تقييد العمل الإنساني في غزة: قراءة قانونية وسياسية في منع 37 منظمة دولية

دراسة تحليلية-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي

في أواخر ديسمبر 2025، بدأت الحكومة الإسرائيلية العمل على إلغاء تراخيص العمل لـ 37 منظمة إغاثية دولية في غزة بعد عدم امتثالها لمتطلبات تسجيل جديدة تشمل تقديم بيانات الموظفين والمصادر التشغيلية، مع فرض مهلة لإنهاء أنشطتها بحلول مارس 2026، ويستهدف القرار جهات بارزة مثل أطباء بلا حدود، المجلس النرويجي للاجئين، وWorld Vision، وقد أثار إدانة دولية من الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي باعتباره إجراءً يعرض المبادئ الأساسية للعمل الإنساني للخطر.

القرار يندرج ضمن تحديات أوسع للوصول الإنساني في سياق النزاع في غزة، ويُنظر إليه على أنه يقوّض قدرة المنظمات على تقديم خدمات حيوية في الصحة والغذاء والحماية.

المنظمات المتأثرة ترى أن شروط التسجيل تمثل تهديدًا لاستقلالها وخصوصية موظفيها، بينما تقول الحكومة الإسرائيلية إنها تهدف إلى منع “استغلال المساعدات” لأغراض أمنية.

القرار يعمّق الفجوة الإنسانية في قطاع غزة ويحفز دعوات دولية لرفع القيود وضمان استمرار العمل الإنساني دون عرقلة.

مقــدمــــة

في سياق الحروب المعاصرة، يظل العمل الإنساني الدولي من أهم الدعائم التي يرسّخها القانون الدولي لحماية المدنيين وضمان كرامتهم في ظل الحرب وعدم الاستقرار، ويستند هذا الإطار إلى مجموعة من القواعد القانونية الدولية، أبرزها اتفاقيات جنيف عام 1949 ومعايير القانون الدولي لحقوق الإنسان، التي تُلزم أطراف النزاع، وخاصة القوة القائمة بالاحتلال، بضمان وصول الإغاثة الأساسية إلى السكان المدنيين دون عرقلة أو تمييز، مع احترام مبادئ الحياد والاستقلال وعدم التحيّز.

تواجه هذه المبادئ اختبارًا حقيقيًا في قطاع غزة، حيث يتفاقم الوضع الإنساني بشكل حاد نتيجة الحرب الممتدة منذ أكتوبر 2023 والتدمير الواسع للبنية التحتية ونقص الخدمات الأساسية، وفي هذا السياق، أثار قرار السلطات الإسرائيلية خلال ديسمبر 2025 – يناير 2026 بمنع عمل 37 منظمة دولية إذا لم تمتثل لمتطلبات تسجيل وأمن جديدة، جدلاً واسعًا على المستويات القانونية والسياسية والإنسانية، وتقول مصادر دولية إن هذا القرار يهدد قدرة العديد من المنظمات المعنية بتقديم مساعدات حيوية في مجالات الصحة والغذاء والمياه والرعاية الطارئة، وقد يُفاقم الأزمات الغذائية والصحية في غزة.

يشكل هذا القرار تجسيدًا لصدام محتمل بين السيادة الأمنية للدولة القائمة بالاحتلال والالتزامات الإنسانية التي يفرضها القانون الدولي، ما يجعل من دراسة تداعياته القانونية والسياسية والإنسانية ضرورة ملحّة لفهم هذا النموذج من تقييد العمل الإنساني وكيفية التعامل معه على المستويات المحلية والدولية.

تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليلية قانونية وسياسية معمّقة لقرار منع عمل المنظمات الدولية في غزة، من حيث مدى توافقه أو تعارضه مع مبادئ القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وآثاره على واقع العمل الإنساني، إضافة إلى التداعيات السياسية والاستراتيجية المحتملة في سياق النزاع الأوسع، مع تقديم استنتاجات وتوصيات عملية تهدف إلى حماية المبادئ الإنسانية وضمان فعالية الاستجابة لحالة الأزمة الراهنة.

أولًا: الإطار القانوني الدولي – التزامات الاحتلال لا صلاحياته

يُعدّ القانون الدولي الإنساني، إضافةً إلى قواعد القانون الدولي لحقوق الإنساني، الإطار القانوني الملزم الذي ينظم سلوك الدول والأطراف المتنازعة أثناء النزاعات المسلحة، ويضع التزامات صريحة لحماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية لمَن يحتاجها.

أ. القانون الدولي الإنساني – مصادره وتطبيقه على الاحتلال

  1. اتفاقيات جنيف الأربع 1949 هي الأساس القانوني الأهم في حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. من أبرز قواعدها:

المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة تُلزم الدولة القائمة بالاحتلال باحترام وحماية الأشخاص المدنيين، وضمان سلامتهم وكرامتهم، وعدم تعريضهم لمعاملة مهينة أو خطرة.

تفرض الاتفاقيات كذلك على الدولة المحتلة التزامات بضمان الاكتفاء الغذائي والعلاجي للسكان المدنيين، بما في ذلك تسهيل دخول المساعدات الأساسية وعدم عرقلة إدخالها.

