تقدير موقف-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
تتناول الورقة المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في غزة، التي أُعلن عن انطلاقها رسميًا في يناير 2026 وتشمل إنشاء “مجلس السلام” الدولي وإدارة تكنوقراطية فلسطينية لإدارة قطاع ما بعد الحرب.
وتقدم قراءة نقدية تُظهر أن الهيكلية المقترحة قد تُقيّد السيادة الفلسطينية وتحوّل القرار الوطني إلى إطار خاضع لتوجيهات خارجية، وتطرح تساؤلات حول جدوى شرط نزع السلاح الكامل على دور المقاومة في المستقبل السياسي.
وتستعرض سيناريوهات محتملة لما بعد التطبيق، من تنفيذ توافقي كامل إلى تنفيذ جزئي تحت ضغوط دولية أو فشل مرحلي وتراجع في تنفيذ البنود.
تختتم الورقة بتوصيات عملية تُشدِّد على توحيد الموقف الوطني، حماية السيادة، وتعزيز الدبلوماسية الفلسطينية لتحقيق مصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه.
مقــدمــــة
في منتصف يناير 2026 أعلنت الولايات المتحدة رسميًا عن انطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء حرب غزة — خطة سياسية–إدارية مترابطة تهدف إلى الانتقال بـالقطاع من حالة وقف إطلاق النار إلى إعادة تشكيل الواقع السياسي والإداري في ما بعد الحرب، وجاءت هذه المرحلة في ظل استمرار القتل والانتهاكات الميدانية في غزة وارتفاع أعداد الضحايا رغم إعلان وقف إطلاق النار الذي تحقق في المرحلة الأولى، مما يعكس هشاشة الوضع الميداني والإنساني في القطاع.
وأعلن ترامب عن تشكيل “مجلس السلام” الخاص بقطاع غزة، الذي سيتولى الإشراف على تنفيذ الخطة، وذلك بعد تكوين اللجنة الوطنية لإدارة غزة — هيئة تكنوقراطية فلسطينية مؤلفة من 15 عضوًا، برئاسة الدكتور علي شعث — لإدارة شؤون الحياة المدنية خلال المرحلة الانتقالية.
ويتكون مجلس السلام — الذي يتولى ترامب رئاسته شخصيًا — من شخصيات دولية بارزة تشمل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، والمستشار جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ورئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا، إلى جانب ممثلين آخرين، وسيكون له دور إشرافي مباشر على اللجنة التكنوقراطية وإدارة المرحلة الانتقالية.
ظهور هذه الهيكلية السياسية–الدولية الجديدة — مجلس السلام وتشكيل لجنة ادارية فلسطينية تحت إشراف دولي — يعكس تحولاً جذريًا في مقاربة إدارة ما بعد الحرب: من سياقات عسكرية وإنسانية إلى إطار سياسي يفرض قواعد إشرافية دولية ومحورية أمريكية في رسم مستقبل غزة.
في الوقت نفسه، يطرح استمرار الخروقات للاتفاقات، وتحفظ الفصائل الفلسطينية على بعض من شروط المرحلة الثانية، تحديات كبيرة أمام تنفيذ الخطة على الأرض.
تأتي هذه الورقة لتحليل المعنى السياسي والآثار المحتملة لهذه المرحلة من الخطة، وتقييم استراتيجيات التعامل الفلسطيني معها من منظور وطني، مع التركيز على كيفية صياغة موقف فلسطيني متماسك، ذي مضامين سياسية واضحة، يحمي الحقوق الوطنية ويصوغ آليات تنفيذ شفافة ومستقلة تتسق مع مصالح الشعب الفلسطيني وتحدياته الراهنة.
