إعادة إنتاج المجتمع تحت النار: دراسة تحليلية في تحولات التضامن الاجتماعي بقطاع غزة

أ. أحمد أبو كميل
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية-دراسة تحليلية اجتماعية

الملخص التنفيذي
تتناول هذه الورقة تحولات التضامن الاجتماعي في قطاع غزة خلال الحرب، وكيف أعادت شبكات القرابة والمبادرات المجتمعية والنسوية والشبابية إنتاج وظائف أساسية للمجتمع في ظل التدمير الواسع وتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على تقديم الخدمات. وتجادل الورقة بأن المجتمع الغزي طوّر أشكالًا من الحوكمة المجتمعية غير الرسمية أسهمت في توفير الغذاء والإيواء والتعليم والرعاية الاجتماعية، مستندًا إلى مخزون متراكم من الرأسمال الاجتماعي والمرونة المجتمعية، كما توضح أن المطابخ الجماعية وشبكات التكافل المحلية لم تكن مجرد استجابات إغاثية، بل تحولت إلى آليات لتنظيم الموارد وإدارة الندرة. وتبرز الدراسة الدور المتصاعد للنساء والشباب والتكنولوجيا في الحفاظ على التماسك المجتمعي واستمرارية الحياة اليومية، وفي المقابل، تحذر من مخاطر استنزاف شبكات التضامن مع تفاقم الأزمات الإنسانية، وتخلص إلى أن نجاح جهود التعافي وإعادة الإعمار يتطلب الاستثمار في البنية الاجتماعية للمجتمع الفلسطيني وتعزيز قدراته المحلية بالتوازي مع إعادة بناء البنية التحتية المادية.  

مقدمة

أنتجت الحرب على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في التاريخ الفلسطيني المعاصر، فقد ترافقت العمليات العسكرية الواسعة مع موجات نزوح جماعي متكررة، ودمار واسع للبنية التحتية، وتراجع قدرة المؤسسات الرسمية والخدماتية على الاستجابة للاحتياجات الأساسية للمواطنين.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى استمرار وجود أعداد ضخمة من السكان داخل مواقع نزوح مكتظة ومرافق إيواء مؤقتة أو خيام تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الحياة المستقرة، في ظل ضغوط متزايدة على أنظمة الغذاء والصحة والتعليم والخدمات الأساسية، كما تواجه الاستجابة الإنسانية تحديات مستمرة تتعلق بالوصول والإمداد والتمويل واستمرارية الخدمات.

في هذا السياق، برز سؤال مركزي يتجاوز المقاربة الإنسانية التقليدية للأزمة: كيف يواصل المجتمع الغزي أداء وظائفه الأساسية عندما تتراجع قدرة المؤسسات الرسمية أو تتعطل أجزاء واسعة منها؟

لا يقتصر هذا السؤال على دراسة التضامن بوصفه قيمة أخلاقية أو سلوكًا اجتماعيًا، بل يتعلق بفهم الكيفية التي أعادت بها الجماعات المحلية تنظيم مواردها وعلاقاتها وأدوارها الاجتماعية من أجل ضمان البقاء الجماعي تحت ظروف استثنائية.

السؤال البحثي

كيف أعادت شبكات التضامن الاجتماعي في قطاع غزة تنظيم وظائفها خلال الحرب بين 2023 و2026، وما حدود قدرتها على أداء أدوار بديلة في ظل الانهيار المؤسسي والضغط الإنساني الممتد؟

الإطار النظري

تستند الدراسة إلى أربعة مداخل نظرية رئيسية:

الرأسمال الاجتماعي

توظف الدراسة مفهوم الرأسمال الاجتماعي، مع التركيز على الشبكات والعلاقات والثقة باعتبارها موارد اجتماعية قابلة للتحول إلى قدرة جماعية على الفعل.

غير أن الدراسة لا تتبنى المقاربة الاحتفائية للرأسمال الاجتماعي بصورة مطلقة، إذ تشير أدبيات حديثة إلى أن الشبكات الاجتماعية قد تنتج أشكالًا من الإقصاء والمحسوبية وإعادة إنتاج اللامساواة إلى جانب آثارها الإيجابية.

المرونة المجتمعية

تنظر المرونة المجتمعية إلى قدرة المجتمعات على التكيف مع الصدمات وإعادة تنظيم نفسها دون الانهيار الكامل، وفي الحالة الغزية تبدو هذه المرونة مرتبطة بتراكم تاريخي من الخبرات المرتبطة بالحصار والحروب والنزوح.

