دراسة تحليلية اجتماعية-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي تتناول هذه الدراسة تحولات منظومة النقل في قطاع غزة في أعقاب التدمير الواسع للبنية التحتية خلال الحرب، وما نتج عنه من انهيار شبه كامل للنقل الرسمي. وتفترض الدراسة أن هذا الانهيار لم يؤدِ إلى توقف الحركة، بل إلى نشوء أنماط نقل بديلة غير رسمية أعادت تنظيم الحياة اليومية عبر مبادرات فردية وشبكات مجتمعية، وتكشف النتائج عن ظهور “اقتصاد حركة” غير رسمي قائم على الندرة والمخاطر، أعاد تشكيل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع. كما برزت وسائل نقل بديلة مثل العربات اليدوية والدراجات والدواب والتوك توك كحلول قسرية لاستمرار التنقل، وأدى ذلك إلى ارتفاع كبير في تكاليف الحركة، وتفاقم عدم المساواة في الوصول إلى الخدمات الأساسية والغذاء والعمل. وتشير الدراسة إلى أن النقل لم يعد قطاعًا خدمياً فقط، بل أصبح عنصرًا حاكمًا في الاقتصاد الإنساني والإغاثي داخل غزة، وتخلص الدراسة إلى أن ما نشأ هو نموذج حضري بديل هشّ يعكس قدرة المجتمع على التكيف، لكنه يفرض تحديات عميقة للاستدامة والعدالة. |
مقدمــــة
شهد قطاع غزة خلال الحرب الأخيرة انهيارًا واسعًا وغير مسبوق في بنيته التحتية، طالت آثاره مختلف القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها قطاع النقل والمواصلات الذي يُعد أحد الأعمدة الأساسية لاستمرارية الحياة اليومية، فقد أدى التدمير الواسع للطرق والمركبات وشبكات الحركة، إلى جانب النقص الحاد في الوقود، إلى تعطيل شبه كامل لمنظومة النقل الرسمية، وتحويل الحركة داخل القطاع إلى عملية معقدة تتداخل فيها المخاطر الاقتصادية والإنسانية والجغرافية، وتشير تقديرات وتقارير أممية إلى تضرر واسع في شبكة الطرق وتراجع حاد في القدرة التشغيلية لوسائل النقل، ما جعل التنقل اليومي تحديًا وجوديًا وليس مجرد نشاط خدمي اعتيادي.
غير أن هذا الانهيار لم يُنتج حالة شلل اجتماعي شامل، بل أفرز في المقابل ديناميات تكيف مجتمعي أعادت تنظيم الحركة بوسائل بديلة وغير رسمية، نشأت عبر المبادرات الفردية والشبكات المحلية والتضامن الاجتماعي، وقد تطورت هذه الوسائل لتشكّل نظامًا مواصلاتيًا موازياً، يعيد تعريف مفهوم النقل من كونه خدمة مؤسسية إلى كونه ممارسة بقاء يومية مرتبطة بإدارة الندرة والمخاطر.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن انهيار البنية التحتية الرسمية للنقل لا يؤدي إلى توقف الحركة الاجتماعية والاقتصادية، بل إلى إعادة إنتاجها ضمن أشكال بديلة غير رسمية، تؤدي بدورها إلى إعادة تشكيل الاقتصاد المحلي، والعلاقات الاجتماعية، والفضاء الحضري في قطاع غزة.
وبناءً على ذلك، تسعى الدراسة إلى تحليل أنماط النقل البديلة، والفاعلين الجدد في هذا القطاع، وتأثير هذه التحولات على الاقتصاد اليومي والحياة الاجتماعية، وما إذا كانت هذه الظاهرة تمثل بذور نموذج حضري جديد ما بعد الحرب.
وتعتمد الدراسة على تحليل وصفي–تحليلي للواقع الميداني في قطاع غزة حتى مطلع عام 2026، بالاستناد إلى بيانات وتقارير أممية ومحلية، إلى جانب ملاحظات وشهادات ميدانية، بهدف فهم التحولات العميقة التي طرأت على “اقتصاد الحركة” في سياق انهيار البنية التحتية واستمرار القيود المفروضة على القطاع.
أولًا: انهيار منظومة النقل التقليدية
شهد قطاع النقل في غزة انهيارًا شاملاً ومتعدد الأبعاد، لم يقتصر على الخسائر المادية فحسب، بل امتد ليُعيد تشكيل الجغرافيا الحركية للقطاع بأسره، ولم يعد التنقل وظيفة خدمية ضمن نظام حضري مستقر، بل تحوّل إلى تجربة يومية مرتبطة بالبقاء، تتداخل فيها المخاطر مع الحاجة الأساسية للحركة.