2. ينطبق القانون الدولي الإنساني على جميع أطراف النزاع، سواء كانت دولًا أو جماعات غير دولية، ويشمل أيضًا حالات الاحتلال العسكري المتواصلة حيث توجد سيطرة فعلية لقوة أجنبية على أراضٍ وشعب دون سيادة قانونية عليها.


أهمية ذلك: الاحتلال يظل قانونًا قائمًا حتى بعد انسحاب القوات من بعض المواقع ما دامت هناك سيطرة فعلية على حياة السكان.

3. بالإضافة إلى اتفاقيات جنيف، تفرض القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني التزامات مماثلة حتى عند عدم التصديق على بروتوكولات إضافية، بما في ذلك احترام المدنيين وتأمين ضروريات الحياة.

ب. البروتوكول الإضافي الأول 1977 – التقييد المضبوط للقيود الأمنية

على الرغم من أن بعض الدول — من بينها الكيان الإسرائيلي — ليست طرفًا في البروتوكول الإضافي الأول، فإن نصوصه تُعتبر تمثيلًا قويًا للممارسات القانونية الحديثة في القانون الدولي الإنساني، ولا تزال تعكس المعايير الدولية المتفق عليها:

‑ ينص البروتوكول على أن القيود على وصول المساعدات الإنسانية لا يمكن أن تستند إلى “ضرورات أمنية” بشكل مطلق، وأن أي تقييد يجب أن يكون محدودًا، متناسبًا، وموقتًا، مع احترام أسس القانون الدولي.
‑ كما يوضح البروتوكول أن أي تدخل لحرمان السكان المدنيين من الاحتياجات الأساسية غير مبرّر إلا في حالات ضيقة جدًا وبموافقة الجهات الإنسانية المعنية.

هذه الضوابط تعكس مبدأ التناسب والحاجة الحقيقية في القيود، وتُستخدم غالبًا كمرجع فقه قانوني حتى حين لا تكون ملزمة من حيث العضوية الصريحة.

ج. القانون الدولي لحقوق الإنسان – ضمانات إضافية

إضافة إلى القانون الإنساني، تنطبق معاهدات حقوق الإنسان الدولية على السكان تحت الاحتلال. من أبرزها:

العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يكفل حقوقًا أساسية مثل الحق في الصحة، والغذاء، والمياه النظيفة، ويُلزم الدول باتخاذ التدابير الضرورية لضمان حياة كريمة للمجتمعات.
‑ تُعد هذه الالتزامات تكملةً للقواعد الإنسانية، لأنها تُنبه إلى أن حقوق الإنسان الأساسية لا تتوقف حتى في أوقات النزاع المسلح، بل تظل واجبة الحماية والتطبيق.

د. تطبيق هذه المبادئ على الحالة في غزة

في سياق الحرب الدائرة في غزة، حيث تعاني البنية التحتية من تدمير واسع ونقصًا حادًا في الخدمات الأساسية، يكون للسكان المدنيين اعتماد شبه كامل على المساعدات الإنسانية من الخارج، وفي مثل هذه الظروف، تتحوّل النصوص القانونية
من مجرد التزامات نظرية إلى واجبات عملية ملزمة على قوة الاحتلال:

‑ يجب على الاحتلال تيسير وصول المساعدات والإغاثة الإنسانية، وعدم خلق أو توسيع عقبات إدارية أو قانونية تحول دون ذلك.

–  لا يجوز استخدام الحجج الأمنية والسياسات الداخلية المعلنة كغطاء لتقييد وصول المساعدات الإنسانية الأساسية للسكان المدنيين.

–  كما يجب ضمان الحياد وعدم التمييز في تطبيق القواعد حتى عند اتخاذ أي إجراءات تنظيمية، بما في ذلك آليات التسجيل أو الطلبات المعلوماتية من المنظمات الدولية.

وقد أصدرت مؤسسات دولية وتقريريّات أممية تستنكر أي إجراءات تحول دون وصول المساعدات أو تقييدها بشكل غير مبرر، مؤكدين أن ذلك يشكّل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي الإنساني وللحقوق الأساسية للسكان المدنيين،وعلى سبيل المثال، دعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى احترام المبادئ الإنسانية الكاملة وتيسير إيصال المساعدات دون قيود تعسفية.

والخلاصة القانونية الأساسية أن الاحتلال لا يمتلك صلاحية إلغاء وصول المساعدات الإنسانية أو وقف نشاط المنظمات الدولية بحسب اجتهاداته الأمنية أو السياسية،  بل تتحمّل قوة الاحتلال التزامات قانونية ملزمة لضمان وصول المساعدات الأساسية، لصون حياة السكان المدنيين وحمايتهم من أوضاع إنسانية كارثية.

‑ هذا الالتزام يظل قائمًا ما لم يُثبت قانونيًا خرق خطير وجِدّي لالتزامات جوهرية ثابتة من قِبل المنظمات نفسها، وبما يتيح آليات قانونية عادلة للطعن أمام هيئات قضائية محايدة.

‑ وبالتالي، فإن تمكين المنظمات الإنسانية من أداء مهامها هو القاعدة، ومنعها أو تقييدها بشكل واسع غير مبرّر هو الاستثناء الذي يتطلب سندًا قانونيًا صارمًا — وهو ما يتعارض مع المبادئ المتفق عليها في القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.

