دراسة تحليلية-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
بعد وقف إطلاق النار، طُرح مشروع قوة دولية مؤقتة في غزة لتثبيت الهدنة وإدارة إعادة الإعمار والممرات الإنسانية.
وتقترح المسودة الأميركية تقترح تفويضًا أوليًا لعامين قابل للتمديد، مع مهام أمنية تشمل مراقبة الحدود، حماية الممرات الإنسانية، نزع السلاح، وتفكيك البنى العسكرية، إضافة إلى مهام مدنية وإدارية عبر لجان فلسطينية مؤقتة تحت إشراف دولي.
ويحمل المشروع مخاطر تحويل القوة إلى وصاية دائمة، مع تقييد دور السلطة الفلسطينية وربط المساعدات بالضغط السياسي والأمني، مما يعيد هندسة المشهد السياسي والأمني في غزة.
والسيناريوهات المتوقعة: نجاح محدود: وجود القوة والمراقبة جزئي، فشل المشروع: استمرار الفراغ الأمني، صعود الفاعلين المحليين، وصاية مطوّلة: تمديد التفويض، توسع الصلاحيات، تهميش المؤسسات الفلسطينية.
والتوصيات الأساسية: تشكيل مرجعية فلسطينية موحدة لإدارة الملف الوطني، ورفض أي وصاية أمنية أو إدارية، مع إشراف داعم فقط، وربط المساعدات الدولية برفع الحصار الكامل عن القطاع، وحملة إعلامية فلسطينية–عربية لتوضيح مخاطر المشروع وفضح أهدافه السياسية.
مقــدمــــة
في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار، ظهر مشروع نشر قوة دولية مؤقتة في غزة، ليس نتيجة تفاهمات داخلية فلسطينية، بل كاستجابة دولية لتثبيت الهدنة وفتح الممرات الإنسانية. يرتبط المشروع بمقترحات إشراف دولي على إعادة الإعمار، وإنشاء آليات فلسطينية مؤقتة لإدارة القطاع، وهو ما يطرح فرصًا لتثبيت الهدنة، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حاسمة حول شرعيته وفاعليته، واحتمالات تحوله إلى وصاية مطوّلة على غزة.
تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة متعمقة للمشروع، بدءًا من جذوره وأطواره، مرورًا بمضمون المسودة الأميركية والمهام الموكلة للقوة، وصولًا إلى تقييم المآلات القانونية والسياسية والأمنية، كما تقدم الورقة توصيات لتعزيز سيادة القرار الوطني وحماية الحقوق الفلسطينية، مع مراعاة الأبعاد الإقليمية والدولية.
خلفية المشروع: الجذور والأطوار
أ. الجذور السياسية: من فكرة “الإدارة الدولية لغزة” إلى مشروع “القوة الدولية”
تعود فكرة إدارة غزة عبر ترتيبات دولية أو وصاية متعددة الأطراف إلى ما قبل الحرب بسنوات، إذ ظهرت أولى ملامحها في سياقات النقاش الغربي حول “اليوم التالي لحماس”، وتحديدًا منذ عام 2018 حين ناقشت مراكز أبحاث أميركية (مثل The Washington Institute و(CSIS تصوّرات لإعادة هيكلة الحكم في القطاع عبر “قوة عربية – دولية مشتركة” تُشرف على الأمن والإغاثة وإعادة الإعمار.
لاحقًا، ومع إدارة الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب (2017–2021)، اكتسبت الفكرة بُعدًا سياسيًا في إطار ما سُمّي بـ “صفقة القرن”، حيث جرى الحديث عن فصلٍ وظيفي لغزة وإقامة “منطقة آمنة” تحت إشراف إقليمي – دولي، تتولى فيها أطراف عربية التمويل والإدارة الميدانية، مقابل تطبيعٍ تدريجي مع الكيان الإسرائيلي وعلى الرغم من فشل الصفقة سياسيًا، فإنها أرست الأساس المفهومي لفكرة تدويل إدارة القطاع واعتبار غزة مجالًا قابلًا للإدارة عبر وكلاء إقليميين تحت المظلة الأميركية.
