دراسة تحليليلة-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
تتناول هذه الورقة الدور المتنامي لتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي في صياغة وتثبيت الرواية الفلسطينية، خصوصًا خلال الحرب الأخيرة على غزة، وترصد الورقة الاستخدامات المتباينة للتكنولوجيا بين الطرفين:
إذ وظّف الجيش الإسرائيلي أدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل المحتوى الرقمي الفلسطيني ورصد نقاط القوة والضعف في السرد الفلسطيني، بينما استخدم الناشطون والمؤسسات الفلسطينية الأدوات ذاتها للتحقق من المعلومات، كشف التضليل الرقمي، وإنتاج محتوى بصري مدعوم بالبيانات.
وتبرز الورقة أن الذكاء الاصطناعي أصبح ساحة جديدة للصراع على الوعي، وأن قدرته على تحليل المحتوى، ورصد التفاعل، وكشف الحسابات الوهمية جعلته عنصرًا حاسمًا في إدارة المعركة الإعلامية والمعلوماتية، سواء على مستوى كشف الروايات الزائفة أو تعزيز الثقة بالمحتوى الفلسطيني.
وتخلص الورقة إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل أصبح حليفًا استراتيجيًا للرواية الفلسطينية الرقمية، قادرًا على تعزيز مصداقيتها واستدامتها، وتحصينها أمام حملات التضليل والتزييف المتصاعدة.
مقـــدمــــة
مع تصاعد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أصبح الفضاء الرقمي منصة حيوية لتوثيق الأحداث، صياغة الرواية الفلسطينية، والتواصل مع الجمهور المحلي والدولي. وقد أظهرت الحرب الأخيرة على غزة، التي توقفت قبل شهر باتفاق وقف إطلاق النار، الدور المتزايد لتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي في كل من تحليل المحتوى الرقمي الفلسطيني، وكشف نقاط القوة والضعف في السرد الرقمي، وكذلك مواجهة التضليل الرقمي والحسابات الوهمية.
تستعرض هذه الورقة العلاقة بين التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرواية الفلسطينية الرقمية، مع التركيز على الفرص التي توفرها هذه الأدوات لتعزيز السرد الفلسطيني، والتحديات التي تواجهه في ظل التحيز الرقمي، التضليل، وضعف البنية التحتية الرقمية. كما تقدم الورقة تحليلًا معمقًا للتجارب العملية خلال الحرب الأخيرة، وتوصيات استراتيجية قابلة للتطبيق لتعزيز الرواية الفلسطينية الرقمية وضمان استدامتها بعد وقف إطلاق النار.
تهدف الدراسة إلى تقديم رؤية شاملة وقابلة للتطبيق لصناع القرار، الإعلاميين، والباحثين الفلسطينيين، حول كيفية استخدام التكنولوجيا بشكل فعال لدعم الرواية الفلسطينية، مع تعزيز مصداقيتها وتأثيرها محليًا ودوليًا، في مواجهة التحديات الرقمية المتزايدة.
استخدام التكنولوجيا خلال الحرب الأخيرة على غزة
أ. الجانب الإسرائيلي – الملاحظات ذات الصلة بالرواية الفلسطينية
- تحليل المحتوى الرقمي الفلسطيني:
استخدم الجيش الإسرائيلي أنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل محتوى وسائل التواصل الاجتماعي الفلسطيني بشكل واسع، بما في ذلك حسابات النشطاء والإعلاميين الفلسطينيين، ولم يكن هذا التحليل بهدف التدمير العسكري فحسب، بل أيضًا لفهم كيفية انتشار الرواية الفلسطينية، الموضوعات الأكثر تأثيرًا، والأساليب التي يتفاعل بها الجمهور المحلي والدولي مع السرد الفلسطيني.
- أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة:
التعرف على الصور والفيديو: تم تحليل آلاف الصور والفيديوهات المنشورة على المنصات الرقمية لتصنيفها حسب الموضوع والمكان والحدث، مع محاولة تتبع القصص الأكثر تأثيرًا على السرد الفلسطيني.
تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي : أدوات AI استخدمت لمعرفة شبكات الانتشار، الحسابات الأكثر تأثيرًا، والمواضيع الأكثر تداولًا، وهو ما يظهر بشكل غير مباشر نقاط قوة وضعف الرواية الفلسطينية الرقمية.