ثانيًا: الوقائع – ما الذي جرى بالفعل؟

في أواخر ديسمبر 2025 ومطلع يناير 2026 أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إجراءات جديدة تستهدف المنظمات الدولية الإنسانية العاملة في قطاع غزة، وذلك عبر آلية قانونية وإدارية لتسجيل تلك المنظمات وفق متطلبات معلنة حديثًا، ووفق بيان صادر عن وزارة شؤون الشتات الإسرائيلية، طالبت السلطات المنظمات بتقديم قوائم مفصّلة بأسماء موظفيها المحليين والدوليين، ومعلومات عن مصادر التمويل وهيكل العمليات، بحجة ضمان عدم استغلال العمل الإنساني من قبل عناصر يُشتبه بانتمائهم إلى جماعات مسلحة.

وفي 30 ديسمبر 2025 أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها ستُعلق أو تحظر أنشطة 37 منظمة دولية في قطاع غزة اعتبارًا من 1 يناير 2026 بسبب عدم امتثالها للمتطلبات المتعلقة بالإبلاغ عن الكوادر وتفاصيل العمل ضمن اللوائح الجديدة، التي وصفتها بأنها ضرورية لأسباب “أمنية وشفافية”.

تشمل هذه المنظمات جهات إغاثية وطبية وإنسانية دولية كبرى، منها منظمات معروفة على الساحة الإنسانية العالمية مثل أطباء بلا حدود، وأوكسفام، والمجلس النرويجي للاجئين، بالإضافة إلى جهات أخرى تقدّم خدمات حاسمة في مجالات الصحة والمياه والإغاثة.

وأوضحت مصادر إسرائيلية أن القصور الرئيسي الذي رصدته السلطات كان رفض بعض المنظمات تقديم معلومات كاملة وقابلة للتحقق عن موظفيها الفلسطينيين، وهو ما وصفته بأنها قاعدة أساسية تهدف إلى “منع تسلل عناصر مرتبطة بجماعات مسلّحة إلى صفوف العاملين في المنظمات الإنسانية”.

هذه الإجراءات لاقت انتقادات واسعة من قبل المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة، ومن بينها الاتحاد الأوروبي، الذي حذّر من أن تعليق عمل المنظمات سيمنع وصول “مساعدات حيوية” إلى السكان المدنيين في غزة ويزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية في ظل ظروف الحرب المستمرة وتدمير الخدمات الأساسية.

ودان العديد من الدول والمؤسسات الحكومية قرار الحكومة الإسرائيلية بإلغاء تصاريح عمل المنظمات، واعتبرته إجراءً تعارضه مع القوانين والأعراف الدولية الخاصة بعمل المنظمات الإنسانية، مشيرةً إلى أن هذه المنظمات تقدم خدمات حيوية في مجالات الصحة والتعليم والمياه وحماية اللاجئين، وأن منعها من العمل يَحدّ من وصول المساعدات ويضر بالسكان المدنيين.

أما في مواجهة هذه الإجراءات، فقد دعت بعض المنظمات نفسها، وفي مقدمتها أطباء بلا حدود، السلطات الإسرائيلية إلى السماح لها بالاستمرار في العمل في غزة والضفة الغربية في عام 2026، معتبرة أن الامتثال للمتطلبات الإدارية يجب أن يكون متسقًا مع التزاماتها الإنسانية وبدون تهديدات تعرقل عمليات الإغاثة.

من جانب آخر، أشار بعض المراقبين إلى أن هذه الإجراءات تأتي في سياق ازدهار حالة إنسانية متردّية في غزة بعد سنوات من النزاع، حيث تعتمد غالبية السكان على المساعدات الدولية لتلبية الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والدواء والمياه والخدمات الصحية، وأن منع عشرات المنظمات من العمل سيؤدي إلى تدهور إضافي في الوضع الإنساني، وربما تفاقم في نقص الخدمات الأساسية.

ثالثًا: التحليل القانوني للقرار – بين السيادة والالتزام الإنساني

  1. السياق القانوني لقيود العمل الإنساني

في ضوء القانون الدولي الإنساني (IHL) ومعايير القانون الدولي لحقوق الإنسان، لا يمنح النظام القانوني الدولي قوة الاحتلال حق منع المنظمات الإنسانية الدولية من أداء مهامها الإنسانية لمجرد عدم امتثالها لإجراءات إدارية أو متطلبات تسجيل لا تستند إلى مبادئ القانون الدولي، والالتزامات الأساسية التي تفرضها اتفاقيات جنيف على القوى القائمة بالاحتلال تُحمّلها مسؤوليات واضحة بخصوص تمكين وصول المساعدات الإنسانية وتأمين حياة المدنيين، وليس منع هذا الوصول أو إعاقة المنظمات العاملة في هذا المجال.

هذه المبادئ العالمية رفضتها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الكبرى مرارًا، وحذّرت من أن الإجراءات الإسرائيلية التي تهدف إلى تعليق أنشطة 37 منظمة دولية، عبر ربطها بتقديم معلومات وبيانات عن موظفيها الفلسطينيين، ستنقص من قدرة الإغاثة الإنسانية وتنتهك المبادئ الأساسية للعمل الإنساني، على نحو يُفاقم الأزمة الإنسانية في غزة.