الحوكمة من الأسفل

تستفيد الدراسة من أدبيات الحوكمة غير الرسمية التي تفسر كيفية إنتاج المجتمعات المحلية لآليات تنظيم وتوزيع وتنسيق خارج الأطر المؤسسية الرسمية، خاصة في البيئات الهشة أو مناطق النزاع الممتد.

اقتصاد البقاء

يفسر هذا المدخل الكيفية التي تعيد بها المجتمعات إنتاج أنظمة تبادل وتوزيع واستهلاك بديلة عندما تتعرض الأسواق والمؤسسات الاقتصادية التقليدية للاختلال أو الانهيار.

أولًا: السياق الإنساني والديموغرافي

من الكارثة الإنسانية إلى إعادة تشكيل المجال الاجتماعي

لا يمكن فهم التحولات التي طرأت على أنماط التضامن الاجتماعي في قطاع غزة دون استحضار البيئة البنيوية التي أُنتجت داخلها هذه التحولات، فالحرب لم تقتصر آثارها على الدمار المادي أو الخسائر البشرية، وإنما أعادت تشكيل المجال الاجتماعي نفسه، بما في ذلك أنماط السكن والعمل والعلاقات العائلية وشبكات التبادل الاقتصادي والاجتماعي.

تشير البيانات الصادرة عن المؤسسات الأممية إلى أن قطاع غزة شهد منذ أواخر عام 2023 واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي كثافة في العالم المعاصر قياسًا إلى المساحة وعدد السكان، كما ترافقت هذه الموجات مع تدمير واسع للبنية التحتية، بما يشمل المساكن وشبكات المياه والصرف الصحي والمنشآت الصحية والتعليمية، الأمر الذي أدى إلى انتقال مئات آلاف الأسر من نمط الحياة المستقر نسبيًا إلى أوضاع تعتمد بصورة متزايدة على الموارد الجماعية وآليات التكيف المجتمعي.

وفي هذا السياق، لم يعد النزوح مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل تحول إلى عملية إعادة تنظيم اجتماعي واسعة النطاق، فالعائلات التي كانت تعيش في وحدات سكنية مستقلة وجدت نفسها مضطرة للاندماج داخل تجمعات مكتظة، بينما اضطرت شرائح واسعة من المجتمع إلى إعادة تعريف حدود القرابة والتعاون والتكافل خارج أنماطها التقليدية.

وتبرز هنا مفارقة مهمة؛ إذ إن الانهيار المادي الواسع لم يؤدِ بالضرورة إلى انهيار موازٍ في البنية الاجتماعية. ففي حين تعرضت أجزاء كبيرة من البنية التحتية المادية للتدمير أو التعطل، أظهرت قطاعات واسعة من المجتمع قدرة ملحوظة على إعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية وتوليد أشكال جديدة من التعاون والتنسيق.

غير أن هذا التماسك لا ينبغي قراءته بوصفه حالة مثالية أو خالية من التوترات، فالمجتمعات الواقعة تحت ضغط طويل الأمد غالبًا ما تطور في الوقت نفسه آليات تضامن وآليات صراع كامنة، ومن ثم فإن فهم شبكات التضامن في غزة يتطلب النظر إليها باعتبارها استجابة تكيفية معقدة تتضمن عناصر قوة وهشاشة في آن واحد.

ثانيًا: من الأسرة النووية إلى الشبكات الممتدة

إعادة تشكيل الرأسمال الاجتماعي تحت الضغط

قبل الحرب، كانت التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها قطاع غزة خلال العقود الماضية قد دفعت تدريجيًا نحو تعزيز نمط الأسرة النووية بوصفه الشكل الأكثر شيوعًا للسكن والتنظيم الاقتصادي داخل المدن الرئيسية.

غير أن الحرب وما رافقها من نزوح واسع النطاق أدت إلى إعادة إحياء أنماط اجتماعية كانت تتراجع نسبيًا، وعلى رأسها العائلة الممتدة وشبكات القرابة الواسعة.

وتشير الملاحظات الميدانية وتقارير المؤسسات الإنسانية إلى أن نسبة كبيرة من النازحين فضلت اللجوء إلى منازل الأقارب أو الشبكات العائلية بدل الاعتماد الكامل على مراكز الإيواء العامة، ويعكس هذا السلوك مستوى مرتفعًا من الثقة الوظيفية داخل شبكات القرابة، حيث توفر العائلة الممتدة ما لا تستطيع المؤسسات الرسمية أو الإنسانية توفيره بسهولة، مثل الحماية الاجتماعية، وتبادل الموارد، وتقاسم المسؤوليات اليومية.

لكن أهمية هذه الشبكات لا تكمن فقط في بعدها العاطفي أو الثقافي، وإنما في قدرتها على العمل كوحدات اقتصادية واجتماعية مصغرة.

