تشريع الاستثناء: كيف يُعيد الكيان الإسرائيلي تفكيك الحماية القانونية للأسرى الفلسطينيين بعد 7 أكتوبر

أ. إبراهيم الحواجري
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية-تحليل سياسات قانونية-استراتيجية

الملخص التنفيذي
تكشف الورقة أن مقاربة الكيان الإسرائيلي لملف الأسرى الفلسطينيين بعد 7 أكتوبر 2023 تتجه نحو تعميق منطق “تشريع الاستثناء” بوصفه بنية قانونية دائمة لا مجرد إجراء ظرفي. وتوضح أن مفهوم “المقاتل غير الشرعي” شكّل الأساس القانوني الذي سمح بإنتاج فئات هجينة خارج التصنيفات التقليدية في القانون الدولي الإنساني، وقد رافق ذلك انتقال من إدارة الفعل الأمني إلى إدارة “الحالة الأمنية الدائمة” للمعتقل الفلسطيني. كما توسعت سياسات الاعتقال الاستثنائي، بما في ذلك الاعتقال الإداري وتقييد الضمانات القانونية وتقليص الرقابة الدولية، وفي موازاة ذلك، برز اتجاه نحو هندسة محاكم استثنائية وتوسيع منطق العقوبة الردعية ذات البعد السياسي، وتشير الورقة إلى أن هذه التحولات تعيد تشكيل وظيفة القانون داخل الصراع ليصبح أداة إدارة وليس مجرد إطار ضابط له. وتخلص إلى أن استمرار هذا المسار يهدد بتآكل تدريجي في منظومة القانون الدولي الإنساني عبر توسيع مناطق الاستثناء داخله.

مقدمة

يُعدّ ملف الأسرى الفلسطينيين أحد أكثر الملفات مركزية وتعقيدًا في بنية الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ليس فقط بوصفه ملفًا إنسانيًا أو أمنيًا، بل باعتباره أحد المفاصل التي تعكس طبيعة العلاقة بين القانون والقوة في سياق صراع ممتد وغير متكافئ، فعلى مدى عقود، ظل هذا الملف محكومًا بمنظومة قانونية مركبة جمعت بين أدوات القانون العسكري، والاعتقال الإداري، والتشريعات الأمنية الاستثنائية، ضمن إطار يُفترض أنه يستند إلى قواعد القانون الدولي الإنساني، وإن كان تطبيقه محل جدل واسع في الأدبيات الحقوقية والقانونية.

غير أن الحرب على قطاع غزة بعد 7 أكتوبر 2023 شكّلت نقطة تحول مفصلية في هذا السياق، ليس فقط على مستوى حجم الاعتقالات أو طبيعة الإجراءات المتخذة، بل على مستوى البنية المفاهيمية التي تُعرَّف من خلالها فئة الأسرى أنفسهم، إذ برزت مؤشرات على انتقال تدريجي من إدارة الملف ضمن منطق “الاستثناء الإجرائي” إلى توظيف أكثر عمقًا لما يمكن تسميته بـ”تشريع الاستثناء”، أي تحويل التدابير الاستثنائية من أدوات ظرفية إلى مكونات مستقرة داخل البنية القانونية والأمنية.

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن التطورات التي أعقبت 7 أكتوبر لا تعكس مجرد تشديد في سياسات الاحتجاز، بل تشير إلى مسار أوسع لإعادة هندسة الوضع القانوني للمعتقل الفلسطيني، من خلال إعادة تعريفه ضمن فئات قانونية هجينة أو مستثناة من التصنيفات التقليدية للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك مفاهيم مثل “المقاتل غير الشرعي”، وتوسيع نطاق الاحتجاز الوقائي طويل الأمد، وإعادة صياغة وظيفة المحاكم والعقوبات في سياق الصراع.

وعليه، تسعى الورقة إلى تحليل هذا التحول من خلال تتبع جذوره القانونية، وتطوراته بعد 7 أكتوبر، وأدواته المؤسسية والقضائية، وصولًا إلى تداعياته على بنية القانون الدولي الإنساني، وعلى موقع الأسير الفلسطيني داخل منظومة الصراع، بما يفتح النقاش حول ما إذا كان القانون يتحول في هذا السياق من إطار ضابط للنزاع إلى أداة لإعادة إنتاجه.

