تحولات الرأي العام العالمي تجاه الكيان الإسرائيلي في الفضاء الرقمي

قراءة في تداعيات خطاب اليمين على شبكات التواصل الاجتماعي

أ. إبراهيم الحواجري
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
شهدت الصورة الدولية للكيان الإسرائيلي تراجعاً حاداً وغير مسبوق منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، وهو تراجع تُوثّقه بيانات استطلاعية دولية موثوقة ومتراكمة ففي عام 2026، أظهر استطلاع مركز (Pew Research) الشامل الذي غطّى 36دولة وشمل أكثر من 44,000 مشارك أن 67% من المستطلَعين عالمياً ينظرون إلى الكيان الإسرائيلي نظرة سلبية، في مقابل 25% فقط ينظرون إليها بإيجابية.
وتكشف هذه الورقة أن التحولات الراهنة تجاوزت نطاق موجات التضامن العاطفية العابرة، إذ تنبثق من تحوّل عميق في آليات تشكّل الرأي العام العالمي، يتمحور حول ثلاثة محاور مترابطة: إعادة هيكلة مشهد تداول المعلومات في الفضاء الرقمي، وتوثيق مباشر غير مسبوق للأحداث الميدانية، وتضخيم خطاب اليمين الإسرائيلي المتشدد عبر المنصات الرقمية.
 وتسعى الورقة إلى تحليل العلاقة السببية بين هذه المحاور، وتقديم سيناريوهات مستقبلية مدعومة بمؤشرات قابلة للقياس، وصياغة توصيات استراتيجية للفلسطينيين لاستثمار هذا التحوّل في المجال العام العالمي.

مقدمة: معركة الرواية في العصر الرقمي

تُعدّ الثورة الرقمية إحدى أعمق التحولات التي أعادت تشكيل ديناميكيات الصراع السياسي في العصر الحديث؛ إذ انتقلت عملية إنتاج المعلومات والتأثير السياسي من هياكل إعلامية هرمية مركزية إلى فضاء رقمي لا مركزي، يشارك فيه الملايين من مستخدمي الإنترنت حول العالم في آنٍ واحد، وفي هذا الفضاء المتشعّب، لم تعد السيطرة على السرديات السياسية حكراً على الحكومات والمؤسسات الإعلامية الكبرى، بل باتت ساحة تنافس مفتوحة تتشابك فيها الروايات وتتصادم، ويُحدّد مصيرها حجم التفاعل الرقمي وسرعة الانتشار لا حجم الميزانيات الإعلامية.

وفي هذا السياق المتحول، جاءت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي اندلعت في أكتوبر 2023 لتشكّل نقطة مفصلية في تاريخ العلاقة بين الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي والرأي العام الدولي، فللمرة الأولى في تاريخ هذا الصراع الممتد، وجد المشاهد الدولي نفسه أمام توثيق حي ومباشر لتداعيات الحرب، ينقله بشكل فوري صحفيون وناشطون ومدنيون فلسطينيون من قلب القطاع المحاصر، متجاوزين آليات التصفية والانتقاء التي تمارسها عادةً المؤسسات الإعلامية التقليدية.

وفي المقابل، وجد الكيان الإسرائيلي نفسه في مواجهة معادلة إعلامية جديدة تختلف جذرياً عن تلك التي سادت في الجولات السابقة من الصراع، فقد تزامنت الحرب مع وجود حكومة يمينية متشددة تضم وزراء تتسم خطاباتهم بمستوى غير مسبوق من التطرف، وهو خطاب سرعان ما وجد طريقه إلى الفضاء الرقمي العالمي ليُضاعف التداعيات على صورة الدولة الإسرائيلية.

 تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن سؤال بحثي محدد: بأي آليات أسهم الفضاء الرقمي في تسريع التحولات السلبية في الرأي العام العالمي تجاه الكيان الإسرائيلي، وما الدور الذي أدّاه خطاب اليمين الإسرائيلي المتطرف في تعميق هذه التحولات؟

أولاً: الإطار النظري – نحو فهم الرأي العام في الفضاء الرقمي

نظريات التأطير ووضع الأجندة في البيئة الرقمية

تُعدّ نظرية وضع الأجندة (Agenda-Setting Theory) التي صاغها ماكسويل ماكومبس ودونالد شو عام 1972 من أكثر الأطر النظرية ملاءمةً لتحليل تشكّل الرأي العام، وتنطلق هذه النظرية من فرضية أن وسائل الإعلام لا تُخبر الجمهور بما يجب أن يُفكّر فيه، بل تحدد القضايا الجديرة بالاهتمام والتفكير أصلاً.