ففي كثير من مواقع النزوح، أعادت الأسر الممتدة تنظيم استهلاكها الغذائي بصورة جماعية، ودمجت مواردها المحدودة ضمن أنظمة توزيع داخلية تعتمد على الحاجة الجماعية أكثر من الملكية الفردية، كما ظهرت أشكال مختلفة من تقاسم الوقود والطهي الجماعي ورعاية الأطفال وكبار السن.

ومن منظور سوسيولوجي، يمكن تفسير هذه الظاهرة باعتبارها عملية تحويل للرأسمال الاجتماعي إلى رأسمال بقاء، أي أن العلاقات الاجتماعية لم تعد مجرد مصدر للدعم المعنوي، بل تحولت إلى مورد مادي مباشر يسهم في تقليل تكاليف البقاء تحت ظروف الندرة.

ثالثًا: اقتصاد البقاء

كيف أعاد المجتمع إنتاج موارده خارج السوق؟

أحد أبرز التحولات التي كشفتها الحرب يتمثل في توسع ما يمكن تسميته “اقتصاد البقاء المجتمعي”، فمع اضطراب الأسواق، وتراجع الدخل، وانقطاع سلاسل الإمداد في فترات متعددة، نشأت أنماط تبادل غير رسمية اعتمدت على المقايضة وتقاسم الموارد والعمل التطوعي والتوزيع المجتمعي.

وفي هذا السياق، لم تعد القيمة الاقتصادية للسلع مرتبطة فقط بالسوق النقدي، بل بقدرة المجتمع على إعادة توزيع الموارد المتاحة بصورة جماعية.

وقد ظهرت هذه الأنماط في صور متعددة، منها:

– المطابخ الجماعية.

– شبكات تبادل الغذاء.

– مجموعات شراء وتوزيع المياه.

– تقاسم مصادر الطاقة البديلة.

– التعليم المجتمعي غير الرسمي.

– شبكات الرعاية الصحية الشعبية.

وتكشف هذه الممارسات أن المجتمع لم يكتفِ برد الفعل على الأزمة، بل طور تدريجيًا أنظمة تنظيم موازية سمحت باستمرار الحد الأدنى من الوظائف الاجتماعية في ظل الاختلال الواسع للمؤسسات والأسواق.

إلا أن هذه الأنظمة ظلت مرتبطة بحدود واضحة، أهمها اعتمادها على الموارد المتاحة محليًا وعدم قدرتها على تعويض القطاعات التي تتطلب بنية مؤسسية متخصصة، مثل الخدمات الصحية المعقدة أو البنية التحتية الكبرى.

رابعًا: المطابخ الجماعية والتضامن الغذائي

من الإغاثة الطارئة إلى بنية حوكمة مجتمعية

تمثل المطابخ الجماعية إحدى أكثر الظواهر الاجتماعية دلالة على التحولات التي شهدها المجتمع الغزي خلال الحرب، فهذه المبادرات لم تعد مجرد آلية خيرية لتوفير الطعام للفئات المحتاجة، بل تطورت تدريجيًا لتؤدي وظائف تنظيمية واجتماعية واقتصادية جعلتها أقرب إلى بنية حوكمة مجتمعية مصغرة داخل بيئة انهيار ممتد.

وفي حين ارتبطت “التكايا” تاريخيًا في الذاكرة الاجتماعية الفلسطينية والعربية بمواسم الفقر أو الأزمات المحدودة، فإن ما شهدته غزة بين عامي 2023 و2026 يختلف من حيث الحجم والاستمرارية والوظيفة. فقد تحولت المطابخ الجماعية من مبادرات موسمية أو محلية إلى أحد الأعمدة الأساسية التي اعتمد عليها مئات آلاف السكان للحصول على الحد الأدنى من الغذاء اليومي.

وتشير تقارير برنامج الأغذية العالمي ومنظمات الإغاثة الدولية إلى أن الوجبات الساخنة التي تنتجها المطابخ الجماعية أصبحت خلال مراحل متعددة من الحرب المصدر الغذائي الأكثر انتظامًا لشرائح واسعة من السكان، خاصة في ظل تعطل الأسواق وارتفاع الأسعار وانقطاع الإمدادات الغذائية في فترات متكررة.

اقتصاد الندرة وإعادة توزيع الموارد

أحد أهم أبعاد هذه التجربة يتمثل في قدرتها على رفع الكفاءة الجماعية لاستخدام الموارد المحدودة.

