تحليل سياسات-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
تبحث هذه الورقة في طرح نشر قوة دولية متعددة الجنسيات في غزة بعد الحرب، كأداة أميركية لإدارة المرحلة الانتقالية وضمان الاستقرار الجزئي، وتوضح الورقة أن نجاح القوة يعتمد على وضوح التفويض القانوني واحترام السيادة الفلسطينية، إلى جانب اختيار الجنسيات بعناية لتحقيق توازن سياسي واستراتيجي، وتُظهر الورقة كيف يمكن أن تؤثر الظروف الداخلية والخارجية للدول المشاركة على فعالية القوة، باستخدام إثيوبيا كنموذج تحليلي.
كما تستعرض السيناريوهات المستقبلية المحتملة، من النجاح النسبي إلى الانسحاب المبكر، وتخلص الورقة إلى أن التنسيق الإقليمي والدولي، التدريب العسكري والثقافي، وآليات المراقبة والمساءلة، كلها عوامل حاسمة لضمان تحويل القوة إلى عنصر بناء للاستقرار وليس عامل توتر، وتقدم الورقة توصيات عملية لصناع القرار والباحثين لتقليل المخاطر المحتملة.
مقــدمـــــة
يشكل طرح نشر قوة دولية متعددة الجنسيات في قطاع غزة أحد أبرز الملفات الأمنية والسياسية الحساسة في مرحلة ما بعد الحرب، وهو يعكس محاولة إدارة المرحلة الانتقالية عبر تدويل السيطرة الأمنية، مع الحفاظ على مصالح الأطراف الإقليمية والدولية، ولا سيما الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة.
تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل معمق لفرضية القوة الدولية (ISF) في غزة، من خلال دراسة خلفياتها السياسية والاستراتيجية، والقيود القانونية المتعلقة بالتفويض، وحدود السيادة الفلسطينية، وتحديات اختيار الجنسيات المشاركة، كما تبحث الورقة في سيناريوهات المستقبل المحتملة لمهام القوة الدولية، وتستعرض الدروس المستفادة من التجارب الدولية السابقة.
تكتسب الورقة أهميتها من كونها تحلل المدى الذي يمكن للقوى الدولية أن تحقق فيه أهدافها في بيئة سياسية وأمنية معقدة للغاية، تشمل وجود فصائل مسلحة، تباين المصالح الإقليمية والدولية، وبيئة حضرية مكتظة ودمار واسع للبنية التحتية، كما تبرز الورقة كيف يمكن أن يؤثر اختيار الدول المشاركة، بما فيها أمثلة مثل إثيوبيا، على فعالية القوة الدولية، دون افتراض مشاركتها الفعلية، لتقديم رؤية دقيقة وموضوعية للمخاطر والفرص.
أولًا: الإطار العام للتدويل وخطة إدارة مرحلة ما بعد الحرب
تندرج فكرة نشر قوة دولية أو متعددة الجنسيات في قطاع غزة ضمن مقاربة أميركية أوسع لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، لا تنطلق من إنهاء جوهر السيطرة الإسرائيلية، بقدر ما تهدف إلى إعادة توزيع أعبائها وأدواتها، فالمقاربة المطروحة تسعى إلى نقل العبء اليومي للضبط الأمني من الجيش الإسرائيلي إلى ترتيبات دولية هجينة، مع الإبقاء على التفوق الإسرائيلي في التحكم بالمجالين الأمني والسياسي، وحدود التدخل، وسقف أي عملية انتقالية محتملة.
في هذا السياق، طرحت واشنطن خلال عام 2025 إطارًا تخطيطيًا متعدد المراحل لإدارة اليوم التالي للحرب، يقوم – نظريًا – على وقف القتال، وتثبيت تهدئة طويلة الأمد، وتهيئة بيئة لإعادة الإعمار، مقابل إعادة هندسة منظومة الحكم والأمن في غزة، غير أن هذا الطرح لا يمكن فصله عن مقاربة أميركية تقليدية في مناطق النزاع، تقوم على إدارة الأزمات بدل حلّها، وعلى تدويل الوظائف الحساسة دون المساس بموازين القوة الجوهرية.