بعد حرب مايو 2021 “سيف القدس”، أعيد إحياء النقاش داخل دوائر الأمن الإسرائيلية والأميركية حول “الحل المؤقت طويل الأمد”، وتضمّنت دراسات إسرائيلية (مثل تقارير مركز دراسات الأمن القومي INSS) مقترحات لقوة “رقابة دولية” تتولى مراقبة إعادة الإعمار ونزع السلاح الثقيل، مع الإبقاء على سلطة فلسطينية مدنية محدودة الصلاحيات. يمكن اعتبار هذه المقترحات النواة الأولى للمسوّدة الأميركية الراهنة التي طُرحت في مجلس الأمن بعد حرب الإبادة.
ب. التحوّل بعد الحرب: من فكرة الإدارة إلى أداة ضبط أمني
أدّت حرب الإبادة الأخيرة على غزة (2023–2025) إلى انهيار شبه كامل للبنية الإدارية والأمنية، وانكشاف العجز الدولي في حماية المواطنين الفلسطينيين العُزل وضمان وصول المساعدات، وهذا الفراغ، إضافة إلى ضغطٍ متزايد من الدول المانحة (خاصةً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي)، جعل فكرة القوة الدولية تنتقل من إطارها النظري إلى صيغة عملية تتضمن:
- قوة أمنية دولية محدودة التفويض تعمل في محاور ومناطق محددة، وتُفوَّض بضمان الأمن في الممرات الحدودية والإنسانية.
- هيئة إشرافية مدنية تحمل أسماء مختلفة في التسريبات مثل “مجلس السلام” أو “الهيئة المؤقتة لغزة”، تتولى تنسيق المساعدات والإعمار.
- إدارة تقنية فلسطينية مؤقتة تُختار بالتوافق مع الأطراف الإقليمية (مصر وقطر)، وتعمل تحت رقابة مباشرة من بعثة الأمم المتحدة.
بهذا، لم تعد الفكرة مقترحًا سياسيًا لتقاسم الأدوار، بل تحوّلت إلى أداة ضبط أمني وتنظيم مدني تحت إشراف دولي، تمهّد عمليًا لإعادة هيكلة المشهد الفلسطيني في غزة وإضعاف مركزية القرار الوطني.
مضمون المشروع المقترح: التفويض، المهام، وبنية القيادة
أ. التفويض الزمني والإطار العام
تُشير المسوَّدة الأميركية – بحسب ما تسرّب إلى وسائل الإعلام الدولية ودوائر الأمم المتحدة في نيويورك – إلى تفويض أولي مدته عامان قابلاً للتمديد حتى نهاية 2027، تحت مسمى “قوة الاستقرار المؤقتة في غزة”، ويُبرَّر هذا التفويض بذرائع “حماية المدنيين” و”تهيئة بيئة آمنة لإعادة الإعمار”، إلا أن الصياغة تترك مجالًا مفتوحًا للتمديد “وفق مقتضيات الميدان”، ما يجعلها عمليًا قوة مفتوحة المدى قابلة للتحوّل إلى صيغة وصاية مطوّلة كما حدث في تجارب سابقة (كوسوفو، تيمور الشرقية، جنوب لبنان).
اللافت أن المسوّدة لا تُلزم الأطراف بتحديد جدول زمني لانسحاب القوة أو تسليم المهام إلى سلطة فلسطينية منتخبة، ما يفتح الباب أمام تأبيد الوجود الدولي تحت غطاء إنساني – أمني.
ب. المهام الأمنية: بين نزع السلاح وتأمين الممرات
- ضبط الحدود والمنافذ مع مصر والكيان الإسرائيلي عبر إنشاء “نقاط مراقبة دولية” تعمل بالتنسيق مع قوات الاحتلال والجانب المصري، وتُشرف على حركة الأفراد والبضائع.
يُعيد هذا البند عمليًا صياغة السيطرة على معبر رفح والمناطق الجنوبية في إطارٍ أمني دولي، ويمنح الكيان الإسرائيلي قدرة رقابية غير مباشرة.
2. حماية الممرات الإنسانية الممتدة من معبر كرم أبو سالم مرورًا بمحاور توزيع المساعدات، عبر تشكيل “مناطق أمنية مؤقتة” تُمنع فيها الأنشطة العسكرية المحلية.
ومستمد المفهوم هنا من تجارب الملاذات الآمنة التي أثبتت تجاربها أنها قابلة للتسييس والتحوّل إلى مناطق عازلة.