ففي ظروف الندرة الحادة، تصبح إدارة الغذاء قضية تنظيمية بقدر ما هي قضية إنسانية، وتشير الأدبيات الخاصة باقتصاد الكوارث إلى أن الطهي الجماعي يقلل من استهلاك الوقود والمياه والموارد اللوجستية مقارنة بأنماط الاستهلاك الفردية أو الأسرية المنفصلة.

وقد دفعت الحرب كثيرًا من الأسر إلى دمج مواردها الغذائية داخل أنظمة طهي جماعي واسعة النطاق، سواء عبر المطابخ الأهلية أو المبادرات المحلية أو المطابخ المدعومة من المنظمات الإنسانية.

وفي هذا السياق، لم يكن الهدف الأساسي هو توفير الطعام فقط، بل تحقيق أعلى قدر ممكن من الاستفادة الجماعية من الموارد المتاحة، بما يسمح بإطالة قدرة المجتمع على الصمود تحت ظروف الحصار والندرة.

المطبخ الجماعي بوصفه مساحة لإعادة إنتاج المجتمع

لا تقتصر أهمية هذه المطابخ على بعدها الغذائي، فالمراجعة الميدانية لشهادات العاملين والمستفيدين تكشف أن المطابخ الجماعية أدت وظائف اجتماعية ونفسية موازية لا تقل أهمية عن وظيفة الإطعام نفسها.

ففي بيئات النزوح الجماعي، حيث تتعرض الروابط الاجتماعية للتفكك والضغط المستمر، تحولت المطابخ إلى فضاءات يومية للقاء والتواصل وتبادل المعلومات وإعادة بناء الشعور بالانتماء الجماعي.

ومن هذا المنظور، لم تكن الوجبة مجرد سلعة غذائية، بل ممارسة اجتماعية تعيد إنتاج الإحساس بالوجود الجماعي داخل بيئة يغلب عليها التفكك والخوف وعدم اليقين.

كما ساعدت هذه المطابخ في الحفاظ على درجة من الروتين الاجتماعي داخل بيئات النزوح، وهو عامل تشير الأدبيات النفسية والاجتماعية إلى أهميته في تقليل آثار الصدمات الجماعية طويلة الأمد.

من الاعتماد إلى المشاركة

تتميز نسبة كبيرة من المطابخ المجتمعية في غزة بأنها لم تعتمد فقط على العلاقة التقليدية بين “المتبرع” و”المستفيد”، بل قامت على مشاركة مجتمعية واسعة في التشغيل والإدارة.

ففي كثير من الحالات ساهم السكان أنفسهم في:

– جمع الحطب والوقود البديل.

– إعداد الطعام.

– نقل المياه.

– تنظيم التوزيع.

– إدارة المخزون.

– تنظيف مواقع الطهي.

وقد أتاح ذلك تحويل جزء من السكان من موقع المتلقي السلبي للمساعدة إلى موقع الفاعل المشارك في إنتاجها.

وهذه النقطة بالذات تمثل أحد أهم عناصر القوة في شبكات التضامن المجتمعي؛ إذ إن المشاركة في إنتاج المساعدة غالبًا ما تعزز الإحساس بالكرامة والفاعلية الاجتماعية مقارنة بالاعتماد الكامل على أنماط الإغاثة الرأسية التقليدية.

حدود النموذج ومخاطر الاستنزاف

مع ذلك، فإن قراءة المطابخ الجماعية بوصفها قصة نجاح مكتملة تظل قراءة غير دقيقة، فقد كشفت التطورات اللاحقة أن قدرة هذه الشبكات ترتبط بصورة مباشرة بتدفق الموارد الخارجية واستمرارية الإمدادات الغذائية.

ومع تشديد القيود على دخول المساعدات في فترات متعددة، بدأت عشرات المطابخ الجماعية بالتوقف أو تقليص عملياتها بسبب نفاد المواد الأساسية اللازمة للطهي، وتشير تقارير أممية ودولية إلى أن هذه المطابخ أصبحت في بعض المراحل المصدر الغذائي الأكثر انتظامًا لمئات آلاف السكان، الأمر الذي جعل توقفها ينعكس مباشرة على مستويات الأمن الغذائي داخل القطاع.

كما أظهرت الأزمة أن المجتمع يستطيع تنظيم الموارد المتاحة وإعادة توزيعها بكفاءة نسبية، لكنه لا يستطيع إنتاج الموارد من العدم.

ومن هنا تظهر حدود الحوكمة المجتمعية؛ إذ يمكنها إدارة الندرة، لكنها لا تستطيع إنهاء الندرة نفسها.