وتقترح الخطة مرحلتين رئيستين:
تتمحور المرحلة الأولى حول وقف الأعمال القتالية، وترتيبات إنسانية وأمنية متبادلة، بما يشمل إدخال المساعدات، وضبط التماس الميداني، ومنع عودة التصعيد واسع النطاق، أما المرحلة الثانية، وهي الأشد تعقيدًا، فتتضمن ترتيبات سياسية وأمنية بنيوية، من بينها تحييد أو إعادة ضبط الفصائل المسلحة، وإنشاء هيئة انتقالية لإدارة القطاع، ونشر قوة دولية أو متعددة الجنسيات تُمنح مهام أمنية وتنفيذية واسعة، تمتد من حماية المنشآت، إلى إدارة المعابر، وضبط الأمن الداخلي.
غير أن هذه الرؤية تصطدم بجملة من الإشكاليات البنيوية، تتعلق بطبيعة التفويض القانوني لتلك القوة، وحدود السيادة الفلسطينية، وغياب توافق دولي واضح حول مهامها وصلاحياتها، فضلًا عن الرفض المتوقع من الفاعلين المحليين في غزة، والتحفظات الإقليمية المرتبطة بخطر الانزلاق نحو نمط جديد من الوصاية الأمنية الدولية، كما يبرز تناقض جوهري بين الطابع “الدولي” المعلن لهذه الترتيبات، وبين استمرار خضوعها الفعلي للاشتراطات الإسرائيلية، ما يضع علامات استفهام حول قابليتها للاستدامة أو القبول المحلي.
ثانيًا: إشكالية التفويض والسيادة في مقترحات التدويل
تُعد مسألة التفويض القانوني والصلاحيات التنفيذية للقوة الدولية المزمع نشرها في غزة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا وحساسية، وتشكل عنق الزجاجة لكل تصور عملي لاحق، فحتى لو وُجدت دولة أو تحالف مستعد لإرسال قوات، فإن غياب تفويض واضح وموحد يجعل أي تدخل محفوفًا بالمخاطر، وقد يحوّل القوة الدولية من عنصر استقرار إلى عامل توتر إضافي.
- طبيعة التفويض:
المقترحات الأميركية تتحدث عن مهام أمنية وتنفيذية واسعة تشمل حماية المعابر، الإشراف على إعادة الإعمار، ضبط الأمن الداخلي، ومراقبة السلوك العسكري للفصائل الفلسطينية.
لكن صياغة التفويض في مجلس الأمن أو على المستوى الإقليمي ما تزال غامضة، إذ لم تُحدد الصلاحيات بشكل دقيق، ولا نطاق استخدام القوة، ولا آليات مساءلة واضحة.
تجارب سابقة في بعثات الأمم المتحدة وغيرها من القوى متعددة الجنسيات تظهر أن التفويض الهش أو غير الواضح غالبًا ما يؤدي إلى فشل المهمة، خصوصًا في بيئات تشهد وجود فاعلين مسلحين ومنظومة سياسية محلية معقدة.
2. السيادة الفلسطينية وحدود القبول المحلي:
أي قوة دولية تعمل في غزة تقع على خط تلاقي حساس بين تفويض دولي وحق الفلسطينيين في إدارة شؤونهم.
غياب توافق فلسطيني داخلي حول طبيعة القوة ومهامها، ورفض الفصائل الفلسطينية المسلحة لأي وجود أجنبي يُفهم كتهديد لها، يجعل القبول الشعبي والسياسي المحلي محدودًا للغاية.
هذا التوتر بين التفويض الدولي وحق السيادة يضع قيدًا مزدوجًا على القوة الدولية: كيف تنفذ مهامها بفاعلية من دون الانزلاق إلى احتكاك مباشر أو مواجهة سياسية مع الفاعلين المحليين؟
3. التحديات الإقليمية والدولية:
التوافق الدولي ضروري لإضفاء الشرعية على القوة، لكنه غائب جزئيًا، فالتباين في مواقف الدول المشاركة المحتملة، سواء لاعتبارات سياسية أو أمنية، يضعف القدرة على إدارة مهام موحدة.
