تقدير موقف
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
مقدمة
جاء إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بعد عامين من حرب مدمّرة، ليشكّل محطة فاصلة في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفاعلات السياسية والأمنية.
ويهدف الاتفاق إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ عامين، ويشمل ترتيبات لتبادل الأسرى، إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي، وفتح المعابر، تحت إشراف عربي ودولي.
القراءة الإسرائيلية للاتفاق تمثل مفتاحًا لفهم التوازنات الجديدة في القطاع، ومن المنظور الإسرائيلي، الاتفاق ليس مجرد هدنة مؤقتة، بل خطوة لإعادة هندسة المشهد الفلسطيني وفق معادلات أمنية وسياسية جديدة، مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية وتقليل تكلفة الصراع، وتوفر هذه الورقة تقدير موقف شامل، مع تحليل المكاسب والتحديات، واستشراف السيناريوهات المحتملة، وتقديم توصيات إعلامية وسياسية.
أولًا: ملامح الاتفاق ومضمونه وفق الرؤية الإسرائيلية
يُعدّ الاتفاق المعلن في 9 أكتوبر 2025 أول اتفاق شامل منذ اندلاع حرب طوفان الأقصى، ويُنظر إليه في الكيان الإسرائيلي باعتباره تسوية اضطرارية وليست خيارًا استراتيجيًا، فرضتها مجموعة من الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية.
تُجمع وسائل الإعلام العبرية، من بينها هآرتس والقناة 12 ومعاريف، على أن جوهر الاتفاق يقوم على “تبادل مؤلم” من وجهة النظر الإسرائيلية، لكنه يفتح بابًا لإعادة ترتيب المشهد في غزة وفق صيغة “هدوء مقابل سيطرة غير مباشرة”¹.
- تبادل الأسرى: معادلة رمزية واستراتيجية
نصّ الاتفاق على الإفراج عن 48 أسيرًا إسرائيليًا لدى الفصائل الفلسطينية، من بينهم نحو 20 على قيد الحياة والبقية رفات، مقابل الإفراج عن قرابة 2000 أسير فلسطيني، من ضمنهم 250 محكومين بالمؤبد و1700 معتقل من سكان غزة تم احتجازهم خلال الحرب.
في التقدير الإسرائيلي، هذه الصفقة هي الأضخم منذ صفقة شاليط عام 2011، وتُعدّ مؤلمة سياسيًا لكنها “ضرورية لإنهاء النزيف” كما وصفها غروشون باسكين، الوسيط الإسرائيلي السابق، وأشارت صحيفة يديعوت أحرونوت إلى أن الإفراج عن هذا العدد الكبير من الأسرى “سيُعدّ نصرًا رمزيًا ضخمًا لحماس” يعقّد وضع الحكومة اليمينية أمام جمهورها.
ويرى محللون في معهد القدس للاستراتيجيات والأمن أن قبول الحكومة الإسرائيلية بهذه المعادلة يعكس تحوّلًا في أولوياتها من استعادة الردع الكامل إلى التركيز على إعادة الأسرى الأحياء وتثبيت وقف النار.
وبحسب الجنرال السابق إيتان دانغوت، فإن الصفقة “تشير بوضوح إلى أن إسرائيل لم تحقق أهدافها المعلنة بتفكيك حماس أو استعادة السيطرة الكاملة على القطاع”.
2. إعادة الانتشار العسكري: انسحابٌ مقنّن وإبقاء للسيطرة الهيكلية
ينص الاتفاق على انسحاب الجيش الإسرائيلي من مراكز المدن في القطاع، وعلى رأسها مدينة غزة وخان يونس ، مع الإبقاء على تموضع أمني في المناطق العازلة، بحيث يحتفظ الجيش بنحو 53% من مساحة القطاع خلال المرحلة الأولى، تشمل المحاور الاستراتيجية والحدود الشرقية ومحور فيلادلفيا.