أولًا: الجذور القانونية لعقيدة الاستثناء – “المقاتل غير الشرعي”

يشكّل مفهوم “المقاتل غير الشرعي” أحد التحولات المفصلية في البنية القانونية الإسرائيلية الخاصة بإدارة الصراع، حيث تم تقنينه لأول مرة بشكل مباشر عبر قانون احتجاز المقاتلين غير الشرعيين لعام 2002، الذي أقرّه الكنيست في سياق ما بعد الانتفاضة الثانية وتصاعد العمليات المسلحة.

من الناحية القانونية، أسّس هذا التشريع لفئة تقع خارج التصنيفات التقليدية في القانون الدولي الإنساني، إذ لا تُعامل ضمن أحد الأطر الثلاثة الأساسية التالية:

– أسير حرب وفق اتفاقيات جنيف الثالثة

– مدني مشمول بالحماية العامة وفق اتفاقيات جنيف الرابعة

– أو متهم جنائي يخضع لإجراءات قضائية عادية

وبدلًا من ذلك، أنشأ القانون وضعًا قانونيًا ثالثًا يقوم على منطق “الاحتجاز الوقائي الأمني طويل الأمد”، حيث يُسمح باحتجاز الأفراد بناءً على ما يُعرف بـ”الأساس المعقول للاعتقاد بالمشاركة في أعمال عدائية”، دون اشتراط توجيه تهمة جنائية مكتملة أو محاكمة تقليدية.

1. البنية القانونية للنموذج

يستند هذا الإطار إلى مجموعة من الآليات الجوهرية، أبرزها:

– الاحتجاز غير المحدد زمنيًا مع إمكان التمديد القضائي الدوري

– تقليص معايير الإثبات التقليدية لصالح تقديرات أمنية استخبارية

– تقييد حق الوصول الكامل إلى الأدلة بحجة السرية الأمنية

– تعزيز دور الأجهزة التنفيذية (الجيش والشاباك) في تحديد شروط الاحتجاز واستمراره

وبذلك، لا ينتج القانون مجرد استثناء إجرائي، بل يُنتج وضعًا قانونيًا هجينًا يجمع بين الطابع الإداري والقضائي والأمني في آن واحد.

2. السياق الدولي: ما بعد 11 سبتمبر وإعادة تعريف “العدو”

تأثر هذا النموذج بشكل واضح بالسياق الدولي الذي أعقب أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث برز في الخطاب القانوني والأمني الغربي، وخاصة الأمريكي، مفهوم “المقاتل غير القانوني” في إطار ما سُمّي بالحرب على الإرهاب، وتحديدًا في تجربة مراكز الاحتجاز خارج الإطار القضائي التقليدي مثل غوانتانامو.

إلا أن الحالة الإسرائيلية تختلف في نقطتين جوهريتين:

أ. من الاستثناء الخارجي إلى “التقنين الداخلي”

بينما بقي النموذج الأمريكي في كثير من جوانبه موضع جدل قضائي وسياسي داخلي، فإن الكيان الإسرائيلي قام بـ: دمج المفهوم داخل بنيتها التشريعية الرسمية بدل إبقائه حالة استثنائية خارج النظام القانوني.

ب. من الاستثناء المؤقت إلى البنية الدائمة

تحوّل المفهوم في الحالة الإسرائيلية من أداة ظرفية مرتبطة بمرحلة أمنية محددة، إلى: إطار قانوني مستقر يُستخدم كجزء من إدارة الصراع طويل الأمد.

3. التحول البنيوي: من “إجراء أمني” إلى “عقيدة قانونية”

مع مرور الوقت، لم يعد “قانون المقاتل غير الشرعي” مجرد أداة احتجاز، بل تطور إلى ما يمكن وصفه بـ:

عقيدة قانونية أمنية

وتتمثل هذه العقيدة في إعادة تعريف العلاقة بين: الأمن والقانون والعدو، بحيث يصبح القانون نفسه جزءًا من أدوات إدارة التهديد، وليس مجرد إطار ضابط لها.

وهذا التحول ينتج ثلاث نتائج مركزية:

– إعادة إنتاج الفئة القانونية

خلق فئة “غير قابلة للتصنيف التقليدي”، ما يسمح بتوسيع نطاق الاستثناء.

– تآكل مبدأ المساواة أمام القانون الدولي الإنساني

عبر إدخال تفاوتات داخل فئات الحماية نفسها.