3. تفكيك البنى العسكرية الهجومية والمنشآت التابعة للفصائل عبر آلية رقابة تقنية ميدانية مدعومة بوحدات استطلاع وتفتيش، مع تفويضٍ صريح باستخدام القوة “عند الحاجة”.
وتضع هذه الصيغة القوة الدولية في موقع اشتباك مباشر محتمل مع المقاومة الفلسطينية، وتحوّلها إلى طرفٍ في الصراع لا مراقبٍ محايد.
4. مصادرة الأسلحة الثقيلة والمتوسطة وتخزينها في مواقع تحت إشراف أممي، على أن يُمنع أي نشاط تسليحي خارج “القوة النظامية المحلية” التي قد تُشكَّل لاحقًا.
و هذا الإجراء، إذا طُبّق دون توافق وطني، يُعدّ عمليًا نزعًا أحاديًا للسلاح الفلسطيني.
ج. المهام المدنية والإدارية: من إعادة الإعمار إلى إدارة مؤقتة
- الإشراف على إعادة الإعمار بتمويل من الدول المانحة (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، قطر، اليابان)، وربط التمويل بمدى التزام الإدارة المحلية بشروط الأمن والاستقرار.
هنا يظهر الربط السياسي بين المساعدات ونزع السلاح، وهو ما قد يُستخدم كأداة ضغط لإعادة تشكيل البيئة الحاكمة في غزة.
2. تشكيل لجنة إدارية/تقنية فلسطينية مؤقتة تُختار بالتشاور مع الأمم المتحدة ومصر وقطر، وتُمنح صلاحيات خدمية دون سلطات سيادية.
عمليًا، يُستبدل بها أي تمثيل سياسي فلسطيني مباشر، لتصبح إدارة خدماتية بلا هوية سياسية.
3. إنشاء هيئة إشراف عليا تُعرف في بعض الوثائق بـ”مجلس السلام لغزة”، تضم ممثلين عن الدول المشاركة ومندوبًا أمميًا رفيعًا، تكون مسؤولة أمام مجلس الأمن عن سير العمليات الأمنية والمدنية.
يُمكن اعتبارها الذراع السياسية للقوة الدولية، أي سلطة وصاية بغطاء قانوني.
د. بنية القيادة والتشكيل العسكري
تتضمن المسودة هيكل قيادة موحّد، تحت إشراف مبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة، وقيادة عمليات ميدانية متعددة الجنسيات. وقد أُشير في المشاورات الجانبية إلى احتمال مساهمة عدد من الدول، منها:
دول ذات دور إقليمي مباشر: مصر وقطر، في أدوار إشراف وتنسيق لوجستي دون مشاركة ميدانية واسعة.
دول إسلامية محايدة نسبيًا : إندونيسيا، أذربيجان، وتركيا (مع اعتراضٍ إسرائيلي على مشاركتها).
دول خليجية : الإمارات وربما البحرين، في أدوار تمويل وتدريب.
شركاء غربيون: الولايات المتحدة، بريطانيا، كندا، والاتحاد الأوروبي، لتوفير الغطاء السياسي والاستخباري.
هذا التنوع المقترح يمنح القوة شرعية متعددة الأطراف ظاهريًا، لكنه يعكس عمليًا تحالفًا أمنيًا تحت القيادة الأميركية، بما يعيد إنتاج نموذج “التحالف الدولي ضد الإرهاب” بصيغة فلسطينية، حيث تُمزج المهام الإنسانية بالأهداف الأمنية والسياسية.
هـ. قراءة في الدلالات
من خلال تحليل بنود المشروع، يتضح أنه لا يقوم على منطق حفظ السلام التقليدي، بل على منطق “فرض الاستقرار” الذي استخدمته واشنطن في أفغانستان والعراق، وهذا يعني أن جوهر القوة ليس الحياد أو الفصل بين طرفين، بل تغيير البيئة الأمنية والسياسية في غزة بما يتناسب مع شروط الكيان الإسرائيلي وحلفائهه.
بالتالي، يمكن وصفه بأنه مشروع إعادة هندسة سياسية – أمنية للقطاع بوسائل دولية، أكثر منه مبادرة إنسانية أو خطوة لإعادة الإعمار.
