تقرير نتنياهو عن 7 أكتوبر: إدارة الإخفاق وإعادة توزيع المسؤولية

دراسة تحليلية في الشؤون الإسرائيلية-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي

تستعرض هذه الورقة تحليل تقرير نتنياهو حول إخفاق الأجهزة الأمنية في توقع هجوم 7 أكتوبر ، مع التركيز على استراتيجية تحميل المسؤولية وإعادة تعريف الإخفاق، وتوضح الورقة أن التقرير أعاد تصوير الإخفاق على أنه قصور استخباراتي–عملياتي، متجاهلاً الدور البنيوي للسياسات السياسية طويلة الأمد.

كما تكشف الاقتباسات عن عمق العمى الأمني والثغرات في تقييم سلوك حماس، مقابل محاولة تصوير المستوى السياسي كمبادر ومتقدم في قراءة التهديد، ويشير التحليل إلى أن التقرير استُخدم كأداة صراع سياسي داخلي لإبعاد المسؤولية عن نتنياهو وتبرئة المستوى السياسي، وتؤكد الورقة أن الإخفاق لم يكن مجرد قصور معلوماتي، بل انعكاس لإطار استراتيجي جامد وضعف التفسير والتحليل الأمني.

تبرز أهمية قراءة هذا الجدل الإسرائيلي الداخلي من منظور فلسطيني تحليلي، بما يتيح استثمار التناقضات في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، وتعزيز القدرة على التقدير والتخطيط في مواجهة سياسات ثبت عجز افتراضاتها عن تفسير الواقع أو السيطرة عليه.

المقـدمــــة

جاء تقرير رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول أحداث السابع من أكتوبر في سياق سياسي وأمني شديد الحساسية، يتداخل فيه البحث عن المسؤولية مع الصراع على الرواية والشرعية داخل المنظومة الإسرائيلية، فعوض أن يشكّل التقرير مدخلًا لمراجعة شاملة لمسار صنع القرار الأمني والسياسي الذي سبق الهجوم، بدا أقرب إلى محاولة منهجية لإعادة تعريف الإخفاق وحصره في مستوياته الاستخباراتية والعملياتية، مع تحميل الجيش وجهاز الشاباك المسؤولية الحصرية عن الفشل.

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن إخفاق 7 أكتوبر لا يمكن فهمه بوصفه قصورًا استخباراتيًا معزولًا، بل باعتباره نتاجًا لإطار سياسي–استراتيجي طويل الأمد قاده المستوى السياسي نفسه، وقام على سياسات الاحتواء، والرهان على الردع الاقتصادي، وتهميش سيناريوهات الخطر غير التقليدية، وتجادل الورقة بأن تقرير نتنياهو لا يكتفي بتقديم قراءة انتقائية للإخفاق، بل يوظّف الاقتباسات الأمنية ذاتها كأداة خطابية لإعادة توزيع المسؤولية والتنصل منها.

وانطلاقًا من ذلك، تسعى الورقة إلى تفكيك مضامين التقرير من خلال تحليل منهجي للاقتباسات الواردة فيه، وربطها بالسياق السياسي الذي أنتجها، وصولًا إلى الإجابة عن السؤال التحليلي المركزي: إلى أي مدى يعكس تقرير نتنياهو تقييمًا مهنيًا للإخفاق الأمني في 7 أكتوبر، وإلى أي مدى يُستخدم كأداة سياسية لإعادة صياغة المسؤولية وتحصين المستوى السياسي من المساءلة؟.

أولًا: استراتيجية تحميل المسؤولية وإعادة تعريف الإخفاق

يركّز تقرير نتنياهو على اقتطاع فقرات ومحاضر من جلسات الكابينت والجلسات الأمنية التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، في محاولة لإظهار المؤسسة العسكرية وجهاز الشاباك بوصفهما المسؤولين الحصريين عن الفشل، ويعاد تعريف الإخفاق في التقرير على أنه “إخفاق استخباراتي–عملياتي” محض، يتمثل في العجز عن رصد نوايا حماس الحقيقية أو تقدير قدرتها على تنفيذ هجوم واسع النطاق.

وفق التقرير، كانت التقديرات الاستخبارية السائدة تشير إلى أن حماس “مردوعة” وتسعى لتحسين واقعها الاقتصادي في القطاع، وأن أقصى ما يمكن أن تقوم به هو عمليات محدودة بعشرات المقاتلين، ويستخدم نتنياهو هذه التقديرات لإظهار أنه لم يتلقَّ أي إنذار مبكر يستوجب اتخاذ قرارات استباقية واسعة.