هذا الانهيار لا يمكن فهمه فقط بوصفه نتيجة تدمير بنية تحتية، بل باعتباره تفكيكًا لمنظومة الحركة كإطار منظم للحياة اليومية، حيث فقدت المدينة قدرتها على الربط بين أجزائها، وتحولت إلى مساحات متقطعة وغير متصلة.
تدمير الطرق الرئيسية
لم تعد الطرق في غزة مجرد بنية متضررة، بل أصبحت عائقًا أمام الحركة، وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 68% من شبكة الطرق في القطاع تعرضت للتدمير أو أضرار جسيمة، مع تدمير مئات الكيلومترات بالكامل ، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أن الأضرار طالت ما يصل إلى 77% من الشبكة الطرقية .
في أحد شوارع مدينة غزة، لا تبدو الطريق طريقًا بالمعنى التقليدي، بل مسارًا غير منتظم من الركام والحفر، ويمكن تصور هذا المشهد: مركبة تحاول التقدم ببطء شديد، ثم تتوقف، فينزل الركاب لدفعها لتجاوز حفرة عميقة، فهذا المشهد لم يعد استثنائيًا، بل أصبح جزءًا من الروتين اليومي.
وتحولت شوارع رئيسية، مثل شارع الرشيد الساحلي، من شريان حيوي يربط شمال القطاع بجنوبه إلى مسارات وعرة مليئة بالمخاطر، وفي كثير من المناطق، وصفت تقارير أممية الطرق بأنها “غير صالحة للحركة”، مما أدى إلى عزل أحياء كاملة وتحويلها إلى ما يشبه “جزرًا حضرية معزولة”.
هذا التحول يعني أن الطريق لم يعد وسيطًا للحركة، بل أصبح متغيرًا معيقًا لها، ما أدى إلى تفكك الفضاء الحضري وتحويل المدينة من شبكة مترابطة إلى نقاط منفصلة.
نقص الوقود
إذا كان تدمير الطرق قد قيّد الحركة مكانيًا، فإن نقص الوقود قد شلّها وظيفيًا، ومع استمرار القيود على المعابر، انهار توفر الوقود إلى مستويات حرجة، وارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق، ما جعل تشغيل المركبات رفاهية نادرة.
في مشهد متكرر، يقف سائق بجانب مركبته محاولًا تشغيلها بمزيج بدائي من الوقود وزيت الطهي. ينجح المحرك أحيانًا، ويتعطل غالبًا. هذا “الابتكار القسري” يعكس محاولة التكيّف، لكنه يكشف في الوقت ذاته حجم الانهيار في منظومة الطاقة.
ولم يعد الوقود مجرد سلعة، بل أصبح عنق الزجاجة الذي يتحكم في إمكانية الحركة من عدمها، ما أدى إلى شلل شبه كامل في القطاعات المرتبطة بالنقل، بما في ذلك الصحة (نقل المرضى)، والتعليم، وسلاسل الإمداد الغذائي.
أعاد نقص الوقود تعريف “وسيلة النقل” من كونها أداة تعتمد على الطاقة إلى عبء اقتصادي وتقني، مما دفع المجتمع للبحث عن بدائل لا تعتمد على الوقود أصلًا.
توقف النقل العام
توقّف النقل العام لم يكن نتيجة مباشرة للتدمير فقط، بل نتيجة تراكب عدة عوامل: تدمير المركبات، انعدام الوقود، وغياب الصيانة وقطع الغيار.
تشير التقديرات إلى أن أكثر من 90% من منظومة النقل العام توقفت عن العمل، ما أدى إلى انهيار كامل لفكرة “النقل المنظم”، ولم تعد هناك خطوط سير، ولا تسعيرة ثابتة، ولا جدول زمني.
في السابق، كانت الحافلات تنقل مئات الآلاف يوميًا ضمن نظام شبه مستقر، واليوم، يقف الناس على أطراف الطرق ينتظرون أي وسيلة عابرة، دون ضمان الوصول أو معرفة التكلفة.
هذا التحول يعكس انتقالًا من نظام نقل مؤسسي إلى نظام فوضوي قائم على الفرص، حيث تعتمد الحركة على ما هو متاح لحظيًا وليس على بنية منظمة.