أولًا: الخلفية السياسية – من الحرب إلى الانتقال السياسي
بعد أكثر من عامين من العدوان الذي أنهك قطاع غزة ميدانيًا وإنسانيًا وأدى إلى انهيار واسع في البنية التحتية والخدمات الأساسية، برزت معادلة جديدة على الأرض لم تعد تقاس فقط بالنتائج العسكرية، بل بالأبعاد السياسية والإستراتيجية للصراع، ولقد صمدت الفصائل الفلسطينية في وجه آلة الحرب الإسرائيلية وكسرت رهانات “الحسم السريع” التي راهن عليها الجانب الإسرائيلي منذ بداية العدوان، مما أسهم في إحداث توازن ميداني جديد نسبياً يعكس قوة إرادة الفلسطينيين وقدرتهم على مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية.
وفي الوقت نفسه، طرأت تداعيات إنسانية وإقليمية متسارعة هدّدت مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، حيث امتزجت الأزمة في غزة بتعقيدات إقليمية تشمل العلاقات مع أطراف فاعلة مثل مصر، قطر، تركيا، وإيران، إضافة إلى المخاوف من انفجار أزمات إقليمية ممتدة كانت قد بدأت خلال سنوات الحرب، وقد أدركت واشنطن، وفق إعلان المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وإطلاق “المرحلة الثانية” من خطة ترامب، أن إدارة نتائج الصراع تستدعي انتقالاً سياسياً مؤسسيًا لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يشمل إدارة ما بعد الحرب في غزة على قاعدة دمقرطة مؤقتة، وإعادة بناء المؤسسات المدنية الأساسية، وإعادة الإعمار في سياق سياسي جديد يعكس أولوياتها في “ترسيخ الاستقرار” مع الحفاظ على أمن الكيان الإسرائيلي ومصالحه.
وتتضح هذه التحولات من خلال الإعلان عن تشكيل مجلس السلام (Board of Peace) الذي يترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا، ويضم مجموعة من الشخصيات السياسية والدبلوماسية رفيعة المستوى من الولايات المتحدة وحلفائها، في خطوة تؤشر إلى هيمنة توجيهية دولية على مسار المرحلة الثانية من الخطة، ومن بين أعضاء المجلس وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، وصهر ترامب جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ونيكولاي ملادينوف، وممثلين دوليين آخرين، في ما يُعد إطارًا “إشرافيًا استراتيجيًا” لتنفيذ بنود الخطة الـ20، بما في ذلك تشكيل حكومة فلسطينية تكنوقراطية، والإشراف على إعادة الإعمار، وحشد الموارد الدولية، وضمان المساءلة السياسية عبر الإشراف المباشر لمجلس السلام.
هذا التحول في الخطاب الأمريكي من منطق الحرب إلى منطق الإدارة السياسية–السيادية على غزة ضمن إطار دولي يعكس رؤية واشنطن التي تسعى لتجاوز فشل الحسم العسكري في تحقيق أهدافها، نحو محاولة استعادة الدور المركزي في ترسيخ حل سياسي مؤقت تتحكم فيه عبر أدوات منها مجلس السلام، وإدارة مؤقتة فلسطينية تقود “الانتقال” نحو استقرار مزعوم.
ثانيًا: جوهر المرحلة الثانية من خطة ترامب – التوجهات والمكونات
تستند المرحلة الثانية من خطة ترامب إلى هيكل إداري وسياسي جديد لإدارة ما بعد الحرب في قطاع غزة، يرتكز على ثلاثة مكونات رئيسة تم الإعلان عنها رسميًا، وتلعب كل منها دورًا مركزيًا في تنفيذ بنود الخطة الـ20 التي أعلن عنها البيت الأبيض كخارطة طريق لإعادة الإعمار والسلام والاستقرار.
- الانتقال من وقف إطلاق النار إلى إدارة مدنية وتقنية
أعلنت الولايات المتحدة عن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي لجنة تكنوقراط فلسطينية مكونة من 15 شخصية مختصة ستتولى إدارة الحياة المدنية اليومية في القطاع خلال المرحلة الانتقالية، ويترأس هذه اللجنة الدكتور علي شعث، وهو شخصية فلسطينية معروفة بخبرته في الإدارة العامة والتنمية، وقد تم تقديمه رسميًا كقائد لهذه المرحلة الانتقالية.
