تحولات الرأي العام الفلسطيني بعد حرب غزة واتفاق وقف النار: صعود شرعية المقاومة وتآكل النظام السياسي الرسمي

تحليل سياسي- المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي

أظهرت الورقة تحولًا بنيويًا في الوعي الشعبي الفلسطيني، حيث باتت المقاومة مصدر الشرعية الوطنية الأولى، مقابل تراجع حاد في مكانة السلطة الفلسطينية وقيادتها الرسمية.

استندت الورقة إلى نتائج استطلاع رأي موسع أُجري في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بيّن أن (69%) يرفضون نزع سلاح المقاومة و(83%)يطالبون باستقالة الرئيس محمود عباس، وأن (60%)  راضون عن أداء حركة حماس مقابل (21%)  فقط لعباس.

وأكدت الورقة أن هذه التحولات تعكس إعادة تعريف لمفهوم الشرعية الفلسطينية من شرعية المؤسسات إلى شرعية الصمود والمواجهة، ودعت إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس جديدة تجمع بين المقاومة والتمثيل الديمقراطي الحقيقي.

مقـــدمـــة

تشهد الساحة الفلسطينية منذ انتهاء الحرب الأخيرة على قطاع غزة تحولات سياسية ومجتمعية عميقة، تعكسها بوضوح نتائج استطلاعات الرأي العام الصادرة عن مؤسسات بحثية فلسطينية ودولية، والتي تشير إلى تبدّل واضح في موازين الثقة والشرعية بين القوى السياسية الفلسطينية.

فبعد أكثر من عام من الحرب الإسرائيلية المدمّرة، وما تبعها من اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية دولية وإقليمية، وتزامن ذلك مع الإعلان عن خطة ترامب لتسوية الصراع، برزت مؤشرات غير مسبوقة على تآكل شرعية السلطة الفلسطينية والقيادة الرسمية، مقابل صعود واضح في شرعية المقاومة الفلسطينية، ولا سيما حركة حماس.

وقد أظهرت استطلاعات للرأي أجرته مؤسسة استطلاعات الرأي والأبحاث المسحية في رام الله أن ما بين 75 و83٪ من الفلسطينيين يؤيدون استقالة الرئيس محمود عباس، وأن نحو 69٪ يرفضون نزع سلاح المقاومة باعتباره “خطًا أحمر”.

هذه النتائج ليست مجرد انعكاس للحرب أو لمزاج ظرفي، بل تمثل تعبيرًا عن تحول بنيوي في وعي الفلسطينيين تجاه مصادر الشرعية والتمثيل السياسي، حيث باتت المقاومة، بكل رموزها وخطابها، تتصدر المشهد كممثل أكثر صدقية لإرادة الشعب الفلسطيني.

في المقابل، كشفت المعطيات عن تراجع حاد في الثقة بالسلطة الفلسطينية ومؤسساتها، إذ رأى 80٪ من المشاركين أنها فاسدة، واعتبر 56٪ أنها أصبحت عبئًا على الشعب، كما أظهر الاستطلاع فجوة جغرافية وسياسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة في المواقف من خطة ترامب والتسوية، ما يعكس عمق الانقسام البنيوي في المجتمع الفلسطيني وواقع الانفصال بين النظامين القائمين في الضفة والقطاع.

تستمد هذه الورقة أهميتها من كونها تحاول تحليل هذه التحولات في الرأي العام الفلسطيني من زاوية علمية ومنهجية، باعتبارها مؤشرًا دقيقًا على إعادة تشكيل الشرعية السياسية في فلسطين، وما يترتب على ذلك من تداعيات على مستقبل النظام السياسي، والعلاقة بين المقاومة والسلطة، واتجاهات التسوية والمصالحة الوطنية.