تغيّر الجغرافيا الحركية للقطاع
أحد أخطر نتائج الانهيار هو إعادة تشكيل مفهوم المسافة ذاته، فلم تعد المسافة تُقاس بالكيلومترات، بل بمزيج من الزمن، والجهد البدني، ومستوى المخاطر.
رحلة كانت تستغرق 20 دقيقة، قد تحتاج اليوم إلى ساعة أو أكثر، وقد تتطلب استخدام أكثر من وسيلة:
المشي ثم عربة ثم دراجة ومشي مرة أخرى.
في بعض الحالات، أصبح الانتقال بين شمال القطاع وجنوبه يشبه الانتقال بين منطقتين منفصلتين، ليس فقط بسبب المسافة، بل بسبب انقطاع الاستمرارية المكانية.
ما يحدث هنا ليس مجرد صعوبة في الحركة، بل إعادة إنتاج للحيز الجغرافي نفسه: فالمدينة لم تعد “شبكة” بل تحولت إلى “جزر” من المساحات المنفصلة، والحركة بينها أصبحت عملية تفاوض مستمرة مع الواقع.
إن انهيار منظومة النقل في غزة لا يعكس فقط دمار البنية التحتية، بل يكشف عن تحوّل أعمق يتمثل في انهيار “الزمن الحضري” نفسه؛ حيث لم يعد بالإمكان التنبؤ بالوصول أو التخطيط للحركة، مما أعاد الحياة اليومية إلى مستوى بدائي يعتمد على الاحتمال والتكيّف اللحظي.
ثانيًا: نشوء وسائل النقل البديلة
مع انهيار المنظومة الرسمية للنقل، لم يدخل قطاع غزة في حالة شلل كامل، بل شهد نشوء شبكة مواصلات غير رسمية تعتمد على الابتكار المحلي والمبادرة الفردية والتضامن المجتمعي. لم تكن هذه الوسائل مجرد حلول مؤقتة، بل تحولت إلى نظام حركي بديل يعيد تنظيم الحياة اليومية خارج إطار الدولة والبنية المؤسسية.
تشير تقارير ميدانية إلى أن سكان غزة باتوا يعتمدون بشكل متزايد على وسائل نقل بدائية ومعدلة نتيجة تدمير المركبات وندرة الوقود ، ما يعكس انتقالًا من “اقتصاد النقل الحديث” إلى ما يمكن تسميته “اقتصاد الحركة القسرية”.
العربات اليدوية والمجرورة (“العجلاه” / “الكارة”)
في أحد شوارع خان يونس مثلًا، تتحرك عربة خشبية مربوطة بسيارة متهالكة، وعلى متنها أكثر من عشرة ركاب، بعضهم يجلس على أكياس طحين، وآخرون يحملون جرحى. هذا المشهد لم يعد استثنائيًا، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية.
تحولت “العجلاه” إلى ما يشبه حافلة شعبية بدائية، حيث يقوم السائقون بربط مقطورات خلف مركباتهم لنقل الركاب والبضائع، في ظل غياب شبه كامل للنقل العام .
وفي حالات كثيرة، أصبحت هذه العربات الوسيلة الوحيدة المتاحة للنازحين، خاصة مع نفاد الوقود .
تمثل “العجلاه” نموذجًا لتحول وسيلة النقل من أداة اقتصادية إلى بنية إنقاذ مجتمعية، حيث تندمج وظائف النقل والإغاثة والبقاء في وسيلة واحدة.
الدراجات الهوائية
في مخيم الشاطئ، يقود شاب دراجته الهوائية بينما تحمل والدته أكياسًا صغيرة من المواد الغذائية خلفه. الطريق غير ممهد، مليء بالحفر، ومع ذلك تظل الدراجة وسيلة موثوقة.
تشير تقارير ميدانية إلى أن الدراجات أصبحت خيارًا واسع الانتشار، خاصة بين الشباب، بسبب استقلالها عن الوقود وانخفاض تكلفتها .
تعكس الدراجات انتقالًا قسريًا نحو نمط تنقل منخفض الطاقة، لكنها في الوقت ذاته تعيد تشكيل الإيقاع الحضري نحو “البطء”، حيث تصبح الحركة أبطأ لكنها أكثر استدامة من حيث الموارد.
عربات تجرها الحيوانات (الدواب)
في مشهد يعكس عودة الزمن إلى الوراء، تُستخدم الخيول والحمير لنقل الجرحى والمرضى، بل وحتى الجثامين في بعض الحالات. لم يعد هذا الاستخدام استثنائيًا، بل أصبح مهيمنًا في العديد من المناطق.
