابة المجتمعية، والاستقرار الاقتصادي كأساس لمنع الفوضى واستعادة الثقة بين المجتمع والسلطة.
- ضبط الأسواق والإغاثة الإنسانية
- ركزت الأجهزة الأمنية على تنظيم الأسواق وحماية المواطنين من الانتهازية والاحتكار بعد الحرب، بالتعاون مع وزارة الاقتصاد والبلديات المحلية.
- تم ضبط نسبي لحالة احتكار المواد الإغاثية الأساسية.
- ساهمت هذه الإجراءات في منع أي انهيار اجتماعي محتمل، وضمان وصول المساعدات إلى المستحقين، وهو ما يمثل ربطًا مباشرًا بين الأمن الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
2. المشاركة المجتمعية وتعزيز الرقابة الشعبية
- أُطلقت حملات مثل “الأمن المجتمعي” و “الجار الحارس” لتفعيل شبكة مراقبة شعبية تسمح للسكان بالمشاركة المباشرة في حماية الأحياء، والإبلاغ عن أي نشاط مشبوه أو مخالف.
- ساهمت هذه الحملات في تعزيز الثقة بين المواطنين والأجهزة الأمنية، وتحويل السكان من مجرد متلقين للأمن إلى شركاء فاعلين في حفظه.
- يمثل هذا الانتقال من “الضبط الأمني الصارم” إلى الشراكة المجتمعية” عنصرًا أساسيًا في نجاح النموذج الأمني الفلسطيني بعد الحرب.
3الربط بين الأمن الاقتصادي والاجتماعي والاستقرار العام
- أظهرت التجربة أن ضبط الأسواق والمواد الأساسية يقلل من الاحتقان الاجتماعي، ويمنع استغلال الفوضى من قبل العصابات أو الميليشيات المدعومة خارجيًا.
- ساعدت جهود الرقابة الاقتصادية والمجتمعية على حماية البنية الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة، ودعم الأسر التي تضررت من سنوات الحرب الطويلة.
- تمثل هذه الإجراءات نموذجًا عمليًا لكيفية دمج الأمن العسكري، الاجتماعي، والاقتصادي في استراتيجية واحدة تضمن استدامة الاستقرار.
4. نتائج مؤشرات الأداء
- وفق بيانات ميدانية محلية ودولية ساهمت هذه السياسات في خفض النزاعات العشائرية والفوضى الاقتصادية بنسبة ملحوظة، واستقرار حركة الأسواق والمرافق الحيوية.
- أظهر المواطنون تعاونًا أكبر مع الأجهزة الأمنية، مع تعزيز الإبلاغ عن المخالفات والجرائم الصغيرة قبل أن تتصاعد، ما يعكس نجاح استراتيجية الشراكة الأمنية المجتمعية.
- تعتبر هذه المرحلة امتدادًا وتطويرًا لنموذج الأمن المقاوم، الذي يجمع بين السيطرة الأمنية، الانضباط المجتمعي، وحماية الأمن الاقتصادي، وهو ما يمثل أحد أبرز عناصر الرصانة في تجربة غزة الأمنية بعد الحرب.
المحور السادس: التحديات الأمنية في المرحلة الراهنة
تواجه المنظومة الأمنية في قطاع غزة بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 مجموعة من التحديات المركبة والمعقدة، التي تتطلب قدرة عالية على التكيف، المرونة المؤسسية، واستراتيجية شاملة تجمع بين الردع والمشاركة الشعبية.
- استمرار الحصار الإسرائيلي
- يشكل الحصار العقبة الرئيسية أمام إعادة بناء البنية التحتية الأمنية، وتأمين المعدات والمواد اللوجستية الضرورية لتشغيل الأجهزة بكفاءة.
- يؤدي الحصار إلى تأخر تجهيز بعض المراكز الأمنية والمعدات التقنية الحديثة، ما زاد من الاعتماد على الابتكار المحلي والتنسيق المجتمعي لتعويض النقص.