خامسًا: المرأة والشباب والتكنولوجيا

الفاعلون الجدد في إعادة إنتاج المجتمع أثناء الحرب

أظهرت الحرب في قطاع غزة تحولات اجتماعية عميقة تجاوزت أنماط التكيف التقليدية المرتبطة بالنزوح أو الاستجابة الإنسانية. ومن بين أبرز هذه التحولات صعود فاعلين اجتماعيين جدد إلى واجهة المجال المجتمعي، وعلى رأسهم النساء والشباب، الذين اضطلعوا بأدوار متزايدة في تنظيم الحياة اليومية وإدارة الموارد والحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرارية الاجتماعية في ظل التراجع الحاد لقدرة المؤسسات الرسمية والخدماتية.

ولا يعني ذلك أن النساء أو الشباب كانوا غائبين عن المجال العام قبل الحرب، إلا أن ظروف الانهيار الواسع أعادت توزيع الأدوار الاجتماعية بصورة دفعت قطاعات واسعة منهم إلى الانتقال من مواقع المساندة أو المشاركة المحدودة إلى مواقع القيادة والتنظيم والتنسيق الميداني.

ومن ثم فإن فهم شبكات التضامن في غزة لا يكتمل دون تحليل الكيفية التي أعادت بها الحرب تشكيل أدوار الفاعلين الاجتماعيين داخل المجتمع، وكيف تحولت مهارات الرعاية والتعليم والتواصل الرقمي والعمل التطوعي إلى أدوات مركزية في إدارة البقاء الجماعي.

المرأة بوصفها بنية استقرار اجتماعي

في معظم الأدبيات المرتبطة بالصراعات، يجري التركيز على النساء بوصفهن من الفئات الأكثر تضررًا من الحرب، ورغم صحة هذا التوصيف في الحالة الغزية، فإنه لا يكفي لفهم الدور الذي لعبته النساء في استمرارية المجتمع خلال سنوات الحرب.

ففي بيئات النزوح الواسع، لم تقتصر أدوار النساء على الرعاية الأسرية التقليدية، بل توسعت لتشمل إدارة شبكات الغذاء والتعليم والدعم النفسي والتنظيم المجتمعي داخل المخيمات ومواقع النزوح.

وتشير تقارير أممية إلى ارتفاع أعداد الأسر التي أصبحت تُدار فعليًا من قبل النساء نتيجة فقدان المعيل أو إصابته أو تغيبه القسري بفعل ظروف الحرب، ما دفع النساء إلى تحمل مسؤوليات اقتصادية واجتماعية مضاعفة، كما تؤكد شهادات ميدانية أن النساء كن في كثير من المواقع الجهة الأكثر استقرارًا داخل بيئات النزوح، نظرًا لاستمرارهن في إدارة تفاصيل الحياة اليومية رغم الانهيار المحيط.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى النساء بوصفهن أحد أهم أعمدة “اقتصاد الرعاية” الذي حافظ على الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي داخل المجتمع الغزي.

فإعداد الطعام الجماعي، وتنظيم شؤون الأطفال، ورعاية المرضى وكبار السن، وتدبير الموارد المحدودة، لم تكن مجرد أعمال منزلية، بل تحولت إلى وظائف مجتمعية حيوية أسهمت في تقليل آثار الانهيار الاجتماعي الواسع.

من التعليم النظامي إلى التعليم المجتمعي

أحد أكثر التحولات دلالة تمثل في الدور الذي لعبته النساء في استمرارية العملية التعليمية، فمع تدمير أو تعطيل معظم المؤسسات التعليمية، ظهرت مبادرات تعليمية مجتمعية داخل الخيام ومراكز النزوح اعتمدت بصورة كبيرة على متطوعات ومعلمات وأمهات تولين تنظيم حلقات تعليم غير رسمية للأطفال.

وتشير تقارير المؤسسات التعليمية والإنسانية إلى أن مئات آلاف الأطفال ظلوا محرومين من التعليم النظامي لفترات طويلة، الأمر الذي دفع المجتمعات المحلية إلى ابتكار مساحات تعلم مؤقتة داخل بيئات النزوح للحفاظ على الحد الأدنى من العملية التعليمية.

وتكشف هذه المبادرات أن التعليم خلال الحرب لم يعد مجرد عملية نقل معرفة، بل أصبح ممارسة مقاومة اجتماعية تهدف إلى حماية الأطفال من الانقطاع الكامل عن الحياة الطبيعية ومن آثار التفكك النفسي الممتد.

ومن ثم فإن كثيرًا من النساء لم يؤدين فقط دور المعلمات، بل اضطلعن بدور حارسات الاستمرارية الاجتماعية والرمزية داخل مجتمع يتعرض لاهتزازات متواصلة.