تصنيف المنشورات والحسابات الرقمية : تم وضع تصنيفات دقيقة للمحتوى الفلسطيني بما يعكس قدرة الرواية على التأثير، أو ضعفها أمام التضليل الرقمي.
- أبرز الآثار على الرواية الفلسطينية:
كشف نقاط الضعف في طرق السرد الرقمي، مثل الحسابات الوهمية أو المحتوى غير الموحد، مما ساهم لاحقًا في تحسين الحملات الإعلامية الفلسطينية بعد وقف إطلاق النار.
مكن من فهم كيفية تشكيل الانطباعات لدى الجمهور المحلي والدولي حول الأحداث في غزة، ما يوفر مؤشرات لتحسين استراتيجيات الإعلام الرقمي الفلسطيني.
ساهم هذا التحليل غير المباشر في إعادة بناء السرد الفلسطيني بعد الحرب، حيث يمكن للناشطين والمحررين الرقميين تعلم كيفية توجيه الرسائل بشكل أكثر تأثيرًا ووضوحًا.
الجانب الفلسطيني – تعزيز الرواية الرقمية عبر التكنولوجيا
أ. الأدوات والتقنيات المستخدمة
- التحليل الرقمي للبيانات والمحتوى:
استخدمت بعض المؤسسات الإعلامية والناشطون الفلسطينيون أدوات ذكاء اصطناعي لتحليل البيانات الرقمية، بما في ذلك المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، الصور، والفيديوهات.
الهدف: فهم كيفية تفاعل الجمهور مع الرواية الفلسطينية، تحديد الحسابات المؤثرة، واكتشاف التضليل الرقمي أو الحسابات الوهمية.
مثال: تحليل البيانات لتحديد أكثر المواضيع التي تحظى بتفاعل كبير خلال الحرب، مثل قصف المواطنين، أو استهداف المدارس والمستشفيات، لتوجيه الجهود الإعلامية بشكل فعال.
- التحقق الرقمي :
الاعتماد على أدوات AI للتحقق من الصور والفيديوهات المتداولة، بهدف منع نشر معلومات غير دقيقة قد تؤثر على مصداقية السرد الفلسطيني.
تم تطوير عمليات مطابقة الصور مع الخرائط والأقمار الصناعية للتأكد من المواقع والأحداث، ما عزز موثوقية المحتوى الرقمي الفلسطيني.
- توليد محتوى بصري ومرئي مدعوم بالبيانات:
استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء خرائط تفاعلية، إنفوغرافيكس، وفيديوهات قصيرة توثق آثار الحرب على المواطنين والبنية التحتية.
هذه المواد لم تقتصر على التوثيق فحسب، بل ساهمت في تعزيز التأثير النفسي والإعلامي لدى الجمهور المحلي والدولي.
ب. استراتيجيات الاستخدام
- توحيد السرد الفلسطيني الرقمي:
بعد الحرب، بدأ الناشطون الفلسطينيون في تنظيم المحتوى الرقمي، بما في ذلك الحسابات الرسمية، لتقديم رواية متكاملة وموثوقة.
ساعد الذكاء الاصطناعي في تصنيف المواضيع، ترتيب الأولويات، وتحديد المحتوى الأكثر تأثيرًا على الجمهور المحلي والدولي.
- رصد التضليل ومكافحة الحسابات الوهمية:
مكنت أدوات AI الفرق الفلسطينية من تحديد الحسابات المزيفة والبوتات التي تهدف إلى تشويه الرواية، وتقديم ردود دقيقة ومدروسة على المنصات.
هذا الأمر ساعد في حماية مصداقية السرد الفلسطيني، وتقليل انتشار الأخبار المزيفة أو المغلوطة.
- تعزيز الوصول الدولي:
استخدام الترجمة الآلية والتحليل متعدد اللغات لزيادة انتشار المحتوى الفلسطيني عالميًا.
أدوات AI ساعدت على رصد التفاعل الدولي مع المحتوى الفلسطيني وتحسين صياغة الرسائل وفق ثقافات وسلوكيات الجماهير المختلفة.
ج. الدروس المستفادة
- أهمية التحليل المدعوم بالبيانات : الذكاء الاصطناعي يتيح فهم أعمق لكيفية تأثير الرواية الفلسطينية على الجمهور، وتحديد الثغرات في السرد الرقمي.