– تحويل الاستثناء إلى قاعدة تشغيلية

أي أن ما كان يفترض أن يكون “حالة طارئة” يصبح جزءًا من الإدارة اليومية للصراع.

4. الدلالة التحليلية: نحو “بنية استثناء قانوني مستدام”

تكمن خطورة هذا التطور في أنه لا يقتصر على تعديل قانوني تقني، بل يعكس تحولًا أعمق في فلسفة إدارة الصراع، حيث يتم بناء ما يمكن تسميته بـ: بنية استثناء قانوني مستدام.

وتقوم هذه البنية على:

– إنتاج فئات قانونية غير مستقرة التعريف

– توسيع السلطة التقديرية للأجهزة الأمنية

– تقليص دور الرقابة القضائية الفعالة

– إعادة تعريف الحدود بين الحرب والقانون الجنائي

وبذلك، يصبح الاستثناء ليس انحرافًا عن النظام القانوني، بل جزءًا من بنيته التشغيلية.

يمكن القول إن مصطلح “المقاتل غير الشرعي” لا يمثل مجرد مفهوم قانوني، بل يشكّل نقطة الانطلاق لتطور منظومة قانونية أمنية متكاملة أعادت تعريف العلاقة بين القانون والحرب في السياق الإسرائيلي.

وما يجعله محوريًا في هذه الورقة هو أنه: أسّس لفكرة الفئة خارج الحماية التقليدية ومهد لتوسيع الاستثناء بعد 7 أكتوبر، وأصبح المرجع الضمني لإعادة تشكيل سياسات الاعتقال والتصنيف القانوني.

ثانيًا: ما بعد 7 أكتوبر – إعادة تعريف الوضع القانوني للأسير

مثّلت الحرب على غزة بعد 7 أكتوبر 2023 نقطة تسارع حادة في توظيف الأدوات القانونية الاستثنائية داخل منظومة الاعتقال الإسرائيلية، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية، بما يعكس انتقالًا من الاستخدام المحدود لهذه الأدوات إلى توظيف واسع النطاق وغير مسبوق من حيث الحجم والاتساع الجغرافي والوظيفي.

فعلى المستوى الإجرائي، برزت مجموعة من التحولات المتزامنة، من أهمها:

– توسع واسع في سياسات الاعتقال دون توجيه لوائح اتهام مكتملة

– تصاعد الاعتماد على الاعتقال الإداري كأداة احتجاز مفتوحة وقابلة للتمديد المتكرر

– تقييد متزايد على وصول المحامين إلى المعتقلين وملفاتهم القانونية

– تقليص فعالية ودور الرقابة الإنسانية الدولية، بما في ذلك زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر

– إنشاء وإعادة تفعيل مراكز احتجاز ذات طابع عسكري مغلق داخل مناطق العمليات

– توسع ملحوظ في الصلاحيات التنفيذية للأجهزة الأمنية، خصوصًا الجيش وجهاز الشاباك، في تحديد آليات الاعتقال وظروفه واستمراريته

غير أن أهمية هذه التحولات لا تكمن في تراكمها الكمي فقط، بل في كونها تعكس تغيرًا نوعيًا في بنية العلاقة بين السلطة الأمنية والفرد المعتقل.

من التوسع الإجرائي إلى التحول المفاهيمي

الأكثر دلالة في هذه المرحلة لا يتعلق فقط بزيادة حجم الاعتقالات أو تشديد ظروفها، بل بإعادة صياغة الوضع القانوني للمعتقل الفلسطيني نفسه.

إذ يمكن ملاحظة انتقال تدريجي من منطق: “الاشتباه في فعل محدد يستوجب الاحتجاز”، إلى منطق أكثر شمولًا وتجريدًا يقوم على: اعتبار المعتقل الفلسطيني “خطرًا أمنيًا قائمًا بذاته ومستمرًا”، بغض النظر عن الفعل المحدد أو الإطار الزمني أو التهمة الجنائية التقليدية.

هذا التحول يعني عمليًا إعادة تعريف الأساس الذي يُبنى عليه الاحتجاز، بحيث لم يعد مرتبطًا بالفعل، بل بالهوية الأمنية المفترضة.