كما تسعى الورقة إلى الإجابة على تساؤلات مركزية، أبرزها:

  • إلى أي مدى تمثل هذه التحولات تغييرًا عميقًا في بنية الوعي السياسي الفلسطيني؟
  • وهل يعيد الشارع الفلسطيني تعريف “الشرعية الوطنية” من جديد على أساس المقاومة والثبات؟
  • وكيف يمكن لهذه الاتجاهات أن تعيد صياغة الخريطة السياسية الفلسطينية في المدى القريب والمتوسط؟

وانطلاقًا من هذه الإشكاليات، تعتمد الورقة على مقاربة تحليلية تستند إلى قراءة كمية ونوعية لنتائج الاستطلاع، ومقارنتها باستطلاعات سابقة، ضمن سياق سياسي واجتماعي شامل، بهدف استشراف المآلات المستقبلية لهذه التحولات، وتقديم رؤية تقييمية وتوصيات تساعد صُنّاع القرار الفلسطيني في إعادة بناء الشرعية الوطنية على أسس أكثر تمثيلًا واستجابة للإرادة الشعبية.

المحور الأول: ملامح التحول في الرأي العام الفلسطيني

تكشف نتائج استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة استطلاعات الرأي والأبحاث المسحية في رام الله (22–25 تشرين الأول/أكتوبر 2025) عن تحولات نوعية في اتجاهات الرأي العام الفلسطيني عقب الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، واتفاق وقف إطلاق النار، وما تبع ذلك من حراك سياسي دولي وإقليمي تمحور حول خطة ترامب ومشاريع إعادة الإعمار.

وتدل هذه النتائج على أن المجتمع الفلسطيني دخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الوعي السياسي والوطني، تتجاوز الانقسامات الفصائلية التقليدية، وتعكس إعادة تقييم عميقة لمفاهيم الشرعية والتمثيل والخيارات الوطنية.

  1.  الوعي بخطة ترامب والمواقف منها

أظهرت النتائج أن (71%) من الفلسطينيين سمعوا عن خطة ترامب، بنسبة أعلى في الضفة الغربية (75٪) مقارنة بقطاع غزة (65٪)، ما يعكس تأثير البيئة الإعلامية والسياسية المختلفة في كلا المنطقتين.

وعند عرض الخطة بصياغة عربية وإسلامية، انقسمت الآراء بين مؤيد (47٪) ومعارض( 49%) إلا أن الفوارق الجغرافية كانت لافتة؛ إذ أيدها (59%) من سكان غزة مقابل (39%) فقط في الضفة.

ويرتبط هذا التباين بتجربة كل منطقة خلال الحرب وبعدها: فبينما يرى سكان غزة أن أي خطة توقف العدوان وتعيد الإعمار قد تشكل فرصة لتحسين الواقع الإنساني، يتعامل سكان الضفة مع الخطة بوصفها تهديدًا إضافيًا لتصفية القضية الفلسطينية وشرعنة الاحتلال.

2. تأييد المقاومة ورفض نزع السلاح

يمثل موقف الفلسطينيين من سلاح المقاومة أحد أبرز مؤشرات التحول البنيوي في الرأي العام.

فقد عبّر (69%) من المستطلعين عن رفضهم القاطع لنزع سلاح المقاومة، بينهم (78%)  في الضفة و (55%) في غزة، معتبرين أن بقاء السلاح “خط أحمر لا يجوز تجاوزه” .

هذا المعطى يعكس إدراكًا شعبيًا متناميًا لأهمية المقاومة كعامل توازن وردع أمام الاحتلال، وليس كملف داخلي قابل للتفاوض، كما يؤكد أن الشرعية السياسية الجديدة في الوعي الشعبي باتت تُمنح بناءً على القدرة على الدفاع عن الشعب، لا على الشرعية المؤسسية أو الاعتراف الدولي.

3. تقييم الحرب ونتائجها

أيد (53%) من الفلسطينيين قرار حماس شن هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، في حين عارضه أقل من النصف.
هذه النسبة المرتفعة، في سياق حجم الدمار والخسائر التي لحقت بقطاع غزة، تعكس رسوخ القناعة الشعبية بعدالة المواجهة وشرعيتها الوطنية.

كما أن تأييد العملية جاء مترافقًا مع تحميل (54%) من الفلسطينيين المسؤولية المباشرة للاحتلال الإسرائيلي عن المعاناة الإنسانية في القطاع، ما يدل على وعي جماعي متماسك بأن جذور الأزمة ليست داخلية بل ناتجة عن العدوان المستمر وسياسة الحصار.

4. أزمة المعيشة والموقف من المساعدات

أشار (87%)  من المشاركين إلى أن لديهم ما يكفي من الطعام ليوم أو يومين فقط، وهو مؤشر بالغ الخطورة على تدهور الوضع المعيشي حتى بعد الهدنة.