إلا أن قراءة دقيقة لاقتراحات وتقديرات الأجهزة الأمنية نفسها تكشف أن هذه التقديرات لم تُنتج في فراغ، بل كانت جزءًا من سياسة طويلة الأمد صاغها المستوى السياسي نفسه، فالتصور الأمني الذي اعتبر حماس “مطيعة” ومهتمة بالاقتصاد يعكس اعتمادًا على استراتيجية الاحتواء والسياسات الاقتصادية والأمنية الرامية إلى تثبيت الردع دون مواجهة شاملة.

الاقتباسات الواردة في التقرير – مثل التأكيد على أن الجدار الحدودي والعقوبات الاقتصادية والتسهيلات الأمنية تمثل أدوات للطمأنة – توضح أن الأجهزة لم تتصرف بمعزل عن السياسة، بل عملت ضمن إطار سياسي محدد وموجه منذ سنوات.

بالتالي، فإن إعادة تعريف الإخفاق على أنه مجرد قصور استخباراتي، كما فعل التقرير، تُغفل البعد السياسي للإخفاق، وتحوّل مسؤولية فشل التنبؤ بالهجوم إلى الأجهزة الأمنية، بينما المستوى السياسي، الذي أسس للتصورات والممارسات التي استندت إليها هذه التقديرات، يظل بعيدًا عن أي مساءلة.

ثانيًا: نتنياهو بين التنصل والادعاء بالتحذير المبكر

يحاول تقرير نتنياهو تقديمه بوصفه سياسيًا حذرًا ومتقدمًا في قراءة التهديدات، مدعيًا أنه سعى خلال عام 2023 لتوجيه ضربات استباقية ضد حماس، بما في ذلك تصفية قيادات بارزة مثل محمد الضيف ويحيى السنوار، إلا أن الجيش والشاباك – وفق روايته – أحبطوا هذه التوجهات، وتُستخدم هذه السردية لإعادة رسم صورة مسار صنع القرار، حيث يظهر المستوى السياسي كطرف مبادر ومؤثر، مقابل مؤسسة أمنية مترددة أو أسيرة تقديرات خاطئة.

لكن فحص الاقتباسات الواردة في التقرير يظهر تناقضًا جوهريًا: تقديرات رئيس الشاباك رونين بار، وزير الجيش يوآف جالانت، وقائد الأركان هرتسي هليفي لم تكن اجتهادات مستقلة، بل انعكاس مباشر للسياسات طويلة الأمد التي أرساها نتنياهو نفسه، وهذه السياسات كانت مبنية على معادلة الردع مقابل الهدوء و”التسهيلات الاقتصادية مقابل ضبط السلوك”، والتي شكلت الإطار العام لتقديرات الأجهزة الأمنية.

بالتالي، يُظهر الادعاء بأن نتنياهو حاول التحذير المبكر أو المبادرة بقرارات استباقية كأداة خطابية لإعادة توزيع المسؤولية بعيدًا عنه، فالتحليل يُشير إلى أن التقرير لا يعكس المسار الواقعي لصنع القرار، بل يستخدم الاقتباسات والأحداث السابقة لتبرئة المستوى السياسي من أي مسؤولية في الإخفاق الأمني، متجاهلاً أن الإطار السياسي هو الذي حدّد معايير وأسس تقييم التهديدات، وبالتالي كان جزءًا من السبب في عدم كشف قدرة حماس على تنفيذ هجوم واسع.

ثالثًا: العمى الأمني كما تكشفه الاقتباسات لا كما يفسّره التقرير

تُظهر الاقتباسات المنقولة عن رئيس الشاباك رونين بار، وزير الجيش يوآف جالانت، وقائد الأركان هرتسي هليفي في الأيام والساعات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر إجماعًا شبه كامل على استبعاد سيناريو الهجوم الواسع والاكتفاء برفع الجاهزية بشكل سري لتجنب “سوء التقدير” لدى الطرف الآخر.

تصريح رونين بار: أشار إلى أن احتمال قيام حماس بعملية واسعة ضعيف جدًا، مما يعكس اعتمادًا على افتراضات مسبقة عن عقلانية الخصم، بدل التحليل المستقل لمؤشرات التحرك.