تحول في منطق القانون: من إدارة الفعل إلى إدارة الحالة

يمكن قراءة هذا التطور بوصفه انتقالًا من نموذجين مختلفين:

 نموذج إدارة السلوك الأمني

حيث يركز القانون على: فعل محدد، وتهمة قابلة للإثبات، وإجراءات قضائية مرتبطة بزمن محدد

– نموذج إدارة “الحالة الأمنية”

حيث يصبح الفرد نفسه موضوعًا للاشتباه المستمر، والاحتجاز إجراءً وقائيًا ممتدًا، والرقابة القانونية أقل ارتباطًا بالإثبات وأكثر ارتباطًا بالتقدير الأمني، وهنا تتحول العلاقة القانونية من علاقة “محاكمة على فعل “إلى علاقة “إدارة خطر مستمر”.

الاعتقال كفضاء قانوني مغلق

في هذا السياق، لا يعود المعتقل الفلسطيني مجرد شخص يخضع لإجراء قانوني، بل يصبح داخل ما يمكن وصفه بـ”: فضاء قانوني مغلق”، تتراجع فيه ضمانات القانون الجنائي التقليدي لصالح منطق أمني مرن وقابل للتوسع.

ويترتب على ذلك: إضعاف مبدأ افتراض البراءة، وتآكل مبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة، واتساع مساحة التقدير الأمني غير القابل للمراجعة الفعالة.

يمكن القول إن ما بعد 7 أكتوبر لا يمثل مجرد تشديد في سياسات الاعتقال، بل يعكس تحولًا أعمق في البنية القانونية ذاتها، حيث يتم إعادة تعريف المعتقل الفلسطيني من كونه طرفًا في نزاع يخضع لقواعد قانونية محددة، إلى كونه “حالة أمنية دائمة” تُدار خارج المنطق التقليدي للقانون الجنائي والقانون الدولي الإنساني.

وبذلك، يصبح هذا التحول امتدادًا عمليًا لما سبق تسميته في هذه الورقة بـ”تشريع الاستثناء”، ولكن في صورته الأكثر اتساعًا وتكثيفًا.

ثالثًا: هندسة المحاكم الاستثنائية ومنطق العقوبة القصوى

شهدت المرحلة التي أعقبت 7 أكتوبر 2023 تصاعدًا ملحوظًا في النقاشات السياسية والقانونية داخل الكيان الإسرائيلي حول مستقبل منظومة المحاكم المخصصة للملفات المرتبطة بالحرب، بما يعكس اتجاهًا متناميًا نحو إعادة تشكيل وظيفة القضاء العسكري والأمني في إدارة الصراع.

وقد تمحورت هذه النقاشات، بدرجات متفاوتة من النضج والتطبيق، حول ثلاث مسارات رئيسية:

– توسيع نطاق العقوبات القصوى في بعض القضايا المرتبطة بأحداث 7 أكتوبر، بما في ذلك إعادة طرح عقوبة الإعدام ضمن سياقات محددة.

– تعزيز أو تفعيل آليات قضائية عسكرية استثنائية للتعامل مع ملفات تصنف باعتبارها “ذات طابع أمني-حربي خاص”.

– تقييد إمكانيات الإفراج أو التبادل في بعض فئات المعتقلين، عبر نقاشات تشريعية وسياسية تهدف إلى تقليص هامش الصفقات المستقبلية.

من القضاء الوظيفي إلى القضاء العقابي السياسي

يمكن قراءة هذا التحول بوصفه انتقالًا من نموذج:

قضاء أمني وظيفي: حيث تكون العقوبة مرتبطة بإدارة التهديد وضبط السلوك الأمني

إلى نموذج:

قضاء عقابي ذو بعد ردعي سياسي: حيث تصبح العقوبة جزءًا من بنية الردع وإعادة تشكيل سلوك الخصم على المدى الطويل.

وهذا التحول لا يعني فقط تشديد العقوبات، بل يشير إلى تغير في وظيفة العقوبة نفسها داخل منظومة القرار الأمني.

منطق الردع الممتد وإعادة تعريف وظيفة العقوبة

في هذا السياق، تتبلور ثلاثة أنماط مترابطة من التفكير العقابي:

– الردع طويل الأمد

لم تعد العقوبة تُفهم كإجراء مرتبط بالفعل المنفصل، بل كأداة تهدف إلى التأثير في سلوك الفاعلين الحاليين والمستقبليين ضمن بيئة الصراع.