التحليل البنيوي للمشروع: الغايات غير المعلنة
بفحص بنود المسوَّدة وتوزيع الصلاحيات والمهام نميز بين ما هو معلَن (حماية المدنيين، إعادة الإعمار) وما هو محتمل كغاية استراتيجية (إعادة هندسة الأمن والسياسة في غزة)، والكشف عن هذه الغايات لا يقل أهمية عن قراءة نصوص المسودة؛ إذ يبيّن كيفية ترجمة البنود إلى سياسات على الأرض، وما الذي يستلزمه ذلك من آليات تنفيذ وسياسات رقابية.
- غاية: تحويل غزة إلى “منطقة منزوعة السلاح” — كيف ولماذا؟
آليات التنفيذ المحتملة:
- تعريف تشغيلي واسع لمفهوم “الأسلحة الهجومية” يشمل أجزاءً من القدرات التي تعتمدها الفصائل (صواريخ، منصات إطلاق، مخازن لوجستية).
- حملات تفتيش ميدانية مفصّلة، تليها مصادرة أو نقل مخزون السلاح إلى مواقع تخزين دولية.
- ربط فتح خطوط مساعدات وإعادة إعمار بمقاييس التقدم في نزع السلاح.
الدوافع غير المعلنة:
- تقليل القدرة العسكرية التي تُشكّل تهديدًا للكيان الإسرائيلي على المدى المتوسط، وتحويل منطق الردع داخل القطاع إلى تبعية أمنية دولية.
- تحويل مسألة الأمن من مسؤولية فلسطينية إلى سلطة دولية/إقليمية تُمكّن من فرض قيود سياسية لاحقة.
مخاطر ونتائج متوقعة:
- تفجير احتجاجات شعبية ومقاومة مسلحة محلية إذا ما طُبّق النزع بالقوة.
- شرعنة دور إسرائيلي غير مباشر في مراقبة الحدود عبر قنوات دولية.
2. غاية: خلق هيكل إداري بديل يعيد تشكيل السلطة المحلية
آليات التنفيذ المحتملة:
- إنشاء لجنة إدارية تقنية ذات صلاحيات تنفيذية واسعة تتولى الخدمات الحيوية (المناطق العمرانية، التوظيف العام، إدارة المساعدات)، مع استبعاد رسمي للهيئات السياسية القائمة.
- اعتماد آلية اختيار أعضاء هذه اللجنة عبر مشاورات إقليمية ودولية لا تتطلب انتخابات محلية.
الدوافع غير المعلنة:
- تفكيك البنى السياسية التقليدية في غزة وفرض سلطة إدارية مؤقتة تُمكّن من إعادة تركيبها لاحقًا وفق أجندات خارجية (تقليص دور حماس، تعزيز فصائل أو شخصيات مقبولة دوليًا).
- خلق مسوغات لقيود سياسية وقانونية على مكونات المقاومة (حصر دورها بعيدًا عن القرار المدني).
مخاطر ونتائج متوقعة:
- فقدان الشرعية المحلية للهيئة الإدارية ما يعرقل إعادة الإعمار ويزيد الاعتماد على المساعدات الخارجية المربوطة بشروط.
- تعميق الانقسام مع الضفة إذا لم تُصاغ الصيغ بشكل يربط غزة بالمرجعيات الوطنية.
3. غاية: تأبيد النفوذ الإقليمي والدولي عبر آليات التمويل والرقابة
آليات التنفيذ المحتملة:
- وضع شروط مسبقة للجهات المانحة (شفافية، تقارير مرحلية، رقابة خارجية) تربط تحويل الأموال بشروط سياسية وأمنية محددة.
- إسناد مشاريع إعادة الإعمار إلى شركات ومؤسسات دولية تُسيطر عليها الدول الكبرى أو حلفاؤها، ما يزيد تبعيتها السياسية.
الدوافع غير المعلنة:
- تحويل مورد إعادة الإعمار إلى أداة ضغط سياسية لتغيير السلوك السياسي المحلي.
- خلق شبكة علاقات اقتصادية جديدة تخضع لشروط الدول المانحة، تقلّص القدرة المحلية على الاستقلال الاقتصادي والسياسي.
مخاطر ونتائج متوقعة:
- استبعاد القطاع الخاص المحلي، وارتفاع الاحتقان الاجتماعي بسبب البطء أو التمييز في التوزيع.