 وفي البيئة الرقمية المعاصرة، شهدت هذه النظرية تطوراً جوهرياً: فلم يعد وضع الأجندة حكراً على المؤسسات الإعلامية الكبرى، بل انتشر هذا الدور ليشمل الأفراد والناشطين وصناع المحتوى الرقمي.

وتُكمل نظرية التأطير (Framing Theory) هذا الفهم بالتركيز على الكيفية التي تُقدَّم بها القضايا وتُؤطَّر، لا على القضايا ذاتها فحسب، فالإطار الذي يضع فيه المحتوى الرقمي صورةً أو تصريحاً يُحدّد إلى حدٍّ بعيد التفسيرَ العاطفي والمعرفي الذي يُكوّنه المتلقي.

ففي سياق الحرب على غزة، تباينت تأطيرات المحتوى الرقمي بين “حق الدفاع عن النفس” الذي روّجت له الرواية الإسرائيلية، و”الإبادة الجماعية” و”العقاب الجماعي” التي سادت في المحتوى الفلسطيني والحقوقي، وهو تباين ذو أثر بالغ في توجيه الرأي العام وفق ما تكشفه بيانات الاستطلاعات الدولية.

مفهوم القوة الناعمة والأزمة الرمزية

صاغ جوزيف ناي مفهوم القوة الناعمة (Soft Power) للإشارة إلى قدرة الدولة على التأثير في سلوك الآخرين وجذب التأييد الخارجي من خلال قيمها وثقافتها وسياساتها، لا عبر الإكراه أو الحوافز المادية، وفي السياق الإسرائيلي، كان الكيان الإسرائيلي قد نجح تاريخياً في بناء رصيد من القوة الناعمة يرتكز على صورة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، والابتكار التكنولوجي، والشعب الضحية.

غير أن البيئة الرقمية الراهنة تُعرّض هذا الرصيد الرمزي لضغوط متراكمة؛ إذ تُفرز التناقضات بين الخطاب الرسمي والتوثيق الميداني فجواتٍ إدراكية تُضعف مصداقية الرواية الرسمية.

كما أن تصريحات الوزراء المتطرفين تتعارض مع المنظومة القيمية الليبرالية التي تُدّعى نسبتها إلى الكيان الإسرائيلي، مما يُوجد ما يُمكن تسميته “أزمة الاتساق الرمزي”.

ثانياً: مؤشرات التحول – البيانات والأرقام

استطلاعات الرأي العام الدولية: مسار التراجع

لا تحتاج ظاهرة تراجع صورة الكيان الإسرائيلي دولياً إلى استدلال افتراضي؛ فثمة بيانات استطلاعية متراكمة ومتتالية تُوثّق هذا التراجع بدقة ومؤشرات قابلة للقياس، وتُشكّل استطلاعات مركز Pew Research المرجعيةَ الأكثر شمولاً في هذا الملف.

البلدنسبة المنظور السلبي 2013-2022  نسبة المنظور السلبي  20252026التغير
الولايات المتحدة42%60%18نقطة ↑
المملكة المتحدة (2013) 44%61%17 نقطة ↑
كوريا الجنوبية60%70%10نقاط↑
ألمانيالم تُسجَّلارتفعت 9 نقاط 2025-20269 نقاط↑
اليابان93%الأعلى عالميًا
المتوسط العالمي (36دولة)67%  سلبيإيجابي فقط 25%

والأكثر دلالة من الأرقام المطلقة هو مسار التغير وتسارعه؛ ففي 13 دولة من أصل 24 تتوفر لها بيانات مقارنة تراجعت النظرة الإيجابية للكيان الإسرائيلي وفي الولايات المتحدة تحديداً، التي تُعدّ تاريخياً أكثر الدول الغربية ميلاً لدعم الكيان الإسرائيلي، ارتفعت نسبة أصحاب النظرة السلبية من 42% عام 2022 إلى 53% عام 2025 ثم إلى 60% عام 2026، في تسارع واضح يُقلّص الهوامش باطّراد.