الشباب وإعادة تعريف العمل المجتمعي

بالتوازي مع التحولات الجندرية، شهدت الحرب صعود دور الشباب بوصفهم فاعلين أساسيين في شبكات التنسيق والاستجابة المجتمعية.

ففي ظل التراجع الكبير لقدرات المؤسسات التقليدية، برزت مجموعات شبابية تولت مهام متعددة شملت:

– تنسيق المساعدات.

– إدارة المبادرات التطوعية.

– تبادل المعلومات الميدانية.

– المساعدة في البحث عن المفقودين.

– تنظيم حملات الدعم المجتمعي.

– تشغيل شبكات التواصل والإغاثة الرقمية.

وتشير مبادرات شبابية مدعومة من مؤسسات محلية ودولية إلى أن الشباب لم يكونوا مجرد متلقين للأزمة، بل تحولوا إلى جزء من البنية التنظيمية التي ساعدت المجتمع على التكيف مع ظروف النزوح والحصار الممتد.

ويبدو هذا التحول مهمًا بصورة خاصة لأن الحرب دفعت جيلًا كاملًا من الشباب إلى توظيف مهارات اكتسبها في البيئة الرقمية والتعليمية السابقة ضمن سياق ميداني مباشر يتعلق بإدارة الأزمات والاستجابة المجتمعية.

التكنولوجيا بوصفها بنية تضامن جديدة

رغم الدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية للاتصالات والكهرباء، فإن التكنولوجيا لعبت دورًا متزايد الأهمية في إعادة تنظيم شبكات التضامن داخل غزة.

ففي الظروف الطبيعية، تُستخدم التكنولوجيا بوصفها أداة تواصل أو عمل أو تعليم، أما في بيئة الحرب، فقد تحولت إلى أداة بقاء.

واعتمدت مجموعات شبابية ومتطوعون على تطبيقات الاتصال ومنصات التواصل والمحافظ الرقمية لتنسيق المساعدات وتبادل المعلومات المتعلقة بالمياه والغذاء والأدوية ومواقع الخدمات المتاحة.

كما ساعدت الوسائل الرقمية في الحفاظ على الروابط بين العائلات المشتتة داخل القطاع وخارجه، وفي نقل الاحتياجات الإنسانية بصورة أسرع من القنوات التقليدية في بعض الحالات.

وتشير تقارير متعددة إلى أن فاعلين شبانًا في غزة واصلوا تشغيل مبادرات رقمية وخدمات اتصال رغم الانقطاعات المتكررة للكهرباء والإنترنت، مستفيدين من الطاقة الشمسية وأدوات الاتصال البديلة للحفاظ على الحد الأدنى من الترابط المجتمعي.

وقد أدى ذلك إلى ظهور شكل جديد من الرأسمال الاجتماعي يمكن وصفه بـ”الرأسمال الاجتماعي الرقمي”، حيث أصبحت القدرة على الوصول إلى المعلومات والاتصال وإدارة الشبكات الإلكترونية موردًا اجتماعيًا لا يقل أهمية عن الموارد المادية التقليدية.

حدود التحول ومخاطر الإرهاق

مع ذلك، فإن قراءة هذه التحولات بوصفها تحولًا تحرريًا كاملًا أو دائمًا تظل قراءة مبسطة.

فالنساء اللاتي تحملن أعباء إضافية في التعليم والرعاية وإدارة الموارد واجهن في الوقت ذاته مستويات مرتفعة من الضغط النفسي والاقتصادي والاجتماعي. وتشير تقارير أممية إلى أن الأعباء غير المرئية للرعاية المنزلية والمجتمعية تضاعفت بصورة كبيرة خلال الحرب.

كما أن كثيرًا من المبادرات الشبابية اعتمدت على العمل التطوعي والاستنزاف الذاتي أكثر من اعتمادها على موارد مؤسسية مستقرة، ما يجعل استدامتها على المدى الطويل موضع تساؤل.

أما التكنولوجيا نفسها، فرغم دورها المهم، فقد ظلت رهينة محدودية الكهرباء والاتصالات والموارد التقنية، فضلًا عن التفاوت في القدرة على الوصول إليها بين الفئات المختلفة.

إعادة إنتاج المجتمع لا مجرد الاستجابة للأزمة

تكشف تجربة النساء والشباب والتكنولوجيا في غزة أن المجتمع لم يكتفِ بالتكيف مع الحرب، بل أعاد بصورة جزئية إنتاج بعض وظائفه الأساسية عبر فاعلين جدد وشبكات جديدة وأدوات مختلفة.

ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى هذه الفئات بوصفها مكونات مركزية في أي عملية تعافٍ أو إعادة إعمار مستقبلية، لا باعتبارها أطرافًا مساندة أو ثانوية.