2. محاولات الاحتلال خلق بدائل أمنية أو دعم عصابات مسلحة
- يحاول جيش الاحتلال ومخابراته، وفق تقارير استخباراتية (الهدهد، مايو–أكتوبر 2025)، دعم بعض العصابات المسلحة مثل مجموعات أبو شباب، الأسطل، بهدف إرباك الوضع الداخلي وخلق بدائل أمنية محلية.
- واجهت الأجهزة الأمنية هذه المحاولات عبر عمليات استخباراتية دقيقة، تفكيك البؤر العصابية، وتعزيز الرقابة الشعبية، مع استغلال شبكة اللجان الشعبية لتعزيز السيطرة على المناطق الأكثر توترًا.
3. غياب التنسيق الأمني مع الضفة الغربية
- استمرار الانقسام السياسي والأمني مع أجهزة الضفة الغربية يمثل تحديًا لإدارة الأمن بشكل متكامل، خاصة في مكافحة العملاء، والتعامل مع شبكات التجسس العابرة للحدود.
- للتعامل مع هذا التحدي، ركزت الأجهزة على التنسيق الداخلي مع مؤسسات المجتمع المدني والعشائر لضمان الاستقرار المحلي.
4. الأزمة الاقتصادية وتأثيرها على المنظومة الأمنية
- ضعف الموارد المالية يحد من القدرة على دفع الرواتب، صيانة المعدات، وتجهيز مقرات العمل، ما يخلق ضغطًا داخليًا على العناصر الأمنية.
- استجاب الجهاز الحكومي في غزة لهذه الأزمة بإنشاء وحدات اقتصادية لمراقبة الأسواق وضبط الاحتكار، وربط الاستقرار الاقتصادي بالأمن المجتمعي لتخفيف الضغط على الأجهزة.
5. انتشار السلاح العشوائي بين المواطنين
- بعد الحرب الطويلة، أصبح انتشار السلاح العشوائي تهديدًا محليًا للأمن الأهلي، إذ يمكن أن يؤدي إلى نزاعات عشائرية أو جريمة منظمة.
- اعتمدت الأجهزة الأمنية مراقبة الأسواق للحد من هذه الظاهرة، مع توظيف اللجان الشعبية والإبلاغ المجتمعي كأداة إضافية للسيطرة.
6. الحرب الإلكترونية ومحاولات الاختراق المعلوماتي
- ازدادت محاولات الاحتلال للتجسس واختراق أنظمة المعلومات الخاصة بالأجهزة الأمنية، واستغلال نقاط ضعف البنية التحتية لتشويش الاتصال والتنسيق.
- تم تطوير شبكة سيبرانية داخلية محمية، مع قنوات سرية للتواصل بين الوحدات الأمنية المختلفة لضمان الاستجابة السريعة لأي تهديد إلكتروني.
7. مؤشرات الانضباط والنجاح النسبي
- على الرغم من كل هذه التحديات، حافظت المنظومة الأمنية على مستوى عالٍ من الانضباط والالتزام، دون تسجيل حالات انهيار أمني.
- يمثل هذا الأداء دليلًا قويًا على صلابة نموذج الأمن المقاوم الفلسطيني، وقدرته على التكيف مع الظروف الصعبة، ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية بنجاح.
تُظهر المرحلة الراهنة أن نجاح المنظومة الأمنية الفلسطينية بعد الحرب لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على التكامل بين الردع العسكري، المشاركة الشعبية، الأمن الاقتصادي، والرقابة السيبرانية.
كما تؤكد التجربة أن التهديدات الإسرائيلية والدعم الخارجي لبعض البؤر العصابية لم تؤدِ إلى انهيار المنظومة، بل عززت الحاجة إلى استراتيجيات متكاملة تعتمد على مرونة المؤسسات والأمن المجتمعي المستدام، ما يجعل غزة نموذجًا فريدًا لدراسة الأمن في بيئة ما بعد النزاع المحاصر.