تتمثل مهام هذه اللجنة في استعادة الخدمات الأساسية، إعادة بناء المؤسسات المدنية، وإرساء أسس الحوكمة المؤقتة، وذلك في إطار خطة شاملة لإعادة الإعمار تعتمد على تمويل وعلاقات دولية واسعة.
وتعمل اللجنة تحت إشراف مجلس السلام الدولي، وهو الهيئة العليا المسؤولة عن توجيه وتنفيذ الخطة، وتؤدي هذه البنية الإشرافية العليا دورًا استراتيجيًا في توجيه ومراقبة تنفيذ الخطة بما في ذلك تضمين التمويل الدولي والإشراف على السياسات العامة.
يُسوَّق هذا الهيكل الإداري الجديد بأنه حل مؤقت وفاعل لتوفير الخدمات وإعادة الحياة المدنية والاستقرار في غزة، إلا أن هيكلته الدولية تثير أسئلة حول مدى استقلالية القرار الفلسطيني وقدرته على الإدارة الذاتية بعيدًا عن تأثير مباشر من مجلس السلام.
2. نزع السلاح الكامل وأثره على المقاومة
تُعد قضية نزع السلاح من فصائل المقاومة الفلسطينية، خصوصًا حركة حماس، من أكثر البنود إثارة للجدل في المرحلة الثانية، وقد كرّستها تصريحات رسمية صدرت عن الإدارة الأمريكية ضمن الخطة نفسها. تُصر واشنطن على أن النزع الكامل للسلاح هو شرط أساسي للانتقال الكامل من حالة الحرب إلى الإدارة المدنية وضمان الاستقرار، وهو ما يُشكِّل ضغطًا سياسيًا وأمنيًا مركّزًا على الفصائل المقاومة.
من منظور الخطة، توَصَل الجانب الأمريكي إلى وضع شرط نزع السلاح الكامل كمدخل لشرعنة ترتيبات ما بعد الحرب، مما يعني أن استمرار الدعم الدولي وتحقيق الانتقال السياسي الكامل مرتبط بتجاوب الفصائل مع هذا الشرط. وفي الوقت نفسه، العلاقات بين الفصائل ونظام الحكم الإقليمي ستكون مفتوحة على تفسيرات متباينة لهذه الشروط، ما يثير تحديات كبيرة في التنفيذ.
هذا الشرط يحمل انعكاسات عميقة على دور المقاومة الفلسطينية في المعادلة السياسية المستقبلية، إذ يمكن أن يؤدي إلى محاصرة حضور الفصائل الفاعلة سياسيًا إلى مجرد أطر مدنية شرطية، في مقابل تسليم ملفات الأمن بالكامل لقوات أو هيئات دولية أو متحالفة مع الخطة.
3. الاستقرار والأمن الإقليمي – مجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية
يتجاوز الهيكل الإداري المحلي الطابع المدني والتقني ليشمل إطارًا أمنيًا وإقليميًا أكبر يُمثّله مجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية، إذ تنص الترتيبات على دعم مجلس السلام الدولي باعتباره الهيئة العليا التي تضع الرؤية العامة لمرحلة ما بعد الحرب، وتشرف على التمويل، وضمان الالتزام بتنفيذ بنود الخطة، وتنسيق الجهود بين الفاعلين الدوليين والعرب، وصولًا إلى استعادة الاستقرار العام في القطاع.
ويُنتظر أن تتضمن المرحلة كذلك قوة استقرار دولية يُفترض أن تعمل تحت إشراف مجلس السلام، بهدف ضمان أمن داخلي نسبي، تسهيل وصول المساعدات، وحماية عمليات إعادة الإعمار، وتأتي هذه القوة في مقدمة الترتيبات الأمنية التي تصورها الخطة، وهي تمثل جزءًا من الإطار الدولي–الإقليمي الذي يُفترض أن يعمل على الحد من تصعيد العنف وضمان تنفيذ الشروط الأمنية الخاصة بالخطة بشكل موحّد.