ورغم هذا الواقع الإنساني القاسي، فإن الغالبية لم تربط بين تحسن الأوضاع الاقتصادية وبين التنازل السياسي أو نزع السلاح، ما يوضح أن الكرامة الوطنية والمقاومة ما تزال تتقدم على الاعتبارات المعيشية في سلم أولويات الفلسطينيين.

5. الموقف من إدارة غزة والمبادرات الدولية

رفض (53%) من الفلسطينيين فكرة تشكيل لجنة مهنية غير سياسية تحت إشراف دولي لإدارة قطاع غزة، مقابل تأييد (45%) ، فيما أيد (67%)  إدارة القطاع من قبل لجنة خبراء فلسطينيين بدعم دولي لإعادة الإعمار.

وتُظهر هذه النسب أن الفلسطينيين يقبلون التعاون الدولي في إطار وطني فلسطيني، ويرفضون أي صيغة تنطوي على وصاية أو إقصاء للقيادة المحلية.

كما عارض (68%)  دخول قوة عربية مسلحة لضمان الأمن أو نزع السلاح، وهو ما يعكس رفضًا واسعًا لفكرة “التدويل الأمني” أو إعادة احتلال القطاع بأدوات إقليمية.

6. إعادة توزيع الثقة السياسية

أظهرت النتائج أن (60%) من الفلسطينيين راضون عن أداء حركة حماس، مقابل (30%) عن أداء حركة فتح و (21%) عن أداء الرئيس عباس، وأن ما بين (75% و  83٪ ) يطالبون باستقالته.

هذه الأرقام تؤكد وجود انهيار في الشرعية السياسية للنظام الرسمي الفلسطيني مقابل صعود المقاومة كفاعل شعبي رئيس.
كما عبّر (65%)  من المستطلعين عن تأييدهم لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال عام، لكن (60%)  منهم لا يثقون بأن السلطة ستفي بوعدها، ما يوضح عمق فقدان الثقة بالمؤسسة الرسمية واستعداد الجمهور للانتقال نحو بدائل جديدة للتمثيل السياسي.

7. الخيارات السياسية والدولة الفلسطينية

رغم استمرار الانقسام حول شكل الحل النهائي، أيد (47%) من الفلسطينيين حل الدولتين، مقابل (18%) للكونفدرالية و (12%) للدولة الواحدة، فيما امتنع (24%)  عن الإجابة، وهي نسبة عالية تدل على حالة من الغموض والإحباط السياسي العام.

كما رفض (59%) من المشاركين أي اتفاق سياسي يتضمن تطبيع العلاقات مع الاحتلال حتى في حال قيام الدولة الفلسطينية، في دلالة على ثبات الموقف الشعبي من رفض التطبيع واعتباره خيانة للثوابت الوطنية.

تكشف هذه المعطيات أن الفلسطينيين يعيشون تحولًا في البوصلة السياسية من خطاب التسوية والمفاوضات إلى خطاب المقاومة والتمسك بالحقوق الوطنية.

كما يتضح أن أزمة الشرعية في النظام السياسي الفلسطيني باتت بنيوية لا ظرفية، إذ تجاوزت حدود الأداء السياسي إلى مستوى فقدان الثقة العامة بالسلطة كمفهوم ومؤسسة.

في المقابل، يُنظر إلى المقاومة كقوة تمثيلية جديدة تحمل مضامين الأمن والكرامة والردع، بما يجعلها مركز الشرعية الفعلية في الوعي الجمعي الفلسطيني.

المحور الثاني: صعود شرعية المقاومة بعد الحرب

أظهرت نتائج الاستطلاع تحوّلًا بنيويًّا في المزاج الشعبي الفلسطيني باتجاه إعادة الاعتبار لخيار المقاومة المسلحة، بوصفه الردّ الأكثر واقعية على الاحتلال، بعد سنوات من فشل مسار التسوية وتراجع أداء السلطة الفلسطينية، فقد عبّر (69%) من المشاركين عن رفضهم القاطع لنزع سلاح حماس، معتبرين بقاء السلاح “خطًّا أحمر لا يجوز تجاوزه”، وهي نسبة تعبّر عن إجماع وطني غير مسبوق، خاصة أنّ نسبة الرافضين في الضفة الغربية (78%) تجاوزت لأول مرة مثيلتها في غزة (55٪)، في دلالة على تمدد شرعية المقاومة إلى بيئة كانت تاريخيًا أقل حماسة للخيار المسلح.