تشير تقارير إعلامية إلى أن العربات التي تجرها الحيوانات أصبحت وسيلة النقل الأساسية في ظل نفاد الوقود ، بل وفي بعض الحالات الوسيلة الوحيدة للنازحين .
هذا التحول لا يعكس فقط نقصًا في الموارد، بل يمثل انهيارًا للزمن التكنولوجي، حيث يعود المجتمع قسرًا إلى أنماط ما قبل الحداثة، ليس كخيار ثقافي، بل كضرورة وجودية.
المشي لمسافات طويلة
في غزة اليوم، لا يُنظر إلى المشي كخيار صحي، بل كضرورة يومية.
نساء وأطفال وكبار سن يسيرون لساعات للوصول إلى نقطة طبية أو مركز توزيع مساعدات، وفي بعض الحالات، يجمع السكان بين عدة وسائل: المشي ثم العربة ثم المشي مجددًا، في رحلة قد تستغرق ساعات.
المشي هنا لا يعكس فقط غياب الوسائل، بل يشير إلى إعادة تعريف مفهوم المسافة: فلم تعد المسافة جغرافية فقط، بل أصبحت تكلفة جسدية وزمنية ومعنوية .
مركبات معدّلة محليًا والتوك توك
في ظل انهيار المنظومة الرسمية، لجأ السكان إلى تعديل المركبات المتبقية باستخدام وسائل بدائية وقطع غيار مستعملة، فيما انتشرت مركبات “التوك توك” كوسيلة مرنة للتنقل داخل المدن، وتشير تقارير إلى أن هذه المركبات أصبحت جزءًا من شبكة النقل البديلة رغم محدودية كفاءتها .
تمثل هذه المركبات نموذجًا لـ الابتكار تحت الضغط، حيث يتم إعادة توظيف الموارد المتاحة لإنتاج حلول وظيفية، وإن كانت غير آمنة أو مستدامة.
النقل الجماعي غير المنظم
في غياب أي تنظيم رسمي، تحولت شاحنات نقل البضائع والمساعدات إلى وسائل نقل جماعي مؤقتة، ويقف الركاب على أطراف الطرق، يصعدون إلى أي مركبة عابرة، دون مسار أو تسعيرة ثابتة.
في بعض الحالات، ينقل السائقون الركاب مجانًا، خاصة في حالات الطوارئ أو لكبار السن، ما يعكس بروز اقتصاد تضامني داخل اقتصاد الأزمة.
هذا النمط يعكس نشوء ما يمكن تسميته: “نظام حركة قائم على الفرص والتضامن” حيث تختفي القواعد الرسمية، ويحل محلها مزيج من السوق، والعلاقات الاجتماعية، والظروف اللحظية.
لا تمثل وسائل النقل البديلة في غزة مجرد استجابة مؤقتة للأزمة، بل تعكس نشوء نظام حركي جديد يقوم على التكيّف والمرونة، ورغم قدرته على إبقاء الحياة ممكنة، يظل هشًا، محفوفًا بالمخاطر، وغير قابل للاستدامة دون تدخل يعيد بناء البنية التحتية الرسمية.
ثالثًا: الاقتصاد الجديد للحركة
لم يكن ظهور وسائل النقل البديلة مجرد تحول في أنماط التنقل، بل أدى إلى نشوء ما يمكن تسميته “اقتصاد الحركة”، وهو اقتصاد غير رسمي يعيد توزيع الموارد والفرص داخل المجتمع، ويعيد رسم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في ظل الانهيار العام.
هذا الاقتصاد لا يعمل وفق قواعد السوق التقليدية، بل وفق منطق الندرة، والمخاطر، والقدرة على الوصول، مما يجعله أقرب إلى نماذج “اقتصاد الحرب” حيث تصبح الحركة نفسها سلعة نادرة.
ظهور مهن جديدة (نقل بالأجرة البديلة)
في أحد شوارع دير البلح، يقف شاب بجانب عربة يجرها حمار، ينتظر الركاب. قبل الحرب كان عاطلًا عن العمل، أما اليوم فقد أصبح “سائقًا” يتحكم في خط سير يومي بين نقاط توزيع المساعدات والأسواق المؤقتة.
وبرزت مهن جديدة مثل: سائق العجلاه، صاحب عربة الدواب، ميكانيكي التوك توك، وفي ظل بطالة مرتفعة، أصبحت هذه المهن مصدر دخل أساسي، حيث يحقق بعض العاملين فيها دخلًا يوميًا يتراوح بين 100–300 شيكل.