- ضرورة التحقق الرقمي المستمر: كل محتوى رقمي يحتاج إلى مراجعة دقيقة باستخدام AI للحفاظ على المصداقية.
- التركيز على المحتوى البصري والمرئي: الخرائط والفيديوهات القصيرة المدعومة بالبيانات تُعزز التأثير وتزيد من وصول الرواية الفلسطينية عالميًا.
- التكامل بين الذكاء الاصطناعي والاستراتيجية الإعلامية: AI يجب أن يكون جزءًا من خطة شاملة لإدارة السرد الرقمي الفلسطيني، وليس أداة منفصلة.
المخاطر والتحديات التقنية والإعلامية من منظور الرواية الفلسطينية
أ. التحيز الرقمي وخوارزميات المنصات
- خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي:
- غالبًا ما تكون خوارزميات الفيسبوك، تويتر، تيك توك، ويوتيوب مُصممة لتفضيل المحتوى التجاري أو السياسي السائد، مما يؤدي إلى تهميش المحتوى الفلسطيني أو تقليله من الوصول.
- هذه التحيزات قد تقلل من انتشار الرواية الفلسطينية، خصوصًا عندما يكون المحتوى مستقلًا أو ينتقد الروايات الإسرائيلية السائدة.
- الآثار على السرد الفلسطيني:
- ضعف الوصول يؤدي إلى فقدان الجمهور الدولي والفاعل محليًا.
- يزيد من صعوبة قياس التأثير الحقيقي للمحتوى الفلسطيني على الرأي العام، ويجعل التخطيط الرقمي أقل دقة.
ب. التضليل الرقمي والحسابات الوهمية
- الحسابات المزيفة والبوتات:
- خلال الحرب الأخيرة، ظهرت حسابات وهمية تهدف إلى تشويه الرواية الفلسطينية أو تضليل الجمهور المحلي والدولي.
- هذه الحسابات تُستخدم لنشر معلومات مضللة أو مضللة جزئيًا عن الأحداث في غزة، ما يؤثر على مصداقية المحتوى الفلسطيني.
- الآثار على السرد الفلسطيني:
- فقدان الثقة في الحسابات الرسمية أو الناشطين المحليين.
- خلق صعوبة في تمييز الأخبار الحقيقية عن المزيفة، ما يستدعي تدخل تقني واستراتيجي سريع.
ج. التزييف الرقمي والتأثير الإعلامي
- التهديد:
- إنشاء صور وفيديوهات مزيفة يظهر فيها أحداث لم تحدث أو تغيير سياق المحتوى الحقيقي، ما يؤدي إلى تشويه الرواية الفلسطينية.
- هذه التكنولوجيا أصبحت متاحة بسهولة، وقد تستخدم لتعزيز الروايات المضادة أو الترويج للتضليل الدولي ضد الفلسطينيين.
- الاستجابة:
- استخدام الذكاء الاصطناعي للكشف عن التزييف الرقمي والتحقق من المصادر، وهو ما بدأ يتبناه بعض الناشطين والمراكز الإعلامية الفلسطينية.
د. ضعف البنية الرقمية الفلسطينية
- الموارد المحدودة:
- البنية التحتية الرقمية الفلسطينية لا توفر حماية قوية للبيانات، أو قدرة عالية على استضافة محتوى ثقيل مثل الفيديو والخرائط التفاعلية.
- المخاطر:
- فقدان المحتوى الرقمي خلال الصراعات والحروب.
- تعرض البيانات للقرصنة أو الحذف.
- الشواهد:
- وثائق وتقارير فلسطينية خلال الحرب الأخيرة تشير إلى توقف منصات رقمية عن العمل بسبب ضغط رقمي أو هجمات إلكترونية، ما أثر على استمرارية السرد الفلسطيني.
هـ. الفرص لمواجهة المخاطر
- بناء منصات رقمية فلسطينية مستقلة: السيطرة الكاملة على المحتوى، حماية البيانات، وإمكانية الوصول للجمهور المحلي والدولي.
- استخدام AI بشكل مضاد للتضليل: تحليل الحسابات الوهمية، كشف الأخبار المزيفة، والتحقق من المحتوى الرقمي بشكل مستمر.
- تعزيز الأمن الرقمي والتدريب: تدريب الناشطين والمحررين على حماية البيانات، التشفير، وإدارة المحتوى الرقمي أثناء الصراعات والحروب.