في الوقت نفسه، يفرض التباين الإقليمي، خاصة بين مصر وتركيا والسعودية، حدودًا على خيارات القيادة الأميركية، ويعقد أي محاولة لفرض ترتيبات تنفيذية متكاملة.
هذا التناقض بين الطموح التنفيذي الأميركي وبين التباين الدولي والإقليمي يبرز مدى هشاشة أي خطة تدويل قبل حسم مسألة التفويض والسيادة.
الاستنتاج التحليلي:
- أي نقاش حول الجنسيات أو حجم القوة أو توزيع مهامها يصبح ثانويًا أمام إشكالية التفويض والسيادة.
حتى إذا أبدت دول مثل إثيوبيا أو أذربيجان استعدادًا مبدئيًا، فإن نجاح أي نشر للقوة يعتمد بشكل رئيسي على وضوح التفويض، واحترام السيادة الفلسطينية، وتوافق فاعلين محليين وإقليميين.
- وبعبارة أخرى، تُعد مسألة التفويض والسيادة المفتاح لفهم إمكانيات النجاح أو الفشل لأي تدخل متعدد الجنسيات في غزة، وهي التي ستمكّن لاحقًا من تقييم جدوى خيارات الجنسيات، بما في ذلك إثيوبيا، كجزء من التحليل الاستراتيجي.
ثالثًا: دوافع واشنطن للتدويل وترتيب القوى في غزة
تسعى الولايات المتحدة من خلال طرحها لنشر قوة دولية في قطاع غزة إلى تحقيق أهداف استراتيجية متعددة الأبعاد، لا تقتصر على وقف القتال أو إدارة إعادة الإعمار، بل تشمل إعادة ترتيب النفوذ المحلي والإقليمي، وضبط حسابات الفاعلين السياسيين، وتثبيت مصالحها وأمن الكيان الإسرائيلي، وفي هذا الإطار، تتضح مجموعة دوافع رئيسية:
- تقليل الكلفة المباشرة والالتزام الأمني للكيان الإسرائيلي
عبر استبدال بعض المهام الأمنية المباشرة التي يقوم بها جيش الاحتلال بقوة دولية، تسعى واشنطن إلى خفض العبء العسكري والسياسي المباشر على تل أبيب.
هذا الترتيب يسمح للإدارة الأميركية بالادعاء بأن القوة الدولية تعمل وفق تفويض أممي متعدد الأطراف، بينما يظل التوازن العسكري والسيطرة السياسية في العمق تحت النفوذ الإسرائيلي.
ومع ذلك، يظل تنفيذ هذا الهدف مرتبطًا بالوضوح القانوني للتفويض، وحدود الصلاحيات الممنوحة للقوة، وإمكانية التنسيق مع الحكومة الإسرائيلية دون تجاوز السيادة الفلسطينية.
2. إعادة ترتيب النفوذ المحلي والفصائلي
- أحد دوافع واشنطن الجوهرية هو تحييد الفصائل المسلحة التي ترفض التسوية، بما يسمح بتهيئة بيئة سياسية وإدارية مناسبة للمرحلة الثانية للخطة.
- يتيح التدويل فرض قواعد جديدة على الأرض دون الانخراط المباشر في مواجهة مسلحة، لكنه يواجه معضلة عدم التوافق الفلسطيني الداخلي، إذ قد تُعتبر القوة الأجنبية تهديدًا للنفوذ التقليدي للفصائل، وهو ما يربط مباشرة بمسألة التفويض والسيادة.
3. موازنة النفوذ الإقليمي والدولي
- الطرح الأميركي يعكس محاولة لخلق ترتيب إقليمي ودولي يوازن بين المصالح العربية والإسرائيلية والغربية.
- إشراك دول متعددة يخفف حدة الاحتكاك المباشر بين الكيان الإسرائيلي والدول العربية، لكنه يضع واشنطن أمام تحدٍ مزدوج: ضرورة إقناع الدول بالمشاركة، مع ضبط التباين في أهدافها وتوجهاتها، وإدارة أي صراع محتمل بين المشاركين حول قواعد الاشتباك أو أولوية المهام.