وتظهر النتائج أنّ (53%) من المستطلعين رأوا أن قرار حماس شنّ هجوم السابع من أكتوبر كان صائبًا، ما يعني أن الرواية السياسية للمقاومة باتت أكثر قبولًا في الوعي العام، خاصة في ظل إخفاق الاحتلال في تحقيق أهدافه المعلنة، وتحوّل الحرب إلى حالة استنزاف مفتوحة.

يمكن تفسير هذا التحول من خلال ثلاثة مستويات متداخلة:

  1. المستوى الوطني-الرمزي:

الحرب الأخيرة رسّخت صورة المقاومة باعتبارها الحارس الأخير للكرامة الوطنية، في مقابل سلطة تُتهم بالعجز والتبعية. فالمقاومة –بغض النظر عن الكلفة الإنسانية الباهظة– نجحت في الحفاظ على سردية الصمود، بينما فقدت السلطة القدرة على تمثيل الفلسطينيين سياسيًا أو أخلاقيًا.

2. المستوى المعيشي-الاجتماعي:

رغم الكارثة الإنسانية التي خلّفتها الحرب، فإنّ غالبية الفلسطينيين (54٪) حمّلوا الاحتلال المسؤولية المباشرة عن معاناتهم، ولم ينقلوا اللوم إلى المقاومة، ما يعكس وعيًا متقدمًا بطبيعة الصراع وعمقه الاستعماري، كما أن استمرار الحصار، وتقصير السلطة في تقديم الدعم الإغاثي، عزّزا من مكانة الفصائل التي واجهت الاحتلال عسكريًا ووفرت الحماية الرمزية للمجتمع.

3. المستوى السياسي-الإستراتيجي:

فشل الرهان على المفاوضات وخطة ترامب الأخيرة، إلى جانب الإصرار الأميركي على ربط إعادة إعمار غزة بنزع السلاح، دفع قطاعات واسعة من الفلسطينيين إلى اعتبار المقاومة المسلحة الضمانة الوحيدة لبقاء القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية، ولهذا، فإنّ رفض( 68٪ ) من المستطلعين دخول قوة عربية مسلحة إلى القطاع جاء كموقف تحصيني ضد أي مسار يهدف إلى تصفية المقاومة أو تجريدها من دورها العسكري والسياسي.

إن صعود شرعية المقاومة في البيئة الفلسطينية لا يُعدّ مجرّد استجابة ظرفية للحرب، بل يمثل تحولًا في الوعي الجمعي يعيد صياغة مفهوم “الشرعية السياسية” في النظام الفلسطيني؛ إذ لم تعد تُستمد من التمثيل الرسمي أو الاعتراف الدولي، بل من القدرة على الصمود والمواجهة، ومن شأن هذا التحول أن يفرض على الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، مسؤولية ترجمة هذا الرصيد الشعبي إلى مشروع سياسي جامع، يوازن بين شرعية المقاومة وضرورات إعادة بناء النظام الوطني على أسس جديدة.

المحور الثالث: تراجع شرعية السلطة الفلسطينية بعد الحرب

تُظهر نتائج الاستطلاع تآكلًا عميقًا في شرعية السلطة الفلسطينية ومؤسساتها السياسية، بما يعكس أزمة تمثيل غير مسبوقة منذ تأسيسها، إذ عبّر نحو (80٪) من المستطلعين عن اعتقادهم بأن السلطة فاسدة، فيما رأى (56%) أنها أصبحت عبئًا على الشعب الفلسطيني، وهو توصيف دالّ على تحوّل الوعي الشعبي من مجرد فقدان الثقة إلى شعورٍ بعبثية استمرار السلطة بوضعها الحالي.

كما كشف الاستطلاع عن تراجع حاد في نسبة الرضا عن الرئيس محمود عباس، وهذا الإجماع شبه الكامل على رفض استمرار عباس في الحكم يمثل انعكاسًا واضحًا لتآكل الشرعية السياسية والشعبية للقيادة الفلسطينية الرسمية، خاصة في ظل ما اعتُبر أداءً باهتًا للسلطة خلال الحرب على غزة وغيابها عن مشهد المعاناة اليومية.