ولعل الظاهرة الأكثر أهمية استراتيجياً هي الفجوة الجيلية: فبين الأمريكيين دون الخمسين، تُشير بيانات Pew إلى أن المنظور السلبي للكيان الإسرائيلي يتجاوز الإيجابي بفارق ملحوظ، بما في ذلك 57% من الجمهوريين في الفئة العمرية نفسها يحملون مواقف سلبية، أما في أوروبا، فتسجّل دول كأستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة نسباً عالية من “انعدام الثقة الكاملة” بنتنياهو.

أثر التحول الرقمي: من المؤسسات إلى الأفراد

يُجسّد التحول في قنوات تلقّي المعلومات تغيّراً بنيوياً في آليات تشكّل الرأي العام. فبينما كانت الأجيال السابقة تعتمد على وسائل الإعلام التقليدية كالتلفزيون والصحف، أصبحت الأجيال الشابة تعتمد بصورة رئيسية على منصات التواصل الاجتماعي، وتُشير الأبحاث إلى أن المنصات الرقمية، ولا سيما TikTok وInstagram، أصبحت المصدر الأول للأخبار لدى قطاعات واسعة من الشباب في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية.

وفي سياق الحرب على غزة، برز ظاهرةً لافتة يمكن تسميتها “صحافة المواطن الميدانية”: فقد حوّل المواطنون الفلسطينيون هواتفهم المحمولة إلى أدوات توثيق فورية، ونقلوا إلى العالم مشاهد يومية مباشرة من قلب الحصار، ومن أبرز التجسيدات لهذه الظاهرة ما شهدته حسابات ناشطين فلسطينيين من قفزات هائلة في المتابعة؛ إذ انتقل عدد متابعي الناشطة عبير عيساوي من 25,000 قبل أكتوبر 2023 إلى أكثر من 18 مليون متابع لاحقاً.

وعلى صعيد التفاعل الرقمي مع القضية، رصد الباحثون في دراسة أكاديمية محكّمة نشرتها مجلة Global Change, Peace & Security حجماً هائلاً من المحتوى المرتبط بخمسة وسوم رئيسية إبان الأشهر الأولى من الحرب (أكتوبر – ديسمبر 2023):#FreePalestine  و#CeasefireNow و#GazaUnderAttack و#StandWithPalestine و#PalestinianLivesMatter، وهي وسوم أسهمت في تحويل القضية الفلسطينية إلى موضوع يومي في أجندة الرأي العام الدولي.

ثالثاً: خطاب اليمين الإسرائيلي ومضاعف الأثر الرقمي

صعود اليمين الإسرائيلي المتشدد: السياق والسياسات

لفهم ديناميكيات الرأي العام، لا بد من استيعاب التحول الذي شهده المشهد السياسي الإسرائيلي، فمنذ تشكيل حكومة نتنياهو اليمينية عام 2022، دخل وزراء من أحزاب اليمين القومي المتشدد إلى مراكز القرار، في مقدمتهم إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي، وبتسلئيل سموتريش وزير المالية، وهما شخصيتان ذواتا توجهات أيديولوجية متطرفة سبق أن أثارتا جدلاً واسعاً حتى داخل الكيان الإسرائيلي.

وقد تسببت تصريحاتهما في موجات متتالية من الإدانات الدولية وثّقتها وسائل الإعلام العالمية وتداولتها منصات التواصل الاجتماعي، ومن أبرز هذه التصريحات:

– دعا سموتريش إلى “محو” بلدة حوّارة في الضفة الغربية إثر هجوم استيطاني عام 2023، ووصف لاحقاً النصر في غزة بأنه “سيعني تدمير القطاع كلياً”.

– دعا بن غفير وسموتريش معاً علناً إلى تهجير الفلسطينيين من غزة وإعادة توطينهم، وهو ما وصفه المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية بأنه “خطاب متهور وغير مسؤول”.

– نشر بن غفير مقطعاً مصوراً يسخر فيه من ناشطي قافلة المساعدات المحتجزين وهم معصوبو الأعين، مما أشعل موجة إدانات دولية واسعة دفعت وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقرار بأن الوزير “تسبّب في أضرار جسيمة لسمعة الدولة”.