- هنا يظهر مرة أخرى أثر التفويض: أي غموض في حدود صلاحيات القوة الدولية سيضعف التوافق الدولي ويقوض قدرة واشنطن على تنفيذ أهدافها الاستراتيجية.
4. استغلال العلاقات الثنائية والثقة التاريخية
- تلجأ واشنطن أحيانًا إلى توظيف دول محددة كأداة استقرار أولية بسبب علاقاتها الاستراتيجية أو الخبرة العسكرية أو القرب الجغرافي.
- إثيوبيا، في هذا الإطار، يمكن النظر إليها كنموذج تحليلي: طلب مشاركتها يعكس مزيجًا من مراعاة قدراتها، واستغلال علاقتها مع واشنطن والكيان الإسرائيلي، وتقدير موقفها الإقليمي، دون افتراض أن المشاركة محسومة.
- هذا التوظيف هو مؤشر على منطق الإدارة الأميركية في اختيار الجنسيات، وهو ما يجعل تحليلها مهمًا كجزء من فهم الدوافع، وليس كحكم على واقع التنفيذ.
- الربط مع ملفات استراتيجية أوسع
- تُوظف واشنطن التدخل في غزة أحيانًا كوسيلة ضغط على ملفات إقليمية أخرى، مثل إدارة سد النهضة أو موازنة النفوذ التركي والمصري في المنطقة، وهي استراتيجية واضحة لتعظيم النفوذ الأميركي بأقل كلفة مباشرة.
- هذا يوضح أن دوافع التدويل لا ترتبط فقط بالقطاع أو الفلسطينيين، بل بتوظيف غزة كمسرح لتثبيت التحالفات الإقليمية، وهو ما يعزز أهمية إدراك حدود التفويض والسيادة المحلية.
الاستنتاج التحليلي:
- التدويل ليس غاية في حد ذاته، بل أداة استراتيجية أميركية لإعادة ترتيب القوى المحلية والإقليمية.
- نجاح أي نشر يعتمد بشكل رئيسي على وضوح التفويض، واحترام السيادة الفلسطينية، والتوافق الدولي والإقليمي.
- دراسة الجنسيات، بما فيها إثيوبيا لاحقًا، يجب أن تتم في إطار هذا التحليل: أي دولة مشاركة هي متغير ضمن استراتيجية أوسع، وليس محورًا مستقلاً للتقرير.
رابعًا: معايير اختيار الجنسيات وخيارات القوة الدولية في غزة
اختيار الدول المساهمة في القوة الدولية المزمع نشرها في قطاع غزة لا يتم عشوائيًا، بل يخضع لسلسلة من الاعتبارات الاستراتيجية والسياسية والأمنية، التي تتداخل مع قيود التفويض، والسيادة الفلسطينية، والتوازنات الإقليمية والدولية، ويمكن تحليل هذه المعايير وفق المحاور التالية:
- القدرة العسكرية والتنظيمية
تُقيّم واشنطن والقيادة الدولية قدرة الدول على المساهمة بفرق مدربة، بما يشمل الضبط العسكري، والإدارة المدنية الجزئية، ومهارات “الضبط العسكري”.
لا يكفي حجم القوة أو تجهيزاتها، بل مهارة التعامل مع بيئة حضرية مكتظة، وبنية تحتية مدمرة، وفاعلين مسلحين، وهي كلها تحديات جوهرية في غزة.
2. الشرعية الدولية والإقليمية
الدول المختارة يجب أن تحظى بقبول جزئي على الأقل لدى المجتمع الدولي، بما يسمح للقوة بتفادي وصفها بـ”الاحتلال الدولي” أو التدخل الأحادي.
هنا يظهر الدور السياسي لإثيوبيا كمثال تحليلي: طلب واشنطن مشاركتها ليس عشوائيًا، بل يعكس القدرة على تقديم دعم عسكري ضمن سياق تقبل دولي نسبي، مع تاريخ من العلاقات مع الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة، دون افتراض أن المشاركة محسومة أو مؤكدة.