ويُنظر إسرائيليًا إلى هذا الترتيب باعتباره “انسحابًا تكتيكيًا وليس استراتيجيًا” ، كما وصفت القناة 13 العبرية، إذ يسمح للجيش بالحفاظ على “حرية العمل” ويجنّب الحكومة الانتقادات العلنية بانسحاب كامل.
غير أن عددًا من المحللين العسكريين – وعلى رأسهم ألون أفيتار – حذّروا من أن الانسحاب من المدن “يمنح حماس مجالًا حيويًا لإعادة التنظيم وإعادة بناء ذراعها العسكرية”، مؤكدين أن “المرحلة الانتقالية ستكون الأكثر خطورة، إذ ستسعى الحركة لاستعادة حضورها الميداني والإداري تدريجيًا”.
• في المقابل، ترى المؤسسة العسكرية أن الإشراف العربي والدولي (خصوصًا المصري والقطري والتركي) على ترتيبات المرحلة التالية سيمنح الكيان الإسرائيلي غطاءً سياسيًا وعمليًا لفرض معادلة جديدة دون عودة الاحتلال المباشر.
3. المساعدات الإنسانية وفتح المعابر: تهدئة تحت المراقبة
نص الاتفاق على فتح معبر رفح بشكل موسّع وزيادة كميات الشحنات الإنسانية عبر المعابر الخاضعة للرقابة، وهو بند اعتبرته الصحافة الإسرائيلية “تنازلًا ضروريًا لتخفيف الضغط الدولي المتصاعد”.
فقد أشار تقرير القناة 12 إلى أن تدهور الأوضاع الإنسانية كان أحد أبرز دوافع المؤسسة الأمنية للموافقة على الاتفاق، في ظل “تآكل صورة إسرائيل دوليًا واتهامها بارتكاب جرائم حرب”.
ومع أن هذا البند يبدو إنسانيًا في ظاهره، إلا أنه يخضع لمنظور أمني في تل أبيب، إذ شدد مسؤولون إسرائيليون على ضرورة بقاء المساعدات “مرتبطة برقابة صارمة” لمنع وصولها إلى البنية العسكرية للمقاومة، وهو ما يربط فعليًا بين الاحتياجات الإنسانية والالتزامات الأمنية.
4. الضمانات الدولية: غطاء سياسي للكيان ومكسب تكتيكي لحماس
تَعهّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ودول عربية مركزية – خاصة مصر وقطر– بضمان تنفيذ الاتفاق ومنع انهياره في المدى القريب.
في القراءة الإسرائيلية، تمثل هذه الضمانات مكسبًا مزدوجًا: فهي تمنح الكيان الإسرائيلي فترة هدوء ضرورية لإعادة تموضعه العسكري، وتوفّر لها مظلة سياسية لتبرير انسحابه أمام الداخل، لكنها في الوقت ذاته تمنح حماس اعترافًا ضمنيًا بدورها السياسي كطرف موقّع ومخاطب دوليًا.
وقد عبّر بعض المحللين في صحيفة هآرتس عن قلقهم من أن هذه الصيغة “تُكرّس شرعية حماس كفاعل سياسي معترف به، وهو ما قد يُضعف السلطة الفلسطينية أكثر”.
5. تأجيل القضايا الخلافية: نزع السلاح ونهاية الحرب المفتوحة
تم تأجيل الملفات الحساسة – وعلى رأسها مسألة نزع سلاح المقاومة وإعادة إعمار القطاع وترتيبات الحكم المدني – إلى مراحل لاحقة “بعد استقرار الوضع الميداني”.
هذه الصيغة التي توصف في تل أبيب بـ“الغموض البنّاء” تمنح كل طرف مجالًا لتفسير الاتفاق وفق مصالحه:
- بالنسبة لحكومة الاحتلال، هو بند مؤقت يسمح لها بالادعاء بأن نزع السلاح لا يزال على الطاولة.
- بالنسبة لحماس، هو نافذة لإعادة بناء قوتها في ظل حالة من الهدوء.