لكن هذا المكون يثير أسئلة جوهرية حول سيادة القرار الفلسطيني على الأرض، خاصة في ظل إمكانية مشاركات أو تنسيقات خارجية تشمل دولاً متعددة، مما يعيد إنتاج آليات الوصاية أو السيطرة غير المباشرة على قطاع غزة حتى مع انسحاب جزئي للجيش الإسرائيلي.
ثالثًا: قراءة تحليلية نقدية للمرحلة الثانية
تجسد المرحلة الثانية من خطة ترامب تحوّلًا إستراتيجيًا في إدارة ما بعد الحرب في غزة، لكنها في الوقت ذاته تطرح أسئلة جوهرية على مستوى السيادة الفلسطينية، ودور المقاومة، وشروط إعادة الإعمار، وفيما يلي قراءة نقدية تحليلية لثلاثة محاور مركزية:
- الإدارة المدنية والتكنوقراط – بين الواقعية والهيمنة
في الظاهر، تقدم اللجنة الوطنية لإدارة غزة، المكونة من 15 شخصية فلسطينية تكنوقراطية بقيادة علي شعث، بوصفها آلية لإعادة الحياة المدنية وإدارة خدمات السكان خلال المرحلة الانتقالية، إلا أن الهيكلية الفعلية تُظهر طبقة إشراف دولية–أمريكية متقدمة في صُلب العملية السياسية.
مجلس السلام الدولي الذي أعلن عن تشكيله البيت الأبيض سيشرف على عمل اللجنة، ويضم شخصيات دولية بارزة مع حضور مركزي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إضافة إلى مسؤولين من إدارة ترامب وشخصيات دولية أخرى، مثل ماركو روبيو، جاريد كوشنر، توني بلير، نيكولاي ملادينوف، ورؤساء تنفيذيين عالميين مشاركين في مجلس تنفيذي داعم.
وتهدف هذه البنية الإشرافية، وفق خصومها ومحللين دوليين، إلى ضمان تنفيذ الخطة وفق رؤية أمريكية–دولية قد لا تتوافق دائمًا مع الأولويات الوطنية الفلسطينية، ما يعيد إلى الواجهة مخاوف من تقييد القرار الفلسطيني المستقل وتحويل اللجنة إلى أداة تنفيذ ترتيبات سياسية مفروضة خارجيًا.
التحليل النقدي:
- رغم أنها تبدو كهيئة لإدارة خدمات السكان ومعالجة الأزمات الإنسانية، فإن وجود مجلس سلام دولي يشرف على عملها يطرح إشكالات حول حدود السيادة الواقعية التي يمكن أن تمارسها اللجنة دون توجيه أو إرادة خارجية.
- هذا الإطار قد يؤدي إلى تقليص دور المؤسسات الفلسطينية القائمة وإحلال آليات بديلة تُدار بتأثير خارجي مباشر، ما يمس جوهر حق تقرير المصير والسيادة.
2. نزع السلاح والمقاومة الفلسطينية
أحد أكثر البنود المثيرة للجدل في المرحلة الثانية هو موضوع نزع السلاح من الفصائل الفلسطينية، وخصوصًا من حركة حماس، والذي ظهر بصورة واضحة في تصريحات مسؤولي الإدارة الأمريكية حول الخطة.
وأشارت الإدارة الأمريكية إلى أن المرحلة الثانية تشمل بدء تنفيذ عملية نزع السلاح من جميع فصائل المقاومة المسلحة، وقد أكدت واشنطن أن ذلك شرط أساس لاستمرار الانتقال إلى الإدارة المدنية.
