غزة بين إعادة الإعمار وإعادة الهندسة السياسية: قراءة نقدية في إحاطة ملادينوف أمام مجلس الأمن (٢١ مايو ٢٠٢٦)

أ. إبراهيم الحواجري
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية-تحليل سياسات

الملخص التنفيذي
تُحلّل هذه الورقة إحاطة نيكولاي ملادينوف — المندوب السامي لمجلس السلام — أمام مجلس الأمن الدولي بتاريخ ٢١ مايو ٢٠٢٦، وخارطة الطريق ذات الخمس عشرة نقطة التي قدّمها لتنفيذ القرار ٢٨٠٣ (٢٠٢٥)، وذلك للإجابة عن سؤال محوري: هل تمثّل المقاربة الدولية الراهنة مشروعَ إعادة إعمار حقيقي، أم مدخلاً لإعادة هندسة البنية السياسية والأمنية الفلسطينية؟ تخلص الورقة إلى أن خطاب ملادينوف وتقرير مجلس السلام الأول (S/2026/418) يتجاوزان الإطار الإنساني، إذ يربطان إعادة الإعمار ربطاً صريحاً بنزع سلاح المقاومة باعتباره شرطاً مسبقاً لا تفاوضياً على التمويل والتعافي، في حين تكشف أرقام أوتشا (٨٥٦ شهيداً منذ الهدنة) وتقارير الغارات الإسرائيلية شبه اليومية عن فجوة تنفيذية موثّقة وغير متوازنة. وتُحذّر الورقة من خطر التحول التدريجي للقضية الفلسطينية — من قضية تحرر وطني إلى ملف أمني–إنساني مزمن قابل للإدارة الدولية — وتوصي ببناء رؤية وطنية فلسطينية موحدة تربط إعادة الإعمار بالحقوق السياسية، وتمنع ترسيخ الوصاية الانتقالية بوصفها واقعاً دائماً.  

مقدمة

في ٢١ مايو ٢٠٢٦، وقف نيكولاي ملادينوف — المندوب السامي لمجلس السلام في غزة— أمام مجلس الأمن الدولي حاملاً ما وصفه بـ”خارطة الطريق الأكثر شمولاً” لتنفيذ الخطة الأميركية لإنهاء النزاع في غزة. لكن ما بدا في الظاهر إحاطةً تقنية حول مآلات الهدنة وإعادة الإعمار، كشف عند التدقيق عن رؤية سياسية وأمنية متكاملة تتجاوز ملف الإغاثة بكثير، فقد طالب ملادينوف صراحةً بأن” يستخدم المجلس كل الوسائل المتاحة لحثّ حماس على نزع السلاح”، مُقرّاً في الوقت ذاته بأن وقف إطلاق النار “لا يزال بعيداً عن الاستقرار” وأن انتهاكاته تقع شبه يومياً من أطراف متعددة.

هذه اللحظة لا تُقرأ بمعزل عن سياقها، فمنذ اعتماد القرار ٢٨٠٣ في نوفمبر ٢٠٢٥، يجري تشييد منظومة حوكمة دولية غير مسبوقة في غزة: مجلس سلام يترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وقوة تثبيت دولية تتشكّل، وإدارة تكنوقراطية انتقالية تُبنى، وتقرير دوري يُرفع كل ستة أشهر لمجلس الأمن، والأرقام على الأرض قاسية: ٨٠٪ من مباني غزة طالها الدمار أو التلف، و٧٠ مليون طن من الأنقاض، وأكثر من مليوني إنسان في ظروف كارثية، وفجوة تمويل هائلة بلغ طلب الأمم المتحدة لسدّها ٣٫٧٢ مليار دولار في النداء الإنساني العاجل” في ديسمبر ٢٠٢٥.

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن المقاربة الدولية الجارية تنطوي على تحوّل مفاهيمي استراتيجي: الانتقال من إدارة آثار الحرب إلى إعادة هندسة البيئة السياسية والأمنية الفلسطينية، وتسعى الورقة إلى تفكيك هذا التحوّل عبر ثلاثة محاور: أولاً، قراءة نقدية لخطاب ملادينوف وتقرير مجلس السلام الأول؛ وثانياً، تحليل دلالات الربط بين الإعمار والشرط الأمني؛ وثالثاً، رصد المخاطر الاستراتيجية المترتبة على تحوّل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى ملف أمني–إنساني مُدار دولياً.

