تآكل ميزانية الجيش الإسرائيلي وأزمة التجنيد: مؤشرات الاستنزاف وتداعياتها على بنية الجيش وقدرته القتالية

تحليل سياسات أمنية واستراتيجيةخاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
تشير المعطيات إلى أن الجيش الإسرائيلي يواجه أزمة مركّبة تتمثل في استنزاف حاد للميزانية العسكرية نتيجة اتساع نطاق العمليات على عدة جبهات، بما في ذلك غزة وجنوب لبنان والمواجهة مع إيران، الأمر الذي أدى إلى فرض أعباء إضافية كبيرة على الموازنة. بالتوازي، تتفاقم أزمة القوى البشرية مع ازدياد الاعتماد على قوات الاحتياط وتراجع القدرة على التعويض، إلى جانب استمرار النقص في أعداد الجنود النظاميين، وتبرز في هذا السياق أزمة تجنيد الحريديم كعامل ضاغط يهدد تماسك نموذج “جيش الشعب”، وتشير التقارير إلى انعكاسات مباشرة لهذه الأزمات على الجاهزية العسكرية، بما في ذلك تقليص التدريب، وتراجع الصيانة، وتعثر بعض الصناعات العسكرية، كما أن استمرار الضغط متعدد الجبهات يهدد بترسيخ نمط استنزاف طويل الأمد يفوق قدرة النموذج العسكري الإسرائيلي التقليدي على التحمل، وفي المحصلة، تعكس المؤشرات الحالية حالة تآكل تدريجي في القدرة العملياتية للجيش، مع تداعيات استراتيجية محتملة على إدارة الحرب في المرحلة المقبلة.  

مقدّمة

تكشف الحرب الممتدة التي تخوضها دولة الاحتلال على أكثر من جبهة منذ أحداث السابع من أكتوبر عن تحولات عميقة داخل بنية الجيش الإسرائيلي، تجاوزت حدود الاستنزاف العملياتي التقليدي لتطال أسس النموذج العسكري الإسرائيلي نفسه، سواء على مستوى الاقتصاد العسكري أو القوى البشرية أو التماسك المجتمعي الذي يقوم عليه مفهوم “جيش الشعب”.

فمع اتساع نطاق العمليات العسكرية واستمرارها لفترات طويلة في قطاع غزة وجنوبي لبنان، ثم الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران استمرت قرابة أربعين يوماً، بدأت تظهر بصورة متزايدة مؤشرات أزمة مركّبة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، تتمثل في الاستنزاف الحاد للميزانية العسكرية، والتآكل المتزايد في القوات النظامية والاحتياط، إلى جانب تصاعد أزمة تجنيد اليهود الحريديم وما تثيره من انقسامات سياسية ومجتمعية حادة داخل الكيان.

وتنبع خطورة هذه الأزمة من أنها لا تتعلق فقط بعجز مالي أو نقص عددي في الجنود، وإنما تمسّ بصورة مباشرة قدرة الجيش الإسرائيلي على مواصلة إدارة حرب استنزاف متعددة الجبهات وطويلة الأمد، في وقت بُنيت فيه العقيدة العسكرية الإسرائيلية تاريخياً على الحسم السريع، ونقل المعركة إلى أرض الخصم، والاعتماد المكثف على قوات الاحتياط بوصفها العمود الفقري للجيش في حالات الطوارئ.

ويستعرض تقدير الموقف أبرز ملامح الأزمة التي تواجه الجيش الإسرائيلي حالياً، سواء على مستوى استنزاف الميزانية العسكرية أو أزمة القوى البشرية والتجنيد، كما يناقش التداعيات العملياتية والإستراتيجية لهذه الأزمات على مستقبل الجيش الإسرائيلي وقدرته على الاستمرار في إدارة المواجهات المفتوحة على عدة جبهات.