فإعادة بناء المدارس أو البنية التحتية أو الخدمات العامة لن تكون كافية إذا جرى تجاهل التحولات الاجتماعية التي أنتجتها الحرب نفسها.

لقد أفرزت سنوات الحرب خبرات تنظيمية وتعليمية ومجتمعية جديدة لدى النساء والشباب، وأنتجت أنماطًا مختلفة من القيادة المحلية والعمل التعاوني والتنسيق الرقمي، ومن المرجح أن يؤثر حضور هذه الفئات في المجال العام على شكل المجتمع الغزي في مرحلة ما بعد الحرب، سواء عبر اندماجها في المؤسسات الرسمية أو عبر استمرار بعض الشبكات المجتمعية التي تشكلت تحت ظروف الأزمة.

وعليه، فإن السؤال الذي يواجه صناع القرار لا يتعلق فقط بكيفية إعادة إعمار البنية التحتية المادية، بل أيضًا بكيفية استيعاب البنية الاجتماعية الجديدة التي أعادت الحرب تشكيلها، والاستفادة من قدراتها بدل إعادة إنتاج الأنماط التقليدية السابقة بصورة ميكانيكية.

الخلاصة

تكشف تجربة قطاع غزة خلال الحرب الممتدة منذ أكتوبر 2023 أن المجتمعات لا تواجه الكوارث الكبرى بوصفها كيانات تنتظر النجدة الخارجية فحسب، وإنما تمتلك أيضًا قدرة متفاوتة على إعادة تنظيم نفسها وإنتاج آليات تكيف جماعي تسمح باستمرار الحد الأدنى من الحياة الاجتماعية في ظل ظروف الانهيار الممتد.

وقد بينت هذه الدراسة أن شبكات التضامن الاجتماعي في غزة لم تقتصر على أداء وظائف خيرية أو إغاثية تقليدية، بل تطورت تدريجيًا لتؤدي أدوارًا تتجاوز ذلك نحو إدارة جوانب متعددة من الحياة اليومية، بما يشمل الإيواء والغذاء والتعليم والرعاية الاجتماعية والدعم النفسي والتنسيق المجتمعي.

وفي هذا السياق، برزت العائلة الممتدة، والمطابخ الجماعية، والمبادرات النسوية والشبابية، والشبكات الرقمية، بوصفها مكونات رئيسية في عملية إعادة إنتاج المجتمع تحت ظروف الحرب.

وتشير النتائج إلى أن قدرة المجتمع الغزي على الصمود لم تكن نتاجًا لتوافر الموارد المادية بقدر ما ارتبطت بامتلاكه مخزونًا متراكمًا من الرأسمال الاجتماعي، تشكل عبر عقود من الخبرات الجماعية المرتبطة باللجوء والاحتلال والحصار والحروب المتكررة، وقد أتاح هذا المخزون للمجتمع إنتاج أنماط متنوعة من التعاون والتكافل والتنسيق المحلي أسهمت في تقليل آثار الانهيار المؤسسي والاقتصادي الواسع.

غير أن الدراسة تخلص في الوقت ذاته إلى أن هذه الشبكات لا ينبغي النظر إليها بوصفها بديلًا دائمًا للحكومات أو للمؤسسات العامة، فالتضامن الاجتماعي، مهما بلغت قوته، يظل موردًا محدودًا وقابلًا للاستنزاف، كما أن قدرته على إدارة الندرة لا تعني قدرته على إنهائها أو تعويض الغياب المستمر للموارد والبنى التحتية والخدمات العامة، وقد أظهرت تطورات الحرب أن استمرار النزوح واتساع الفقر وتراجع المساعدات وتكرار الصدمات يؤدي تدريجيًا إلى إنهاك الشبكات المجتمعية نفسها وإضعاف قدرتها على الاستجابة، وتشير تقارير أممية وإنسانية إلى أن المجتمع الغزي واجه خلال مراحل متعددة ضغوطًا غير مسبوقة تمثلت في النزوح المتكرر، والانكماش الحاد في المجال المعيشي، وتصاعد مخاطر انعدام الأمن الغذائي، وهي عوامل تزيد من احتمالات تآكل القدرة التضامنية مع طول أمد الأزمة.