وطُرح في بعض التصريحات والتحليلات، أيضًا خيار تفكيك الأسلحة الثقيلة أو تخزينها تحت إشراف دولي كبديل محتمل لنزع السلاح الكامل، في محاولة لتقديم صيغة قد تكون أكثر قابلية للتنفيذ عمليًا.
التحليل النقدي:
- محاولة ربط تنفيذ الخطة بنزع السلاح الكامل تطرح إقصاءً فعليًا لدور المقاومة التي لعبت دورًا بارزًا في موازنة القوة خلال الحرب، مما دفع الكثير من المحللين إلى اعتبار هذا البند محاولة لإضعاف الفعل السياسي الميداني الفلسطيني.
- هناك أيضاً مخاوف من أن الشروط المتعلقة بنزع السلاح تُستغل كـ أداة ضغط سياسي لإخضاع الفصائل لآليات إدارة وتفاوض قد لا تحقق مكاسب وطنية حقيقية، وقد توجِّهها متطلبات خارجية لا ترتبط مباشرة بأولويات المجتمع الفلسطيني.
- بالإضافة إلى ذلك، لا يزال تنفيذ نزع السلاح فعليًا غير مضمون، خاصة في ظل معارضة الفصائل واستمرار رفض الكثير منها التخلي عن سلاحها باعتباره جزءًا من حق المقاومة، مما يشكل تقاطعًا مع الواقع الميداني والمعيقات الموضوعية لتنفيذ هذا الشرط.
3. إعادة الإعمار والربط بالالتزامات السياسية
أُعلن رسميًا أن المرحلة الثانية تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار، لتشمل إعادة الإعمار وإعادة بناء قطاع غزة ضمن إستراتيجية شاملة.
و تشدد إدارة ترامب على أن تنفيذ إعادة الإعمار سيكون في إطار ترتيبات سياسية محددة تشمل الالتزام بالشروط الأمنية ونزع السلاح، إضافة إلى إشراف مجلس السلام على التمويل الدولي والتنسيق العام.
التحليل النقدي:
- ربط إعادة الإعمار بالتوافق السياسي الشامل يضع السكان الفلسطينيين في موقع الانتظار وربما الابتزاز، حيث قد تُستخدم المساعدات والتمويل كأدوات ضغط سياسي لتحقيق أهداف تتصل بالانسحاب من مطالب وطنية أساسية مثل السيادة الكاملة واستقلال القرار السياسي.
- في الوقت ذاته، المعوقات اللوجستية والإنسانية الحقيقية لإعادة الإعمار كبيرة للغاية، كما تظهر التقديرات الدولية حول الحاجة إلى موارد ضخمة لإعادة بناء البنى التحتية في ظل تدمير هائل، وهذا من شأنه أن يزيد من تعقيد الربط بين التنفيذ السياسي والإغاثة الإنسانية.
خلاصة التحليل النقدي
في مجموع مكوناته، تبدو المرحلة الثانية من خطة ترامب، رغم ما تُسوَّق له من أهداف إنسانية ومعمارية، محمّلة بشروط سياسية قاسية ومشروطة، تجعل من الإدارة الفلسطينية التكنوقراطية ذات صلاحيات محدودة، وتطرح أسئلة حول مدى استقلال القرار الفلسطيني الحقيقي في هذا السياق.
تشير المعطيات إلى أن العناصر الثلاثة — الإدارة المدنية تحت إشراف دولي، نزع السلاح المرتبط بالتحولات السياسية، وربط إعادة الإعمار بالالتزامات السياسية — تُشكل في مجملها آلية لإعادة هندسة الواقع السياسي في غزة بوجود إشراف دولي قوي يهيمن عليه الجانب الأمريكي.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة لما بعد التطبيق
ترتكز المرحلة الثانية من خطة ترامب على مجموعة من البنود السياسية، الأمنية، والاقتصادية التي قد تفضي إلى مسارات متعددة في ما بعد التنفيذ، سواء من جهة الفاعلين المحليين الفلسطينيين أو التفاعل الدولي–الإقليمي حول الخطة، وفيما يلي قراءة تحليلية للسيناريوهات الأبرز المحتملة:
- تنفيذ توافقي شامل على بنود المرحلة الثانية
في هذا السيناريو، يتم تنفيذ بنود المرحلة الثانية كاملة، بما في ذلك:
دعم إدارة تكنوقراطية فلسطينية بقيادة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، تعمل بالتنسيق مع “مجلس السلام” الدولي، لإشراف شامل على التنفيذ.
