تقدير موقف استراتيجي-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
تستعرض هذه الورقة المرحلة الثانية بعد الحرب في غزة، حيث يتحول التركيز من إدارة الصراع العسكري إلى إعادة ترتيب المشهد الأمني ضمن بيئة هشّة ومعقدة، وتحلل الورقة السياق الداخلي، والانقسامات السياسية، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتأثير الاحتلال والفاعلين الإقليميين والدوليين.
وتقدم مقاربة عقائدية واقعية للأمن ترتكز على حماية المجتمع، وضبط الأجهزة، وإدارة السلاح تدريجيًا.
وتركز التوصيات على خطوات قابلة للتنفيذ تشمل تعزيز الأمن المجتمعي، دمج المجتمع المدني، تفعيل الرقابة الداخلية، وربط الأمن بالواقع الاقتصادي والاجتماعي.
الورقة تقدم إطارًا عمليًا وواقعيًا، يمكن البناء عليه لتحقيق استقرار نسبي طويل الأمد، مع الحفاظ على الاستقلالية الوطنية والشرعية الداخلية.
مقدمــــة
يمثل قطاع غزة نموذجًا فريدًا لتداخل الأبعاد الأمنية والسياسية والاجتماعية، وبعد انتهاء الحرب الأخيرة ، دخل القطاع ما يُعرف بـ “المرحلة الثانية”، وهي مرحلة انتقالية تتجاوز وقف إطلاق النار إلى إعادة ترتيب المشهد الأمني وإعادة ترتيب موازين السيطرة والإدارة.
المرحلة الثانية تتسم بطابع هش ومعقد، إذ تتفاعل فيها عوامل متعددة: ضعف الإطار المؤسسي، الانقسام السياسي، الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتأثير الاحتلال وأطراف إقليمية ودولية على الأرض، وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأمني مركزيًا: من يدير الأمن؟ وكيف تُحفظ الشرعية والقدرة على الحماية دون إطار دولة مكتمل؟
تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل واقعي وعميق لإعادة ترتيب المشهد الأمني في غزة بعد الحرب، من خلال استعراض:
- السياق الداخلي والإقليمي والدولي،
- الفاعلين الرئيسيين وقوة تأثيرهم،
- التحديات القائمة،
- العقيدة الأمنية الممكنة،
وتسعى الدراسة إلى تقديم توصيات قابلة للتنفيذ توازن بين الواقعية والحدود المعقولة للقدرة المحلية، مع الحفاظ على الاستقلالية الوطنية، وتقليل المخاطر الأمنية والاجتماعية، وتمهيد الطريق نحو استقرار نسبي طويل الأمد.
أولًا: الإطار المفاهيمي – إعادة ترتيب المشهد الأمني: مقاربة معيارية وواقعية
تشير “إعادة ترتيب المشهد الأمني” إلى عملية شاملة لإعادة تصميم المنظومة الأمنية على المستويات المؤسسية والقانونية والعملياتية، مع مراعاة القيود الواقعية في غزة بعد الحرب، بما يشمل:
- إعادة تعريف العقيدة الأمنية: الانتقال من نموذج أمن فصائلي/طوارئ إلى نموذج أمن مجتمعي–وطني، مع مراعاة التعددية المسلحة وعدم وجود دولة مكتملة.
- إعادة هيكلة الأجهزة: وضبط الاختصاصات، سلاسل القيادة، والتبعية السياسية بشكل تدريجي وواقعي.
- ضبط العلاقة بين الأمن والسياسة: اعتماد آليات رقابة مدنية ومهنية مرحلية، لا تفترض وجود مؤسسات سياسية أو تشريعية فاعلة، بل تستند إلى بدائل مؤقتة مثل لجان توافقية، وأطر مساءلة داخلية، ودور محدود للهيئات القضائية القائمة، إلى حين إعادة بناء النظام التمثيلي.
- إدماج البعد الإنساني وإعادة الإعمار: ضمن الرؤية الأمنية لتعزيز استقرار المجتمع وحماية المواطنين.
تكتسب هذه العملية خصوصيتها في غزة من كونها تتم في سياق ما بعد حر ب إبادة، وفي ظل استمرار الاحتلال وأدواته المختلفة للسيطرة والتحكم، مع غياب مؤسسات دولة مكتملة، ما يجعل أي ترتيبات أمنية تدريجية، مرنة، ومرتكزة على واقع القوة الفعلي والقيود البنيوية.
