من باب السلسلة إلى الخان الأحمر..إعادة هندسة محيط القدس

من باب السلسلة إلى الخان الأحمر..إعادة هندسة محيط القدس: نظام التحكم في المشهد الجيوسياسي الفلسطيني
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية-تحليل سياسات

ملخص تنفيذي
تُقدّم هذه الورقة تحليلاً لمنظومة السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالقدس ومحيطها، ومحاولة فهم التحوّل الاستراتيجي في السياسة الإسرائيلية: من السيطرة الموضعية على نقاط بعينها داخل الأسوار، إلى إنشاء منظومة تحكم إقليمي شاملة تستهدف الجغرافيا السياسية الفلسطينية برمتها.  وتستند الورقة إلى المستجدات الميدانية في مايو 2026 التي تجلّت في توقيع وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش على أمر الإخلاء الفوري لتجمّع الخان الأحمر، متزامنًا مع مصادقة سلطات الاحتلال على مخطط الاستيلاء على عقارات حي باب السلسلة. السؤال البحثي المحوري: هل تمثّل الإجراءات الإسرائيلية الراهنة في القدس ومحيطها استمرارًا للسياسات التوسعية التاريخية، أم أنها تُشكّل نقلة نوعية نحو “مرحلة الحسم الجغرافي” التي لا رجعة عنها؟

مقدمة: لماذا الربط بين نقطتين؟

لا تُفهم أي ظاهرة جغرافية-سياسية بمعزل عن سياقها المكاني، وإن الربط بين باب السلسلة والخان الأحمر ليس تجاورًا بلاغيًا، بل هو مفتاح تحليلي يكشف منطق عمل السياسة الإسرائيلية في القدس: فالضغط على المركز (البلدة القديمة) لا يكتمل ما لم يُحكَم الطوق على المحيط، والسيطرة على المحيط تفقد دلالتها الاستراتيجية إن لم تُوظَّف لخنق المركز وعزله.

باب السلسلة هو الشريان الغربي المؤدي إلى المسجد الأقصى المبارك، وأحد أبرز المداخل التاريخية للبلدة القديمة، وتُشير محافظة القدس إلى أن هذا الحي يُعدّ من أهم الممرات التاريخية المؤدية إلى المسجد الأقصى، وأن استهدافه يحمل أبعادًا سياسية ودينية تتجاوز البُعد العقاري.

أما الخان الأحمر، فهو تجمّع بدوي يقع شرق القدس المحتلة، تتصاعد فيه مخاوف السكان الفلسطينيين من تنفيذ قرار الإخلاء الفوري، في سياق تحذيرات فلسطينية واسعة من أن الهدف الحقيقي يكمن في تمهيد الطريق لتنفيذ المشروع الاستيطاني الضخم المعروف بـE1، الذي يهدف إلى ربط مستوطنة “معاليه أدوميم” بمدينة القدس.

أولاً: السياق الديموغرافي والعمراني — الأرقام التي تحكم المشهد

لا يمكن تحليل الأحداث الجارية دون استيعاب الحجم الفعلي للتحولات الديموغرافية التي أُرسيت على مدى عقود:

على صعيد الاستيطان: بلغ عدد المستوطنين في نهاية عام 2023 نحو 501,000 مستوطن في الضفة الغربية، و245,000 في القدس، ليصل المجموع إلى قرابة 746,000 مستوطن، ومنذ تولّي حكومة نتنياهو السلطة في 2022، تمت الموافقة على 41,709 وحدة سكنية استيطانية، وهو رقم يفوق العدد المسجّل في السنوات الست التي سبقت الحكومة الحالية.

على صعيد الإخلاء والتهجير: بلغ عدد المقدسيين الذين سُحبت إقامتهم من مدينة القدس بين عام 1967 وعام 2021 أكثر من 14,727 مقدسيًا، وتكشف الأرقام أن ستة عقود من السياسات أنتجت قدسًا بـ14,809 إقامة مُلغاة، و234 ألف مستوطن، و2,124 مبنى مهدوم منذ 2009، و130 ألف مقدسي مهدَّد بفقدان منزله، و78% من سكانها تحت خط الفقر.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ إنها تُجسّد بنية هشاشة مُهندَسة تُضعف قدرة السكان على الصمود وتُيسّر تنفيذ مخططات الحسم الجغرافي.