أولاً: الاستنزاف المالي وتآكل ميزانية الجيش

أظهرت تقارير إعلامية وعسكرية إسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة وجود أزمة متفاقمة في الميزانية العسكرية للعام 2026، في ظل ارتفاع غير مسبوق في تكاليف العمليات العسكرية واتساع رقعة المواجهات.

وذكرت صحيفة “يسرائيل هيوم” في تقرير لها بتاريخ السادس عشر من أيار/مايو الجاري أن الميزانية السنوية المخصصة للجيش الإسرائيلي والبالغة 111 مليار شيقل “ذهبت أدراج الرياح” بفعل الحرب على إيران وما رافقها من توسع في العمليات العسكرية على الجبهتين اللبنانية والغزية.

وبحسب التقرير، فقد قدرت وزارة الجيش بداية تكلفة الحرب على إيران بنحو 39 مليار شيقل في حال استمرت شهراً واحداً، الأمر الذي استدعى رفع الميزانية السنوية إلى نحو 154 مليار شيقل، غير أن استمرار المواجهة أربعين يوماً أضاف ما يقارب عشرة مليارات شيقل إضافية إلى فاتورة الحرب.

ولم يقتصر الاستنزاف على الجبهة الإيرانية، إذ أشار التقرير إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل “الشريط الأمني” جنوب لبنان بعمق يتراوح بين 8-10 كيلومترات وعلى امتداد يزيد عن 100 كيلومتر، بالإضافة إلى تكاليف “المنطقة الصفراء” في قطاع غزة، يتطلب إضافة ما لا يقل عن 20 مليار شيقل أخرى إلى موازنة الجيش.

كما فاقمت التعبئة الواسعة لقوات الاحتياط من الضغوطات المالية، حيث كان مخططاً بداية استدعاء نحو 40 ألف جندي احتياط بصورة متواترة خلال العام الجاري، إلا أن توسع الحرب على عدة جبهات دفع الجيش إلى استدعاء ما يقارب 100 ألف جندي احتياط، بما يحمله ذلك من أعباء تشغيلية ولوجستية وتعويضات مالية ضخمة.

وتعكس هذه الأرقام حجم التحول الذي يواجهه الاقتصاد العسكري الإسرائيلي، لا سيما أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية قامت تاريخياً على خوض حروب قصيرة وحاسمة تقلل من كلفة التعبئة الطويلة لقوات الاحتياط، في حين أن الحرب الحالية تتجه بصورة متزايدة نحو نمط “الاستنزاف طويل الأمد”، وهو النمط الذي يمثل أحد أكثر السيناريوهات إنهاكاً للجيش الإسرائيلي اقتصادياً وبشرياً.

وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة “معاريف” العبرية بتاريخ الخامس عشر من أيار/مايو أن رئيس أركان الجيش “إيال زامير” أطلق تحذيرات حادة خلال اجتماعات مغلقة مع المستوى السياسي بشأن التداعيات العملياتية لنفاد ميزانية الجيش، مشيرة إلى أنه طالب بعقد جلسة عاجلة لمناقشة انعكاسات الأزمة المالية على جاهزية الجيش وقدرته القتالية.

وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة لأنها تصدر عن قيادة عسكرية تدرك أن استمرار الحرب بالوتيرة الحالية يعني دخول المؤسسة العسكرية في مرحلة استنزاف يصعب احتواؤها دون ضخ ميزانيات استثنائية أو الحصول على دعم خارجي واسع، خصوصاً من الولايات المتحدة.

ثانياً: التداعيات الميدانية والعسكرية للأزمة المالية

لم تعد أزمة الميزانية داخل الجيش الإسرائيلي مسألة حسابية أو إدارية فحسب، بل بدأت تنعكس بصورة مباشرة على القدرات العملياتية والبنى اللوجستية للجيش.

فوفقاً لما نشرته “يسرائيل هيوم”، فإن النقص الحاد في الميزانية أدى إلى تجميد عمليات إصلاح وتأهيل عدد من الدبابات والآليات العسكرية بسبب عدم توفر التمويل اللازم لشراء قطع الغيار والمحركات، في وقت يواجه فيه الجيش استنزافاً واسعاً لمعداته نتيجة العمليات المتواصلة على أكثر من جبهة.