- تنظيم السرد الفلسطيني: توحيد المحتوى، وضع استراتيجيات واضحة للنشر، وزيادة فعالية الرسائل الرقمية.
و. الدروس المستفادة
- التحقق الرقمي المستمر ضرورة حيوية لحماية مصداقية السرد الفلسطيني.
- التكامل بين التحليل الرقمي والاستراتيجية الإعلامية يضمن قدرة أفضل على مواجهة التضليل الرقمي.
- بناء القدرات المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي والأمن الرقمي يمثل استثمارًا طويل الأمد في تعزيز الرواية الفلسطينية.
- رصد التحيز الرقمي العالمي يساعد على تحسين صياغة الرسائل الفلسطينية وزيادة تأثيرها على الجمهور الدولي.
الخـــلاصــــة
توضح هذه الدراسة أن تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي أصبحا أدوات مركزية في صياغة الرواية الفلسطينية الرقمية، وخلال الحرب الأخيرة على غزة، كشف الجانب الإسرائيلي نقاط ضعف السرد الفلسطيني عبر التحليل الرقمي، بينما نجح الفلسطينيون في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للتحقق من المحتوى، مواجهة التضليل الرقمي، وتعزيز وصول رسائلهم محليًا ودوليًا.
تشير النتائج إلى أن الاستثمار في منصات رقمية فلسطينية مستقلة، أدوات ذكاء اصطناعي مخصصة، والمحتوى الرقمي البصري المدعوم بالبيانات يمثل استراتيجية حاسمة للحفاظ على المصداقية، توسيع التأثير، واستدامة السرد الفلسطيني، والتركيز على توحيد السرد، بناء القدرات المحلية، ورصد التضليل الرقمي بشكل مستمر يضمن قدرة الفلسطينيين على مواجهة التحديات الرقمية وتعزيز حضورهم الدولي بعد الحرب ووقف إطلاق النار.
التـــوصيــــات
- إنشاء منصات رقمية فلسطينية مستقلة واستضافة جميع المحتويات الرقمية الفلسطينية: المقالات، الفيديوهات، الخرائط التفاعلية، والإنفوغرافيكس.
- حماية البيانات والمصادر الرقمية من الحذف أو القرصنة، وضمان استمرارية نشر السرد الفلسطيني.
- تطوير أدوات ذكاء اصطناعي فلسطينية مخصصة وكشف الحسابات الوهمية والبوتات المضللة والتحقق الرقمي من الصور والفيديوها وتحليل بيانات وسائل التواصل لتحديد المواضيع الأكثر تأثيرًا والجمهور المستهدف.
- تعزيز الأمن الرقمي والبنية التحتية وتشفير البيانات، النسخ الاحتياطية الدورية، وتأمين المنصات الرقمية الفلسطينية ضد الهجمات أو محاولات التلاعب.
- توظيف الذكاء الاصطناعي في الإعلام الرقمي الفلسطيني وتوليد محتوى بصري وسمعي دقيق، خرائط تفاعلية، وفيديوهات قصيرة مدعومة بالبيانات وتحسين قدرته على المنافسة مع السرد المضاد على المنصات العالمية.
- توحيد السرد الرقمي ودمج الحسابات الرسمية والمستقلة ضمن استراتيجية واحدة لتجنب التناقضات، وتعزيز المصداقية، وتحديد أولويات المحتوى حسب التفاعل والجمهور المستهدف.
- رصد وتحليل التضليل الرقمي وإنشاء وحدة مختصة لرصد الحسابات المزيفة والمحتوى المضلل على مدار الساعة، مع تقديم ردود سريعة ومدروسة.
- دعم البحث والتطوير في الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي وتمويل الدراسات الأكاديمية والمبادرات التقنية الفلسطينية لتطوير أدوات AI متقدمة ومخصصة للشأن الفلسطيني.
- بناء قدرات الشباب الفلسطيني وتدريبهم على الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات، التحقق الرقمي، وإنشاء محتوى رقمي موثوق.
- استخدام التحليل متعدد اللغات والذكاء الاصطناعي لرصد الإعلام العالمي وكشف التحيز، ونشر الرواية الفلسطينية بشكل دقيق وموثوق.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية–نوفمبر 2025