من منظور القانون الدولي، فإن الالتزام بتمكين وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المدنيين في النزاعات المسلحة والأراضي المحتلة لا يمكن تقييده بذريعة “ضرورات أمنية” عابرة ما لم تُثبت خطورة ملموسة وحقيقية، وفي ظل احترام مبدأ التناسب والضرورة وعدم المساس بحقوق المدنيين الأساسية، وهو ما جعل من هذه المعايير محورَ نقد دولي واسع للقرار الإسرائيلي الأخير.

2.   الانتهاكات القانونية الرئيسية في القرار

أ. غياب الشفافية والمساءلة

أحد أبرز ملامح القرار هو نقص المعايير المعلنة بوضوح حول أسباب تعليق تراخيص المنظمات، وعدم وجود آليات طعن مستقلة أمام جهة قضائية محايدة تسمح لهذه المنظمات بالدفاع عن نفسها أو مراجعة القرار.
القانون الدولي الإنساني ومبادئ العدالة القانونية يشدّدان على أن أية قيود على أنشطة المنظمات الإنسانية يجب أن تكون مصحوبة بإجراءات قانونية عادلة وشفافة تضمن حقوق المنظمات في الطعن وتبيان مواقع الخلاف القانوني الحقيقي، وهذا غائب في صياغة وإعلان القرار.

ب. استخدام “الأمن” كذريعة واسعة للتقييد

بموجب القانون الدولي الإنساني، يمكن للدول أن تتخذ تدابير أمنية مضبوطة ومحدودة لحماية المدنيين أو المستسلمين، لكن تقييد نشاط المنظمات الإنسانية لا يمكن أن يُستخدم كأداة استثنائية واسعة ما لم يتم إثبات وجود خطر ملموس محدّد يبرّر ذلك، ومع توفير معايير واضحة للتقييم.

في حالة القرار الإسرائيلي، ذُكر شرط تقديم قوائم الموظفين الفلسطينيين ضمن “متطلبات أمنية”، لكن لم يُعلَن عن أسس تقييم واضحة أو أدلة محددة وشفافة تثبت وجود تهديد مباشر يبرر تعليق العمل الإنساني، ما يجعل القرار صعب المساءلة القانونية ويطرح تساؤلات جدّية حول مطابقته للمعايير الدولية المقبولة.

ج. العقاب الجماعي

يشكّل منع منظمات تقوم بدور إنساني أساسي، مثل الطب والرعاية والخدمات الغذائية، حرمانًا مباشرًا للسكان المدنيين من الخدمات الأساسية التي يعتمدون عليها في استمرار حياتهم، وفي هذا السياق، ومع استمرار الأزمة الإنسانية في غزة ووصول المساعدات غير الكافي، فإن حرمان المدنيين من خدمات حيوية بهذا الشكل قد يدخل في نطاق العقاب الجماعي المحظور بموجب المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة.

العقاب الجماعي يعني عدم استهداف الأفراد بسبب أفعالهم الفردية، بل حرمان السكان المدنيين ككل من حقوقهم الأساسية، وهو ما يثير تساؤلات قانونية خطيرة حول مدى توافق مثل هذا القرار مع التزامات القوة القائمة بالاحتلال تجاه المدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني.

وهكذا، من منظور القانون الدولي، يُظهر القرار الإسرائيلي نقاطَ اضطراب قانوني جوهرية، إذ أنه:

  1. يفتقر إلى شفافية ومساءلة قانونية واضحة، مما يعرقل حقوق المنظمات في الدفاع عن نفسها أو مراجعة القرار قضائيًا.
  2. يستخدم ذريعة الأمن لصياغة شروط واسعة لا تتماشى مع معايير التناسب والضرورة القانونية المعتمدة في حالات النزاع.
  3. يمسّ بحقوق السكان المدنيين عبر تقويض الوصول إلى الخدمات الإنسانية الأساسية، مما قد يضعه في نطاق العقاب الجماعي المحظور وفق القانون الدولي الإنساني.
  4. يناقض مبادئ العمل الإنساني الدولية التي تطالب بتمكين عمل المنظمات الإنسانية وحماية وصول المساعدات للحفاظ على حياة المدنيين، وهو ما أكّدته الهيئات الدولية في ردود فعلها.

رابعًا: الأبعاد السياسية

يحمل قرار السلطات الإسرائيلية بمنع عمل 37 منظمة دولية في قطاع غزة أبعادًا سياسية تتجاوز ببعد كبير مجرد إجراءات إدارية أو تنظيمية، وتتقطاع هذه الأبعاد مع السياق الأوسع للنزاع المستمر في غزة منذ سنوات، وتشير إلى تحولات في مقاربة الاحتلال تجاه العمل الإنساني كمنظومة مستقلة ومحمية وفق القانون الدولي.