الموقف الأوروبي: العقوبات ومنع الدخول
المملكة المتحدة (يونيو 2025): حظرت دخول بن غفير وسموتريش لـ”تحريض على العنف المتطرف وانتهاكات حقوق الإنسان”.
سلوفينيا (يوليو 2025): أعلنت البلدَين شخصَين غير مرغوب فيهما في سابقة أوروبية، ووصفت تصريحاتهما بأنها “إبادية”.
إيرلندا (يونيو 2026): أصدرت حظر دخول للوزيرين، وطالب رئيس الوزراء بفرض عقوبات عليهما على مستوى الاتحاد الأوروبي.
فرنسا وإسبانيا: منعتا بن غفير من الدخول، فيما فرضت كندا وأستراليا والنرويج عقوبات على الوزيرين.
موقف نتنياهو: وصف تصرفات بن غفير بأنها “غير مقبولة ولا تمثّل قيم إسرائيل وأعرافها”

آلية مضاعف الأثر الرقمي

تكمن خصوصية البيئة الرقمية في قدرتها على تضخيم تصريح واحد ليصل إلى ملايين المستخدمين في ساعات، وهذا ما يُمكن تسميته «آلية مضاعف الأثر الرقمي» (Digital Amplification Multiplier)، التي تعمل وفق ثلاث مراحل متتالية:

مرحلة الانتشار الأولي: يُنتج المسؤول الإسرائيلي تصريحاً أو محتوى مرئياً، فيُتداول فوراً عبر حسابات الأفراد والناشطين، مُصحوباً بتعليقات تُضخّم سياقه السلبي.

مرحلة الترجمة والانتشار العابر للحدود: تتولى حسابات متخصصة ترجمة المحتوى إلى لغات متعددة وتوزيعه على جماهير لم تكن لتعرفه في البيئة الإعلامية التقليدية.

مرحلة التوثيق والأرشفة: يُوثَّق المحتوى في منصات المقاطعة والمناصرة الرقمية، ليصبح مرجعاً يُستشهد به في النقاشات الأكاديمية والحزبية والإعلامية.

ولعل أبلغ مثال على هذه الآلية ما أثاره مقطع بن غفير من ضجة دولية، إذ تجاوز الانتشار الرقمي لهذا المقطع ما يمكن لأي رد رسمي إسرائيلي بلوغه، مما جعل التصريح نقطة مرجعية في النقاش الدولي حول طبيعة الحكومة الإسرائيلية.

رابعاً: الجامعات والشباب – طليعة التحول الرقمي

الاحتجاجات الطلابية: من الفضاء الرقمي إلى الميدان

أثبتت الجامعات الغربية أنها ساحة الفعل الأكثر حيوية في ترجمة التفاعل الرقمي إلى حراك ميداني ملموس، ففي ربيع 2024، اندلعت موجة احتجاجات طلابية غير مسبوق نطاقها ابتداءً من جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، لتنتشر سريعاً إلى ما يزيد على 100 جامعة أمريكية، وإلى أكثر من 180 جامعة حول العالم، واعتُقل ما يزيد على 3,100 محتجٍّ في الولايات المتحدة وحدها على أكثر من 60 حرماً جامعياً.

وامتدت الحركة إلى أوروبا؛ إذ تأسست 20 خيمة احتجاجية في الجامعات البريطانية، و34 أخرى في المملكة المتحدة إجمالاً، فضلاً عن اعتصامات في جامعات ليبزيغ ألمانيا وساينسز بو في باريس وجامعة غنت في بلجيكا وجامعة سيدني في أستراليا وجامعة ماكغيل في كندا.

 وفي هولندا، شهد الثالث عشر من مايو 2024 نحو 1,000 طالب وأستاذ جامعي مشاركين في إضراب وطني.

ومن اللافت أن هذا الحراك أفضى إلى تداعيات مؤسسية ملموسة: إذ اضطرت رئيسة جامعة كولومبيا إلى الاستقالة، وخضعت رئيسات جامعات هارفارد وبنسلفانيا وMIT لجلسات استجواب في الكونغرس، وهذا يعني أن التفاعل الرقمي وما ولّده من حراك طلابي باتا يُؤثّران في بنى مؤسسية راسخة.