ثانيًا: مفهوم المرحلة الثانية بعد الحرب
تشير “المرحلة الثانية” بعد الحرب في قطاع غزة في إطارها الواقعي إلى الفترة التي تلي توقف العمليات العسكرية واسعة النطاق، دون أن تعني نهاية الحرب بشكل كلي، وهي مرحلة لا تمثل انتقالًا إلى الهدنة بالمعنى الكامل، بل انتقالًا من منطق إدارة المواجهة العسكرية المباشرة إلى منطق إدارة استقرار هش ومؤقت، في بيئة ما تزال خاضعة لضغوط أمنية وسياسية واقتصادية كثيفة.
عمليًا، لا تُقاس هذه المرحلة بغياب القتال فقط، بل بظهور مجموعة من المؤشرات المتزامنة، أبرزها:
ترتيبات وقف إطلاق النار وآليات ضبطه :وتشمل تفاهمات رسمية أو غير معلنة، وآليات مراقبة مباشرة أو غير مباشرة، غالبًا ما تكون خارج الإطار الفلسطيني، وتظل قابلة للاهتزاز والانهيار السريع.
إدارة تدفق المساعدات الإنسانية: حيث تتحول المساعدات إلى أداة تنظيم وضبط، وليس مجرد استجابة إنسانية، بما يفرض تحديات أمنية وإدارية تتعلق بالتوزيع، والحماية، ومنع الفوضى أو الاستغلال.
إطلاق مسارات أولية لإعادة الإعمار: وهي مسارات غالبًا ما تكون مشروطة سياسيًا وأمنيًا، وتفرض على البنية الأمنية أدوارًا جديدة في تأمين المشاريع، وحماية الموارد، ومنع الفساد، دون امتلاك أدوات مؤسسية مكتملة.
إعادة تنظيم الإدارة المدنية والأمنية: في ظل غياب مؤسسات منتخبة فاعلة، واستمرار الانقسام، ما يجعل هذه العملية أقرب إلى إدارة مؤقتة للأزمات منها إلى إعادة بناء نظام حكم مستقر.
محاولة ملء الفراغ المؤسسي ومنع الانفلات: حيث يصبح الهاجس الأمني هو منع الانهيار والفوضى أكثر من بناء نموذج أمني مثالي.
وتكمن خصوصية المرحلة الثانية في غزة في كونها مرحلة انتقالية بلا أفق سياسي واضح، تُدار تحت ضغط الوقت، والتدخلات الخارجية، والتوقعات الشعبية المرتفعة، وهي مرحلة تحمل في آنٍ واحد فرصًا لإعادة ترتيب الأولويات وبناء حدٍّ أدنى من الاستقرار، ومخاطر حقيقية تتمثل في إعادة إنتاج أنماط الضبط الأمني القسري، أو فتح المجال أمام فاعلين غير منضبطين، إذا ما أُديرت بمنطق أمني ضيق أو إقصائي يتجاهل البعد المجتمعي والسيادي.
ثالثًا: السياق الاستراتيجي لغزة بعد الحرب
يمثل السياق الاستراتيجي لغزة بعد الحرب الإطار الحاكم لأي محاولة لإعادة ترتيب المشهد الأمني، إذ لا يمكن فهم خيارات الأمن أو تقييم جدواها بمعزل عن البيئة الداخلية المنهكة، والتفاعلات الإقليمية والدولية الضاغطة، وأزمة النظام السياسي الفلسطيني.
- البيئة الداخلية: مجتمع منهك وأمن مُثقَل بالمهام
دمار واسع النطاق في البنية التحتية والمؤسسات: شمل المرافق الحكومية، والمقار الأمنية، والبلديات، وشبكات الخدمات الأساسية، ما أدى إلى تقويض القدرة التشغيلية للإدارة المدنية والأمنية على حد سواء.
إنهاك المنظومة الأمنية: نتيجة الاستهداف المباشر، وفقدان الكوادر، واستنزاف الإمكانات، وتحول جزء من الوظيفة الأمنية خلال الحرب إلى أدوار إسعافية وتنظيمية طارئة.
ضغوط اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة:ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتفكك شبكات الحماية الاجتماعية، وازدياد احتمالات الجريمة، والعنف الأسري، والنزاعات المحلية، بما يفرض على الأمن أدوار ضبط اجتماعي تفوق قدراته التقليدية.
تآكل الثقة بين المواطن وبعض الأطر الرسمية :ليس بوصفه رفضًا مطلقًا للمؤسسة، بل كنتيجة لتراجع قدرتها على الحماية والخدمة في سياق الحرب وما بعدها.