المحور السابع: آفاق مستقبل الأمن في قطاع غزة
مع توقيع اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى في أكتوبر 2025، تدخل غزة مرحلة جديدة من إعادة بناء الأمن وتحويله من نموذج “الأمن المقاوم” إلى “الأمن الوطني المحلي” القائم على المهنية، الانضباط، والانفتاح المجتمعي.
ويعكس هذا التحول رؤية الحركة والمؤسسات المحلية نحو استدامة الأمن والحد من الفوضى والاعتماد على الشرعية الشعبية والمؤسسات المدنية.
- إعادة بناء الكوادر وتأهيلها
- يشمل ذلك التدريب المهني والتقني المتقدم، مع التركيز على الأمن السيبراني، إدارة الأزمات، مكافحة العصابات والفوضى، وإدارة الأمن الاقتصادي.
- يتوقع أن يسهم هذا التأهيل في تعزيز القدرة على إدارة أي صدمات أمنية مستقبلية، والارتقاء بمستوى الاحترافية داخل الأجهزة.
2. فصل المهام الأمنية عن الأجنحة السياسية والفصائلية
- يمثل الفصل التدريجي بين الأمن والسياسة والفصائلية خطوة أساسية لتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات، وضمان استقلالية الأجهزة في اتخاذ القرارات الأمنية.
- سيتيح هذا الفصل أيضًا توحيد الجهود الأمنية على مستوى القطاع، مع تحسين التنسيق الداخلي ومواجهة التهديدات الخارجية بشكل أكثر فعالية.
3. إشراك المؤسسات الأهلية والمجتمع المحلي
- يركز المستقبل الأمني على إدماج مؤسسات المجتمع المدني، الجامعات، واللجان الشعبية في مراقبة الأداء الأمني وضمان الشفافية والمساءلة.
- يعزز هذا النهج الثقة المجتمعية ويقلل من احتمالات الفساد أو الانحراف الأمني، كما يساهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي بعد سنوات الحرب الطويلة.
4. تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي
- يشمل ذلك سن قوانين ولوائح تحكم العلاقة بين الأجهزة الأمنية والمواطنين، وتحديد صلاحيات كل جهاز، وضمان حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
- يوفر هذا التطوير التشريعي مرجعية قانونية واضحة للأجهزة، ويحد من التجاوزات المحتملة، ويعزز الشرعية الوطنية للنظام الأمني المحلي.
5. تهيئة بيئة المصالحة الوطنية
- يعتبر تهيئة الأرضية للمصالحة الوطنية شرطًا ضروريًا لتوحيد الأجهزة الأمنية ضمن رؤية وطنية شاملة، وإزالة أي عوائق تنشأ من الانقسام السياسي.
- سيسمح هذا التوحيد بتطبيق استراتيجية أمنية موحدة، قادرة على التعامل مع التهديدات الداخلية والخارجية، وضمان الاستقرار المستدام للقطاع.
- السيناريوهات المستقبلية للأمن في غزة
- السيناريو الإيجابي: استمرار تعزيز الانضباط المهني، دمج المجتمع المدني، وفصل الأجهزة عن الفصائلية، ما يؤدي إلى استقرار نسبي طويل الأمد وتقليل مخاطر الفوضى أو ظهور عصابات جديدة.
- السيناريو المتوسط: مواجهة ضغوط اقتصادية وسياسية مستمرة، مع بقاء بعض التهديدات الخارجية والداخلية، ما يستدعي تحديثًا مستمرًا للخطط الأمنية وإعادة تأهيل الكوادر.
- السيناريو السلبي: استمرار التدخلات الخارجية والدعم للعصابات المسلحة، أو فشل المصالحة الوطنية، ما قد يؤدي إلى توترات محلية محدودة تهدد استقرار الأحياء والمرافق الحيوية.