الفجوة الجيلية: مؤشر استراتيجي طويل الأمد

تكتسب الفجوة الجيلية في المواقف من الكيان الإسرائيلي أهمية استراتيجية بالغة لأنها تعكس مسار الرأي العام المستقبلي، فجيل الشباب في الغرب هو الجيل الذي تشكّل وعيه السياسي في ظل وسائل التواصل الاجتماعي والصور الميدانية المتدفقة، لا في ظل الخطابات الرسمية وأطر الحرب الباردة التي شكّلت تحالفات الجيل الأقدم.

وتُجسّد بيانات Pew 2026 هذه الفجوة بجلاء: فحتى بين المحافظين الأمريكيين الشباب (دون الخمسين)، بلغت نسبة أصحاب النظرة السلبية للكيان الإسرائيلي 57%، في تحوّل مثير عن توجهات الجيل الأكبر في الحزب ذاته، كما أن نسبة المسلمين الأمريكيين الذين ينظرون إلى الكيان الإسرائيلي بإيجابية لا تتجاوز 4%، وهو رقم يعكس الفجوة العميقة بين قطاعات من المجتمع الأمريكي.

خامساً: أزمة السردية الإسرائيلية – البنية والتحديات

الفضاء الرقمي وتآكل احتكار المعلومات

في ظل الإعلام التقليدي، كان الكيان الإسرائيلي تتمتع بميزة الوصول الأسهل إلى قنوات الإعلام الغربي الكبرى وإلى صانعي القرار ومُشكّلي الرأي في العواصم الغربية، غير أن البيئة الرقمية ألغت هذه الميزة النسبية، فوثّق تقرير منظمة “صدى الاجتماعي” الفلسطينية أكثر من 25,000 انتهاك ضد المحتوى الرقمي الفلسطيني في عام 2024 وحده، وهو ما يعكس الضغط على المحتوى الفلسطيني من جهة، ويكشف من جهة أخرى أن هذا المحتوى كان يُنتَج أصلاً بكميات هائلة لا يمكن السيطرة عليها.

وقد طلبت النيابة العامة الإسرائيلية إزالة أكثر من 8,000 قطعة محتوى من منصتَي Meta وTikTok خلال الحرب، وجرى الاستجابة لـ94% منها وفق التقارير. بيد أن هذه الأرقام تكشف تناقضاً بنيوياً: فالضغط على المحتوى يُوثَّق بدوره رقمياً ويُنشر، فيُولّد استياءً يُقوّي الرواية المضادة بدل إسكاتها.

التناقض بين الخطاب والصورة

يواجه الكيان الإسرائيلي ما يمكن تسميته «فخ المصداقية» (Credibility Trap): فكلما تضخّمت التصريحات المتطرفة وكثُفت الصور الميدانية، تعمّقت الهوة بين الرواية الرسمية القائمة على مفردات “الدفاع الشرعي” و”حق الوجود”، وبين ما يراه المشاهد العالمي في شاشته، وهذا التناقض هو الذي تُعبّر عنه بيانات Pew بإفصاح: فـ58% من الإسرائيليين أنفسهم يرون أن دولتهم “غير محترمة” دولياً.

وتُشير الأبحاث إلى أن المحتوى البصري المرتبط بالضحايا المدنيين يُنشئ استجابة عاطفية تسبق المعالجة العقلانية للمعلومات، مما يعني أن الخطاب الرسمي المعقّد يُواجه منافسة لا متناظرة من مقاطع الثوانٍ المعدودة التي تنتشر بسرعة فائقة وتترك أثراً معرفياً عميقاً.

سادساً: تداعيات التحول على القوة الناعمة الإسرائيلية

الصورة والشرعية الدولية

يرتبط مفهوم القوة الناعمة ارتباطاً وثيقاً بالشرعية الدولية، أي بقدرة الدولة على أن تُقنع الآخرين بأن سياساتها تنسجم مع المعايير الدولية المشتركة، وفي هذا المجال، تتراكم المؤشرات على تراجع تدريجي لكن بيّن:

على الصعيد القضائي: أصدرت محكمة العدل الدولية في يوليو 2024 حكماً بأن الوجود الإسرائيلي المستمر في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير مشروع، فيما نظرت المحكمة الجنائية الدولية في قضية تتعلق بتصرفات الجيش الإسرائيلي في غزة.