ومن أبرز المؤشرات على ضعف حضور السلطة وانحسار تأثيرها أن نسبة الرضا عن حماس بلغت (60%) مقابل (21%) فقط لعباس، ما يعني أن الفجوة في الثقة الشعبية تجاوزت البعد الفصائلي لتصل إلى حدود أزمة شرعية وطنية شاملة. كما أن نحو (65%) من الفلسطينيين أيدوا إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال عام، في حين لا يثق (60%) بأن السلطة ستفي بوعدها بتنظيمها، وهو ما يعزز شعور الجمهور بأن القيادة القائمة غير راغبة أو غير قادرة على تجديد شرعيتها عبر صناديق الاقتراع.

يمكن تفسير هذا التراجع من خلال ثلاثة مستويات تحليلية رئيسة:

  1. المستوى السياسي:

فشل السلطة في تحقيق أي إنجاز سياسي منذ أكثر من عقدين، وارتباطها بمسار تفاوضي وصل إلى طريق مسدود، جعلاها تفقد المبرّر الوجودي الذي تأسست عليه، كما أن مواقفها خلال الحرب، التي اتسمت بالجمود والاعتماد على الوساطات الخارجية، عزّزت الانطباع الشعبي بأنها أصبحت خارج معادلة التأثير الوطني.

2. المستوى الاجتماعي والإداري:

توسّع مظاهر الفساد والمحسوبية، وغياب العدالة في توزيع الموارد، وتدهور الخدمات العامة، كلها عوامل غذّت شعورًا عامًا بالاغتراب عن السلطة، خاصة في الضفة الغربية، كما أن تنامي القبضة الأمنية، واعتقال الأسرى المحررين، خلقا فجوة أخلاقية بين السلطة والمجتمع الفلسطيني، تُترجم الآن في نسب الرفض الواسعة.

3. المستوى الرمزي والقيادي:

يفتقر الرئيس عباس اليوم إلى الرمزية الوطنية التي كانت تميز القيادة الفلسطينية التاريخية. فالمجتمع الفلسطيني، الذي خاض تجربة الحرب الشاملة، بات يقيس القيادة بمعايير الصمود والتمثيل الفعلي لقضيته، لا بمعايير الشرعية الشكلية أو الاعتراف الدولي، وفي هذا السياق، يبرز مروان البرغوثي كخيار رئاسي أول في نوايا التصويت، وهو مؤشر على رغبة الجمهور في قيادة تجمع بين شرعية النضال وواقعية الموقف السياسي.

إنّ تراجع شرعية السلطة لا يرتبط فقط بضعف أدائها الراهن، بل يعكس تحوّلًا أعمق في بنية الشرعية الفلسطينية، من شرعية “أوسلو والمؤسسات” إلى شرعية “الميدان والمقاومة”، وهذا التحول يضع مستقبل السلطة على المحك، خصوصًا إذا استمر غياب المسار الانتخابي وتعطل مشروع المصالحة، في ظل تصاعد الدعوات لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس جديدة تُعيد الاعتبار للإرادة الشعبية.

المحور الرابع: الفوارق الجغرافية بين الضفة وغزة ودلالاتها السياسية

تشير نتائج الاستطلاع إلى وجود تباينات جغرافية واضحة في مواقف الفلسطينيين تجاه السلطة، المقاومة، خطة ترامب، وقضايا التسوية السياسية، هذه الفوارق تعكس تأثير البيئة الميدانية والسياسية المختلفة لكل منطقة، وتؤكد أن التحولات في الرأي العام ليست موحدة على مستوى الوطن، بل تتأثر بسياقات محلية محددة.

  1. موقف الفلسطينيين تجاه خطة ترامب

بينما أيد (59%) ٪ من سكان غزة خطة ترامب بصياغتها العربية والإسلامية، لم تتجاوز نسبة المؤيدين في الضفة الغربية(39%) يعكس هذا التباين أثر التجربة الميدانية: سكان غزة عاشوا الحرب مباشرة، وتعرضوا للدمار والحصار، ما جعل أي خطة توقف العدوان وتعيد الإعمار تبدو فرصة ملموسة، أما في الضفة، فإن المخاوف من “شرعنة الاحتلال” واستمرار الاحتلال الإسرائيلي في القدس والضفة تعزز رفض الخطة، رغم تفاوت درجات الاطلاع عليها.