نزع السلاح التدريجي من الفصائل الفلسطينية، خاصة في ظل ضغوط أمريكية متزايدة لإخضاع السلاح، كما أشار إعلان المرحلة الثانية وتركيز المبعوث ويتكوف على ضرورة نزع سلاح حركة حماس.
تنفيذ إعادة الإعمار بمشاركة دولية وإيرادات واسعة، مع دعم سياسي من مجلس السلام، وإشراك وسطاء إقليميين في تأمين التمويل والتنفيذ.
نتائج هذا السيناريو المحتمل:
- استقرار نسبي طويل الأمد في غزة إذا ما التزمت كل الأطراف بما هو متفق عليه.
- تعظيم دور المؤسسات الدولية في إدارة الفترة الانتقالية.
- إمكانية تحوّل غزة لإطار إداري تحت إدارة تكنوقراط فلسطينية بدعم دولي واضح، ما قد يفتح أبوابًا لإعادة بناء البنى التحتية المنهارة.
- مع ذلك يظل التنفيذ مشروطًا بالتوافق مع فصائل المقاومة الفلسطينية، وإمكانية تعديل بعض البنود وفق الواقع الميداني والضغوط السياسية.
2. تنفيذ جزئي تحت ضغوط دولية مع إعاقة الشروط الكبرى
في هذا السيناريو، يتم تنفيذ بعض البنود الضرورية من الخطة، بينما تواجه البنود الأكثر إثارة للجدل، مثل نزع السلاح الكامل وتفويض كامل للإدارة التكنوقراطية، مقاومة قوية من الفصائل الفلسطينية أو رفضًا شعبيًا واسعًا، ما يحدّ من النجاحات.
خصائص هذا السيناريو:
- استمرار عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة في القطاعات الإنسانية والخدمات الأساسية فقط دون تنفيذ كامل للترتيبات السياسية الكبيرة.
- بقاء قدر من الهيكلية الحالية للمقاومة والقوة على الأرض بدلًا من نزع السلاح الكامل، مع احتمال بقاء وجود الأجهزة الأمنية المحلية في مشهد ما بعد الحرب.
- استمرار الأزمة السياسية مفتوحة أمام عملية تفاوض مطولة، مع تدخلات دولية متذبذبة بين الضغط والمساومة من أجل تنفيذ شروط معينة.
- احتمال تضييق أو تعديل بنود مجلس السلام بعد تدخل أطراف وسيطة أو ضغوط إقليمية (مثل الوساطة القطرية–المصرية–التركية).
نتائج هذا السيناريو:
- استقرار جزئي قد يحدّ من تفاقم الأزمة الإنسانية، لكن دون أن يحسم الأزمة السياسية.
- خلق توازن هش بين مطالب الفصائل وشروط الخطة، مع مخاطر تجدد التوتر إذا ما ظلت القضايا الجوهرية معلقة.
- إمكانية استمرار بروز خطاب المقاومة في الصيغة السياسية دون التنازل الكامل عن السلاح.
3. فشل مرحلي وتراجع في تنفيذ البنود الأساسية
في هذا السيناريو، يؤدي الرفض الشعبي أو الميداني القوي لما تنطوي عليه المرحلة الثانية إلى تعثر تنفيذها أو تراجع واضح في التقدم نحو تطبيقها، نتيجة:
- عدم قبول الفصائل بالاشتراطات المتعلقة بنزع السلاح الكامل أو بعض الشروط الأخرى التي تُعدّ من أولوياتهم الاستراتيجية.