تصريح يوآف جالانت: أكد أن حماس غير معنية بالتصعيد، وهو ما يكشف عن ثقة مفرطة بالتصورات السابقة دون مراجعة دقيقة للوقائع الجديدة.

تصريح هرتسي هليفي: تناول أسلوب تفكير قائد حماس يحيى السنوار، موضحًا ربط السلوك بتفسيرات تاريخية وشخصية، متجاهلًا إمكانية المبادرة غير المتوقعة.

تشير هذه الاقتباسات إلى خلل منهجي أعمق في التفكير الاستراتيجي، حيث تم إسقاط تصورات مسبقة على سلوك حماس بدلاً من التعامل معها كفاعل عسكري–سياسي قادر على المبادرة وكسر القواعد. يعكس هذا أن الإخفاق لم يكن مجرد قصور في جمع المعلومات، بل فشلًا في معالجة وتحليل البيانات ضمن إطار استراتيجي واقعي ومتغير.

رابعًا: ما الذي لا يقوله التقرير؟

يكشف هذا القسم عن الثغرات الجوهرية التي يغفل عنها تقرير نتنياهو، حيث يتجنب تناول الأسئلة المركزية المتعلقة بمسؤولية المستوى السياسي في إخفاقات 7 أكتوبر:

دور المستوى السياسي في ترسيخ التصور السائد بأن حماس “غير معنية بالحرب”، وهو تصور تأسس على مدار سنوات من السياسات التي قادها نتنياهو نفسه.

مسؤولية القيادة السياسية عن تهميش سيناريوهات الخطر غير التقليدية، بما في ذلك الهجمات عبر الأنفاق أو العمليات المفاجئة التي يمكن أن تكسر نمط الردع التقليدي.

تأثير الانشغال بالأزمات الداخلية الإسرائيلية، بما يشمل الصراعات السياسية والأمنية، على قدرة الأجهزة على قراءة المشهد بدقة والاستجابة بشكل مناسب.

كما يتجاهل التقرير أن الإخفاق لم يكن مجرد قصور في جمع المعلومات، بل كان فشلًا منهجيًا في تفسيرها وتوظيفها سياسيًا وعسكريًا، ضمن إطار تصوري جامد لم يعد صالحًا للتعامل مع المتغيرات الميدانية والاستراتيجية، ويظهر التحليل أن هذا الإطار يعكس خللًا أعمق في عملية صنع القرار والسياسات الاستراتيجية، وليس مجرد أخطاء استخباراتية محدودة.

خامسًا: من تقرير أمني إلى أداة صراع سياسي

يتحوّل تقرير نتنياهو من وثيقة تقييم مهني إلى أداة في صراع سياسي داخلي، حيث تُستخدم المعلومات والاقتباسات الحساسة لخدمة أهداف سياسية وشخصية، وقد وصف محللون إسرائيليون، وعلى رأسهم رونين برغمان، التقرير بأنه “خليط من الأكاذيب والاجتزاء المتعمد”، معتبرين أن نتنياهو استغل معلومات بالغة السرية في سياق الصراع الداخلي، بما يشكل انتهاكًا للأعراف والقوانين المتعلقة بسرية النقاشات الأمنية.

تكشف هذه الانتقادات أن التقرير لم يُستقبل بوصفه وثيقة تقييم مهنية، بل كجزء من معركة على الذاكرة والمسؤولية داخل الكيان الإسرائيلي، خاصة في ظل الجدل حول تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 أكتوبر، ويؤكد التحليل أن التقرير لا يعالج الإخفاق الأمني بموضوعية، بل يُوظف سياسياً لتبرئة المستوى السياسي من تبعات الفشل، ما يعكس الصراع المستمر بين السياسيين والأجهزة الأمنية وتأثيره على القدرة على التعلم المؤسسي وإعادة صياغة السياسات الاستراتيجية.

الخلاصة والاستنتاجات

تُظهر هذه الورقة أن تقرير بنيامين نتنياهو لا يمكن قراءته بوصفه وثيقة تقييم أمني مهنية ومحايدة، بل باعتباره جزءًا من إدارة سياسية للإخفاق في 7 أكتوبر، تقوم على إعادة تعريف طبيعة الفشل وتحميل مسؤوليته للمستويين العسكري والاستخباراتي، مع تحييد دور المستوى السياسي، فالإخفاق، كما تكشف الاقتباسات نفسها التي استند إليها التقرير، لم يكن مجرد قصور في جمع المعلومات أو تقديرها، بل نتاج إطار استراتيجي وسياسي جامد ترسّخ عبر سنوات من سياسات الاحتواء، والرهان على الردع الاقتصادي، وتهميش سيناريوهات الخطر غير التقليدية.