2. تأييد المقاومة ورفض نزع السلاح

تظهر البيانات أن رفض نزع سلاح حماس كان أعلى في الضفة (78٪) مقارنة بغزة (55%) ويبدو أن السبب الرئيسي يعود إلى شعور سكان الضفة بالحاجة إلى حماية المقاومة كضمانة للحقوق الفلسطينية، خصوصًا في ظل غياب قوات مقاومة فعلية على الأرض، بينما يعيش سكان غزة ضمن الواقع المقاوم نفسه ويشعرون بتجربة مباشرة للقدرة الدفاعية للمقاومة، مما يقلل من الشعور بالتهديد من نزع السلاح.

3. المواقف تجاه الانتخابات والتجديد السياسي

أيد (72%)  من سكان الضفة إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال عام، مقابل (54%)  في غزة. هذا الانحياز في الضفة يعكس رغبة شعبية أكبر في إعادة بناء السلطة عبر مسارات مؤسساتية، في حين تميل غزة إلى الثقة في المقاومة أو المؤسسات المحلية لإدارة شؤون القطاع.

4. الموقف من إقامة دولة فلسطينية وحدود 1967

أيد (61%) من سكان غزة إقامة دولة على حدود 1967، بينما وافق (33%) فقط من سكان الضفة، وهذه الفجوة تشير إلى أن سكان الضفة ينظرون إلى الحلول السياسية عبر عدسة المخاطر الإقليمية والسياسية على المدى الطويل، في حين يرى قطاع غزة أن الحلول العملية الفورية أكثر أولوية، في ضوء الواقع الميداني الصعب والمعاناة الإنسانية اليومية.

5. دلالات التباين الجغرافي

تظهر الفوارق الجغرافية أن:

  • قطاع غزة يركز على البعد الإنساني والمباشر للمقاومة وإعادة الإعمار، ويظهر ميلاً أكبر لتقدير الأداء العملي لحماس وإجراءاتها على الأرض.
  • الضفة الغربية تتميز بحس سياسي استراتيجي أكبر تجاه المخاطر المستقبلية، لكنها في الوقت نفسه أكثر تشاؤمًا تجاه السلطة والقدرة على تحقيق دولة فلسطينية خلال السنوات الخمس المقبلة.
  • التباين يعكس انقسامًا ليس فقط فصائليًا، بل جغرافيًا واجتماعيًا، مما يشير إلى تحديات كبيرة أمام أي مشروع سياسي فلسطيني جامع أو جهود المصالحة الوطنية.

الفوارق بين الضفة وغزة تؤكد أن توحيد الرأي العام الفلسطيني لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن الواقع الميداني والسياسي لكل منطقة، كما توضح أن أي مشروع سياسي أو إصلاحي يجب أن يأخذ بعين الاعتبار تفاوت أولويات السكان بين البعد الإنساني، الأمني، السياسي، والرمزي، لضمان شرعية فعلية تمثل جميع المكونات الفلسطينية.

إن هذا التباين يضع تحديًا استراتيجيًا للقيادة الفلسطينية: كيفية صياغة سياسة وطنية جامعة تجمع بين مصالح الضفة وغزة، وتحافظ على شرعية المقاومة وفي الوقت نفسه تعيد بناء الثقة بالمؤسسات الوطنية الرسمية.

المحور الخامس: الانعكاسات المستقبلية على النظام السياسي والمصالحة الوطنية

تشير نتائج الاستطلاع والتحليلات الميدانية إلى أن التحولات الراهنة في المزاج الشعبي الفلسطيني ستترك أثرًا طويل الأمد على مستقبل النظام السياسي الفلسطيني ومسارات المصالحة الوطنية، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، ويمكن تلخيص أبرز هذه الانعكاسات على النحو التالي:

  1. إعادة تعريف الشرعية السياسية

تشير البيانات إلى أن المقاومة، لا السلطة، باتت المصدر الأساسي للشرعية الشعبية في وعي الفلسطينيين.

  • ضعف الثقة بالرئيس محمود عباس والسلطة الرسمية (نحو 80٪ يرون السلطة فاسدة، و75–83٪ يطالبون باستقالته)
  • ارتفاع الرضا عن حركة حماس   (60%).