  1.  تحوّل في منطق التعامل مع العمل الإنساني

سياسيًا، يشي القرار الإسرائيلي بأن هناك تحوّلًا في لغة التعامل مع المنظمات الإنسانية؛ من اعتبار العمل الإنساني حقًا معترفًا به ومحميًا في القانون الدولي، إلى اعتباره امتيازًا مشروطًا بمتطلبات أمنية وسياسية تُحددها جهة الاحتلال.
الاحتلال استند في تبريره إلى ما وصفه بـ “الحدّ من استغلال المساعدات من قبل جماعات مسلحة”، وطلب معلومات دقيقة عن الموظفين والمصادر التشغيلية، وهو ما اعتبرته المنظمات ذاتها قيودًا تعسفية وغير مطلوبة في السياقات الإنسانية العالمية، وأساسًا يمكن أن يُوظّف لاحقًا لتوسيع القيود أو استخدام المعلومات لأغراض غير إنسانية.

هذا السياق يعكس إعادة صياغة علاقة الاحتلال بالمجتمع الدولي ومنظومات الإغاثة، بحيث يصبح العمل الإنساني مرتبطًا بمتطلبات الرقابة الأمنية والسيطرة السياسية أكثر من ارتباطه بالمبادئ الأساسية للحياد والاستقلال وعدم التحيّز التي تُكرّسها المعايير الدولية للعمل الإنساني.

2.  الرقابة الأمنية كأداة سياسية

تسعى السلطات الإسرائيلية، عبر هذه الإجراءات، إلى فرض رقابة أمنية صارمة على الحركات الدولية داخل القطاع، بذريعة مكافحة استغلال المساعدات أو استغلالها من قبل عناصر مرتبطة بجماعات مسلحة.

لكن من جانب آخر، يشير عدد من المحللين وفرق الإغاثة الدولية إلى أن هذه المطالب لا تنشئ فقط ضوابط أمنية، بل تحوّل دون عمليّة وصول المساعدات الأساسية، وتضع المنظمة في موقف استسلام أمام متطلبات جهات غير محايدة قانونيًا، ما قد يُضعف استقلالية هذه المنظمات وقدرتها على العمل وفق المبادئ الإنسانية المتعارف عليها.

وفي الوقت ذاته، توجد في النزاع اتهامات متبادلة بين الأطراف حول استغلال المساعدات الإنسانية لأغراض سياسية أو عسكرية؛ ففي حين أعربت الحكومة الإسرائيلية عن مخاوفها من أن يُستغل الدعم الإنساني من قِبل فصائل فلسطينية، فإن تقارير إعلامية مستقلة تشير إلى أنه لا توجد أدلة موثوقة على وجود استغلال منظم ممنهج للمساعدات من قبل تلك الفصائل، وأن بعض الحوادث تنشأ من الفوضى والضغط الشديد على الموارد بدلاً من توجيه متعمَّد من القيادة السياسية للمنظمات.

3.  تقليص وجود الشهود الدوليّين ومصداقية التوثيق

من بين المخاوف السياسية الجوهرية التي أثارها القرار هو الإحجام عن وجود الشهود الدوليين القادرين على توثيق الانتهاكات والممارسات في غزة، إذ إن وجود منظمات دولية مستقلة يعد رافدًا مهمًا لتوثيق الانتهاكات، وجمع الأدلة، ونقل المعلومات الدقيقة للمجتمع الدولي.

الحدّ من وجود هذه المنظمات لا يضر فقط بالقدرة على تقديم الإغاثة، بل يحدّ أيضًا من قدرة المهتمين الدوليّين على رصد ما يجري على الأرض وتقديم تقارير شاملة ومحايدة، وهو ما يُقلّص تدفّق المعلومات الموثوقة إلى الهيئات الدولية ووسائل الإعلام العالمية، وبالتالي قد يساهم في رسم صورة إعلامية مغايرة للواقع.

هذا يعكس تحولاً في بنية الحضور الدولي داخل غزة؛ من طرف يتابع ويساعد ويوثّق إلى طرف يُقيَّد وجوده، ما يُضعف من قدرة المجتمع الدولي على تفعيل الرقابة والمساءلة في النزاع.

4.  الرسائل السياسية وراء القرار

القرار الإسرائيلي لا يمكن فصله عن الرسائل السياسية والدبلوماسية التي تُوجّهها حكومة الاحتلال في سياق النزاع المستمر، ومن ذلك:

  • تعزيز السيطرة على رواية الأحداث في الساحة الدولية، عبر الحدّ من قدرة المنظمات المحايدة على نقل المعلومات والتحقيق في الانتهاكات.
  • إرسال إشارات إلى المجتمع الدولي بأن السياسات الأمنية والاعتبارات الأمنيّة تأتي قبل الالتزامات الدولية المتعلقة بالعمل الإنساني.
  • ترسيم حدود أوسع للرقابة على الحركات الدولية التي تعتبرها الحكومة الإسرائيلية منخرطة في العمل السياسي أو الحقوقي، وهو ما يمتد إلى تقييد أدوار الهيئات التي لا تلتزم بالرواية الرسمية.

هذه الرسائل السياسية تتداخل مع السياق الدولي الأوسع، حيث تستمر النقاشات الدبلوماسية حول وقف إطلاق النار، وإعادة الإعمار، ومسار السلام السياسي، ما يجعل إدراج العمل الإنساني ضمن صراع المصالح الإقليمية والدولية أمرًا ذا مغزى بالغًا لصناع القرار.