3. الموقع الجغرافي والسياسة الإقليمية
دول الجوار أو الدول ذات التأثير الإقليمي يُنظر إليها بعين الحذر، حيث يمكن أن تتسبب مشاركتها في توترات مع دول إقليمية أخرى أو مع الأطراف الفلسطينية
في المقابل، دول بعيدة جغرافيًا قد تكون أكثر قبولًا، لكنها تواجه صعوبات لوجستية وتأهيلية للتعامل مع خصوصية غزة
4. التوازن بين النفوذ الإقليمي
تهدف واشنطن من نشر قوة متعددة الجنسيات إلى موازنة النفوذ بين القوى الإقليمية الكبرى (مصر، تركيا، قطر) والدول الغربية، بحيث لا تُهيمن أي جهة على القرارات الميدانية والسياسية.
أي دولة يُطلب منها المشاركة تُختار أيضًا وفق قدرتها على عدم الانحياز إلى محور محدد أو على الأقل التوازن مع محور آخر، وهذا ما يفسر الاهتمام بالدول ذات العلاقة التاريخية مع الكيان الإسرائيلي أو الولايات المتحدة.
5. الاستعداد السياسي والداخلي
الدول المختارة يجب أن تتمتع بدعم سياسي داخلي يسمح بنشر قواتها خارج أراضيها، دون أن تواجه معارضة قوية قد تعرقل المهمة.
في حالة إثيوبيا، بينما تظهر واشنطن اهتمامًا بمشاركتها، يظل القرار رهينًا بالاستقرار الداخلي، ووجود ملفات حساسة مثل تداعيات حرب تيغراي، والضغوط الإقليمية على حدودها.
هذا يبرز أن أي نقاش عن إثيوبيا يجب أن يكون تحليليًا لا افتراضيًا: دراسة موانع وقيود المشاركة تفيد في تقييم الجدوى.
الاستنتاج التحليلي:
- كل دولة مشاركة هي متغير استراتيجي: لا يمكن النظر إليها بمعزل عن قيود التفويض والسيادة والبيئة الميدانية في غزة.
- إثيوبيا كمثال تحليلي: تقدم حالة نموذجية لفهم كيفية تفاعل العوامل الدولية والإقليمية والداخلية في قرار المشاركة، دون افتراض أنها ستشارك.
- التركيز على المعايير يوضح أن نجاح أي نشر للقوة يعتمد على الجمع بين القدرة العسكرية، الشرعية الدولية، التوازن الإقليمي، والاستعداد السياسي الداخلي، وأن أي إخلال بهذه المعايير قد يؤدي إلى فشل المهمة أو تقويضها.
خامسًا: السيناريوهات المستقبلية لمهام القوة الدولية في غزة (ISF)
يمكن بناء السيناريوهات المستقبلية على تقييم متغيرات رئيسية: درجة وضوح التفويض، مستوى التوافق الفلسطيني الداخلي، استعداد الدول المشاركة، واستقرار البيئة الإقليمية والدولية، وفي ضوء ذلك، تظهر أربعة سيناريوهات رئيسية:
أولًا: سيناريو النجاح النسبي وتحقيق الاستقرار
المتغيرات الأساسية: تفويض واضح وصريح، توافق فلسطيني نسبي، دعم إقليمي ودولي فعال، تعاون جزئي من الفصائل.
النتائج المحتملة:
- تحقق قوة ISF مهامها في إدارة المعابر، مراقبة وقف إطلاق النار، والإشراف على إعادة الإعمار.
- تساهم في خلق بيئة مستقرة نسبيًا، تمهّد لمسار سياسي تدريجي لإعادة بناء مؤسسات غزة.
المغزى التحليلي : هذا السيناريو ممكن لكنه مشروط بوضوح التفويض والتوافق الداخلي والإقليمي، ويعكس الحد الأدنى من النجاح الاستراتيجي للقوة.
ثانيًا: سيناريو التآكل التدريجي للصلاحيات
المتغيرات الأساسية: تحفظات فلسطينية، ضغوط إسرائيلية على مناطق محددة، تباين الدعم الدولي.
النتائج المحتملة:
- تعمل ISF على الأرض لكن بمهام محدودة، تتحول تدريجيًا إلى قوة رمزية جزئية التأثير.