أولاً: السياق الوثائقي والمرجعي

لفهم دلالات خطاب ملادينوف، لا بد من استحضار الإطار القانوني والسياسي الذي يتحرك ضمنه، وهو إطار بالغ التعقيد ومتعدد الطبقات.

الخطة الشاملة لإنهاء الحرب على غزة (سبتمبر 2025)

في 29 سبتمبر 2025، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن “خطة شاملة لإنهاء النزاع في غزة”، تضمنت إطاراً متعدد المستويات يقوم على ثلاثة محاور: إنشاء مجلس السلام (Board of Peace) هيئةً إشرافيةً دوليةً انتقالية، ونشر قوة تثبيت دولية (ISF)، وإرساء إدارة تكنوقراطية فلسطينية انتقالية، وفي 10أكتوبر 2025 دخلت الخطة حيز التنفيذ بعد توقيع الطرفين.

قرار مجلس الأمن 2803 (نوفمبر 2025)

في 17نوفمبر 2025، أقرّ مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2803 بأغلبية 13 صوتاً مقابل امتناع الصين وروسيا، مُرسِّخاً الخطة الأميركية وصلاحيات مجلس السلام، وقد استقبلت السلطة الفلسطينية القرار بقبول مشروط، في حين أدانته حركة حماس وعدد من منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، معتبرةً إياه “وصايةً دولية مفروضة” تتجاوز الإرادة الفلسطينية.

موقف حماس الرسمي

أعلنت حماس رفضها القرارَ 2803ووصفته بأنه “يفرض آلية وصاية دولية”، فيما أكد المجتمع المدني الفلسطيني أن القرار يمنح مجلس السلام صلاحية السيطرة على المالية والهجرة والإدارة المدنية وإعادة الإعمار دون آلية رقابة أو مشاركة فلسطينية فعلية.

اللافت أن القرار 2803 لا يتضمن أي إشارة صريحة إلى حل الدولتين أو رأي المحكمة الدولية الاستشاري الصادر في يوليو 2024، وهو ما انتقده أعضاء عدة في مجلس الأمن من بينهم الجزائر وفرنسا وباكستان وغيانا وسيراليون، باعتباره إغفالاً قانونياً ذا دلالة.

تقرير مجلس السلام الأول (S/2026/418)

في 15 مايو 2026، رفع مجلس السلام إلى مجلس الأمن تقريره الأول الذي يغطي الفترة الممتدة بين 17 نوفمبر 2025 و14 مايو 2026، وعلى الرغم من إشارته إلى إنجازات وقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية، أكد التقرير صراحةً أن العقبة المركزية هي رفض حماس قبول نزع السلاح الموثَّق، كما طالب الإسرائيليين بالوفاء بالتزاماتهم، غير أن التركيز كان أكثر ثقلاً ووضوحاً على الجانب الفلسطيني المتعلق بالسلاح.

ثانياً: تحليل خطاب ملادينوف أمام مجلس الأمن (21 مايو 2026)

المضمون المركزي للإحاطة

قدّم ملادينوف في إحاطته لمجلس الأمن خارطة طريق من خمس عشرة نقطة لتنفيذ الخطة الشاملة، محذراً من أن الفلسطينيين و”إسرائيل” يواجهون “خيارَين لا ثالث لهما: إما وضع متردٍّ متواصل، أو بداية جديدة”، وقال حرفياً: “لا يوجد خيار ثالث، لم يكن هناك قط، وشعب غزة لا ينبغي أن يُجبَر على الانتظار بينما يتظاهر البعض بأن هناك خياراً آخر”.