– العقوبة ذات البعد الرمزي

تتجاوز العقوبة بعدها القانوني المباشر لتأخذ وظيفة رمزية، تهدف إلى إرسال رسائل سياسية وأمنية تتجاوز الفرد المعاقب إلى البيئة السياسية والاجتماعية الأوسع.

 تقليص أدوات التفاوض المستقبلية

يتم توظيف العقوبة، ضمن هذا المنطق، كوسيلة لتقييد أو إعادة تشكيل إمكانيات التبادل أو التسوية في مراحل لاحقة، بما يقلل من فعالية الأسرى كـ”ورقة تفاوضية”.

تحول موقع الأسير: من موضوع قانوني إلى أداة استراتيجية

في ضوء هذا التحول، لم يعد الأسير الفلسطيني يُنظر إليه فقط كموضوع يخضع لإجراءات قانونية، بل بات يُعاد إدماجه داخل بنية أوسع من الحسابات الاستراتيجية، حيث يصبح جزءًا من معادلة الردع وإدارة الصراع، وليس مجرد حالة قانونية فردية.

وهذا يعني أن وظيفة منظومة العقوبات لم تعد محصورة في معاقبة الفعل، أو ضبط السلوك، بل امتدت لتشمل:

– تشكيل البيئة السياسية للصراع

– وإعادة هندسة أدوات التفاوض المستقبلية

– والتأثير في إدراك الخصم لحدود الممكن وغير الممكن

يمكن القول إن التحولات المرتبطة بالمحاكم الاستثنائية والعقوبات القصوى لا تمثل مجرد تشدد في السياسة القضائية، بل تعكس إعادة تعريف تدريجية لوظيفة العدالة داخل سياق الصراع.

فبدل أن تكون العدالة إطارًا لتنظيم العلاقة بين الفعل والعقوبة، تتحول تدريجيًا إلى أداة ضمن منظومة أوسع للردع وإدارة الصراع، بما يضع الأسير في موقع يتجاوز البعد القانوني ليصبح عنصرًا داخل هندسة القوة السياسية والأمنية.

رابعاً: التداعيات على القانون الدولي الإنساني

إن ترسيخ نموذج “تشريع الاستثناء” لا يقتصر أثره على الحالة الفلسطينية بوصفها سياقًا خاصًا، بل يمتد ليطال البنية المعيارية العامة التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني، ولا سيما من حيث قدرته على ضبط سلوك أطراف النزاعات المسلحة وحماية الفئات غير المقاتلة أو المحتجزة.

فجوهر الإشكالية هنا لا يتعلق فقط بمدى التزام دولة بعينها بقواعد القانون الدولي، بل بمدى قدرة النظام القانوني الدولي ذاته على الحفاظ على تماسكه الداخلي أمام توسع استخدام “الاستثناء القانوني” كأداة دائمة لإدارة الصراعات.

1.  تآكل مبدأ الحماية في النزاعات المسلحة

يقوم القانون الدولي الإنساني على فرضية مركزية مفادها أن الأفراد في سياق النزاع يتمتعون بدرجات مختلفة من الحماية القانونية، وفق تصنيفات محددة (مدني، مقاتل، أسير حرب).

غير أن توسيع مفهوم “الفئات خارج التصنيف” أو “المقاتل غير الشرعي” يؤدي إلى:

– تقليص نطاق الفئات المشمولة بالحماية التقليدية

– إعادة تعريف حدود الاستثناء داخل القانون بدل أن يبقى خارجه

– خلق مناطق رمادية تتراجع فيها فعالية قواعد الحماية الأساسية

وبذلك، يتعرض مبدأ الحماية نفسه لعملية تآكل تدريجي من الداخل وليس عبر الانتهاك المباشر فقط.

2.  إضعاف مبدأ المحاكمة العادلة كضمانة إنسانية

يمثل الحق في المحاكمة العادلة أحد الركائز الأساسية في القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، إلا أن توسع نماذج الاحتجاز الاستثنائي، وما يرتبط بها من:

– الاعتماد على معلومات أمنية غير قابلة للاطلاع الكامل

– تقليص معايير الإثبات التقليدية

– تقييد الوصول إلى الأدلة والتمثيل القانوني

يؤدي إلى إعادة تشكيل مفهوم “العدالة الإجرائية” ذاته، بحيث تصبح العدالة أقل ارتباطًا بضمانات الإثبات وأكثر ارتباطًا باعتبارات الأمن والتقدير الاستخباري.