يمثل هذا التحول انتقالًا من اقتصاد البطالة إلى اقتصاد البقاء القائم على الخدمات البدائية، حيث تتحول أبسط الأدوات إلى أصول إنتاجية.
تسعير التنقل: من خدمة إلى سلعة نادرة
لم يعد التنقل خدمة ذات تسعيرة ثابتة، بل أصبح سلعة تخضع لقانون العرض والطلب والمخاطر، وفي مشهد يومي، يتفاوض ركاب مع سائق “عجلاه” على سعر الرحلة، الذي قد يتغير حسب:حالة الطريق، مستوى الخطر ، توفر وسائل بديلة.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن ارتفاع تكاليف التشغيل وقطع الغيار انعكس مباشرة على أجور النقل، التي أصبحت تستنزف دخل المواطنين .
ويعكس هذا النمط ما يمكن تسميته: “تسليع الحركة” حيث تتحول القدرة على التنقل إلى امتياز اقتصادي، وليس حقًا متاحًا للجميع.
مشكلة الفكة: أزمة نقد تكشف اقتصاد المقايضة
في ظل ندرة السيولة، وخاصة العملات الصغيرة، أصبحت عملية الدفع نفسها معضلة، وفي بعض الحالات: يتم الدفع بسلع (خبز، طحين، مواد غذائية)، أو يتم تأجيل الدفع، أو يُفرض سعر أعلى لغياب الفكة، وتعكس هذه الظاهرة تراجع الاقتصاد النقدي لصالح: اقتصاد المقايضة الجزئي وهو مؤشر كلاسيكي على تفكك النظام المالي في بيئات الأزمات.
الدفع بالتطبيق: بذور تحول رقمي قسري
رغم ضعف البنية التحتية، ظهرت محاولات محدودة لاستخدام المحافظ الرقمية أو تطبيقات الدفع، ويعكس هذا الأمر مفارقة مهمة: من جهة: انهيار البنية التحتية، ومن جهة أخرى: ظهور محاولات رقمنة قسرية، ما يشير إلى أن الأزمات قد تُسرّع التحول الرقمي، حتى في بيئات غير مهيأة.
العلاقة بين النقل والغذاء والمساعدات
في غزة، لم يعد النقل قطاعًا منفصلًا، بل أصبح جزءًا من منظومة توزيع الغذاء والمساعدات، وارتفاع تكلفة النقل أدى إلى: ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتضخم كبير في السوق، وقد شهدت بعض الفترات ارتفاعًا في الأسعار تجاوز 8000% نتيجة القيود والاحتكار ، إضافة إلى فرض تكاليف مرتفعة على إدخال البضائع .
في أحد الأسواق المؤقتة، قد يكون سعر كيس الطحين مضاعفًا فقط لأنه نُقل عبر ثلاث وسائل مختلفة قبل وصوله.
هنا يصبح النقل: عاملًا محددًا للأمن الغذائي وليس مجرد وسيط لوجستي، مما يدمج “اقتصاد الحركة” داخل اقتصاد الإغاثة.
تكلفة الحركة على الأسر: عدم مساواة في التنقل
بالنسبة للأسر، لم تعد تكلفة التنقل هامشية، بل أصبحت بندًا رئيسيًا من الإنفاق، وفي بعض الحالات: تصل تكلفة التنقل إلى 30–40% من دخل الأسرة، ما يضطر الأسر إلى تقليل التنقل أو التخلي عن خدمات أساسية، ويخلق هذا الأمر ما يمكن تسميته: “عدم المساواة في الحركة”،حيث :القادرون ماليًا يستطيعون التنقل، والفقراء يصبحون محاصرين مكانيًا.
يعكس “اقتصاد الحركة” في غزة تحولًا عميقًا من اقتصاد قائم على الإنتاج والخدمات إلى اقتصاد قائم على الوصول والقدرة على الحركة، وفي هذا السياق، لم تعد القيمة الاقتصادية تُقاس بما يملكه الفرد، بل بقدرته على التنقل داخل فضاء مدمّر ومجزأ، إلا أن هذا الاقتصاد، رغم مرونته، يحمل في طياته مخاطر التفاوت، والاستغلال، وترسيخ أنماط غير عادلة قد تستمر حتى بعد انتهاء الحرب.