خارطة الطريق من15 نقطة

تتوزع نقاط الخارطة على أربعة محاور رئيسية:

النقاط 1–5: مبادئ الانتقال المدني وإطار الحوكمة

النقاط 6–11: الانتقال الأمني ونزع السلاح الموثَّق

 النقاط 12–13: نشر قوة التثبيت الدولية وانسحاب الجيش الإسرائيلي

النقطة15: ربط إعادة الإعمار بالاستقرار الموثَّق

الاقتباس المحوري من إحاطة ملادينوف

“أولئك الناس يُرجَّح أن يظلوا محاصرين تحت الأنقاض، يعتمدون على المساعدات دون إعمار حقيقي، لأن تمويل الإعمار لن يتدفق حيث لم تُوضع الأسلحة جانباً.”

المؤشرات الاستراتيجية في الخطاب

تكشف القراءة التفكيكية للإحاطة عن ثلاثة مؤشرات استراتيجية جوهرية:

أ. الانتقال من “وقف الحرب” إلى “إدارة الاستقرار”

لم يعد النقاش يتمحور حول وقف العمليات العسكرية، بل حول بناء بنية حوكمة انتقالية تمنع العودة إلى المواجهة، مع تركيز صريح على الترتيبات الرقابية والأمنية والإدارية، وقد استخدم ملادينوف عبارة “إدارة الاستقرار” بديلاً عملياً عن عبارة “حل الصراع”.

ب. السلاح بوصفه شرطاً لا تفاوضياً للإعمار

أكد التقرير بصراحة أن “نزع السلاح ليس مجرد متطلب للقرار 2803، بل هو شرط حاسم لبدء إعادة الإعمار وإجراء الانسحاب الإسرائيلي”، وهذا الربط يحوّل ملف السلاح من مسألة تفاوضية ضمن حزمة سياسية إلى شرط مسبق أحادي يتقدم على كل شيء.

ج. اشتراط الشرعية السياسية الفلسطينية

يُشير ملادينوف إلى ضرورة أن تضطلع السلطة الفلسطينية بدور محوري في الحوكمة وبناء المؤسسات، لكن ذلك مشروط بـ”برنامج إصلاح” لم تُحدَّد معاييره بوضوح، مما يفتح الباب أمام ترتيبات موازية تتجاوز المؤسسات الوطنية القائمة.

ما غاب عن الإحاطة: الملاحظة النقدية

تجدر الإشارة إلى ما يمكن وصفه بـ”عدم التوازن التحليلي” في الإحاطة؛ إذ حظي ملف سلاح الفصائل الفلسطينية باهتمام مكثف وصريح، في حين جاءت الإشارة إلى التزامات الكيان الإسرائيلي أضعف وأقل تفصيلاً، على الرغم من المعطيات الموثقة التالية:

وقوع 856 شهيدًا فلسطينياً منذ وقف إطلاق النار (تقرير أوتشا 15 مايو 2026)

استمرار الغارات الإسرائيلية شبه اليومية بذريعة “التهديدات الوشيكة”.

رفض الحكومة الإسرائيلية الانسحاب إلى ما وراء “الخط الأصفر” داخل غزة.

وصول المساعدات دون المستهدف المحدد بـ 600شاحنة يومياً.

موقف السفير الفلسطيني رياض منصور

وصف السفير الفلسطيني جلسة مجلس الأمن بأن “القانون الدولي ليس اختيارياً”، مطالباً بتطبيق متوازن للالتزامات على جميع الأطراف دون استثناء.

ثالثاً: من إدارة الحرب إلى إدارة الفلسطينيين — التحول المفاهيمي

تكشف التطورات المرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب عن تحول نوعي عميق في طبيعة المقاربة الدولية يستحق التأمل النقدي الجاد.

من قضية تحرر إلى ملف إدارة

يتضح تدريجياً أن القضية الفلسطينية تنتقل في الخطاب الدولي من إطار “قضية تحرر وطني” إلى إطار “إدارة أزمة مزمنة”، فبدلاً من أن تكون الأولوية إنهاء الاحتلال أو معالجة الجذر السياسي للصراع، تتمحور النقاشات حول الحوكمة والاستقرار وإدارة السكان ومنع الفوضى وإعادة هيكلة المؤسسات.

وهذا ما يُقرّه القرار 2803 ذاته بصياغة لافتة، إذ يجعل المسار نحو الدولة الفلسطينية مشروطاً بـ”تنفيذ برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية أمانةً وتقدم إعادة إعمار غزة”، ما يحوّل تقرير المصير من حق غير مشروط إلى منحة مشروطة بأداء.