خامسًا: التداعيات الإنسانية والمجتمعية

تُعَدّ التداعيات الإنسانية لقرار منع 37 منظمة دولية من العمل في غزة خطيرة وعميقة، إذ تأتي في وقت تشهد فيه المنطقة أسوأ أزمة إنسانية في تاريخها الحديث، تشمل انهيارًا شبه كامل في الخدمات الأساسية وانعدامًا للمساعدات الحيوية لسكان يعانون بالفعل من تبعات الحرب والحصار.

  1.  تفاقم الأزمة الغذائية والمجاعة

تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 500,000 شخص — نحو ربع سكان غزة — يعيشون في ظروف تشبه المجاعة، في حين يواجه نحو 39% من السكان أيامًا يمتنعون فيها عن الأكل تقريبًا، مع ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد خاصة بين الأطفال دون سن الخامسة، وقد وصل معدل سوء التغذية في بعض المناطق إلى مستويات قياسية.

تُظهر تلك المؤشرات أن نقص الغذاء ليس مجرد آثار جانبية للحرب، بل أزمة غذائية هيكلية مرتبطة بانهيار الإنتاج المحلي وقيود الإمداد، مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية ونقص الوقود والمياه والطاقة اللازمة للطهي، ما يزيد من معاناة السكان المدنيين.

وفي ظل هذا السياق، لعبت المنظمات الدولية دورًا حاسمًا في توزيع الغذاء والمساعدات الغذائية الطارئة؛ ومنعها من العمل يعني انخفاضًا حادًا في القدرة على الوصول إلى الغذاء الكافي والآمن للأسر الأكثر هشاشة.

2.  انهيار النظام الصحي ونقص الدواء

حذرت منظمة الصحة العالمية من أن النظام الصحي في غزة يواجه خطر الانهيار الكامل، حيث أن عددًا كبيرًا من المستشفيات خرج عن الخدمة أو يقدم خدمات طوارئ فقط، وهناك نقص حاد في الإمدادات الطبية الأساسية والأدوية، بما في ذلك الأدوية لعلاج الأمراض المزمنة والمستعصية، وسط تزايد أعداد الإصابات والأمراض المعدية.

ويعني منع المنظمات الدولية — التي كانت تدير أو تدعم عددًا من الخدمات الطبية الأساسية في الميدان — انخفاضًا إضافيًا في قدرة النظام الصحي المنهك أصلًا على تقديم الخدمات، خصوصًا في معالجة حالات سوء التغذية والرضع والمسنين والجرحى. المنظمات مثل أطباء بلا حدود والمجلس النرويجي للاجئين تقدم دعمًا مباشرًا للمرافق الطبية، وتعمل على رصد الوضع الصحي وتقديم خدمات الطوارئ، ما يجعل إبعادها أو توقفها عن العمل سهمًا مباشرًا في زيادة الوفيات وتعميق الأزمات الصحية.

3.  تراجع الخدمات الأساسية والحماية

إلى جانب الغذاء والدواء، يعتمد ملايين الفلسطينيين في غزة على المنظمات الدولية في خدمات المياه النظيفة، الصرف الصحي، الدعم النفسي، وبرامج الحماية الاجتماعية.

مع توقف عمل هذه المنظمات، ستتراجع تدريجيًا برامج توزيع المياه، دعم الأسر النازحة، حماية الأطفال والنساء من العنف، وغيرها من الخدمات التي لا تستطيع غالبية المنظمات المحلية الوفاء بها بمفردها في ظل الموارد المحدودة والضغط الهائل على البنية التحتية.

في حال استمرار القرار أو توسيعه، يتوقع أن يؤدي ذلك إلى تدهور إضافي في مستويات المعيشة، صعوبات في الوصول إلى المياه النظيفة، زيادة في الأمراض المرتبطة بسوء الصرف الصحي، وارتفاع معدلات الوفيات المرتبطة بنقص الخدمات الأساسية، ما يُحوِّل الأزمة من إنسانية إلى كارثة اجتماعية متسارعة.

4.  فجوة في الاستجابة الإنسانية والقدرة على التخفيف

حتى قبل قرار منع هذه المنظمات، كانت جهود الإغاثة غير كافية لتغطية حاجة السكان بسبب القيود المفروضة على دخول المساعدات والإمدادات عبر المعابر والطرق الرسمية، ويقول تقرير للأمم المتحدة إن مئات الآلاف من الفلسطينيين ما زالوا بحاجة ملحة للمساعدة الإنسانية، وأن القدرات المتاحة تعمل تحت ضغط شديد.

مع إبعاد أو تعليق عمل عشرات المنظمات الدولية، ستتسع الفجوة بين الحاجة الإنسانية المتزايدة والقدرة على التلبية، ما يقوّض أي فرص لتحسين الوضع في المستقبل القريب.