- استمرار الخلافات بين الفصائل الفلسطينية حول دور اللجنة التكنوقراطية، ورفضها دمج هذه اللجنة في إدارة شؤون غزة بشكل حاسم.
- انتكاسات سياسية أو ميدانية تُضعف قدرة مجلس السلام على فرض تنفيذ بنود المرحلة الثانية وفق جدول زمني محدد.
آثار هذا السيناريو:
- استمرار حالة الانسداد السياسي، مع احتمال تجدد التوترات الميدانية في حال اتسع الشرخ بين الفصائل من جهة، والضغوط الدولية من جهة أخرى.
- تعميق الأزمة الإنسانية إذا ظل تنفيذ الشروط المرتبطة بالإغاثة أو إعادة الإعمار معلّقًا أو مشروطًا بتحولات سياسية لم تتحقّق.
- احتمال وصول الأطراف الدولية إلى سيناريوهات بديلة، بما فيها إعادة النظر في دور مجلس السلام أو تعديل الشروط من أجل إنقاذ المسار السياسي.
تقدير عام
بين تنفيذ توافقي كامل، وتنفيذ جزئي تحت ضغوط، وفشل مرحلي، تبدو الاحتمالات مفتوحة ومتداخلة، وليست خطية، وذلك بسبب تعقيد المشهد على المستويات:
الداخلي الفلسطيني (اختلاف مواقف الفصائل وأولوياتها).
الإقليمي (مدى فاعلية الوساطات العربية والدولية).
والدولي (مدى استمرار الضغوط الأمريكية والإسرائيلية لتطبيق شروط معينة مثل نزع السلاح والحوكمة الدولية).
وفي كل سيناريو، يبقى تفاعل القوى الفلسطينية المحلية والقدرة على تعبئة التأييد الشعبي عاملين حاسمين في تحديد ما إذا كانت المرحلة الثانية ستؤدي إلى استقرار مستدام أم تجدد الصراع أو انحسارٍ في التأثير الوطني الفلسطيني.
الخــلاصــــة
إن المرحلة الثانية من خطة ترامب في غزة تمثل نقطة تحوّل محورية في إدارة مسار ما بعد الحرب، إذ تنتقل الصيغة من وقف إطلاق النار والبحث عن تهدئة مؤقتة إلى حالة إدارة سياسية–إدارية تحت إشراف دولي متقدم عبر مجلس السلام ولجنة تكنوقراط فلسطينية، وقد تم الإعلان رسميًا عن تشكيلة مجلس السلام، الذي يترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويضم شخصيات دولية مؤثرة بهدف توجيه وتنفيذ بنود الخطة، ما يؤكد أن الهيكل السياسي الذي تستبطنه المرحلة الثانية يخرج عن نطاق الترتيبات المحلية الضيقة إلى صيغة إشرافية دولية واسعة.
من جهة، تبدو هذه الخطة – وفق الإعلان الأمريكي – كفرصة لترتيب الوضع الخدمي والمدني في قطاع غزة وتفعيل لجنة تكنوقراطية قادرة على إدارة الحياة المدنية، إضافة إلى مسارات إعادة الإعمار التي طال انتظارها. ومع ذلك، فإن ربط تنفيذ هذه الخطة بشروط سياسية مركزية مثل نزع السلاح الكامل، وإشراف دولي عميق يهيمن عليه الجانب الأمريكي، واستمرار عمل مجلس السلام في التنسيق مع الفاعلين الدوليين، يجعل من هذه المرحلة أكثر سياسية من كونها مجرد مرحلة انتقالية نحو الاستقرار.
كما أن استمرار الانتهاكات الأمنية والقتل المتكرر للمواطنين الفلسطينيين حتى مع انتقال الخطة إلى مرحلتها الثانية يوضّح أن وقف الحرب لم يتحول بالكامل إلى هدنة مستدامة، وأن جهود إعادة الإعمار وإدارة المرحلة الانتقالية ستظل مرتبطة بعدم استقرار الأوضاع الميدانية على الأرض.