- الملفات الأساسية، مثل نزع سلاح الفصائل أو التحكم الكامل في الأمن، تبقى خارج نطاق السيطرة.
المغزى التحليلي: هذا السيناريو يبرز حساسية التوازن بين التفويض والسيادة المحلية، وضرورة وضع آليات مراقبة وتنسيق دقيقة لتجنب فقدان الفعالية.
ثالثًا: سيناريو الصدام مع فصائل المقاومة
المتغيرات الأساسية: رفض الفصائل لأي وجود أجنبي يُنظر إليه كتهديد لنفوذها، ضعف التفويض، تضارب في قواعد الاشتباك.
النتائج المحتملة:
- مواجهات مباشرة أو غير مباشرة مع الفصائل المسلحة، بما يضع القوة الدولية في وضعية طرف فاعل في النزاع.
- إحباط مهمة إعادة الإعمار، وزيادة التوتر السياسي بين الفصائل والحكومة الفلسطينية.
المغزى التحليلي: يظهر أهمية الاستراتيجية السياسية المتكاملة قبل الانتشار العسكري، وحساسية أي خطأ في تقدير البيئة المحلية.
رابعًا: سيناريو الانسحاب المبكر أو انهيار المهمة
المتغيرات الأساسية: فشل التوافق الدولي، انسحاب دول رئيسية، تصعيد أمني.
النتائج المحتملة:
- فراغ أمني جديد، إعادة سيطرة جيش الاحتلال على الأرض، تعطيل جهود الاستقرار والإعمار.
- تعرض المصالح الأميركية والدولية لضغوط أو انتقادات، وفقدان مصداقية الخطط الدولية.
المغزى التحليلي: يوضح أن غياب التخطيط المتكامل للتفويض والقيادة والتنسيق الدولي يمكن أن يؤدي إلى فشل كامل، بغض النظر عن حجم القوة أو تنوع الجنسيات.
الربط التحليلي مع الجنسيات (إثيوبيا كمثال)
- أي سيناريو يتأثر مباشرة بالقدرة والاستعداد السياسي للدول المشاركة.
- إثيوبيا، كمثال، تمثل حالة نموذجية لدراسة متغيرات المشاركة: الاستقرار الداخلي، التجربة العسكرية، العلاقة مع الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة، والقبول الإقليمي.
تحليل السيناريوهات باستخدام هذا النموذج يظهر كيف تؤثر جنسية القوات في نجاح المهمة دون افتراض مشاركة مؤكدة.
الاستنتاج العام:
- نجاح أي نشر للقوة الدولية في غزة مرتبط بشكل وثيق بالتوازن بين التفويض القانوني، السيادة الفلسطينية، التوافق الدولي والإقليمي، والاختيار المدروس للجنسيات.
- السيناريوهات الأربعة تمثل أداة تحليلة لصناع القرار والباحثين لفهم المخاطر والفرص قبل اتخاذ خطوات تنفيذية.
- تحليل الدول كنماذج (مثل إثيوبيا) يسمح بتقدير مرونة القوى الدولية، واحتمالات التكيف مع بيئة معقدة، دون إصدار حكم مسبق على المشاركة الفعلية.
- أي خطة نشر للقوة يجب أن تراعي آليات مساءلة، وضبط مهام، وبنية قيادة واضحة، لتجنب السيناريوهات السلبية وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار.
سادسًا: الخلاصة والاستنتاجات
- التدويل كأداة استراتيجية وليست غاية مستقلة
تظهر الورقة أن فكرة نشر قوة دولية في غزة ليست مجرد تدخل عسكري أو إنساني، بل تمثل أداة أميركية لإعادة ترتيب القوى المحلية والإقليمية.
أي تقييم للنجاح أو الفشل يجب أن يأخذ في الاعتبار حدود التفويض القانوني، درجة السيادة الفلسطينية، التوافق الدولي والإقليمي، واستعداد الدول المشاركة.