2. البيئة الإقليمية والدولية: الإعمار كأداة نفوذ وضبط
سعي أطراف إقليمية للتموضع في ملف إعادة الإعمار: حيث يُستخدم الإعمار كمدخل للتأثير السياسي والأمني، سواء عبر التمويل، أو الإشراف، أو الشروط المرافقة.
ضغوط دولية متصاعدة لربط الإعمار بترتيبات أمنية محددة: تتراوح بين مطالب ضبط السلاح، وإعادة هيكلة الأجهزة، ووجود آليات رقابة خارجية مباشرة أو غير مباشرة.
تصاعد الحديث عن أطر رقابية أو بعثات دعم أمنية: غالبًا تحت عناوين تقنية أو إنسانية، لكنها تحمل في جوهرها أبعادًا سيادية حساسة، وتثير مخاوف من التحول التدريجي نحو نماذج وصاية مؤقتة تتحول إلى دائمة.
3. النظام السياسي الفلسطيني: فراغ تمثيلي وأزمة إدارة انتقالية
استمرار الانقسام السياسي والجغرافي: بما يمنع بلورة مرجعية وطنية موحدة لإدارة غزة في مرحلة ما بعد الحرب.
أزمة شرعية وتمثيل: ناجمة عن غياب الانتخابات، وتعطل المؤسسات التشريعية، وتعدد مراكز القرار، ما ينعكس مباشرة على شرعية أي ترتيبات أمنية جديدة.
غياب إطار وطني جامع لإدارة المرحلة الانتقالية: وهو ما يفتح المجال أمام حلول جزئية، أو ترتيبات مؤقتة، أو تدخلات خارجية لملء الفراغ، غالبًا على حساب الاستقرار طويل الأمد.
ويُظهر هذا السياق أن إعادة ترتيب المشهد الأمني في غزة ليست مسألة اختيار نموذج مثالي، بل عملية إدارة قيود معقدة، تتطلب موازنة دقيقة بين منع الانهيار الداخلي، وتفادي الارتهان الخارجي، والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الوطني.
رابعًا: الفاعلون في المشهد الأمني في قطاع غزة
تباين الأدوار واختلال موازين التأثير
يتّسم المشهد الأمني في قطاع غزة بتعدّد الفاعلين، غير أن هذا التعدّد لا يعكس توزيعًا متوازنًا للأدوار أو الصلاحيات، بل يكشف عن اختلال في موازين القوة والتأثير، ناتج عن غياب الإطار السيادي والتشريعي، واستمرار حالة الصراع المفتوح، وهيمنة العامل الخارجي على محددات الأمن والاستقرار، ويمكن تصنيف هؤلاء الفاعلين وفق طبيعة حضورهم وأدوات تأثيرهم على النحو الآتي:
- الفاعلون المسيطرون فعليًا على الأرض
تُعدّ الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، الفاعل الأمني الأبرز بحكم السيطرة الفعلية على الأرض، وامتلاك أدوات القوة والتنظيم، ولا يقتصر دورها على البعد الأمني التقليدي، بل يتجاوز ذلك إلى إدارة الشأن العام في ظروف استثنائية، حيث يتداخل أمن المقاومة مع أمن المجتمع وإدارة الأزمات الإنسانية.
ويُنتج هذا الواقع معادلة معقّدة، إذ تُمارَس الوظيفة الأمنية في ظل غياب الدولة، وتحت ضغط عسكري مستمر، ما يحدّ من إمكانية بناء منظومة أمنية مستقرة أو خاضعة لمعايير الحوكمة التقليدية.
2. الفاعلون الغائبون ميدانيًا والحاضرون سياسيًا
تمثل السلطة الوطنية الفلسطينية فاعلًا يتمتع بشرعية سياسية ودبلوماسية معترف بها دوليًا، غير أن حضورها في المشهد الأمني داخل قطاع غزة يظل غيابًا عمليًا مقابل حضور رمزي وسياسي.
ويتمثل تأثيرها في ملفات غير مباشرة، مثل الخطاب السياسي، والمرجعيات القانونية، وشروط إعادة الإعمار، وترتيبات “اليوم التالي”، دون امتلاك أدوات تنفيذية أو أمنية فاعلة على الأرض في المرحلة الراهنة.