نموذج الوصاية الدولية — المقارنة التاريخية

يجري في الأوساط الأكاديمية والقانونية مقارنة القرار 2803 بتجارب الإدارة الدولية السابقة، ولا سيما:

يوغوسلافيا السابقة: UNMIK في كوسوفو (القرار 1244) — نموذج وصاية دولية مديدة

تيمور الشرقية: UNTAET (القرار 1272) — انتقال نحو استقلال موثوق

أفغانستان: الإدارة الانتقالية ما بعد 2001 — نموذج تحول إلى ترتيب دائم

والخبرة التاريخية تُشير إلى أن «الحلول الانتقالية» كثيراً ما تتحول إلى ترتيبات طويلة الأمد، خاصة حين تغيب شروط نضج سياسي محلي حقيقي أو حين تتضارب مصالح القوى الراعية.

المخاطر الأربعة الكبرى

1. تراجع سؤال السيادة

يتراجع السؤال عن السيادة والحقوق الوطنية لصالح سؤال “من يضمن الأمن والاستقرار؟”، وهو ما يُفتح الباب أمام إنتاج نموذج إدارة طويل الأمد يُقصي مفهوم الحل السياسي.

2. اختزال المقاومة في ملف أمني

بدلاً من مقاربة الفصائل باعتبارها جزءاً من معادلة سياسية فلسطينية مركبة، يجري اختزالها في كونها “تهديداً أمنياً” يجب احتواؤه أو إعادة ضبطه ضمن ترتيبات ما بعد الحرب.

3.  فصل غزة عن المشروع الوطني

إن أخطر ما قد تُنتجه ترتيبات ما بعد الحرب هو تثبيت إدارة منفصلة لغزة تحت عنوان الإغاثة وإعادة الإعمار، بما يُعمّق الانفصال السياسي والإداري عن بقية الأرض الفلسطينية ويُرسّخه هيكلياً.

4. إعادة تعريف الشرعية السياسية

قد تنتج المرحلة المقبلة محاولات لإعادة تشكيل الشرعية السياسية الفلسطينية عبر نماذج تكنوقراط أو إدارات انتقالية تُمنح شرعية وظيفية مرتبطة بالخدمات والاستقرار أكثر من التمثيل السياسي الوطني. وهذا ما تُلمح إليه أبحاث معهد السياسة والمجتمع التي تُحذر من احتمال نشوء “نظام سياسي دولي بديل” مواز للمؤسسات الفلسطينية الرسمية.

رابعاً: إعادة الإعمار المشروط — أداةٌ للتعافي أم رافعةٌ للضغط؟

لم تعد إعادة إعمار غزة تُطرح باعتبارها استحقاقاً إنسانياً خالصاً، بل باتت — وفق الترتيبات الراهنة — مرتبطةً ارتباطاً عضوياً بالسياق الأمني والسياسي.

ربط التمويل بنزع السلاح: الطرح الرسمي

أكد تقرير مجلس السلام (S/2026/418) أن “الجهود الإنسانية لا يمكن تفعيلها أو توسيع نطاقها على مستوى القطاع في ظل ظروف الأمن الراهنة”، وأن “الوجود المسلح المستمر لحماس والفصائل الأخرى يُعيق الاستعادة الآمنة والقابلة للتنبؤ للخدمات الأساسية والتعافي المبكر”، كما طالب ملادينوف مجلس الأمن بـ”استخدام كل الوسائل المتاحة له لحثّ حماس على قبول خارطة الطريق”، مع دعوة “إسرائيل” للوفاء بالتزاماتها.

المخاطر الاستراتيجية لهذا الربط

إذا ترسّخ الربط بين الإعمار والاشتراطات الأمنية بصورة واسعة، فقد تنشأ التداعيات التالية:

إعادة تعريف الإعمار: من حق إنساني إلى ورقة ضغط تفاوضي.

إعادة تشكيل موازين القوى: عبر إنتاج فاعلين أكثر ارتباطاً بمنظومة التمويل الدولية.