كما طالت إجراءات التقليص مجالات التدريب وبناء البنى التحتية العسكرية، إلى جانب تقليص أنشطة وفعاليات تدريبية كانت تُعد أساسية للحفاظ على جاهزية القوات النظامية والاحتياط.

ونقلت الصحيفة عن ضابط كبير قوله إن سلاح الصيانة “يعاني بصورة خطيرة من نقص الميزانية وعدم القدرة على استبدال الأعطال في عدة منظومات حيوية”، محذراً من أن الأزمة مرشحة للتفاقم خلال الأشهر المقبلة.

ولم تتوقف التداعيات عند حدود الجوانب اللوجستية، بل امتدت لتطال الصناعات العسكرية الإسرائيلية نفسها، حيث أشار التقرير إلى احتمال توقف خطوط إنتاج في شركات عسكرية كبرى مثل “ألبيت” نتيجة عدم توفر التمويل اللازم لشراء المواد الخام وتشغيل خطوط الإنتاج.

وقال الضابط الإسرائيلي في تصريحات نقلتها الصحيفة:

“لم نكن يوماً في وضع كهذا، لم يحدث من قبل أن خضنا حرباً استمرت ثلاث سنوات، الخزنة فارغة، ولا يمكن الاستمرار بالسيطرة على عدة أشرطة أمنية بهذه الميزانية”.

وأضاف:

“قلصنا الكثير من النشاطات والفعاليات داخل الجيش، وهذا سيؤثر على الاستعداد والتدريب… ولن نتمكن من التزود بالوسائل القتالية والذخائر والصواريخ، ما سيؤثر على قدرتنا على القتال”.

وتكشف هذه التصريحات عن قلق متزايد داخل المؤسسة العسكرية من أن يتحول الاستنزاف المالي إلى تآكل تدريجي في الكفاءة العملياتية، خاصة في ظل اعتماد الجيش الإسرائيلي بصورة كبيرة على التفوق التكنولوجي والجوي والاستخباري، وهي مجالات تحتاج إلى إنفاق مرتفع واستمرارية في التمويل والصيانة والتطوير.

كما أن تراجع القدرة على تجديد الذخائر والمعدات يطرح تحديات حقيقية أمام قدرة الجيش الإسرائيلي على خوض حرب طويلة متعددة الجبهات، خصوصاً إذا اتسعت دائرة المواجهة الإقليمية بصورة أكبر.

ثالثاً: أزمة التجنيد وتآكل نموذج “جيش الشعب”

إلى جانب الأزمة المالية، يواجه الجيش الإسرائيلي أزمة متفاقمة في القوى البشرية، تُعد من أخطر التحديات التي تواجه المؤسسة العسكرية منذ سنوات.

وتتمثل أبرز ملامح هذه الأزمة في النقص الحاد في أعداد الجنود، والضغط غير المسبوق على قوات الاحتياط، بالإضافة إلى تفاقم أزمة تجنيد اليهود الحريديم، التي تحولت إلى قضية سياسية ومجتمعية شديدة الحساسية داخل الكيان.

وفي هذا السياق، نقلت القناة “11” العبرية عن محافل عسكرية تحذيرات من أن الأشهر المقبلة قد تضع الجيش أمام “مأزق خطير”، في ظل وصول الجنود إلى مستويات عالية من الإنهاك نتيجة استمرار الحرب على لبنان وقطاع غزة، إضافة إلى الانتشار الواسع في الضفة الغربية.

ووفقاً للمعطيات العسكرية الإسرائيلية، يعاني الجيش حالياً من نقص يقدّر بنحو 12 ألف جندي في الخدمة الإلزامية، بينهم ما بين 6 آلاف إلى 7.5 آلاف جندي قتالي، وهي أرقام تعكس فجوة متزايدة في القدرة البشرية للجيش.