3. الفاعل المهيمن من خارج المشهد المباشر
يشكّل الاحتلال الإسرائيلي الفاعل الأكثر تأثيرًا في البيئة الأمنية، رغم غيابه الشكلي عن إدارة القطاع، فهو يتحكم بمفاصل حيوية تشمل المعابر، والمجالين الجوي والبحري، ومستوى العنف ووتيرته، بما يجعله عنصرًا حاسمًا في إعادة إنتاج عدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، لا يعمل الاحتلال كفاعل أمني منظم، بل كقوة قهرية تعيد تشكيل الواقع الأمني عبر القوة العسكرية والعقاب الجماعي، ما يقوّض أي محاولة لبناء أمن داخلي مستدام.
4. الفاعلون الإقليميون: إدارة الاحتواء لا المعالجة
تلعب بعض الأطراف العربية، وعلى رأسها مصر وقطر، أدوارًا مؤثرة في المشهد الأمني من خلال الوساطة، واحتواء التصعيد، وتسهيل التهدئة، غير أن هذه الأدوار تظل محكومة بمنطق إدارة الأزمة لا حلّها جذريًا، وبمقاربات تركز على منع الانفجار الأمني أكثر من معالجة أسبابه البنيوية.
ويظل تأثير هذه الأطراف غير مباشر، لكنه حاسم في لحظات التصعيد والتهدئة، بما يعكس ارتباط الأمن في غزة بعوامل إقليمية تتجاوز الفعل المحلي.
5. الوسطاء والضامنون: ترتيبات هشة للأمن المؤقت
يبرز الوسطاء والضامنون المحتملون كفاعلين يسعون إلى إنتاج ترتيبات أمنية مؤقتة، غالبًا ما تكون مشروطة سياسيًا، ومحدودة زمنيًا، ويقتصر دورهم على تسهيل التفاهمات واحتواء التوتر، دون امتلاك أدوات تنفيذ أو ضمانات فعلية لاستدامة الاستقرار، ما يجعل هذه الترتيبات عرضة للانهيار عند أول اختبار ميداني.
6. المجتمع الدولي وممولو إعادة الإعمار
يمثل المجتمع الدولي وممولو إعادة الإعمار فاعلًا ذا طابع مالي–سياسي، يغالبًا ما يُمارس تأثيره الأمني بصورة غير مباشرة، من خلال ربط المساعدات والإعمار بشروط تتصل بـ”الاستقرار” و”الترتيبات الأمنية”.
وفي كثير من الأحيان، يُختزل مفهوم الأمن لدى هذه الأطراف في ضبط الواقع ومنع الانفجار، لا في معالجة جذور الصراع أو ضمان حقوق السكان، ما يحوّل الإعمار إلى أداة ضغط أكثر منه مدخلًا لبناء أمن حقيقي.
يكشف هذا التعدد غير المتكافئ للفاعلين أن المشهد الأمني في قطاع غزة لا يُدار عبر منظومة مؤسسية متكاملة، بل عبر تفاعل قسري بين فاعلين يمتلكون أدوات قوة متفاوتة، في ظل غياب الإطار التشريعي والسيادي، وهيمنة العامل الخارجي، وعليه، فإن أي مقاربة لإعادة بناء الأمن في غزة لا يمكن أن تنطلق من نماذج نظرية تقليدية، بل من قراءة واقعية لطبيعة الصراع، وحدود الفعل المحلي، وشروط التأثير الإقليمي والدولي.
خامسًا: تحديات إعادة تنظيم الأمن في قطاع غزة
تواجه أي محاولة لإعادة ترتيب المنظومة الأمنية في قطاع غزة جملة من التحديات العميقة، التي لا ترتبط فقط بآثار الحرب الأخيرة، بل تتصل بطبيعة البنية السياسية والأمنية القائمة، وسياق الصراع الممتد، وغياب الإطار السيادي الجامع، ويمكن تلخيص أبرز هذه التحديات على النحو الآتي:
- تعدد مراكز القوة وإدارة السلاح خارج إطار مؤسسي جامع
يعكس الواقع الأمني في غزة تعددًا في مراكز القوة المسلحة، حيث تتوزع أدوات القوة بين فصائل وتنظيمات مختلفة، لكل منها مرجعياتها وأولوياتها، وفي ظل غياب دولة مكتملة السيادة ومؤسسات تشريعية فاعلة، يصبح ضبط السلاح ضمن إطار وطني جامع تحديًا مركزيًا، لا يمكن معالجته بمنطق تقني أو أمني صرف، بل يتطلب مقاربة سياسية–مجتمعية تراعي خصوصية حالة المقاومة وطبيعة الصراع مع الاحتلال.