كما أظهرت الدراسة أن الحرب لم تُنتج فقط أنماطًا جديدة من التضامن، بل أعادت تشكيل الخريطة الاجتماعية ذاتها، فقد برزت النساء والشباب بوصفهم فاعلين مركزيين في تنظيم الحياة اليومية وإدارة المبادرات المجتمعية، كما لعبت التكنولوجيا دورًا متزايدًا في الحفاظ على الترابط الاجتماعي وتنسيق الاستجابة المحلية، ومن المرجح أن تستمر آثار هذه التحولات في التأثير على شكل المجتمع الغزي خلال مرحلة ما بعد الحرب، سواء من خلال اندماجها في المؤسسات الرسمية أو عبر استمرار بعض الشبكات المجتمعية التي تشكلت خلال الأزمة.

وعلى المستوى النظري، تدعم الحالة الغزية أهمية المقاربات التي تربط بين الرأسمال الاجتماعي والمرونة المجتمعية والحوكمة غير الرسمية، لكنها تكشف أيضًا حدود هذه المقاربات إذا ما جرى التعامل معها بصورة احتفائية، فشبكات التضامن لا تنتج فقط التماسك والتعاون، بل قد تعكس أيضًا اختلالات القوة وعدم المساواة والتفاوت في القدرة على الوصول إلى الموارد، ولذلك فإن فهم التضامن الاجتماعي في غزة يتطلب النظر إليه بوصفه ظاهرة مركبة تجمع بين عناصر القوة والهشاشة، وبين القدرة على الصمود ومخاطر الاستنزاف في آن واحد.

وفي المحصلة، يمكن القول إن أحد أهم الدروس التي تقدمها تجربة غزة يتمثل في أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تُختزل في إعادة بناء المباني والبنية التحتية فقط، بل يجب أن تشمل أيضًا إعادة بناء وتعزيز البنية الاجتماعية التي حافظت على تماسك المجتمع في أحلك الظروف، فالمجتمعات لا تتعافى بمجرد عودة الخدمات أو إعادة تشييد المساكن، وإنما تتعافى عندما تتمكن من تحويل خبرات الصمود والتضامن التي نشأت خلال الأزمة إلى موارد مؤسسية وتنموية مستدامة تسهم في بناء مستقبل أكثر قدرة على مواجهة الصدمات وأقل عرضة للانهيار.

ومن هنا، فإن أي مقاربة جادة للتعافي وإعادة الإعمار في غزة ينبغي أن تنطلق من الاستثمار في الإنسان والشبكات المجتمعية المحلية بالقدر ذاته الذي تستثمر فيه في البنية المادية، لأن المجتمع الذي نجح في إعادة إنتاج نفسه تحت ظروف الحرب يمتلك، رغم كل الخسائر، أحد أهم الموارد اللازمة لبناء مرحلة ما بعد الحرب.

التوصيات

1. توثيق المبادرات المجتمعية وتجارب التضامن التي نشأت خلال الحرب وتحويلها إلى قاعدة معرفة وطنية يمكن الاستفادة منها في التخطيط للتعافي وإدارة الأزمات مستقبلًا.

2. إدماج الشبكات المجتمعية المحلية التي أثبتت فاعليتها خلال الحرب ضمن برامج التعافي وإعادة الإعمار بدل التعامل معها كاستجابات طارئة مؤقتة.

3. دعم المبادرات المحلية القائمة على المشاركة المجتمعية وتعزيز دورها في تحديد الاحتياجات والأولويات على المستوى المحلي.

4. الاستثمار في قدرات النساء والشباب الذين اضطلعوا بأدوار قيادية وتنظيمية خلال الحرب، وإشراكهم في عمليات التخطيط وإعادة الإعمار والتنمية المجتمعية.

5. تطوير برامج تستهدف حماية وتعزيز الرأسمال الاجتماعي والتماسك المجتمعي باعتبارهما من أهم مقومات الصمود الوطني في أوقات الأزمات.

6. دعم المبادرات التعاونية المحلية في مجالات الغذاء والتعليم والرعاية المجتمعية بما يسهم في تحويل شبكات التضامن الطارئة إلى أطر أكثر استدامة.

7. تضمين البعد الاجتماعي والنفسي في خطط إعادة الإعمار وعدم حصرها في إعادة بناء البنية التحتية والخدمات المادية فقط.

8. بناء آليات محلية لإدارة الأزمات والكوارث تستند إلى الخبرات والدروس التي راكمها المجتمع الفلسطيني خلال سنوات الحرب.

9. تشجيع مراكز الأبحاث والجامعات الفلسطينية على دراسة التحولات الاجتماعية التي أفرزتها الحرب وتحويل نتائجها إلى سياسات وبرامج عملية.

10. التعامل مع شبكات التضامن المجتمعي باعتبارها رصيدًا وطنيًا استراتيجيًا ينبغي تعزيزه واستثماره في بناء مجتمع أكثر قدرة على الصمود والتعافي في المستقبل.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-يونيو 2026

شارك:

المزيد من المقالات