- تحول المساعدات إلى سلاح سياسي يُستخدم لفرض شروط إصلاحية إدارية وسياسية.
4. غاية: إعادة هندسة الأمن عبر تدريب قوة شرطية محلية تحت إشراف خارجي
آليات التنفيذ المحتملة:
- برامج تدريب وإعادة هيكلة للشرطة المحلية بقيادة دولية (مصر، الأردن، الولايات المتحدة)، مع مناهج تدريبية تفرض معايير عمل وأدوار أمنية محددة.
- دمج أو استيعاب للقوى المحلية تحت شروط انتقائية (فحص خلفيات، مقاييس ولاء).
الدوافع غير المعلنة:
- إنشاء جهاز أمني محلي مُعاد تشكيله يخدم نمط إدارة يحدّ من قدرة فصائل المقاومة على التأثير في الأمن العام.
- خلق آلية أوسع للرقابة على المجتمع المدني والنشاط السياسي تحت ستار “الاستقرار”.
مخاطر ونتائج متوقعة:
- رفض شعبي أو مقاطعة من فصائل لن تُدمَج، ما يؤدي لظهور أجهزة موازية.
- استهداف هذه القوة لاحقًا باعتبارها عميلة لمصالح خارجية، ما يزيد انقسام المجتمع.
5. غاية: تحويل القوة الدولية إلى آلية ضغط جيوسياسية بين دول المنطقة
آليات التنفيذ المحتملة:
- استغلال تفاوت المشاركات الوطنية (مَن يشارك ومَنْ يرفض) لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية حول غزة (تقوية نفوذ دول دون أخرى).
- استخدام ملف المشاركة كوسيلة تفاوض إقليمي على ملفات أخرى (سوريا، لبنان، الاتفاقات الخليجية).
الدوافع غير المعلنة:
- جعل غزة ساحة نفوذ إقليمي تُستخدم كورقة تفاوضية بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، بما يبعد القضية الفلسطينية عن الأولوية الوطنية.
مخاطر ونتائج متوقعة:
- إبقاء الملف الفلسطيني رهينة مصالح دولية وإقليمية بعيدة عن مصالح الفلسطينيين.
- خلق تنازع بين الدول الجارة يؤدي إلى مزيد من التعقيد السياسي واللوجستي في تنفيذ المشروع.
التحليل البنيوي يظهر بوضوح أن بنود المسوّدة تُولد أكثر من نتيجة آنية؛ فهي تفتح آفاقًا لإعادة هندسة المشهد السياسي والأمني في غزة بآليات تبدو تقنية أو إنسانية لكنها تحمل أبعادًا سيادية وسياسية، ويعتمد الحدّ الفاصل بين مشروع استقرار حقيقي ومشروع وصاية مؤقتة على ثلاثة عناصر حاسمة:
- وجود مرجعية فلسطينية موحّدة ومقبولة دوليًا.
- نص أممي/قانوني دقيق يحدّد الصلاحيات والجداول الزمنية وآليات المساءلة.
- آليات رقابة شفافة (مالية، مدنية، قضائية) تشارك فيها مؤسسات فلسطينية مستقلة ومنظمات مجتمع مدني.
تحليل المآلات: السيناريوهات المعيارية الثلاثة
السيناريو الأول: نجاح محدود ومشروط
يحظى المشروع بتمرير أممي بعد تعديلات تفاوضية، فتُنشر قوة متعددة الجنسيات بقدرة تشغيلية متوسطة تقتصر على مناطق محددة (المعابر، محيط المدن المدمّرة، الممرات الإنسانية)، وتبدأ لجنة إدارية تقنية فلسطينية بالعمل تحت إشراف دولي جزئي، ويُستأنف الإعمار بتمويل خاضع للرقابة، مع مؤشرات على عودة تدريجية للسلطة الفلسطينية ضمن اتفاق أوسع برعاية مصرية – أميركية.
النتائج المحتملة:
- تحسّن نسبي في الوضع الإنساني والأمني على المدى القصير.
- بقاء السلطة الفلسطينية في موقع رمزي لا فعلي، ما يجعل “العودة” شكلية وغير مكتملة.
- استمرار القيود الأمنية على فصائل المقاومة واحتواء تدريجي للبنية التنظيمية في غزة.