2. أزمة الثقة بين المجتمع والمؤسسة الأمنية
أفرزت سنوات الحصار والحروب المتكررة حالة من التآكل التدريجي في الثقة بين قطاعات من المجتمع والأطر الأمنية القائمة، نتيجة تداخل الوظيفة الأمنية مع إدارة الأزمات المعيشية، وغياب الشفافية، وضغوط الواقع القهري، وتُعد هذه الفجوة في الثقة عائقًا حقيقيًا أمام أي عملية إعادة هيكلة، إذ لا يمكن بناء أمن مستدام دون قبول اجتماعي، أو دون شراكة حقيقية مع الفاعلين المجتمعيين.
3. القيود الاقتصادية والمالية
تُشكّل الأزمة الاقتصادية الخانقة، وغياب الموارد المستقرة، أحد أخطر التحديات أمام إعادة بناء الأجهزة الأمنية، فإعادة التأهيل والتدريب، وتوفير الرواتب، والبنية اللوجستية، كلها عناصر تتطلب تمويلًا مستدامًا، غالبًا ما يكون مشروطًا سياسيًا وأمنيًا من قبل المانحين، ما يقيّد هامش القرار المحلي، ويهدد بتحويل الأمن إلى وظيفة ممولة خارجيًا لا نابعة من أولويات المجتمع.
4. خطر بروز فاعلين مسلحين غير منضبطين
في بيئة ما بعد الحرب، حيث تنتشر الأسلحة، وتتفاقم الأزمات الاجتماعية والنفسية، يبرز خطر تشكّل مجموعات مسلحة غير منضبطة، أو شبكات جريمة منظمة، تستفيد من الفراغ المؤسسي والانهاك الأمني. ولا يقتصر هذا الخطر على البعد الأمني المباشر، بل يمتد ليهدد السلم الأهلي، ويقوّض أي محاولة لإعادة فرض الحد الأدنى من النظام العام.
5. التداخل بين متطلبات الأمن ومتطلبات إعادة الإعمار
يتسم السياق الغزي بتداخل حاد بين المسارين الأمني والإنساني–التنموي، حيث تصبح حماية مشاريع الإعمار، وتأمين المساعدات، وضبط التوزيع، جزءًا من الوظيفة الأمنية، غير أن تغليب الاعتبارات الأمنية على حساب الاحتياجات المدنية قد يؤدي إلى عسكرة الإعمار، أو إلى توظيفه كأداة ضبط وسيطرة، ما يفاقم الاحتقان المجتمعي بدل تخفيفه.
تكشف هذه التحديات أن إعادة تنظيم الأمن في قطاع غزة ليست مسألة إعادة تنظيم أجهزة أو تعديل هياكل، بل عملية معقدة تتطلب إعادة تعريف وظيفة الأمن نفسها: من أداة ضبط قسري في بيئة محاصرة، إلى وظيفة حماية مجتمعية في سياق صراع مفتوح، ومن دون مقاربة واقعية تراعي هذه التحديات ، ستظل أي ترتيبات أمنية عرضة للهشاشة والانهيار.
سادسًا: العقيدة الأمنية المقترحة: مقاربة معيارية-واقعية
تستند العقيدة الأمنية المقترحة إلى مبدأ الانتقال التدريجي من منطق إدارة الحرب إلى منطق إدارة الاستقرار، مع مراعاة القيود البنيوية والواقع السياسي والاجتماعي في قطاع غزة بعد الحرب، فهي لا تفترض توفر شروط دولة مكتملة، بل تنطلق من واقع غياب المؤسسات التشريعية، وتعطل آليات الرقابة التقليدية، وتعدد مراكز القوة، وضغوط المجتمع الدولي والإقليمي.
المبادئ التطبيقية للعقيدة الأمنية:
- أولوية حماية المواطن والمجتمع: أن تصبح حماية المواطنين وضمان الحد الأدنى من الاستقرار اليومي وظيفة مركزية لجميع الأجهزة.
- اعتماد مدونات سلوك مهنية ملزمة داخل الأجهزة: كبديل مرحلي وواقعي عن التشريع الرسمي، تُوجَّه نحو احترام حقوق الإنسان، وضبط السلوك الداخلي، وضمان التزام الأفراد.
- تفعيل رقابة داخلية متعددة المستويات: تشمل التفتيش الدوري، وآليات المساءلة الإدارية، ولجان التحقيق الداخلية المستقلة، بهدف منع التجاوزات دون انتظار مؤسسات تشريعية غائبة.