تشير المؤشرات إلى أن الأمن في غزة بعد وقف إطلاق النار يعتمد على التوازن بين المهنية، الشرعية الشعبية، والمشاركة المجتمعية، ويعكس هذا التوجه تطور تجربة الأمن المقاوم إلى نموذج وطني مستدام، قادر على التعامل مع التهديدات المستقبلية، وضمان الاستقرار الاجتماعي والسياسي على المدى المتوسط والطويل.
الخلاصة
تُظهر دراسة تجربة إدارة الأمن في قطاع غزة بعد الحرب وأحداث اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 أن الأمن في بيئة ما بعد الحرب لا يقوم على السيطرة العسكرية وحدها، بل على تكامل متوازن بين الانضباط الأمني، المشاركة الشعبية، الاستقرار الاقتصادي، والمجتمعي.
خلال الحرب على غزة أثبتت الأجهزة الأمنية مرونتها وفاعليتها في مواجهة الضربات المباشرة للاحتلال، استهداف المقار الأمنية، واستشهاد المئات من العناصر، مع الحفاظ على السيطرة على الفوضى ومنع الانهيار الداخلي.
مع اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى في أكتوبر 2025، انتقل نموذج الأمن في غزة إلى مرحلة جديدة، تركز على:
- إعادة الانتشار الأمني وإقامة نقاط حماية متنقلة.
- تكثيف دور اللجان الشعبية والأمن المجتمعي في مراقبة الأحياء.
- دمج الأمن الاقتصادي، الرقابة على الأسواق، وحماية الإغاثة الإنسانية كجزء أساسي من الأمن الشامل.
- تعزيز القدرات التقنية والمهنية للكوادر الأمنية.
تواجه المنظومة تحديات مستمرة، أبرزها الحصار الإسرائيلي، دعم الاحتلال لبعض العصابات، والأزمة الاقتصادية، لكن مؤشرات الانضباط والالتزام كانت مرتفعة، ما يعكس صلابة نموذج الأمن المقاوم وقدرته على التكيف مع التحديات الداخلية والخارجية.
وتشير التقديرات المستقبلية إلى أن الأمن في غزة سيشهد تحولًا تدريجيًا نحو “الأمن الوطني المحلي” القائم على المهنية، الشرعية الشعبية، والمشاركة المجتمعية، مع إعادة تأهيل الكوادر، فصل المهام الأمنية عن الأجنحة السياسية، تعزيز الشفافية، وتوطيد المصالحة الوطنية.
في المجمل، تشكل تجربة غزة نموذجًا فريدًا لدراسة الأمن في بيئات الحرب والحصار، ويُظهر كيف يمكن لبيئة محلية ضعيفة اقتصاديًا وسياسيًا، أن تطور منظومة أمنية متماسكة ومرنة، قادرة على حماية المجتمع واستدامة الاستقرار حتى في أصعب الظروف.
التوصيات
- تعزيز القدرات المهنية والتقنية للأجهزة الأمنية وتطوير برامج تدريب متقدمة للكوادر الأمنية تشمل: الأمن السيبراني، إدارة الأزمات، مكافحة العصابات والفوضى، والأمن الاقتصادي.
- إدماج المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية وتفعيل دور اللجان الشعبية، الجمعيات الأهلية، ومؤسسات المجتمع المدني في الرقابة على الأداء الأمني، والتعاون في حماية الأحياء والمرافق الحيوية.
- تعزيز الأمن الاقتصادي وربطه بالاستقرار الاجتماعي وإنشاء وحدات متخصصة لمراقبة الأسواق، منع الاحتكار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية للمستحقين.
- تطوير البنية التشريعية والتنظيمية ووضع أطر قانونية واضحة تحدد صلاحيات الأجهزة، حقوق المواطنين، وضوابط الرقابة والمساءلة.
- مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية بمرونة وتكثيف العمليات الاستخباراتية لمراقبة البؤر العصابية والعملاء المحتملين.
- تهيئة بيئة سياسية واجتماعية تسمح بتوحيد الأجهزة الأمنية تحت رؤية وطنية شاملة، مع التركيز على التنسيق بين غزة والضفة الغربية مستقبليًا.