الخــلاصــــة
لا يمكن فهم انهيار منظومة النقل في غزة بوصفه مجرد أزمة خدمية أو خلل تقني، بل هو تعبير عن تحوّل حضري واجتماعي عميق أعاد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان والحركة، فقد أدى تدمير البنية التحتية إلى تفكيك النظام الحركي الرسمي، لكنّه في المقابل أطلق ديناميات مجتمعية بديلة أعادت إنتاج الحركة خارج إطار الدولة والمؤسسات.
أظهرت هذه الدراسة أن المجتمع الغزّي لم يتوقف عند حدود العجز، بل طوّر شبكة مواصلات غير رسمية تقوم على المبادرة الفردية والتضامن الجمعي، حيث تحولت وسائل بدائية إلى أدوات مركزية في تنظيم الحياة اليومية.
غير أن هذا النظام، رغم مرونته، يظل نظامًا هشًا، تحكمه الندرة والمخاطر، ويُعيد إنتاج أشكال جديدة من التفاوت وعدم المساواة في الوصول إلى الحركة والخدمات.
لقد أعادت هذه التحولات تشكيل الفضاء الحضري في غزة، حيث لم تعد المدينة شبكة مترابطة، بل فضاءً مجزأً تتحرك داخله الأفراد وفق منطق التكيّف والبقاء، وفي هذا السياق، برز نمط حضري يمكن وصفه بـ “المدينة البطيئة القسرية”، حيث تُفرض البطء كشرط للحياة، وتُستبدل الكفاءة بالقدرة على الاحتمال.
في المحصلة، تكشف تجربة غزة أن المجتمعات تحت الضغط لا تنهار بالكامل، بل تعيد تنظيم نفسها بوسائل بديلة، لكنها تفعل ذلك بكلفة إنسانية واقتصادية عالية، ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إعادة إعمار الطرق والبنية التحتية، بل في إعادة بناء نظام حركي عادل وآمن ومستدام، يمنع ترسيخ اقتصاد الأزمة، ويعيد للإنسان الفلسطيني حقه الطبيعي في الحركة الكريمة داخل فضائه.
إن ما نشهده في غزة ليس مجرد أزمة نقل، بل اختبار حقيقي لقدرة المجتمع على البقاء، ولقدرة العالم على تحويل الصمود إلى عدالة.
التــوصيــــات
1. إعطاء أولوية فورية لإعادة فتح وتأهيل المسارات الحيوية التي تربط بين المناطق السكنية والمستشفيات ومراكز الإيواء ونقاط توزيع المساعدات، بما يضمن الحد الأدنى من استمرارية الحركة وتقليل العزل الجغرافي.
2.دعم وسائل النقل البديلة القائمة ماديًا ولوجستيًا، خاصة العربات اليدوية والدراجات ووسائل النقل المجتمعي، مع تحسين عناصر السلامة الأساسية لضمان استدامتها وتقليل المخاطر.
3. إدماج تكلفة النقل ضمن برامج المساعدات الإنسانية، عبر آليات دعم مباشر أو قسائم نقل، للحد من انتقال عبء التكلفة إلى الفئات الأكثر هشاشة.
4. تطوير إطار تنظيمي مرن لقطاع النقل غير الرسمي يضمن السلامة والعدالة في التسعير دون تقويض مرونته أو إضعاف دوره الحيوي في ظل الأزمة.
5. دعم تطوير وسائل دفع محلية مرنة تجمع بين النقد والمحافظ الرقمية وآليات بديلة، بما يخفف من أزمة السيولة ويعزز كفاءة التبادل الاقتصادي.
6. ربط سياسات النقل مباشرة بمنظومة الأمن الغذائي والإغاثة، من خلال ضبط تكاليف النقل ومنع احتكار خدماته، بما يحد من تضخم أسعار السلع الأساسية.
7. تبني سياسات واضحة للحد من عدم المساواة في الوصول إلى وسائل النقل، تضمن قدرة الفئات الفقيرة والضعيفة على التنقل والوصول إلى الخدمات الأساسية.
8. إعادة بناء شبكة الطرق وفق معايير مرنة وقابلة للتكيف مع الأزمات، مع دمج مسارات للمشاة ووسائل النقل البديلة ضمن التصميم الحضري المستقبلي.
9. الاعتراف بالمواصلات البديلة كجزء من النظام الحركي المستقبلي، والعمل على دمجها ضمن نموذج نقل هجين يجمع بين التنظيم الرسمي والمبادرات المجتمعية.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-أبريل 2026