وقد أقرّ عاموس هرئيل في هآرتس بأن “تأجيل نزع السلاح يعني عمليًا فشل إسرائيل في فرض شروط الاستسلام التي وعدت بها جمهورها في بداية الحرب”، محذرًا من أن “الحركة ستستغل الهدوء لتثبيت حكمها من جديد في الجنوب والوسط”.
يمكن القول إن ملامح الاتفاق (وفق الرؤية الإسرائيلية) تكشف عن توازن هش بين الضرورة والتحدي:
فالكيان الإسرائيلي أنهى حربًا مكلفة دون تحقيق نصر واضح، كما حاول ان يروج قادته في البداية، وحماس خرجت مثقلة بالخسائر لكنها احتفظت بقدرتها السياسية والعسكرية الأساسية.
ويُجمع معظم المحللين الإسرائيليين على أن الاتفاق يشكّل “نهاية حرب وفشلًا في تحقيق أهدافها”، لكنه في الوقت ذاته “نقطة انطلاق لمعركة سياسية طويلة حول مستقبل غزة”.
ثانيًا: المكاسب الإسرائيلية والفلسطينية في ضوء القراءة الإسرائيلية
- المكاسب الإسرائيلية
- إنهاء حرب مستنزِفة:
بعد نحو عامين من العمليات العسكرية المكلفة بشريًا واقتصاديًا، يُنظر إلى الاتفاق باعتباره مخرجًا آمنًا من حرب بلا أفق سياسي. فاستمرار الحرب على غزة كان يهدد بانهيار صورة الردع الإسرائيلي وبمزيد من التآكل في الجبهة الداخلية.
- إعادة ترتيب القوة العسكرية:
تتيح المراحل التنفيذية المتدرجة للكيان الإسرائيلي التحكم في إيقاع إعادة الانتشار، بما يضمن له بقاء أدوات المراقبة الجوية والبرية والاستخبارية، ويحول دون عودة المقاومة إلى مواقعها السابقة بالكامل.
وتصف صحيفة هآرتس ذلك بأنه “انسحاب محسوب لا يعني نهاية السيطرة”.
- ضمانات سياسية دولية:
تحرص حكومة الاحتلال على أن يكون الاتفاق محاطًا بغلاف شرعي دولي، مدعومًا من الولايات المتحدة وعدة دول عربية، لتكريس مفهوم “التسوية الإقليمية” بدلاً من “الهزيمة السياسية”.
ووفقًا لتقدير نشره معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، فإن هذه الضمانات تمثل شبكة حماية سياسية لنتنياهو أمام المعارضة الداخلية التي تتهمه بالفشل في تحقيق النصر الكامل.
2. المكاسب الفلسطينية وحركة حماس
- البقاء السياسي والعسكري:
تُعدّ النتيجة الأبرز أن حماس لم تُكسر رغم ضراوة الحرب، بل خرجت من الاتفاق وهي طرف فاعل على طاولة التفاهمات، ما منحها ما تسميه وسائل الإعلام العبرية “النجاة الاستراتيجية”.
القناة “12” العبرية وصفت ما جرى بأنه “نهاية حرب من دون انتصار، وبقاء حماس لاعبًا رئيسيًا”.
- صفقة تبادل تاريخية:
تحرير آلاف الأسرى الفلسطينيين — خصوصًا من ذوي المؤبدات — شكّل إنجازًا تاريخيًا يعزز مكانة الحركة داخليًا، ويعيد الاعتبار إلى قضية الأسرى كرمز للوحدة الوطنية، وهذا المكسب، وفق مراقبين إسرائيليين، يعيد إلى الأذهان “صفقة شاليط” عام 2011.
- هدوء نسبي لإعادة البناء:
توفر الضمانات الدولية فترة هدوء قد تمتد من 6 أشهر إلى سنة، ما يسمح للحركة بإعادة لملمة جراحها وترتيب أوضاعها.
3. قراءة إسرائيلية للمشهد
- غرشون باسكين، الوسيط السابق في “صفقة شاليط”، أكد أن الضغط الأكبر كان على الحكومة الإسرائيلية، وأن هذه الصفقة تمثل في جوهرها نهاية الحرب وليس مجرد هدنة مؤقتة.