الدلالات:
هذا السيناريو يُحقق بعض أهداف المجتمع الدولي في ضبط الأمن ومنع عودة التصعيد، لكنه لا يُعالج جوهر المشكلة السياسية الفلسطينية ولا يضمن استعادة السيادة الوطنية الفعلية، بل يؤسس لمرحلة “إدارة مزدوجة” بين سلطة شكلية ووصاية مقنّعة.
السيناريو الثاني: تجميد أو فشل المشروع
تفشل المسوّدة الأميركية في الحصول على تفويض أممي بسبب اعتراضات روسية – صينية أو تحفظات إقليمية واسعة، فيتوقف المشروع في مرحلة التفاوض، ولا تُنشَر القوة الدولية، وتبقى غزة في وضع فراغ أمني هش، تُملأ جزئيًا بترتيبات ميدانية مؤقتة تقودها مصر وقطر والأمم المتحدة، دون إطار سياسي جامع.
النتائج المحتملة:
- استمرار الوضع الإنساني المتدهور وتعثر الإعمار بسبب غياب آلية تنفيذية.
- تصاعد دور الفاعلين غير الرسميين (فصائل، عائلات، منظمات محلية) في إدارة الشأن العام.
- عودة تدريجية لخطاب المقاومة بوصفه بديلاً عن “مشروع وصاية فاشل”.
الدلالات:
رغم فوضوية هذا السيناريو، إلا أنه قد يخلق فرصة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني داخليًا عبر توافق وطني، إن استُثمر الفراغ لبلورة قيادة موحدة تتعامل مباشرة مع المجتمع الدولي دون وصاية خارجية.
السيناريو الثالث: تحوّل القوة إلى وصاية مطوّلة
يبدأ المشروع كقوة استقرار مؤقتة لكنه يتحول تدريجيًا إلى صيغة وصاية دائمة بفعل تمديد التفويض وتوسيع الصلاحيات الإدارية والمالية. تترسخ البنية الدولية في إدارة الأمن والمساعدات، وتغدو غزة تحت “إدارة انتقالية” مفتوحة، بينما يتم تهميش المؤسسات الفلسطينية، ويتكرّس الانفصال عن الضفة الغربية إداريًا وسياسيًا.
النتائج المحتملة:
- فقدان القطاع لجزء من سيادته السياسية والقانونية تحت مبرر “الحماية” .
- إعادة تشكيل النخبة الإدارية المحلية وفق معايير القبول الدولي.
- إضعاف فكرة الوحدة الوطنية، وتحويل غزة إلى ساحة نفوذ إقليمي ودولي مستمر.
الدلالات:
هذا السيناريو هو الأخطر استراتيجيًا لأنه يُعيد إنتاج نموذج “الوصاية الدولية” التي تُشرعن نزع السيادة تحت غطاء الاستقرار، ويفتح الباب أمام تفكك المشروع الوطني الفلسطيني على المدى البعيد.
العامل الحاسم بين السيناريوهات
يبقى وجود مرجعية فلسطينية موحّدة ومقبولة داخليًا وإقليميًا هو المحدِّد الأبرز لأي مسار، فغيابها يعني ترك الساحة مفتوحة أمام تدخل خارجي متزايد، بينما يتيح تشكيل قيادة شرعية ومتوافق عليها إمكانية ضبط حدود التفويض الدولي وضمان ألا يتحوّل إلى وصاية أو إدارة بديلة. كما أن الرقابة الدولية الشفافة على المهام والتمويل تمثّل صمام أمان قانوني وسياسي لمنع تسييس مهمة القوة أو استغلالها لمصالح ضيقة.
الخــلاصــــة
تشكّل ترتيبات ما بعد الحرب في غزة، بما في ذلك مشروع نشر قوة دولية، اختبارًا حاسمًا لإرادة الأطراف الفاعلة وقدرتها على ترجمة الشعارات إلى وقائع ميدانية، فالمشهد الراهن يكشف عن صراع إرادات أكثر منه توافق مصالح: الولايات المتحدة تسعى لتكريس معادلة “الهدوء مقابل الإعمار” لتثبيت واقع أمني يخدم الكيان الإسرائيلي، بينما تحاول الأخيرة إعادة هندسة المشهد الفلسطيني وفق صيغة تضمن تفكيك المقاومة وإضعاف السلطة في آن واحد.