كما حذرت المؤسسة العسكرية من أن تقليص مدة الخدمة الإلزامية إلى ثلاثين شهراً بدلاً من اثنين وثلاثين سيؤدي إلى تفاقم الأزمة بصورة أكبر، مع خروج آلاف الجنود من الخدمة في وقت يحتاج فيه الجيش إلى تعزيز قواته وليس تقليصها.

وفي موازاة ذلك، تواجه قوات الاحتياط ضغوطاً هائلة وغير مسبوقة، إذ تشير المعطيات إلى أن جندي الاحتياط الذي كان يخدم سابقاً نحو 25 يوماً سنوياً، بات يخدم حالياً ما بين 80-100 يوم سنوياً، وفي بعض الحالات أكثر من ذلك بكثير.

ولا تقتصر تداعيات هذا الضغط على الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، حيث تتزايد الشكاوى داخل المجتمع الإسرائيلي من الأعباء المترتبة على الخدمة الطويلة، وغياب المعيل عن الأسرة، وتراجع القدرة الاقتصادية للعائلات.

ونقلت القناة عن مصدر عسكري قوله:

“الجنود منهكون، وهناك عائلات انهارت تحت الضغط وغياب المعيل، كما أن كثرة الجولات القتالية تسببت بتراجع الأداء في الميدان”.

وتعكس هذه المؤشرات أزمة أعمق تتعلق بتآكل مفهوم “جيش الشعب” الذي شكّل لعقود أحد أعمدة الهوية الإسرائيلية، حيث تتزايد الفجوة بين الفئات التي تتحمل أعباء الحرب، وتلك التي تحصل على إعفاءات دينية أو سياسية، الأمر الذي يفاقم الانقسامات الداخلية ويؤثر على التماسك المجتمعي الداعم للمؤسسة العسكرية.

رابعاً: أزمة الحريديم والانقسام السياسي الداخلي

تُعد قضية تجنيد الحريديم من أكثر الملفات تفجيراً للخلافات داخل الساحة الإسرائيلية، نظراً لتشابك أبعادها الدينية والسياسية والاجتماعية والأمنية.

فالتيارات الحريدية ترى أن طلاب المدارس الدينية يجب أن يواصلوا التفرغ للدراسة الدينية، بينما تعتبر المؤسسة العسكرية وقطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي أن استمرار إعفاء عشرات الآلاف من الحريديم بات يشكل عبئاً خطيراً على الجيش وعلى الفئات الأخرى التي تتحمل أعباء الخدمة.

وقد تصاعد الجدل بصورة غير مسبوقة مع استمرار الحرب وطول مدتها، إذ باتت المؤسسة العسكرية ترى أن أزمة القوى البشرية لم تعد تسمح باستمرار الإعفاءات الواسعة للحريديم.

وفي هذا الإطار، ذكرت قناة “I24” العبرية بتاريخ العاشر من أيار/مايو أن رئيس الأركان “إيال زامير” وجّه خلال جلسة مغلقة للجنة الخارجية والأمن في الكنيست تحذيراً وصفته القناة بأنه “استراتيجي”، أكد فيه أن الجيش سيتعرض لهزة خطيرة مع بداية عام 2027 إذا لم يتم تجنيد أعداد إضافية من الحريديم.

وقال زامير خلال الجلسة:

“في كانون الثاني/يناير 2027، وعلى ضوء تقليص مدة الخدمة، سيغادر آلاف الجنود الجيش، وستنهار قوات الاحتياط نتيجة لذلك”.

كما عقّب رئيس الأركان الأسبق “غادي آيزنكوت” على الأزمة قائلاً:

“حصل المستوى السياسي الذي جلب لنا 7 أكتوبر على إنذار جديد من قائد الأركان بضرورة العمل على تجنيد الجميع قبل انهيار الجيش تحت الضغط الهائل”.