كما كشف أن حماس أبدت استعدادًا للصفقة منذ سبتمبر 2024، بينما ظلت الحكومة الإسرائيلية مترددة حتى تزايد الضغط الداخلي والخارجي عليها.
- ألون أفيتار، الضابط السابق والمختص بالشؤون الفلسطينية، رأى أن الجيش الإسرائيلي بدأ انسحابًا تدريجيًا محسوبًا، وأن بنية حماس ستبقى قائمة ولكن بأشكال مختلفة، تجمع بين الخلايا الميدانية السرية والنشاطات المدنية، بما يشبه نموذج “حزب الله في الجنوب اللبناني”.
ثالثًا: التحديات والألغام في طريق التنفيذ
على الرغم من أن الاتفاق يُقدَّم في الإعلام الإسرائيلي والدولي باعتباره إنجازًا متوازنًا ينهي الحرب ويؤسس لمرحلة استقرار نسبي، إلا أن مسار تنفيذه يواجه جملة من الألغام الميدانية والسياسية التي تهدد بإفشاله أو تحويله إلى مجرد هدنة عابرة.
يمكن تلخيص أبرز تلك التحديات في النقاط التالية:
- ضبابية تنفيذ المراحل اللاحقة
- لم تتضمن بنود الاتفاق جداول زمنية واضحة لانسحاب القوات الإسرائيلية أو لتطبيق المرحلة النهائية من إعادة الانتشار، وهو ما يفتح الباب أمام المماطلة الإسرائيلية المقصودة في التنفيذ.
- تشير تحليلات القناة 13 العبرية وصحيفة معاريف إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تُبقي الغموض الزمني أداة ضغط سياسية وميدانية على حماس، بهدف اختبار مدى التزامها بالتهدئة واستعدادها لتقديم تنازلات إضافية في الملفات المؤجلة.
- ويرى خبراء أمنيون أن هذا الغموض يمنح الجيش الإسرائيلي حرية المناورة الميدانية في أي لحظة، دون خرق صريح للاتفاق، مما يترك التنفيذ في حالة “تعليق عملي” قد تمتد لأشهر أو سنوات.
2. تأجيل ملف نزع السلاح
- يُعدّ بند نزع سلاح المقاومة من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، وقد جرى ترحيله عمدًا إلى المراحل اللاحقة تجنبًا لانهيار المفاوضات.
- غير أن هذا التأجيل يثير مخاوف من استغلال الكيان الإسرائيلي له كذريعة مستقبلية لاستئناف العمليات العسكرية، في حال ادعت أن حماس تعيد بناء قدراتها أو توسّع نفوذها الأمني في القطاع.
- وفقًا لتقرير مركز القدس للشؤون العامة والسياسية (JCPA)، فإن الحكومة الإسرائيلية تعتبر أن بقاء السلاح في يد حماس يتعارض مع مفهوم “الأمن المستدام”، وأن معالجة هذا الملف ستكون “اختبارًا حقيقيًا” لأي ترتيبات مستقبلية.
- في المقابل، تعتبر حماس هذا البند مسًّا بجوهر مشروعها المقاوم، وترى أن القبول بنزع السلاح يعني عمليًا نهاية وجودها كحركة تحرر، وهو ما يجعل هذا الملف قنبلة مؤجلة قابلة للانفجار في أي لحظة.
3. تطبيق “نموذج لبنان”
- تشير الأوساط الإسرائيلية إلى أن أحد السيناريوهات المرجّحة هو تطبيق نموذج جنوب لبنان بعد عام 2000، أي الإبقاء على مقاومة مسلحة محدودة النطاق، مع حرية إسرائيلية مطلقة في الرد على أي خرق.
- صحيفة يديعوت أحرونوت تحدثت عن “غزة جديدة تشبه جنوب لبنان، دون وجود جيش دائم ولكن مع مراقبة استخبارية إسرائيلية مكثفة”.