سادسًا: الإشكاليات القانونية المحتملة – هل يرتقي القرار إلى جرائم حرب؟

  1.  الإطار القانوني الدولي واستخدام التجويع كأداة حرب

وفقًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني (IHL)، فإن التجويع المتعمد للسكان المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب يُعتبر فعلًا محظورًا وقد يرقى إلى جريمة حرب إذا استُخدم بشكل ممنهج لتحقيق أهداف عسكرية أو سياسية. تحظر قواعد النزاع المسلح على الأطراف المتحاربة استخدام الحرمان من الغذاء، الماء أو غيرها من الضروريات الأساسية كوسيلة ضغط أو قسر على المدنيين.

– نصت لائحة اتفاقيات جنيف على وجوب ضمان الاحتلال للطعام والدواء للسكان المدنيين، وأن أي حرمان متعمد من الغذاء أو عرقلة وصول المساعدات الإنسانية يعد انتهاكًا واضحًا لهذه الالتزامات.

– كما أشارت تقارير وآراء هيئات دولية إلى أن قيودًا صارمة أو تعسفية على دخول المساعدات قد ترقى إلى استخدام التجويع كأسلوب حرب، وهو سلوك يُعد جريمة حرب بموجب القانون الدولي، وفي سياق الحرب على غزة، وصف مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان سياسات عرقلة دخول المساعدات بأنها استخدام للتجويع كوسيلة حرب، وهو أمر سبق أن صنّفته الأمم المتحدة رسميًا في هذا النزاع كإمكانية خرق للقانون الدولي.

2.  هل قرار منع عمل المنظمات (37 منظمة) يرتقي إلى مستوى جريمة حرب؟

القرار الإسرائيلي بمنع عمل عشرات المنظمات الدولية في ظروف إنسانية شديدة الحساسية يطرح تساؤلات قانونية جوهرية حول ما إذا كان يشكل جزءًا من سياسة شاملة لعرقلة وصول الإغاثة الإنسانية. عندما يُعيق هذا النوع من القرار وصول الغذاء والدواء والمساعدات الأساسية في سياقات تتطلبها حياة المدنيين، فقد يرتبط ذلك بـ مكونات الجريمة التالية:

أ. عنصر الفعل (Actus Reus)

إذا أدى القرار إلى حرمان فعلي ومنهجي للسكان المدنيين من المساعدات الضرورية—كالغذاء والعلاج—فهذا يشكل مساهمة مباشرة في الظروف التي انبثق عنها نقص الخدمات الأساسية والمجاعة، خصوصًا حين يُنفَّذ في وقت شهدت فيه غزة مستويات جوع حادة وحتى إعلان المجاعة في بعض المناطق من قبل الأمم المتحدة، مما يعزز وجود جانب فعلي من الأذى الجسيم للسكان المدنيين نتيجة هذا المنع.

ب. عنصر النية (Mens Rea)

لتصنيف فعل باعتباره جريمة حرب، يجب تحليل ما إذا كان هنالك نية متعمدة لإلحاق الأذى بالسكان المدنيين من خلال منع وصول المساعدات الأساسية.

– رغم أن السلطات الإسرائيلية تبرر القرار بأسباب أمنية مثل “منع استغلال العمل الإنساني من قبل جماعات مسلحة”، لم تُقدَّم دلائل واضحة وشفافة تثبت وجود تهديد مباشر يبرر مثل هذه القيود الواسعة.

– وفي حالة عدم وجود مبرر أمني واضح، فإن النية القانونية قد تطرح تساؤلات حول ما إذا كان القرار جزءًا من سياسة أوسع تهدف لفرض معوقات متعمدة على المدنيين—خصوصًا في ظل وثائق دولية تحذر من أن القيود على المساعدات الغذائية قد تأتي في سياق استخدام التجويع كأداة حرب.

3.  الجرائم المرتبطة بعرقلة المساعدات الإنسانية وصعوبة الإثبات

من المهم التمييز بين خرق قانوني إنساني وجريمة حرب موثّقة، ليس كل انتهاك لالتزامات القانون الدولي الإنساني يصل تلقائيًا إلى مستوى جريمة حرب؛ بل يتطلب:

دليلًا قويًا على النية المتعمدة لإلحاق الأذى بالمدنيين.

صلة سببية مباشرة بين القرار وأضرار بالغة أو وفيات بين السكان المدنيين.

تجريدًا من التبريرات الأمنية التي قد تُستَخدم لإخفاء أهداف أخرى.

إذا ثبت أن الإجراءات الإدارية التي أُخذت بلا مبرر قانوني قوي وأنها ساهمت بشكل مباشر في نقص خدمات أساسية أدّت إلى وفيات أو أذى جسيم للمدنيين، فإن المسؤولية الجنائية الدولية قد تُثار في سياقات العدالة الدولية، لا سيما أمام المحكمة الجنائية الدولية التي سبق وأن أصدرت مذكرات توقيف ضد مسؤولين إسرائيليين في قضايا متعلقة بعرقلة وصول المساعدات وأعمال ذات طابع مماثل.

4. دعوات وتحذيرات حقوقية دولية

هيئات حقوقية دولية ومنظمات معنية بحقوق الإنسان قد ذهبت إلى أبعد من مجرد وصف الانتهاكات القانونية، معتبرة أن عراقيل عميقة على وصول الإغاثة الإنسانية في سياق المجاعة ووضع إنساني كارثي يمكن أن تشكّل أساسًا قانونيًا للتحقيق في جرائم حرب أو حتى جرائم ضد الإنسانية.