كل ذلك يعني أن أي مشروع سياسي مستقبلي يجب أن يراعي توازنًا بين شرعية المقاومة والسلطة الرسمية، وإلا فإن الخطر يتمثل في انفصال جمهور السلطة عن مؤسساتها بشكل كامل.

2. تأثير التحولات على الانتخابات القادمة

يدل الاستطلاع على رغبة عالية في إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، إلا أن (60%)  من الجمهور لا يثقون بقدرة السلطة على تنظيمها، وهذا يشير إلى أن الانتخابات القادمة قد تشهد صعودًا محتملًا لحركة حماس أو رموز جديدة للمقاومة، ما قد يعيد رسم خريطة التمثيل السياسي الفلسطيني بالكامل.

3. تحديات المصالحة الوطنية

الفجوات الجغرافية بين الضفة وغزة، وتباين المواقف تجاه السلطة والمقاومة وخطة ترامب، تفرض صعوبة كبيرة على إطلاق مشروع مصالحة وطنية ناجع.

  • الضفة: تميل إلى الحلول السياسية عبر المؤسسات الرسمية، لكنها أكثر تشاؤمًا بشأن تحقيق دولة فلسطينية.
  • غزة: تركز على المقاومة كضمانة للأمن والكرامة، مع ميل أكبر لتأييد المبادرات العملية على الأرض.

لذلك، فإن نجاح أي مسار للمصالحة يعتمد على قدرة الفصائل على صياغة اتفاق يوازن بين مطالب الضفة وغزة، وبين المقاومة والسلطة، ويعزز الثقة الشعبية في المؤسسات الوطنية.

4. التأثير على السياسات الدولية والإقليمية

صعود شرعية المقاومة مقابل تراجع شرعية السلطة يضع القوى الدولية والإقليمية أمام حاجة للتكيف مع واقع جديد، حيث لم تعد السلطة الفلسطينية الطرف الوحيد المؤهل لإدارة أي اتفاقات سلام أو مشاريع إعادة إعمار.

  • رفض غالبية الجمهور لأي قوة عربية مسلحة للتدخل في غزة (68٪) يرسّخ أن الدعم الدولي يجب أن يكون ضمن إطار فلسطيني وطني.
  • استمرار الانقسام الشعبي حول خطة ترامب وحلول التسوية يعقد إمكانية تمرير أي اتفاق سياسي على المستوى الإقليمي.

5. الانعكاسات على الاستقرار الداخلي

  • ارتفاع شعور الفلسطينيين بانعدام الأمن (خصوصًا في الضفة الغربية بنسبة 85٪)
  • التدهور الاقتصادي والمعيشي، مع استمرار الحصار والدمار في غزة

كل ذلك يشير إلى أن أي تجاهل للتحولات في الرأي العام قد يؤدي إلى تفاقم الاحتقان الشعبي، وربما تجدد حركات احتجاجية أو مقاومة شعبية، مع ما يترتب على ذلك من تأثير على الاستقرار الداخلي والنظام السياسي.

يمكن القول إن التحولات الأخيرة في الرأي العام الفلسطيني تعيد رسم موازين الشرعية السياسية، مع تعزيز دور المقاومة كفاعل شعبي رئيسي، وتآكل موقع السلطة التقليدية.

وتفرض هذه التغيرات تحديات مباشرة على:

  • إمكانية إجراء انتخابات نزيهة وذات مصداقية
  • إنجاح مسارات المصالحة الوطنية
  • صياغة سياسات فلسطينية متوازنة تحافظ على وحدة الموقف الداخلي وتوازن بين الضفة وغزة

وبالتالي، فإن صانع القرار الفلسطيني مطالب اليوم بـ قراءة دقيقة لهذه التحولات، وتصميم استراتيجيات تفاعلية تأخذ بعين الاعتبار مزاج الشارع، ومكانة المقاومة، وضرورة إعادة بناء المؤسسات الرسمية لتعزيز الشرعية الوطنية.