- هذا النموذج، الذي تدعمه بعض الدوائر الأمنية الإسرائيلية، يعني إدارة أمنية هجينة لا تُنهي حالة المقاومة تمامًا، لكنها تُبقيها ضمن حدود مقبولة تخدم الردع الإسرائيلي وتبرر استمرار التفوق العسكري.
- إلا أن تطبيق هذا النموذج يصطدم بواقع مختلف في غزة، حيث تمتلك المقاومة شبكات أنفاق وقدرات صاروخية وتنظيمًا مدنيًا وأمنيًا أكثر تعقيدًا من الحالة اللبنانية، مما يجعل “لبننة غزة” عملية غير مضمونة النتائج.
4. التوترات السياسية الداخلية في الكيان الإسرائيلي
- يعيش المشهد السياسي الإسرائيلي انقسامًا حادًا حول الاتفاق، إذ يرى بعض أقطاب المعارضة أن نتنياهو قدّم تنازلات إستراتيجية لحماس مقابل البقاء في الحكم وإنقاذ ائتلافه السياسي، بينما يروّج معسكر نتنياهو للاتفاق بوصفه مرحلة تمهيدية للعودة لاحقًا لاستكمال “أهداف الحرب”.
- وفق تسريبات من صحيفة هآرتس، فإن نتنياهو حصل على ضمانات أميركية غير معلنة تتضمن دعم أي عملية عسكرية مستقبلية محدودة في غزة تحت ذريعة “انتهاك حماس للاتفاق”، وهو ما يفسر تمسكه بالبقاء دون الإعلان عن “نهاية الحرب” رسميًا.
- كما أن استمرار الضغط الشعبي من عائلات الأسرى والمجتمع الإسرائيلي المنقسم قد يدفع الحكومة إلى مزيد من التصلب في المراحل اللاحقة، أو إلى تجميد الاتفاق عند حدوده الإنسانية دون المضي في المراحل السياسية والأمنية.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة
يُعدّ الاتفاق الراهن، في ضوء القراءة الإسرائيلية، مرحلة انتقالية أكثر منه تسوية نهائية، إذ يحمل في طياته احتمالات متباينة بين التهدئة المؤقتة والانهيار الكامل أو التثبيت الجزئي لنموذج “الحدود المضبوطة” كما في جنوب لبنان.وفيما يلي أبرز السيناريوهات المتوقعة وفق التحليل الإسرائيلي، مع ترجيح واقعي لكل منها:
- نجاح نسبي واستقرار مؤقت
- يقوم هذا السيناريو على الالتزام الحذر ببنود الاتفاق، مع استمرار الرقابة الأميركية والعربية، خصوصًا من مصر وقطر ، إضافة إلى مشاركة رمزية للأمم المتحدة في الإشراف الإنساني والأمني.
- في هذا المسار، يُتوقّع أن تبقى حماس قوة محدودة القدرات العسكرية، تركز على إدارة الشأن المدني والإنساني، بينما يحتفظ الجيش الإسرائيلي بقدرة الرد السريع في حال خرق التهدئة.
- تشير تقديرات معهد الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) إلى أن هذا السيناريو هو الأكثر واقعية على المدى القصير، إذ يتيح للطرفين التقاط الأنفاس: الكيان الإسرائيلي لتثبيت مكاسبه الأمنية والسياسية، وحماس لإعادة ترتيب أوضاعها المدنية والميدانية.
- غير أن نجاح هذا المسار يتطلب إرادة دولية حقيقية لتثبيت الاستقرار، وضمانات تمنع الكيان الإسرائيلي من إعادة استهداف القطاع، وهو أمر يظل هشًا في ظل انقسامات الحكومة الإسرائيلية واستمرار سياساتها في الضفة الغربية.
الترجيح: محتمل بنسبة 45%، خاصة في الأشهر الأولى، لكنه مهدد بالتآكل إذا لم تتبلور رؤية واضحة لـ”اليوم التالي”.