3. تقليص وظيفة التبادل كآلية إنهاء أو تخفيف النزاع

تاريخيًا، شكّل تبادل الأسرى أحد الأدوات غير المباشرة لإدارة النزاعات المسلحة وتخفيف حدتها، بل وأحيانًا فتح مسارات سياسية أوسع.

غير أن الاتجاه نحو تصنيف بعض الفئات كغير قابلة للتبادل، وتوسيع منطق “العقوبة غير القابلة للإفراج”، وربط بعض الحالات بمنطق العقوبة الوجودية، يؤدي إلى تقليص فعالية هذه الآلية، وتحويلها من أداة مرنة في إدارة النزاع إلى أداة مقيدة أو مشروطة بشكل متزايد.

4. قابلية الاستنساخ: من الحالة الخاصة إلى النموذج القابل للتعميم

من أخطر أبعاد “تشريع الاستثناء” أنه لا يبقى محصورًا في سياقه الجغرافي أو السياسي، بل يمتلك قابلية للتحول إلى نموذج مرجعي يمكن استدعاؤه في نزاعات أخرى، خاصة في سياق: ما يًسمى مكافحة الإرهاب، والنزاعات غير المتكافئة، أو الحروب الممتدة منخفضة الكثافة.

وهنا تكمن الخطورة، إذ يصبح الاستثناء: ليس انحرافًا عن النظام القانوني الدولي، بل أحد احتمالاته التشغيلية الممكنة.

يمكن القول إن التحدي الذي يطرحه نموذج “تشريع الاستثناء” لا يتمثل فقط في نطاق تطبيقه، بل في تأثيره التراكمي على البنية المفاهيمية للقانون الدولي الإنساني ذاته، من خلال توسيع المساحات الرمادية داخل النظام بدل خرقه خارجيًا.

وبذلك، يصبح الخطر أكثر عمقًا، لأنه لا يستهدف القواعد فقط، بل يستهدف منطق النظام القانوني الدولي وقدرته على إنتاج حدود واضحة بين الاستثناء والقاعدة.

خامسًا: النتائج

في ضوء التحليل الذي قدمته الورقة، يمكن استخلاص مجموعة من النتائج التي تعكس طبيعة التحول الجاري في المقاربة القانونية الإسرائيلية لملف الأسرى الفلسطينيين:

– يشهد النظام القانوني الإسرائيلي تحولًا تدريجيًا من إدارة الأسير الفلسطيني ضمن الأطر التقليدية للقانون الدولي الإنساني إلى إعادة تعريف موقعه القانوني ذاته بما يضعه في فئة استثنائية أو هجينة خارج التصنيفات المعيارية المستقرة.

– يمثّل مفهوم “المقاتل غير الشرعي” نقطة الارتكاز البنيوية في هذا التحول، إذ وفّر الإطار القانوني الذي سمح بتوسيع نطاق الاستثناء، وتحويله من حالة محدودة إلى بنية قانونية قابلة للتوسع والاستدامة.

– لم يعد القانون في هذا السياق إطارًا محايدًا لتنظيم العلاقة بين منظومة الحكم والأفراد، بل بات يُستخدم بوصفه أداة مدمجة في المنظومة الأمنية والعسكرية لإدارة الصراع وإعادة تشكيل قواعده.

– تشير التطورات بعد 7 أكتوبر إلى اتجاه متزايد نحو تقليص وظيفة التبادل كأداة سياسية-تفاوضية، عبر إعادة تعريف فئات من المعتقلين باعتبارهم غير قابلين للإفراج أو التبادل ضمن منطق الردع طويل الأمد.

– يمثل هذا المسار في مجمله تحولًا تراكميًا في بنية القانون أثناء النزاعات المسلحة، بما ينعكس على تماسك منظومة القانون الدولي الإنساني، من خلال توسيع نطاق الفئات المستثناة أو الهجينة داخله.

الخلاصة

تكشف هذه الورقة أن التحولات الجارية في المقاربة الإسرائيلية لملف الأسرى الفلسطينيين لا يمكن قراءتها بوصفها سلسلة من الإجراءات الأمنية المتفرقة أو التشديدات الظرفية المرتبطة بالحرب على غزة، بل باعتبارها جزءًا من مسار أوسع يعيد تشكيل العلاقة بين القانون والأمن داخل سياق النزاع.