في المقابل، تدرك الفصائل الفلسطينية أن جوهر المعركة لم ينتهِ، وأن أي ترتيبات لا تضمن السيادة الوطنية والأمن الذاتي ستكون استمرارًا للحرب بأدوات أخرى، أما السلطة الفلسطينية، فهي أمام مفترق طرق بين استعادة شرعيتها عبر مسار وطني توافقي، أو التحول إلى أداة في مشروع الوصاية.
إقليمياً، تسعى مصر وقطر لتجنيب القطاع فوضى أمنية أو احتلالاً مقنّعًا، فيما تتعامل العواصم العربية مع الملف وفق توازنات دقيقة بين الضغوط الأميركية والمصالح الداخلية، وهكذا، تبدو كل صيغة دولية بلا غطاء وطني فلسطيني محكومة بالفشل، لأن الواقع الميداني والسياسي لا يسمح بفرض حلول من الخارج.
إنّ مستقبل غزة لن يُحسم في أروقة الأمم المتحدة أو في غرف التفاوض المغلقة، بل في توازن الإرادات على الأرض، وكل مشروع يتجاهل جذور الصراع المتمثلة في الاحتلال والعدوان، أو يتعامل مع المقاومة كـ”مشكلة أمنية”، سيعيد إنتاج الأزمة لا إنهاءها.
التوصيــات
- تشكيل مرجعية وطنية موحّدة ومؤقتة تضم ممثلين عن الفصائل والقوى المجتمعية والخبراء، تكون مهمتها إدارة ملف ما بعد الحرب ورفض أي ترتيبات دولية تُفرض خارج الإجماع الفلسطيني.
- إطلاق مبادرة فلسطينية موازية لتحديد شكل الإعمار والإدارة المدنية والأمنية في غزة، بما يسبق أو يوازي أي مشروع خارجي، لتجنّب فرض “حل جاهز” من الأطراف الدولية.
- تحصين الجبهة الداخلية سياسيًا وإعلاميًا ضد محاولات الاختراق أو التفتيت عبر تنسيق المواقف بين القوى الفلسطينية بشأن ملف القوة الدولية ونزع السلاح.
- رفض مبدأ الوصاية الأمنية أو الإدارية، والمطالبة بدور فلسطيني مركزي في أي آلية أمنية أو إنسانية، على أن يكون الإشراف الدولي داعمًا لا بديلاً للقرار الوطني.
- تفعيل الدورين المصري والقطري كضامنين لأي ترتيبات انتقالية في غزة، مع تثبيت أن أي وجود دولي يجب أن ينسق مع الدولتين وليس يتجاوزهما.
- بلورة موقف عربي جماعي في جامعة الدول العربية يحدد الخطوط الحمراء لأي تدخل دولي في غزة، ويربط إعادة الإعمار بإنهاء الاحتلال ورفع الحصار لا بتجريد المقاومة.
- مطالبة الأمم المتحدة بإطار زمني واضح وملزم لأي وجود أمني دولي في غزة، يمنع تحوله إلى وصاية مفتوحة أو إدارة موازية.
- إدراج بند حماية المدنيين وملاحقة جرائم الحرب ضمن أي تفويض دولي، لضمان أن لا تتحول القوة المقترحة إلى غطاء سياسي أو أمني للكيان الإسرائيلي.
- اشتراط ربط أي دعم مالي دولي لإعادة الإعمار برفع الحصار الكامل عن القطاع، وعدم السماح بتوظيف التمويل كأداة ضغط سياسي.
- إطلاق حملة إعلامية فلسطينية–عربية منسّقة لتوضيح مخاطر مشروع “القوة الدولية”، وفضح أهدافها السياسية في تكريس الانقسام وإلغاء المقاومة.
- توظيف مراكز الدراسات ووسائل الإعلام لإنتاج رواية مهنية تفضح ازدواجية المعايير الدولية وتبرز التناقض بين الخطاب الإنساني الغربي والممارسة الميدانية.
- إعداد أوراق ضغط قانونية وإعلامية مشتركة ترفع إلى الأمم المتحدة والبرلمانات الغربية لتأكيد أن أي قوة تُنشر في غزة يجب أن تعمل وفق إرادة الفلسطينيين وتحت رقابة دولية شفافة.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-نوفمبر 2025