ثانيًا: المسارات الأربعة لفرض السيطرة

تعمل منظومة إعادة هندسة المشهد الجغرافي عبر أربع مسارات متكاملة، لا يمكن فهم أيٍّ منها منفصلًا عن الآخرين:

1. المسار التخطيطي: الاستيطان كأداة جغرافية

يمثّل مخطط E1 الركيزة الأساسية في هذا المسار، واعتمدت الحكومة الإسرائيلية مخطط E1 الاستيطاني عام 1999 على أراضٍ فلسطينية تبلغ مساحتها 12,000 دونم (نحو 12 مليون متر مربع)، ويهدف المشروع إلى ربط مستوطنة “معاليه أدوميم” مع القدس الشرقية، وهو ما يعتبره معظم المجتمع الدولي خرقًا للقانون الدولي.

تضمّ كتلة معاليه أدوميم الاستيطانية مستوطنات تابعة، ويقطن فيها حاليًا أكثر من 47,500 مستوطن على مساحة تقارب 58 كيلومترًا مربعًا تمتد 14 كيلومترًا داخل أراضي الضفة الغربية، ومنذ أبريل 2024، وافقت السلطات الإسرائيلية على بناء ما يزيد على 3,165 وحدة استيطانية في معاليه أدوميم.

في أغسطس 2025 انتقل المخطط من التجميد إلى التنفيذ: منحت اللجنة العليا للتخطيط الموافقةَ النهائية على المخطط، الذي أعلن سموتريتش إقراره في خطوة قال إنها “ستقوّض تمامًا إمكانية قيام دولة فلسطينية”.

أما على صعيد “القدس الكبرى” كمشروع إداري، فتعمل الحكومة الاسرائيلية على تنفيذ مخطط يستهدف توسيع حدود المدينة المقدسة لتشمل ثلاث تكتلات استيطانية كبرى: مستوطنة معاليه أدوميم شرقًا، ومستوطنة جفعات زئيف شمالًا، ومستوطنة غوش عتصيون جنوبًا.

وفي الشمال، يهدف مخطط استيطاني جديد إلى إنشاء نحو 9,000 وحدة استيطانية في قلب فضاء حضري فلسطيني مكتظ يضم مناطق كفر عقب وقلنديا والرام وبيت حنينا وبير نبالا، وقد أضاف مسار “شارع 45” الاستيطاني الجديد بُعدًا ميدانيًا آخر، إذ بدأت سلطات الاحتلال شقّه على أراضي أربع بلدات فلسطينية بعد مصادرة أكثر من 280 دونمًا، بهدف ربط مستوطنات شمال وشرق القدس وفصل المدينة عن امتدادها الفلسطيني.

2. المسار الديموغرافي: هندسة السكان

يسير هذا المسار على خطّين متوازيين: الأول يُفرغ المدينة من ثقلها السكاني الفلسطيني، والثاني يُكثّف الحضور الاستيطاني في الفراغ الناتج.

ضغط على المقدسيين: يظل المقدسيون في وضع قانوني هشّ، إذ يحملون صفة “المقيم” لا “المواطن”، وهي صفة قابلة للسحب في أي وقت، وفرضت الحكومة الاسرائيلية على السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية مكانةً قانونيةً متمثلة في حق الإقامة، وهو وضع لا يرقى إلى المواطنة ويضع حامله تحت تهديد تجريده من مكانته في أي وقت.

عزل الأحياء: أفرز جدار الفصل واقعًا قسريًا جعل أحياء بأكملها معزولة عن المدينة التي تنتمي إليها إداريًا. وتجري اليوم دراسة خطط لإخراج تجمعات سكانية كبيرة بشكل رسمي من نطاق البلدية، وركّزت الحكومة الإسرائيلية على أحياء مثل مخيم شعفاط وحي كفر عقب والسواحرة، لجهة سحب الهويات الزرقاء من سكانها، في خطوة تُشكّل إزاحة ربع السكان المقدسيين.