وتكشف هذه التصريحات عن تصاعد التوتر بين المؤسسة العسكرية والائتلاف الحكومي، خاصة في ظل تمسك الأحزاب الدينية بالحفاظ على الإعفاءات التقليدية للحريديم، مقابل ضغوط متزايدة من الجيش والتيارات العلمانية لفرض “تقاسم متساوٍ لأعباء الحرب”.

كما تعكس الأزمة حالة تصدع داخل العقد الاجتماعي الإسرائيلي، حيث باتت الحرب الطويلة تعيد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة وهوية الجيش وحدود العلاقة بين الدين والمؤسسة الأمنية.

خامساً: دلالات الأزمة وانعكاساتها الإستراتيجية

تشير المعطيات السابقة إلى أن الجيش الإسرائيلي يواجه أزمة مركّبة تتجاوز حدود الضغط العملياتي المؤقت، لتلامس أسس النموذج العسكري الذي اعتمده الكيان الإسرائيلي لعقود.

فمن جهة، كشفت الحرب الحالية محدودية قدرة الجيش الإسرائيلي على خوض حرب استنزاف طويلة ومتعددة الجبهات دون تكلفة اقتصادية وبشرية مرتفعة للغاية.

ومن جهة أخرى، أظهرت الأزمة أن نموذج “جيش الاحتياط” الذي شكّل أحد أهم عناصر القوة الإسرائيلية بات يواجه مستويات غير مسبوقة من الإنهاك والتآكل.

كما أن تصاعد الخلافات حول تجنيد الحريديم يعكس أزمة أعمق تتعلق بتراجع الإجماع الداخلي حول توزيع أعباء الحرب، الأمر الذي قد ينعكس مستقبلاً على مستوى التماسك المجتمعي والثقة بالمؤسسة السياسية والعسكرية.

وفي ضوء ذلك، يُتوقع أن تدفع هذه الأزمات الكيان الإسرائيلي إلى:

– زيادة الاعتماد على القوة الجوية والتكنولوجيا لتقليل الخسائر البشرية.

– توسيع الاعتماد على الدعم العسكري والمالي الأمريكي.

– محاولة تقليص نطاق العمليات البرية طويلة الأمد.

– تكثيف الضغوط السياسية لتمرير قوانين تجنيد جديدة.

– السعي نحو إدارة الصراعات بوتيرة تمنع الانزلاق إلى استنزاف شامل طويل المدى.

وفي المقابل، فإن استمرار الحرب بالوتيرة الحالية، واتساع نطاق المواجهات الإقليمية، قد يؤديان إلى تعميق مظاهر التآكل داخل الجيش الإسرائيلي، سواء على المستوى المالي أو البشري أو المجتمعي.

الخلاصة

تكشف الأزمة الحالية داخل الجيش الإسرائيلي عن تحولات تتجاوز حدود “الضغط العسكري المؤقت”، لتشير إلى تآكل تدريجي في قدرة المؤسسة العسكرية على تحمل حروب طويلة ومتعددة الجبهات بالصيغة التقليدية التي اعتمدها الكيان الإسرائيلي تاريخياً.

فقد أدت الحروب الممتدة إلى استنزاف كبير في الميزانية العسكرية، انعكس بصورة مباشرة على الجاهزية العملياتية والصناعات العسكرية والتدريب والتزود بالذخائر والمعدات، في وقت يتزايد فيه الضغط على القوات النظامية والاحتياط بصورة غير مسبوقة.

وفي موازاة ذلك، تحولت أزمة تجنيد الحريديم من خلاف سياسي داخلي إلى معضلة أمنية وعسكرية حقيقية، مع تزايد التحذيرات من نقص القوى البشرية وتآكل قوات الاحتياط وتراجع القدرة على مواصلة الاستنزاف البشري طويل الأمد.