– على سبيل المثال، تصف منظمة العفو الدولية حصار غزة وعرقلة المساعدات بأنها جريمة ضد الإنسانية وخرق واضح للقانون الدولي تتطلب مساءلة، مستندة إلى التزامات الاحتلال بضمان وصول الغذاء والدواء ويعتبر عدم الالتزام بذلك أسلوبًا ممنهجًا للتدمير الجسدي للسكان المدنيين.

وخلاصة ما سبق بناءً على المبادئ القانونية الدولية الراسخة:

  • إن التجويع المتعمد للمدنيين وعرقلة وصول الإغاثة في سياقات تتطلبها حياة المدنيين يمكن أن يرقى إلى جريمة حرب إذا ثبت أنه جزء من سياسة ممنهجة تُنفّذ بنية التأثير على المدنيين.
  • منع عمل المنظمات الدولية في ظروف غزة الحالية يُعد انتهاكًا صارخًا لالتزامات القوة القائمة بالاحتلال، وقد يُعد مؤشرًا قويًا على وجود نية لعرقلة المساعدات الإنسانية الحيوية إذا لم يتم تقديم مبررات قانونية واضحة قابلة للقياس.
  • في حال ثبت أن القرار أدّى فعليًا إلى وفيات أو أذى جسيم بسبب نقص الغذاء أو الرعاية الصحية، فإن عناصر جريمة الحرب قد تتوافر، ويجوز حينها إحالة القضية إلى جهات العدالة الدولية للتحقيق والمساءلة الجنائية.

الخــلاصــــة

إن قرار منع 37 منظمة دولية من العمل في قطاع غزة، في سياق أزمة إنسانية غير مسبوقة تستند إلى تدمير واسع للبنية التحتية وتدهور الخدمات الأساسية، يشكل انقلابًا خطيرًا على المعايير الدولية للعمل الإنساني.

فهو لا يمثل خطوة تنظيمية عادية، بل إعادة صياغة لطبيعة علاقة قوة الاحتلال بالمجتمع المدني الدولي؛ من كونه شريكًا في إنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة، إلى كيان يفرض شروطًا تعسفية تمس جوهر الحماية الإنسانية.

لذلك، فإن اختزال هذه الإجراءات في مجرد خلاف إداري أو اختلاف في آليات التسجيل هو تبسيط مخل للواقع الخطير، في حين تُحرم المجتمعات المأزومة من دخول المنظمات التي تُوفّر الغذاء والدواء والمياه والخدمات الطبية والحماية، فإن ذلك لا يكون مجرد إخلال بالتزامات قانونية فحسب، بل انتهاك صارخ لمبادئ الإنسانية، وتهديد مباشر لحياة المدنيين وكرامتهم.

إن تحليل هذه القضية يُبرز أن:

  • الاحتلال ملزم قانونًا بتسهيل وصول المساعدات وليس منعه.
  • الممارسة الحالية تمثّل انتهاكًا ليس فقط لحقوق الإنسان وقواعد الإغاثة الدولية، بل لاتفاقيات جنيف الأساسية.
  • النتائج المترتبة على هذا القرار تحمل تداعيات إنسانية واجتماعية وسياسية خطيرة على سكان غزة الذين يعتمدون جزئيًا أو كليًا على الدعم الدولي للبقاء على قيد الحياة.

إن حماية الفضاء الإنساني في سياقات الحروب لا ينبغي أن يكون خيارًا يمكن تقييده أو تعليقه، بل هو واجب قانوني وأخلاقي ملزم لجميع الأطراف، ولا يمكن اختزاله في تبريرات سياسية أو أمنية.

التــوصيــــات

  1. دعوة الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى إلغاء وقف تراخيص 37 منظمة دولية ومنع أي إجراءات إدارية تُعيق عملها في غزة، واعتبار العمل الإنساني حقًا مكفولًا بموجب القانون الدولي الإنساني.
  2. إحالة ملف تقييد عمل المنظمات إلى اللجنة الدولية للتحقيق أو مجلس حقوق الإنسان لبحث ما إذا كانت الإجراءات تشكل انتهاكًا للالتزامات الإنسانية والقانونية الدولية، مع تقديم توصيات بمساءلة الجهات المسؤولة.
  3. التأكيد على ضرورة عدم ربط وصول المساعدات الإنسانية بشروط سياسية أو أمنية مثل تسليم قوائم الموظفين، لأن ذلك يهدد استقلالية وحياد العمل الإنساني ويزيد من المخاطر على المدنيين.
  4. تعزيز قدرات المنظمات المحلية في غزة وتأهيلها بالشراكة مع الأمم المتحدة والجهات الدولية لتغطية الفجوات الناتجة عن منع المنظمات الدولية، وتنسيق جهود التوزيع والإنقاذ لتقليل المعاناة الإنسانية.
  5. إطلاق حملات إعلامية دولية تبرز تبعات عرقلة العمل الإنساني على المدنيين في غزة، بما يزيد الضغط على الجهات المتخذة للقرار لمعالجة آثارها ووضع حلول ملائمة.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-يناير 2026

شارك:

المزيد من المقالات