تفكيك التجمعات البدوية: يواجه 18 تجمعًا بدويًا فلسطينيًا يضم نحو 3,500 مواطن من قبائل عرب الجهالين تهجيرًا قسريًا من منطقة سكناهم، وهم الذين سبق تهجيرهم من النقب في حرب 1948.

3. المسار الميداني: التحكم في المداخل والممرات

يندرج ضمن الإطار الأوسع لمخطط E1 مشروع طريق “نسيج الحياة”، الذي أُنجز جزء منه قرب جدار الفصل شرق عناتا وصولًا إلى الزعيم، بهدف تحويل طريق القدس-العيزرية ومنع المواطنين الفلسطينيين من استخدامه.

ويُضاف إلى ذلك مشروع التلفريك الذي يُراد توظيفه لربط القدس الغربية بقلب البلدة القديمة دون المرور بالأحياء العربية، مما يُحكم العزل بين المستوطنين والسكان الأصليين على المستوى البصري والفيزيائي معًا.

4. المسار القانوني والإداري: تثبيت الواقع

تعمل آليات التخطيط والتشريع على تحويل الوقائع الميدانية إلى حقائق قانونية مُعترف بها، وتفاخر سموتريتش بإقرار 103 مستوطنات جديدة في الضفة الغربية، فيما تعتبر هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن هذه السياسة تهدف إلى تقويض أي فرصة مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية من خلال تمزيق الجغرافيا وتحويلها إلى معازل منفصلة.

ثالثًا: التطورات الراهنة — مشهد مايو 2026

في غضون أيام متقاربة من مايو 2026، تزامنت حادثتان ميدانيتان تمثلان جوهر الأطروحة التي تُقدمها هذه الورقة:

حادثة الخان الأحمر: الضوء الأخضر لـE1

وقّع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على أمر إخلاء تجمع “الخان الأحمر” الفلسطيني الواقع شرقي القدس، وسط الضفة الغربية، في ما وصفه بـ”بداية حرب” أعلنها ضد السلطة الفلسطينية.

جاء توقيت القرار في مرحلة سياسية وإقليمية بالغة الحساسية، ليُعيد ملف التهجير القسري إلى الواجهة بعد سنوات من التجميد بفعل ضغوط دولية، خصوصًا الأمريكية.

والسياق الدولي لهذا القرار لافت للغاية: أفادت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية بأن مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية قدّم طلبًا سريًا لإصدار مذكرة توقيف بحق سموتريتش على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل التهجير القسري كجريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب، ونقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة، إضافة إلى الاضطهاد والفصل العنصري.

وبحسب تقديرات صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، تتوقع السلطات أن تُصدر المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال ضد وزير الأمن إسرائيل كاتس، ووزير المالية سموتريتش، ووزير الأمن “القومي” إيتمار بن غفير، إلى جانب عدد من كبار قادة الجيش الإسرائيلي.

إن اختيار سموتريتش توقيع أمر الإخلاء ردًّا على ملاحقته القضائية الدولية يُفصح عن منطق سياسي محدد: تحويل الضغط القانوني الخارجي إلى حافز للتسريع الميداني لا إلى عامل تهدئة، وهو نهج ينطوي على منطق داخلي متسق قد يصعب تغييره بالضغط الخارجي وحده.

حادثة باب السلسلة: الحسم داخل الأسوار

حذّرت محافظة القدس من مصادقة سلطات الاحتلال على مخطط يقضي بإجبار مواطنين مقدسيين على إخلاء منازلهم ومحالهم التجارية في حي باب السلسلة الملاصق للمسجد الأقصى المبارك، تنفيذًا لتوصية اتخذها وزير “القدس والتراث” السابق في حكومة الاحتلال، لتفعيل قرار حكومي يعود إلى ما قبل 58 عامًا، تحت ذرائع تتعلق بما يسمى “تعزيز السيطرة اليهودية والأمن”.