ورغم أن الكيان الإسرائيلي لا يزال يمتلك قدرات عسكرية واقتصادية كبيرة، إلى جانب دعم أمريكي واسع، فإن المؤشرات الحالية تعكس أزمة متصاعدة داخل نموذجها العسكري والأمني، قد تدفعه مستقبلاً إلى إعادة صياغة أولوياته العسكرية، وتعديل أنماط إدارته للحروب، ومحاولة تجنب الانخراط في مواجهات استنزافية مفتوحة وطويلة الأمد.

تقديرات واتجاهات محتملة

تشير المعطيات المتراكمة المتعلقة بالأزمة المالية وأزمة القوى البشرية داخل الجيش الإسرائيلي إلى أن المؤسسة العسكرية تواجه تحدياً مركباً مرشحاً للتفاقم كلما طال أمد الحرب واتسعت رقعة المواجهات الإقليمية، الأمر الذي قد ينعكس على طبيعة السلوك العسكري والسياسي الإسرائيلي خلال المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، يمكن تسجيل جملة من الاتجاهات والتقديرات المحتملة:

– من المرجح أن تدفع الضغوط المالية المتزايدة الجيش الإسرائيلي إلى إعادة ترتيب أولوياته العملياتية، بما يشمل تقليص بعض الأنشطة العسكرية والتدريبية وتأجيل مشاريع تطوير أو شراء منظومات قتالية جديدة.

– يُتوقع أن يتزايد اعتماد الكيان الإسرائيلي على الدعم الأمريكي المالي والعسكري لتعويض الاستنزاف المتواصل في الذخائر والقدرات اللوجستية والصناعات العسكرية، خاصة في حال استمرار المواجهات متعددة الجبهات.

– تشير المؤشرات الحالية إلى أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية قد تميل بصورة أكبر إلى الاعتماد على القوة الجوية والتكنولوجيا والقدرات الاستخبارية، مقابل تقليص الاعتماد على العمليات البرية الواسعة والممتدة زمنياً، بهدف الحد من الاستنزاف البشري داخل القوات النظامية والاحتياط.

– من المرجح أن تتصاعد الخلافات الداخلية داخل الكيان بشأن قضية تجنيد الحريديم، في ظل تزايد شعور قطاعات واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي بعدم عدالة توزيع أعباء الحرب والخدمة العسكرية.

– قد يؤدي استمرار الضغط على قوات الاحتياط لفترات طويلة إلى تراجع إضافي في مستويات الانضباط والجاهزية والدافعية داخل بعض الوحدات، خاصة مع تزايد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والنفسية على الجنود وعائلاتهم.

– يُحتمل أن تدفع أزمة القوى البشرية الجيش الإسرائيلي إلى محاولة توسيع قاعدة التجنيد ورفع مدة الخدمة الفعلية أو تأجيل تسريح بعض الجنود، بما قد يفاقم التوترات الداخلية والسياسية.

– تعكس التحذيرات الصادرة عن قيادات عسكرية إسرائيلية إدراكاً متزايداً داخل المؤسسة الأمنية بأن نموذج “الحسم السريع” الذي شكّل أساس العقيدة العسكرية الإسرائيلية يواجه اختباراً صعباً في ظل الحروب طويلة الأمد وحروب الاستنزاف متعددة الجبهات.

– تشير الأزمة الحالية إلى احتمال اتساع الفجوة بين المستوى السياسي والمؤسسة العسكرية، خاصة إذا استمرت الحكومة في تغليب اعتبارات الائتلاف السياسي على متطلبات المؤسسة الأمنية المتعلقة بالتجنيد والميزانيات.

– رغم أن الكيان الإسرائيلي لا يزال يمتلك قدرات عسكرية واقتصادية كبيرة، فإن استمرار الاستنزاف الحالي لفترة طويلة قد يفرض عليه مستقبلاً مراجعة أنماط إدارته للحروب، وتحديد أولوياته بين الجبهات المختلفة، ومحاولة تجنب الانخراط المتزامن في مواجهات استنزافية مفتوحة.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مايو 2026

شارك:

المزيد من المقالات