الخــلاصــة

تؤكد نتائج الاستطلاع والتحليل الميداني أن المشهد السياسي الفلسطيني يمر بمرحلة تحول هيكلية، تتميز بـ:

  1. صعود شرعية المقاومة:  أصبحت حركة حماس وخيار المقاومة المسلحة محور الثقة الشعبية، حيث يعتبرها الشارع الفلسطيني الضمانة الفعلية للحفاظ على الحقوق الوطنية والكرامة، خصوصًا بعد حرب غزة الأخيرة والتحديات المستمرة على الأرض.
  2. تآكل شرعية السلطة الفلسطينية : فقدت السلطة ومؤسساتها الثقة الشعبية نتيجة الفشل في الأداء السياسي، والفساد الإداري، والعجز عن إدارة الأزمة الوطنية، مع رغبة واضحة بين 75–83٪ من الجمهور في استقالة الرئيس محمود عباس.
  3. تباينات جغرافية وسياسية:  هناك فجوة واضحة بين الضفة وغزة في المواقف تجاه التسوية، خطة ترامب، الانتخابات، والدولة الفلسطينية، ما يعكس بيئة سياسية متعددة الأبعاد تتطلب مقاربة دقيقة ومتوازنة.
  4. تحديات المصالحة الوطنية واستدامة الاستقرار : التفاوت في أولويات الضفة وغزة، بالإضافة إلى التباين في الثقة بالمؤسسات، يضع عراقيل أمام أي مسار مصالحة وطني شامل، ويعكس حاجة ملحّة لإعادة بناء الثقة الشعبية وتعزيز الشرعية الوطنية على أسس شاملة تمثل الجميع.

الاستنتاج الرئيسي: الشرعية الشعبية في فلسطين لم تعد مقترنة بالسلطة التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بالقدرة على المقاومة والصمود الفعلي، ما يفرض على الفصائل الفلسطينية إعادة صياغة سياساتها الداخلية، وإعادة بناء المؤسسات الرسمية لتكون أكثر تمثيلًا، وأكثر استجابة لإرادة الشارع الفلسطيني.

التـــوصيـــات

  1. إعادة بناء الشرعية الوطنية للسلطة وتنفيذ إصلاحات شاملة في مؤسساتها لتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، وإشراك الجمهور الفلسطيني في مراقبة الأداء الحكومي عبر هيئات رقابية مستقلة.
  2. توحيد الموقف الفلسطيني وإطلاق مسار وطني شامل يجمع بين الضفة وغزة، ويعتمد على المقاومة والسلطة كمصدر مزدوج للشرعية، وتشكيل لجنة وطنية مشتركة تضم جميع الفصائل لإدارة القضايا الأساسية، بما في ذلك إعادة الإعمار، والتخطيط السياسي، والمصالحة.
  3. تعزيز شرعية المقاومة ضمن إطار وطني كعنصر أساسي في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، مع وضع آليات لضمان تنسيقها مع المسارات السياسية الوطنية لتجنب الانفصال عن المؤسسات الرسمية.
  4. الاستعداد للانتخابات القادمة وتهيئة بيئة انتخابية نزيهة وشفافة، مع إشراك مراقبين دوليين مستقلين، ودعم مشاركة فلسطينيين من الضفة وغزة على حد سواء لضمان تمثيل كامل للجمهور، وبناء الثقة في العملية الديمقراطية.
  5. التخطيط لاستقرار داخلي طويل الأمد وتطوير برامج اقتصادية وإنسانية عاجلة لتخفيف آثار الحصار والدمار في غزة، وتعزيز الأمن الداخلي عبر مؤسسات فلسطينية وطنية، دون الاعتماد على تدخلات خارجية عسكرية، بما يضمن إحترام إرادة الجمهور.
  6. مواجهة الانقسام الإعلامي والفكري وإطلاق حملات إعلامية توعوية تدعم الوحدة الوطنية وتشرح أهمية التوازن بين المقاومة والسلطة، وتعزيز قدرات المؤسسات الإعلامية الفلسطينية لتكون منصات حيادية لنقل الرأي العام وتمثيله بشكل دقيق.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-نوفمبر 2025

شارك:

المزيد من المقالات

قرار مجلس الأمن 2803..إدارة الانتقال أم شرعنة الاحتلال؟: قراءة سياسية واستراتيجية لغزة بعد الحرب

تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل شامل ومتوازن للقرار، من حيث السياق السياسي والقانوني، الإشكالات التفسيرية، النتائج الإيجابية والسلبية، التداعيات على القضية الفلسطينية والمشهد الإقليمي