2. أهمية التفويض والسيادة
غياب وضوح التفويض أو تجاوز السيادة الفلسطينية يمكن أن يقود إلى تآكل صلاحيات القوة، أو مواجهات مباشرة مع الفصائل، أو حتى الانسحاب المبكر.
التفويض القانوني، الصريح، والمحدد بالمهام، هو شرط أساسي لتحويل القوة الدولية إلى عنصر استقرار حقيقي بدل أن تكون طرفًا في النزاع.
3. اختيار الجنسيات: معيار حاسم للنجاح
القوة الدولية ليست مجرد مجموعة من الجنسيات، بل خليط استراتيجي يجب أن يوازن بين القدرة العسكرية، الشرعية الدولية، والاستعداد السياسي الداخلي للدول المشاركة.
إثيوبيا كمثال تحليلي يوضح كيف تؤثر العوامل الداخلية والخارجية على إمكانية المشاركة ونجاح المهمة، دون افتراض مشاركتها الفعلية.
4. التوازن الإقليمي والدولي
أي نشر للقوة يعتمد على دعم إقليمي ودولي متكامل يحقق التوازن بين الأطراف الفاعلة: مصر، تركيا، قطر، الدول الغربية، والكيان الإسرائيلي.
ضعف هذا التوازن أو تباين أهداف الدول المشاركة يزيد من احتمال تآكل التأثير أو فشل المهمة
5. سيناريوهات المستقبل
تحليل السيناريوهات الأربعة (النجاح النسبي، التآكل التدريجي، الصدام مع الفصائل، الانسحاب المبكر) يوفر أداة تحليلة لصناعة القرار لتقدير المخاطر، وتحديد الإجراءات الموازية التي يمكن اتخاذها لتقليل الفشل المحتمل.
6. الدرس المستفاد لصناع القرار والباحثين
التخطيط المسبق ووضع آليات رقابة، مساءلة، وتنسيق بين الأطراف الدولية والفلسطينية أمر حاسم.
أي خطوة نحو نشر القوة الدولية يجب أن تراعي التفاعل المعقد بين التفويض، السيادة، التوافق الفلسطيني الداخلي، والضغوط الإقليمية والدولية، لضمان أن تتحول القوة إلى عنصر بناء للاستقرار بدلاً من أن تصبح مصدر توتر إضافي.
خلاصة موجزة:
- التدويل في غزة أداة استراتيجية أميركية معقدة، تتداخل فيها الأمن والسياسة والإنسانية.
- نجاح القوة الدولية مشروط بوضوح التفويض، احترام السيادة، اختيار الجنسيات بعناية، والتوازن الإقليمي والدولي.
- إثيوبيا كنموذج تحليلي يظهر كيف يمكن للظروف الداخلية والخارجية أن تحدد فعالية المشاركة دون افتراضها كحقيقة ثابتة.
التــوصيــــات
- توضيح التفويض القانوني للقوة الدولية، يحدد مهام القوة، صلاحياتها، وحدود استخدامها للقوة، بما يتيح تنفيذ المهام دون تجاوز السيادة الفلسطينية.
- ضمان أن يكون التفويض مدعومًا بغطاء أممي، لتجنب وصف القوة بأنها طرف محتَل أو تدخل أحادي.
- الاحترام الكامل للسيادة الفلسطينية، وأن تُنسق مع حكومة وحدة وطنية أو هيئة انتقالية فلسطينية.
- اختيار الجنسيات وفق معايير واضحة بحيث تفي الدول المشاركة بقدرات عسكرية ولوجستية مناسبة، ولها شرعية دولية وإقليمية نسبية.
- وضع آليات واضحة للمساءلة والمتابعة لضمان تنفيذ المهام كما هو مخطط لها، وتجنب الانحرافات أو التجاوزا
- ربط القوة الدولية بجهود سياسية وإنسانية متوازنة وأن تكون القوة الدولية عنصرًا مساعدًا وليس بديلاً عن الحل السياسي.
- دمج جهود إعادة الإعمار، المساعدات الإنسانية، وخلق بيئة سياسية متوازنة يرفع فرص نجاح المهمة ويقلل الاحتكاك مع المواطنين المواطنين وفصائل المقاومة.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-يناير 2026