هندسة المجال الأمني: من خلال ربط الموارد بترتيبات أمنية بعينها.

تعميق الانقسام الداخلي: إذا أفضى الإعمار إلى مكافأة أطراف فلسطينية دون أخرى.

السؤال الاستراتيجي المحوري

هل ستكون إعادة الإعمار مدخلاً للتعافي الوطني الفلسطيني؟ أم أداةً لإعادة صياغة موازين القوة والشرعية في غزة ما بعد الحرب؟

خامساً: المسارات الثلاثة لإعادة الهندسة السياسية والأمنية

تشير المؤشرات المتراكمة إلى وجود تفكير دولي وإقليمي في إعادة صياغة البيئة السياسية في غزة عبر ثلاثة مسارات متوازية:

المسار الأول: الحوكمة الانتقالية

يتمثل في إرساء نموذج إدارة مؤقتة أو انتقالية تتولى الإشراف على إعادة الإعمار وإدارة المؤسسات والخدمات، مع رقابة دولية وإقليمية على التمويل والإدارة، وقد اضطلع مجلس السلام بهذا الدور رسمياً، وإن ظل مقرّه الرئيسي في القاهرة مؤقتاً، والخبرة التاريخية كوسوفو وأفغانستان تُنبئ بأن كثيراً من الحلول «المؤقتة» تتحول إلى ترتيبات طويلة الأمد.

المسار الثاني: إعادة هيكلة المجال الأمني

تشمل المرحلة المقبلة محاولات لإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية والمدنية وفرض ترتيبات رقابية على المعابر والحدود والموارد، وهنا يبرز التخوف الفلسطيني من أن يتحول مفهوم “الأمن” إلى مدخل لإعادة رسم التوازنات الداخلية في غزة بما يخدم مصالح خارجية.

المسار الثالث: هندسة المجال السياسي

قد تُفرز المرحلة المقبلة طبقةً سياسيةً جديدة تُعرِّف نفسها بوصفها “إدارة خدمات واستقرار”، بعيداً عن الأدبيات التقليدية المرتبطة بالمقاومة والتحرر الوطني، وهو ما يُجسّد ما وصفته الدراسات الأكاديمية بـ”نظام سياسي دولي بديل” يُهدد بتهميش المؤسسات الفلسطينية الجامعة.

سادساً: الاستنتاجات الرئيسية

1. إحاطة ملادينوف وتقرير مجلس السلام (S/2026/418) لا يمكن قراءتهما كخطة إعمار تقنية فحسب، بل هما جزء من تصور استراتيجي أشمل لمرحلة ما بعد الحرب يُعيد رسم مشهد الحوكمة الفلسطينية.

2. ثمة انتقال واضح وموثَّق من منطق “إنهاء الحرب” إلى منطق “إدارة الاستقرار”، يتجلى في خارطة الطريق ذات الخمس عشرة نقطة التي يُعلن عنها ملادينوف.

3. ترتيبات إعادة الإعمار تُقدَّم بصورة متزايدة مشروطةً بالتحول الأمني، ما قد يُحوّلها من حق إنساني إلى أداة نفوذ سياسي وضغط.

4. الربط الصريح بين التمويل الدولي ونزع سلاح حماس — الوارد في تقرير S/2026/418 — يُؤسس لتراتبية سياسية تُقدّم الاشتراط الأمني على الحق الإنساني.

5. استمرار الفجوة التنفيذية — وما يعتبره الفلسطينيون إخلالاً بالتزامات موثّقة — يُهدد فرص أي انتقال سياسي مستقر ويُرسّخ أزمة ثقة استراتيجية عميقة.

6. الخطر المركزي يتمثل في التحول التدريجي للقضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني بأفق سياسي محدد إلى ملف أمني–إنساني دائم قابل للإدارة الدولية طويلة الأمد.

7. القرار2803ذاته يُرسي هذا التحول مفاهيمياً باشتراط الدولة الفلسطينية بإصلاحات وتقدم الإعمار، مما يُحوّل حق تقرير المصير من مبدأ قانوني إلى منحة مشروطة بالأداء.