وفي هذا السياق، يتأكد أن الانتقال إلى إدارة مدنية وتقنية حقيقيتين، مع تحقيق سيادة فلسطينية كاملة، لن يتحقق إلا عبر توافق وطني شامل يجمع الفصائل الفلسطينية، ودعم عربي وإقليمي، ومشاركة حقيقية في صياغة تفاصيل المرحلة القادمة، ورغم أن الخطة – كما أعلنها الطرف الأمريكي – تحمل عناصر لإعادة الإعمار والاستقرار، فإن الشروط السياسية والأمنية التي وضعتها الإدارة الأمريكية ترتبط بشكل وثيق بإرادتها في التحكم بالمسار، ما يطرح تحديات جدية أمام السيادة الفلسطينية وتقرير المصير.
وبناءً على ذلك، فإن أفق المرحلة الثانية سيظل مرهونًا بتفاعل القوى الفلسطينية داخليًا، ومدى قدرتها على توحيد الموقف الوطني، وبتوازن القوى الإقليمي والدولي، وعلى قدرة المجتمع الدولي على احترام الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ضمن إطار القانون الدولي، وفي غياب ذلك، تبقى هذه الخطة رغم أهميتها السياسية محكومة بإشكالات ممكنة على مستوى السيادة، وعرضة للتحولات التي قد تعيد صياغة المشهد السياسي في غزة بما يخدم مصالح خارجية أكثر من مصالح الشعب الفلسطيني ذاتها.
التــوصيــــات
- توحيد الموقف الفلسطيني الرسمي والميداني، مع العمل على وفق وثيقة وطنية جامعة تُحددالمواقف المتفق عليها وتمنع أي استغلال أو تفرق سياسي خارجي.
- رفض أي ترتيبات أو إجراءات تُقدّم الهيمنة الدولية على الحساب الفلسطيني، مع التشديد على أنه لا يمكن التخلي عن حقوق السيادة الوطنية والسيادة على الموارد والمؤسسات مقابل وعود إعادة الإعمار أو التمويل.
- التأكيد على أن إدارة غزة يجب أن تكون فلسطينية 100%، وأن أي دور دولي يجب أن يكون شريكًا داعمًا وليس وصيًا، مع ضمان عدم تقويض القرار الوطني أو تفكيك بنية المقاومة الفلسطينية خارج إطار المصالح الوطنية.
- رفض نزع السلاح الكامل كشرط أساسي لتنفيذ المرحلة الثانية، مع المطالبة بصيغة نزع سلاح مشروط ومتدرّج، يضمن حماية الشعب الفلسطيني دون ترك منافذ لإضعاف قدرته على الدفاع عن ذاته وكرامته.
- إطلاق مبادرات دبلوماسية مكثفة على المستويين الإقليمي والدولي، تهدف إلى كسب دعم أكبر من دول مؤثرة في مجلس الأمن والدول الكبرى لشرعية الموقف الفلسطيني، وربط أي ترتيبات تنفيذية بالخطة بـ التزامات قانونية دولية واضحة تحصر التزامات الحكومة الإسرائيلية وتضمن مراقبة تنفيذها.
- المطالبة بتأسيس صندوق إعمار فلسطيني مستقل تحت إشراف فلسطيني وأحكام قانونية دولية، يُمنع تحويله إلى أداة ضغط أو تدخل في القرار السياسي الداخلي.
- ربط المساعدات بتقرير احتياجات المجتمع الفلسطيني بشكل واضح، وإشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص الفلسطيني في التخطيط والتنفيذ لضمان الشفافية والكفاءة.
- التأكيد على حق العودة، حق تقرير المصير، ووقف أي تهجير قسري أو محاولة لتغيير التركيبة السكانية في غزة أو في أي جزء من الأراضي الفلسطينية.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-يناير 2026