- إشراك شخصيات مهنية وقانونية مستقلة في أطر رقابية مؤقتة: لتوفير غطاء مهني وقانوني يضمن التزام الأجهزة بالمعايير الأخلاقية والأمنية، ويعزّز الثقة المجتمعية.
- الفصل الوظيفي بين العمل الأمني وإدارة الصراع السياسي: دون نزع البعد الوطني أو الإقليمي، مع إدراك أن الأجهزة الأمنية يجب أن تعمل ضمن حدود مهمة محددة، مع مراعاة السياق السياسي والتهديدات الواقعية.
تعكس هذه العقيدة محاولة جسر الفجوة بين الطموح المعياري والواقع الميداني في غزة، فهي تقدم نموذجًا تدريجيًا يمكن تنفيذه فعليًا، يربط بين حماية المجتمع، وضبط الأجهزة الأمنية، واحترام القيم الوطنية، دون الانزلاق إلى أيديولوجيا أمنية جامدة أو إلى نموذج غير قابل للتطبيق في السياق الراهن.
الخـلاصـــــة
تشكل المرحلة الثانية بعد الحرب في قطاع غزة لحظة مفصلية لإعادة ترتيب المشهد الأمني، في ظل واقع غياب مؤسسات الدولة المكتملة، وتعدد مراكز القوة، واستمرار الاحتلال، والانقسام السياسي الداخلي.
توضح الورقة أن الأمن في غزة ليس مجرد ضبط للسلاح أو تنظيم أجهزة، بل عملية شاملة تربط بين حماية المجتمع، وضبط الأجهزة الأمنية، والحفاظ على الشرعية والسيادة، وتخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
تكشف الدراسة عن اختلال موازين القوى بين الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، ما يجعل أي نموذج أمني قائمًا على السلطة التشريعية أو السيادة المطلقة غير قابل للتطبيق على الأرض، ومن هنا تنطلق المقاربة المقترحة على أسس واقعية ومعيارية، تشمل:
- تبني عقيدة أمنية تدريجية، تعطي الأولوية لحماية المجتمع، وتوظف بدائل مؤقتة للرقابة والمساءلة.
- إدارة الأجهزة الأمنية ضمن مراحل واضحة ومسار تدريجي ومتدرج لإعادة تنظيم الأجهزة الأمنية.
في المحصلة، يشير التحليل إلى أن نجاح إعادة ترتيب الأمن في غزة يعتمد على قدرة الفاعلين المحليين على التكيف مع الواقع، ودمج المجتمع المدني، والحفاظ على استقلالية القرار الوطني، مع استثمار الدعم الفني والمالي الخارجي دون المساس بالسيادة، وفشل هذه المقاربة قد يؤدي إلى دورة جديدة من الانفلات والهشاشة، بينما نجاحها يمهد لاستقرار نسبي طويل الأمد، ويشكل قاعدة لإعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني على المدى المتوسط.
التــوصيــــات
- تعزيز الأمن المجتمعي الواقعي من خلال نشر فرق حماية محلية، ضبط السلاح العشوائي، وحماية المواطنين والمرافق الحيوية بشكل عملي وملموس.
- إعادة هيكلة الأجهزة تدريجيًا، ودمج الوحدات المتشابهة، توحيد سلاسل القيادة، واعتماد مدونات سلوك مهنية ملزمة داخل الأجهزة لتعويض غياب الرقابة التشريعية.
- تفعيل الرقابة والمساءلة وإنشاء لجان توافقية مستقلة، التفتيش الدوري، توثيق الانتهاكات، وإبلاغ المجتمع بنتائج التحقيقات، لتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية.
- دمج المجتمع المدني والشباب من خلال إشراك الشباب والجمعيات المحلية في حماية المجتمع، مراقبة الأداء الأمني، وتنفيذ برامج دعم نفسي واجتماعي للمتضررين من الحرب.
- ربط الأمن بالواقع الاقتصادي والاجتماعي، وحماية المشاريع الاقتصادية والمرافق العامة، ودعم فرص التشغيل للشباب لتقليل دوافع العنف والاحتقان.
- استثمار الدعم الإقليمي والدولي بشكل واعٍ، وقبول الدعم الفني والمالي لإعادة التأهيل، مع الحفاظ على استقلالية القرار الفلسطيني ومنع التدخل السياسي المباشر في إدارة الأمن.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-فبراير 2026