على الصعيد الدبلوماسي: اعترفت أيرلندا والنرويج وإسبانيا عام 2024 بالدولة الفلسطينية، في تحوّل ملموس في المواقف الأوروبية، وردّ الكيان الإسرائيلي باستدعاء سفرائها وإغلاق سفارتها في دبلن.

على صعيد حركة المقاطعة الأكاديمية والثقافية: تُشير التقارير إلى تنامي قرارات الجامعات والمنظمات المهنية في الغرب بقطع علاقاتها مع نظيراتها الإسرائيلية أو مراجعتها.

فارق الأثر: الرأي الشعبي مقابل السياسة الرسمية

تجدر الإشارة إلى تمييز دقيق لكنه بالغ الأهمية: فالتحولات في الرأي الشعبي لا تُترجم بشكل آلي إلى تحولات في السياسات الرسمية، فالمصالح الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية التي تربط الحكومات الغربية بالكيان الإسرائيلي تُشكّل قيوداً تحول دون هذه الترجمة المباشرة، فالولايات المتحدة مثلاً ما زالت تُحافظ على تحالفها الاستراتيجي الوثيق مع الكيان الإسرائيلي رغم بيانات الرأي العام التي ذكرناها.

غير أن الرأي الشعبي يعمل على مدى زمني أطول؛ فهو يُشكّل بيئة سياسية تضيّق هامش المناورة أمام الحكومات، وتُلقي بظلالها على مواقف الأحزاب السياسية المعارضة وسلوك البرلمانيين والمنظمات المدنية، وهذا التأثير التدريجي المتراكم هو ما تُعنى هذه الورقة بتحليله.

سابعاً: السيناريوهات المستقبلية

بناءً على التحليل السابق، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات مستقبلية محددة المتغيرات والمؤشرات:

السيناريو الأول: استمرار التآكل التدريجي (الأرجح على المدى القريب)
الافتراض: استمرار الحرب أو التصعيد الميداني مع بقاء التشكيلة الحكومية اليمينية المتشددة.
المآل: اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والمزاج الشعبي في الدول الغربية.
المؤشرات: تصاعد قرارات الجامعات الغربية بمراجعة علاقاتها مع المؤسسات الإسرائيلية.
المؤشرات: مزيد من قرارات الاعتراف بالدولة الفلسطينية على المستوى الأوروبي.
المؤشرات: تحوّل في خطاب الأحزاب السياسية اليسارية والوسطية في أوروبا وأمريكا الشمالية.
السيناريو الثاني: احتواء الضرر وإعادة بناء الصورة (مشروط ومستبعد)
الافتراض: انتهاء الحرب وتغيير التشكيلة الحكومية، مع استثمار كبير في الدبلوماسية الرقمية.
المآل: استعادة جزئية للصورة الدولية تُبطئ منحنى التراجع دون عكسه بالكامل.
المحدّد الرئيسي: مدى الاتساق بين الخطاب الجديد والسياسات الفعلية على الأرض.
ملاحظة: البيئة الرقمية أكثر قدرة على كشف التناقضات من أي وقت مضى.
السيناريو الثالث: الاستقطاب العالمي طويل الأمد (الأرجح على المدى البعيد)
الافتراض: استمرار الانقسام الحاد داخل المجتمعات الغربية بين مؤيدين ومنتقدين.
المآل: فجوة متنامية بين الدعم الرسمي الحكومي والرأي العام الشعبي.
المآل: تحوّل الصراع إلى محور دائم للاستقطاب الثقافي والأيديولوجي في الغرب.
الانعكاس على الكيان الإسرائيلي: تصاعد تكاليف الشرعية الدولية على المدى البعيد.

الخلاصة

تكشف هذه الورقة، من خلال قراءتها المنهجية للبيانات الاستطلاعية الدولية ومؤشرات الفضاء الرقمي، أن التحولات الجارية في الرأي العام العالمي تجاه الكيان الإسرائيلي تتجاوز في عمقها وامتدادها ما يمكن وصفه بموجات التضامن العاطفية العابرة، فما نحن أمامه ليس حدثاً استثنائياً مرتبطاً بمرحلة زمنية بعينها، بل تحوّل بنيوي في طريقة تشكّل الرأي العام العالمي واشتغاله، يعمل على ثلاثة مستويات متشابكة: مستوى البنية الإعلامية التي أعادت توزيع القدرة على إنتاج السرديات وتداولها، ومستوى الديناميكيات الداخلية للسياسة الإسرائيلية التي أفرزت خطاباً يمينياً متطرفاً صعب الاحتواء في البيئة الرقمية المفتوحة، ومستوى التغيّر الجيلي الذي يُعيد تشكيل قاعدة الرأي العام في المجتمعات الغربية الحليفة تاريخياً للكيان الإسرائيلي.