فمن خلال تتبع تطور مفهوم “المقاتل غير الشرعي”، مرورًا بتوسع أدوات الاعتقال الاستثنائي بعد 7 أكتوبر، وصولًا إلى النقاشات المرتبطة بالمحاكم الاستثنائية ومنطق العقوبة القصوى، يتضح أن هناك اتجاهاً متنامياً نحو إعادة تعريف الأسير الفلسطيني ليس فقط من حيث وضعه القانوني، بل من حيث موقعه داخل البنية الكلية للنظام القانوني نفسه.

إن جوهر ما تصفه الورقة بـ”تشريع الاستثناء” لا يتمثل في خروج عن القانون، بل في إعادة إنتاج القانون ذاته بطريقة تسمح بدمج الاستثناء داخل بنيته التشغيلية، بما يحوّله من حالة طارئة إلى أداة تنظيمية دائمة.

وفي حال استمرار هذا المسار دون كوابح قانونية أو سياسية فاعلة، فإن التداعيات لن تقتصر على ملف الأسرى، بل قد تمتد إلى إعادة تعريف حدود الحماية التي يوفرها القانون الدولي الإنساني ذاته، بما يفتح الباب أمام تآكل تدريجي للفصل بين القاعدة والاستثناء في النزاعات المسلحة المعاصرة.

وبذلك، يصبح التحدي المطروح أمام المنظومة القانونية الدولية ليس فقط في ضبط الانتهاكات، بل في الحفاظ على قدرة القانون نفسه على إنتاج معيار واضح لما هو استثناء وما هو قاعدة.

التوصيات

1. الانتقال من التعاطي التراكمي مع ملف الأسرى إلى بناء منظومة فلسطينية قانونية–مؤسسية دائمة، تُدار برؤية موحدة تجعل من الملف قضية قانون دولي إنساني قابلة للتقاضي المنهجي أمام المحافل الدولية.

2. تطوير منظومة توثيق احترافية موحدة تعتمد معايير الإثبات القانونية الدولية، بما يضمن تحويل الشهادات الفردية إلى ملفات قضائية متكاملة قابلة للاستخدام أمام المحكمة الجنائية الدولية وآليات الأمم المتحدة ذات الصلة.

3. بناء سردية قانونية مضادة لمفهوم “المقاتل غير الشرعي” ومنطق الفئات خارج التصنيف، عبر التأكيد على انطباق الحد الأدنى من الحماية المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني على جميع فئات المعتقلين في سياق النزاع، ورفض أي محاولات لإخراجهم من الإطار القانوني الدولي.

4. تعزيز الحضور الفلسطيني داخل شبكات القانون الدولي والحقوقي من خلال شراكات استراتيجية مع منظمات حقوق الإنسان والنقابات القانونية والبرلمانات المؤثرة، بما يرفع من مستوى الضغط القانوني الدولي ويحول الملف إلى قضية متابعة مستمرة.

5. إعادة صياغة الخطاب الإعلامي والحقوقي المتعلق بالأسرى ليصبح خطابًا قانونيًا–حقوقيًا منضبطًا، يتجاوز السرد العاطفي إلى تثبيت الأساس القانوني لوضع الأسرى كفئة محمية بموجب القانون الدولي الإنساني، ومواجهة محاولات تحويلهم إلى مجرد ملف جنائي أمني.

6. تعزيز وحدة المرجعية الفلسطينية الناظمة لملف الأسرى عبر دمج الجهود المؤسسية المختلفة، بما يضمن تقليل التشتت ورفع كفاءة العمل القانوني والإعلامي والحقوقي.

7. تطوير كوادر قانونية فلسطينية متخصصة في القانون الدولي الإنساني والتقاضي الدولي وآليات المحاكم الدولية، بما يضمن استدامة العمل ورفع قدرته على التعامل مع الملفات المعقدة.

8. إدماج ملف الأسرى بصورة مركزية في أي مسار سياسي أو تفاوضي مستقبلي باعتباره ملفًا قانونيًا–سياديًا، مع تثبيت مبدأ أن التبادل أداة ضمن إدارة الصراع وليس امتيازًا استثنائيًا يمكن تقييده بمنطق أحادي.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مايو 2026

شارك:

المزيد من المقالات