كما تبيّن الورقة أن محاولة تصوير نتنياهو بوصفه طرفًا محذِّرًا ومبادرًا تتناقض مع واقع كونه رأس الهرم السياسي الذي صاغ البيئة التصورية التي عملت ضمنها الأجهزة الأمنية، ما يجعل التنصل من المسؤولية أداة خطابية أكثر منه قراءة نقدية للإخفاق، ويؤكد التحليل أن توظيف التقرير في سياق الصراع السياسي الداخلي الإسرائيلي يضعف فرص التعلّم المؤسسي والمساءلة الحقيقية، ويحوّل الإخفاق الأمني إلى مادة لتصفية الحسابات بدل أن يكون مدخلًا لإعادة بناء المنظومة الاستراتيجية.

في المحصلة، يخلص البحث إلى أن فهم إخفاق 7 أكتوبر يستوجب تجاوز السرديات التجزيئية، والانتقال إلى مقاربة شاملة تدمج بين الأبعاد الاستخباراتية والعسكرية والسياسية باعتبارها حلقات مترابطة في منظومة صنع القرار، كما تبرز أهمية قراءة هذا الجدل الإسرائيلي الداخلي من منظور فلسطيني تحليلي، بما يتيح استثمار التناقضات في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، وتعزيز القدرة على التقدير والتخطيط في مواجهة سياسات ثبت عجز افتراضاتها عن تفسير الواقع أو السيطرة عليه.

التـوصيــــات

  1. تطوير آليات تحليل دقيقة لمتابعة السياسات والاستراتيجيات الإسرائيلية، مع الاعتماد على مصادر متعددة لتجنب الاعتماد على معلومات مجتزأة.
  2. الاستفادة من الثغرات في التقديرات الأمنية، وفهم كيف أن الإطار السياسي–الأمني الإسرائيلي يعتمد على افتراضات مسبقة حول حماس، لاستغلال هذه الثغرات في التخطيط السياسي والإعلامي.
  3. تسليط الضوء على الانحياز السياسي في الخطاب الإسرائيلي، وإبراز كيفية استخدام التقارير الأمنية داخليًا كأدوات سياسية، لتعزيز الموقف الفلسطيني في المحافل الدولية والإعلامية.
  4. تعزيز قدرات التفسير والتوظيف السياسي للمعلومات، والتأكد من أن أي تقديرات تتعلق بالعدو تُحلل ضمن سياق سياسي واستراتيجي أوسع، وليس فقط على أساس معلومات استخباراتية جزئية.
  5. المراقبة الدقيقة للصراع الداخلي الإسرائيلي، ومتابعة الصراعات السياسية والأمنية الداخلية في الكيان الإسرائيلي لفهم انعكاساتها على السياسات تجاه الفلسطينيين.
  6. الاستفادة من إخفاقات الجانب الإسرائيلي في تطوير استراتيجيات فلسطينية أكثر مرونة، تتيح التنبؤ بالخطوات الإسرائيلية والاستجابة لها بفعالية.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-فبراير  2026

شارك:

المزيد من المقالات

الانتخابات الفلسطينية 2026: بين الديمقراطية الشكلية والتحديات الوطنية

هل تمثل الدعوة إلى الانتخابات في هذا التوقيت أولوية وطنية حقيقية لإعادة بناء المشروع الوطني وتجديد الشرعية، أم أنها مجرد آلية لإدارة الأزمة السياسية داخلياً ودولياً، على حساب الأولويات الوطنية الحقيقية للصمود والمواجهة؟

الضم الزاحف في الضفة الغربية: قراءة تحليلية للقرارات الإسرائيلية الأخيرة وآثارها القانونية والجغرافية

تستهدف هذه الورقة قراءة هذه الخطوات كحلقة متقدمة في مسار تراكمي، يسعى إلى فرض وقائع قانونية وجغرافية دائمة على الأرض، بما يؤدي إلى مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، خصوصًا في المناطق المصنفة (C) وفي الأغوار، ويقوّض قدرة أي كيان فلسطيني على البقاء متصلاً وجغرافيًا وقابلًا للحياة