وتُجسّد الأرقام الواردة في هذه الورقة حجم هذا التحوّل بجلاء: فوصول نسبة المنظور السلبي للكيان الإسرائيلي إلى 67% على المستوى العالمي في استطلاع Pew 2026، وإلى 60% في الولايات المتحدة التي كانت تاريخياً أكثر الدول الغربية انحيازاً للكيان الإسرائيلي، يُعدّ مؤشراً استراتيجياً لا يمكن إغفاله، والأهم من الأرقام المطلقة هو مسار التغيّر وتسارعه، ولا سيما أن هذا التراجع أعمق وأوضح في الفئات العمرية الشابة، مما يجعله رهاناً على المستقبل لا مجرد انعكاس للحاضر.

غير أن الورقة تنبّه في الوقت ذاته إلى ضرورة التمييز بين مستويين تحليليين كثيراً ما يُخلط بينهما: فالتحولات في الرأي الشعبي لا تُترجم بصورة آلية أو فورية إلى تغيّرات في السياسات الرسمية للحكومات الغربية، التي تبقى محكومةً في خياراتها بشبكة معقدة من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، بيد أن هذا الرأي الشعبي يعمل على المدى الزمني البعيد بوصفه عاملاً ضاغطاً يُضيّق هامش المناورة أمام الحكومات تدريجياً، ويُعيد تشكيل البيئة السياسية التي تعمل فيها من خلال الأحزاب والبرلمانات والمؤسسات المدنية.

وفيما يخص الفلسطينيين، تُقرّ هذه الورقة بأن التحولات الراهنة تُوفّر فرصة استراتيجية حقيقية لتعزيز حضور الرواية الوطنية في المجال العام العالمي، إلا أن تحويل هذه الفرصة إلى أثر سياسي مستدام لن يتحقق تلقائياً، بل يستلزم عملاً مؤسسياً طويل الأمد يجمع بين الاحترافية الإعلامية الرقمية والبحث العلمي الرصين والدبلوماسية العامة المنهجية، ويُدرك أن معركة الرواية في العصر الرقمي تُخاض بالصبر والتراكم لا بالارتجال والانفعال.

وتختم الورقة بالتأكيد على أن انتقال القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش العام في الجامعات الغربية وعلى طاولات الأحزاب السياسية وفي المجالس التشريعية، ليس حدثاً عارضاً بل علامة على تحوّل عميق في طريقة تعامل الأجيال الجديدة في الغرب مع هذا الملف، وهذا التحوّل، بكل تعقيداته وتناقضاته، هو المادة الخام للسياسة الفلسطينية في العقد المقبل.

التوصيات

1. إنشاء وحدة إعلامية رقمية موحّدة تنسّق الرسائل الفلسطينية عبر المنصات بكفاءات متخصصة.

2. بناء شبكة ترجمة متخصصة لإنتاج المحتوى بعشر لغات على الأقل للوصول إلى الجماهير العالمية.

3. إنتاج محتوى بصري وتوثيقي عالي الجودة يستهدف الجمهور الشبابي الغربي ويرتكز على أطر القانون الدولي.

4. تطوير آلية رد فوري على التصريحات الإسرائيلية المتشددة تربطها بالسياق الحقوقي والإنساني.

5. تأسيس وحدة رصد دورية لاتجاهات الرأي العام الرقمي تُغذّي قرارات صانعي السياسات الفلسطينيين.

6. تعزيز التعاون مع الباحثين والصحفيين الدوليين عبر برامج زمالات ومشاركة بحثية منظّمة.

7. ربط النشاط الرقمي بالجهود القانونية والدبلوماسية الفلسطينية لتوظيف الرأي العام ورقةَ ضغط في المحافل الدولية.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-يونيو 2026

شارك:

المزيد من المقالات