2. انهيار الاتفاق واستئناف الحرب.
- هذا السيناريو ينطلق من فرضية أن الاتفاق يخفي ألغامًا بنيوية في التنفيذ، أهمها ملف نزع السلاح والانتشار الميداني، وهو ما يجعل عودة الحرب احتمالًا واقعيًا بمجرد ظهور أول خرق من أي طرف.
- التحليلات الإسرائيلية في القناة 14 العبرية وصحيفة يسرائيل هيوم تُرجّح أن الجيش يستعد فعليًا لـ”خطة طوارئ ميدانية” تحسبًا لانهيار الاتفاق، وأن بعض الوحدات لا تزال متمركزة قرب حدود غزة بمهام هجومية دفاعية.
- كما أن الضغوط السياسية على نتنياهو من اليمين المتشدد قد تدفعه إلى العودة للميدان لاستعادة الردع أو لتوحيد صفوف الداخل الإسرائيلي.
- في المقابل، ترى أوساط في حماس أن استمرار الاحتلال الجزئي لأي جزء من القطاع أو خرق البنود الإنسانية سيُعتبر “إعلان حرب جديدة”، ما قد يعيد التصعيد بوتيرة أشد.
الترجيح: محتمل بنسبة 35%، خصوصًا على المدى المتوسط، في حال تدهورت الأوضاع الميدانية أو استُخدم بند نزع السلاح ذريعة لاستئناف العمليات العسكرية.
3. تثبيت نموذج لبنان في غزة
- يقوم هذا السيناريو على انسحاب تدريجي من مراكز المدن، مع بقاء الكيان الإسرائيلي ممسكًا بالأجواء والحدود، وتحوّل القطاع إلى منطقة مراقبة أمنية دولية بمشاركة عربية رمزية.
- ستبقى المقاومة موجودة ولكن بصورة غير مركزية، على شكل خلايا سرية أو قدرات دفاعية محدودة النطاق، وهو ما يتيح للكيان الإسرائيلي الادعاء بتحقيق “ردع طويل الأمد” دون الحاجة إلى احتلال فعلي.
- هذا النموذج يلقى دعمًا ضمنيًا أميركيًا لأنه يخفف من عبء الإشراف الدولي المباشر، لكنه يبقي غزة في دائرة السيطرة الأمنية دون تحقيق سيادة فلسطينية فعلية.
الترجيح: محتمل بنسبة 20%، وهو سيناريو طويل المدى قد يتحقق تدريجيًا في حال فشل تثبيت الاستقرار الكامل دون انهيار شامل للاتفاق.
ومن المرجّح أن تتداخل هذه السيناريوهات جزئيًا، بحيث يشهد الواقع مزيجًا من الهدوء المؤقت والتهديد المستمر، ما يجعل الاتفاق هشًّا بطبيعته.
التقدير العام
تشير المعطيات الراهنة إلى أن المشهد يسير نحو تهدئة مؤقتة قابلة للانفجار، وليست تسوية دائمة، وتنظر الحكومة الإسرائيلية إلى الاتفاق باعتباره مرحلة لترميم الردع وتفكيك المقاومة تدريجيًا دون مواجهة مباشرة، فيما ترى حماس فيه فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع الميداني والسياسي.
وبين هذين المنظورين، يظل مستقبل الاتفاق مرهونًا بعاملين حاسمين:
- مدى التزام الحكومة الإسرائيلية بالبنود الإنسانية والسياسية دون توظيفها لأغراض تكتيكية.
- قدرة حماس على ضبط الوضع الميداني الداخلي ومنع انهيار الهدنة بفعل فصائل ميدانية أو ضغط شعبي متصاعد.
خــلاصــة
تعكس القراءة الإسرائيلية للاتفاق الأخير حول غزة تحولًا استراتيجيًا من منطق الحسم العسكري الشامل إلى منطق الاحتواء السياسي المرحلي، القائم على ضبط الميدان وإدارة الصراع بأدوات سياسية وأمنية واقتصادية بديلة عن الحرب المباشرة.