واعتبرت المحافظة أن هذه الخطوة تمثّل تصعيدًا استيطانيًا خطيرًا يستهدف قلب البلدة القديمة في القدس المحتلة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التهجير القسري، وأن استهداف الحي يحمل أبعادًا سياسية ودينية تتجاوز البُعد العقاري، إذ يأتي في سياق محاولات الاحتلال فرض وقائع تهويدية جديدة داخل البلدة القديمة، وتفريغ الممرات الحيوية المحيطة بالأقصى من سكانها الأصليين، بما يحوّل المنطقة تدريجيًا إلى فضاء استيطاني مغلق.

رابعًا: نموذج تحليلي — الثالوث الاستراتيجي

يمكن فهم آلية عمل هذا المخطط من خلال ثالوث تحليلي يُغطي الأبعاد الجغرافية الثلاثة للسياسة الإسرائيلية:

1.  المداخل

 التحكم في التدفق البشري لا تستهدف السياسة الإسرائيلية الحجارة والأبواب التاريخية في حدّ ذاتها، بل تستهدف التحكم في حركة السكان والرمزية السياسية المرتبطة بهذه المداخل، فباب السلسلة يمثّل مسار دخول المصلين إلى الأقصى وممرّ ربط البلدة القديمة بالأحياء الفلسطينية جنوبًا، وباب العمود تحوّل إلى ثكنة أمنية تراقَب بكاميرات الذكاء الاصطناعي، وباب المغاربة، المصادَرة مفاتيحه منذ 1967، يُستخدم اليوم بوابةً رئيسية للاقتحامات الاستيطانية.

2. الأطراف

 الهندسة الديموغرافية تتعامل السياسة الإسرائيلية مع الأطراف وفق معادلة ضمنية: تعظيم المساحة المُسيطَر عليها مع تقليص الوجود الفلسطيني فيها، يُتيح إخلاء الخان الأحمر التمدد شرقًا، ويمنع الضغط على صور باهر ووادي الحمص أي تمدد فلسطيني جنوبًا باتجاه بيت لحم، أما الأحياء الواقعة خلف الجدار ككفر عقب وشعفاط والعيزرية، فتحوّلت إلى تجمعات مكتظة ومحرومة من الخدمات، مُصمَّمة لا لاستيعاب ساكنيها بل لدفعهم نحو الهجرة.

3. الممرات الحيوية المقصلة الجغرافية

 يمنع مخطط E1 أي تواصل جغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها عبر القدس، إذ تُشكّل هذه المنطقة ما نسبته 10% من مساحة الضفة، وهذه النسبة الصغيرة تحمل أهمية جغرافية هائلة: إنها الخاصرة التي إذا انقطعت تحوّلت الضفة إلى جزيرتين منفصلتين تفقدان قيمتهما كمكوّن لدولة مستقلة قابلة للحياة.

خامسًا: تقييم موازين القوى والردود

ما الذي يجعل هذا المخطط مختلفًا عمّا سبقه؟

ثمة ثلاثة عوامل تُميّز المرحلة الراهنة عن المراحل السابقة:

الأول: انتقال مخطط E1 من طور التخطيط إلى طور التنفيذ بعد تجميد امتد منذ إقراره عام 1999. المصادقة النهائية في أغسطس 2025 واجراء الإخلاء في مايو 2026 يُحوّلان مشروعًا كان “خطًّا أحمر دوليًا” إلى واقع يُبنى على الأرض.

الثاني: التزامن المتعمد بين الجبهتين (الخان الأحمر وباب السلسلة) يكشف أن الأمر يتعلق بقرار سياسي مركزي لا بتطورات منفصلة.

الثالث: التحول في منطق التعامل مع الضغط الدولي؛ إذ لم يعد هذا الضغط يُنتج تجميدًا بل يُنتج تسريعًا. هذا التحول الوظيفي للضغط الدولي هو ربما أهم التطورات من الناحية الاستراتيجية.