الخلاصة

تكشف التحولات السياسية المرتبطة بقطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب أن التحدي لم يعد مقتصراً على وقف العمليات العسكرية أو إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل بات يرتبط بطبيعة النموذج السياسي والأمني الذي يجري السعي لتكريسه في القطاع، وحدود تأثيره على مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.

وتُشير القراءة التحليلية لإحاطة ملادينوف بتاريخ 21 مايو 2026 وللتقرير الأول لمجلس السلام (S/2026/418) إلى أن المقاربة الدولية المطروحة تبدو أقرب إلى مشروع إدارة انتقالية متعدد المستويات، تُربط فيه إعادة الإعمار بالترتيبات الأمنية والسياسية، مع تركيز واضح وصريح على ملف سلاح المقاومة باعتباره الشرط الأول والمقدَّم، في مقابل استمرار الجدل الفلسطيني حول تنفيذ الالتزامات المتبادلة.

إن الخطر الاستراتيجي الأبرز يتمثل في الانتقال التدريجي من إدارة آثار الحرب إلى إعادة هندسة البيئة السياسية الفلسطينية كلياً، ومن التعامل مع غزة باعتبارها جزءاً من قضية تحرر وطني إلى النظر إليها بوصفها ملفاً أمنياً–إنسانياً قابلاً للإدارة الدولية الطويلة، وهذا ليس تقديراً مجرداً، بل هو ما تُرسيه صراحةً صياغة القرار 2803 وتقرير مجلس السلام الأول.

وعليه، فإن أي مقاربة فلسطينية لمرحلة ما بعد الحرب تستدعي بناء رؤية وطنية موحدة تربط إعادة الإعمار بالحقوق السياسية والسيادة الوطنية، وتمنع تحويل الترتيبات الانتقالية إلى واقع دائم، أو استخدام الأدوات الإنسانية والاقتصادية مدخلاً لإعادة تشكيل المعادلة السياسية الفلسطينية خارج إطار التوافق الوطني والمصلحة الفلسطينية العليا.

التوصيات

1. رفض فصل إعادة الإعمار عن الحقوق الوطنية والسياسية، وتأكيد أن التعافي استحقاق لا مشروط بتنازلات أمنية أحادية.

2. التأكيد على أن أي ترتيبات انتقالية يجب أن تنبثق من شرعية فلسطينية جامعة وتمثيلية، لا من إطارات فُرضت من خارج التوافق الوطني.

3. المطالبة العلنية بتطبيق متوازن وشفاف للالتزامات على جميع الأطراف، مع توثيق الانتهاكات وتقديمها للمجتمع الدولي.

4. منع تحويل المساعدات والإعمار إلى أدوات ضغط سياسي أو أمني عبر اشتراطات أحادية الجانب.

للعمل الدبلوماسي والقانوني

5.  التمسك بالرأي الاستشاري للمحكمة الدولية (يوليو 2024) بوصفه مرجعاً قانونياً لا يمكن القفز عنه في أي ترتيبات دولية.

6. مطالبة أعضاء مجلس الأمن المتحفظين (الجزائر، فرنسا، باكستان، غيانا، سيراليون) بالضغط لإدراج الإشارة الصريحة إلى حل الدولتين في إطار أي ترتيبات مستقبلية.

7. توثيق الفجوة التنفيذية وتقديمها في تقارير دورية موثوقة ومستندة إلى مصادر أممية ومستقلة.

8. إنتاج رؤية وطنية فلسطينية موحدة لمرحلة ما بعد الحرب تربط إعادة الإعمار بالحقوق السياسية والسيادة الوطنية، وتمنع تحويل الترتيبات الانتقالية إلى واقع دائم.

9. تأسيس غرفة تقدير موقف فلسطينية متخصصة لمتابعة مخرجات الترتيبات الدولية الخاصة بغزة وتحليل آثارها الاستراتيجية على القضية الفلسطينية في مراحل متصاعدة.

10. إعادة تأكيد أن غزة جزء لا ينفصل من قضية وطنية سياسية شاملة، لا ملفاً إنسانياً قابلاً للفصل والإدارة المستقلة.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مايو 2026

شارك:

المزيد من المقالات