فبعد عامين من “القتال المكلف”، تُدرك المؤسسة الإسرائيلية أن تحقيق الأهداف الكاملة للحرب، وعلى رأسها “القضاء على حماس”، أصبح غير ممكن عسكريًا دون أثمان غير محتملة سياسيًا وإنسانيًا، ما جعل خيار التسوية الجزئية هو المخرج الأكثر واقعية.
غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن الكيان الإسرائيلي تخلّى عن أهدافه بعيدة المدى، بل إنه — كما تكشف تصريحات قادته ومراكز دراساته —سعى إلى تحقيق هذه الأهداف تدريجيًا عبر آليات الضغط السياسي والاقتصادي والضبط الأمني، مستفيدًا من وجود قوات عربية ودولية، ومن حالة الإعمار المشروطة التي يمكن توظيفها كورقة نفوذ.
ومع أن الاتفاق يمثل فرصة نادرة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني الداخلي، إلا أن الضبابية التي تحيط ببنود “نزع السلاح” و“إدارة اليوم التالي” و“حدود الوجود الإسرائيلي” تظل عوامل خطر حقيقية قد تفجّر المشهد مجددًا، خاصة إذا تبيّن أن الحكومة الإسرائيلية توظف هذه البنود لإعادة إنتاج السيطرة العسكرية أو لإبقاء غزة ضمن نطاق “الأمن الإسرائيلي الموسّع”.
من هنا، تتجلى أهمية هذه الورقة في أنها تقدم تقدير موقف معمقًا يستند إلى القراءة الإسرائيلية نفسها، بما يتيح للباحثين وصناع القرار والإعلام الفلسطيني والعربي تحويل هذه القراءة إلى أداة وعي وضغط سياسي وإعلامي، تسهم في:
- رصد محاولات الالتفاف الإسرائيلية على الاتفاق وكشفها مبكرًا في الساحة الدولية.
- تعزيز السردية الفلسطينية حول الإنجاز السياسي والإنساني للاتفاق، باعتباره ثمرة صمود لا تنازل.
- منع العودة إلى مربع الحرب عبر خطاب دبلوماسي وإعلامي متماسك يدعم وحدة الموقف الفلسطيني، ويحول الاتفاق من محطة تكتيكية إلى قاعدة لبناء رؤية وطنية أوسع.
وهكذا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في نصوص الاتفاق فحسب، بل في القدرة على إدارة مضمونه ومخرجاته بوعي سياسي واستراتيجي يوازن بين مقتضيات الواقع وضمان عدم التفريط في الثوابت الوطنية الفلسطينية.
التــوصـيات
- مراقبة التنفيذ المرحلي وتقييم الالتزام الإسرائيلي ورصد تنفيذ كل بند من بنود الاتفاق، خصوصًا الانسحاب الجزئي للجيش الإسرائيلي وفتح المعابر.
- تحديث تقديرات السيناريوهات وفق التطورات الواقعية لصياغة استراتيجيات مرنة ومتدرجة للتعامل مع كل سيناريو، وضمان عدم الانجرار إلى مفاجآت غير متوقعة على الأرض.
- توضيح الطبيعة الحقيقية للاتفاق والتأكيد في الخطاب السياسي والإعلامي على أن الاتفاق لا يعني إنهاء المقاومة أو تفكيك حماس، بل إعادة ترتيب موازين القوى وإدارة الصراع بطريقة أكثر مرونة.
- استثمار القراءة الإسرائيلية في الخطاب الإعلامي للمساهمة في تعزيز الموقف الفلسطيني دوليًا وإقليميًا ويشكل قاعدة للضغط على الكيان الإسرائيلي لاحقًا إذا ما حاولت إعادة إنتاج سيناريوهات الحرب.
- تفعيل الجهود الدبلوماسية مع الدول الضامنة (الولايات المتحدة، مصر، قطر، تركيا) لضمان الالتزام الكامل بالاتفاق وكشف أي خروقات أو محاولات للتأجيل.