على صعيد الردود:

الردّ الفلسطيني المحلي يتسم بالصمود الوجودي، وهو عامل تأخير حقيقي يُحوّل المخطط من “عملية سهلة” إلى “تحدٍّ مُكلف”، غير أنه في مواجهة منظومة ضغط متكاملة تملك أدوات قانونية وعمرانية وأمنية، يصعب على الصمود المحلي وحده أن يعيق التنفيذ.

الموقف الدولي يُشكّل عامل تعقيد ضاغطًا، تجلّى في مذكرات المحكمة الجنائية الدولية ووقوف دول أوروبية ضد مخطط E1 غير أن الفجوة بين الإدانة اللفظية والتأثير الفعلي لا تزال واسعة، والتحوّل النوعي سيكون عند تحوّل الإدانة إلى كلفة اقتصادية وسياسية فعلية.

سادسًا: الاستنتاجات والخلاصة والتوصيات

الاستنتاجات:

تُظهر قراءة هذه المستجدات مجتمعةً أن الأحداث الراهنة تُمثّل انتقالًا نوعيًا من مرحلة “بناء الظروف المواتية” إلى مرحلة “التنفيذ المتسارع”، فمخطط E1 لم يعد مشروعًا مُعلَّقًا يُلوَّح به في التفاوض، بل أصبح ورشة بناء، وحي باب السلسلة لم يعد مجرد مطمح استيطاني، بل أصبح ملفًا قانونيًا نافذًا، والخان الأحمر لم يعد تجمعًا تحت التهديد فحسب، بل تجمعًا في طور الإخلاء.

هذا التحوّل يجعل من الأهمية بمكان التفريق بين سؤالين مختلفين: سؤال “هل يمكن وقف هذا المخطط؟” وسؤال “ما الكلفة الزمنية والسياسية اللازمة لتغيير مساره؟” الأول يظل مرهونًا بمتغيرات دولية وإقليمية خارجة عن نطاق الفاعلية المحلية، أما الثاني فيُتيح إطارًا أكثر عملية للتدخل.

الخلاصة

إن الربط بين باب السلسلة والخان الأحمر لا يكشف عن حدثين متجاورين زمنيًا فحسب، بل يكشف عن منطق استراتيجي يعمل على مستويين في آنٍ واحد: الضغط على المركز (البلدة القديمة وما تحمله من هوية دينية ورمزية) وخنق المحيط (الأطراف الريفية والممرات الجغرافية)، وهذا النهج يحوّل القدس من مدينة تاريخية محاطة بتوترات سياسية إلى بؤرة لنظام تحكم إقليمي يمتد من معاليه أدوميم شرقًا إلى غوش عتصيون جنوبًا وجفعات زئيف شمالًا.

المعركة الراهنة ليست معركة هوية ثقافية وحسب، إنها معركة جغرافيا سياسية تتحدد نتائجها على الأرض قبل أن تتحدد في القاعات الدولية، والصمت الدولي، إن استمر، لن يعني فقط التغاضي عن انتهاك حقوق مجتمع بعينه، بل سيعني المشاركة الضمنية في إعادة رسم خريطة المنطقة لعقود مقبلة.

التوصيات

على المستوى القانوني الدولي: يستوجب توظيف مذكرات المحكمة الجنائية الدولية كرافعة ضغط منتظمة لا كحدث استثنائي معزول، وتوسيع نطاق الملاحقة ليشمل الجانب المدني المتمثل في تمويل المستوطنات ودعمها.

على المستوى الإقليمي: يستلزم وضع آليات اتصال عربية واضحة تربط أي ترتيبات بوقف مشاريع الحسم الجغرافي في القدس والضفة.

على المستوى المحلي: يستوجب توثيق الانتهاكات بصورة منهجية وتقديمها للهيئات الدولية المعنية بما يُبني قاعدة أدلة تحمي حقوق السكان الأصليين في إطار القانون الدولي الإنساني.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-يونيو 2026

شارك:

المزيد من المقالات