أ. خالد أبو عامر
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية- دراسة تحليلية اقتصادية
| الملخص التنفيذي تتناول هذه الورقة التدمير الشامل والممنهج لقطاع الحج والعمرة في غزة بوصفه قطاعاً خدمياً ذا ثقل هيكلي في الاقتصاد الغزي، وتنطلق من سؤال محوري: هل يمثّل استهداف هذا القطاع سياسةً مقصودة لتدمير البنية الاقتصادية-الاجتماعية لغزة، أم أنه مجرد أضرار جانبية لحرب شاملة؟ تُجيب الورقة بثلاثة أنواع من الأدلة: نمط الاستهداف المتكرر عبر خمس جولات عسكرية الذي يُرسّخ صفة القصدية لا العرضية، وحجم الضرر البالغ 100% من أصول القطاع في الحرب الأخيرة وحدها، واندراج هذه الأفعال قانونياً ضمن “العقاب الجماعي” المحظور بموجب المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة. تكشف المعطيات الموثقة عن انهيار كامل لـ78 شركة مرخصة، وخسائر رأسمالية تتجاوز 4 ملايين دولار، وأموال مجمدة لدى وكلاء خارجيين تبلغ 2-3 ملايين دولار، وحرمان أكثر من 10,000 مواطن من أداء الفريضة على مدار ثلاثة أعوام. وقد كان القطاع يضخّ ما لا يقل عن 12 مليون دولار سنوياً في الاقتصاد المحلي، ويُشغّل أكثر من 1,500 عامل مباشر وغير مباشر، قبل أن تُودي الحرب بوجوده كلياً. |
أولاً: المقدمة والإطار المفاهيمي
حين يُحرم سكان قطاع غزة من أداء فريضة الحج للعام الثالث على التوالي، تبدو الصورة للوهلة الأولى كاملةً في بُعدها الإنساني والديني، بيد أن التمعن في بنية هذا الحرمان يكشف طبقة ثانية أعمق: تفكيك ممنهج لمنظومة اقتصادية-مؤسسية تُشكّل قطاع الحج والعمرة رافداً حيوياً فيها.
فقطاع الحج والعمرة في غزة ليس مجرد “وكالات سفر دينية”؛ بل هو منظومة خدمية مترابطة تنتج دخلاً مباشراً وغير مباشر، وتوظف مئات الأسر، وتُدير تدفقات مالية دولارية ضخمة، وتتصل بشبكات تعاقدية إقليمية مع السعودية ومصر، وتدميرها الكلي يعني — بالمفهوم الاقتصادي — محو “رأس المال القطاعي” الذي يستغرق بناؤه عقوداً، وهو ما يتجاوز حدود الأضرار العرضية ليقترب من نمط الإبادة الاقتصادية الهيكلية.
السؤال البحثي والمنهجية
تنطلق هذه الورقة من سؤال محوري: هل يُشكّل الاستهداف المتكرر والممنهج لقطاع الحج والعمرة في غزة — عبر القصف وإغلاق المعابر وتجميد التحويلات المالية — سياسةً إسرائيلية مقصودة لتعميق الانهيار الاقتصادي الهيكلي لغزة بوصفها أداةً من أدوات الضغط السياسي والعقاب الجماعي؟
للإجابة، تعتمد الورقة منهجية ثلاثية الأبعاد:
التحليل النمطي: رصد نمط الاستهداف عبر الجولات العسكرية المتعاقبة للكشف عن الانتقائية والتكرار كمؤشرَي قصدية.
التقييم الاقتصادي الكمي: قياس حجم الخسائر عبر ثلاثة مستويات (رأسمالية، تشغيلية، فرصة بديلة).
التأطير القانوني الدولي: اختبار مدى انطباق مفاهيم العقاب الجماعي والحرب الاقتصادية على الأفعال الموثقة.
ثانياً: التطور التاريخي — من الازدهار إلى الاستهداف الممنهج
مرحلة التأسيس والنمو (1994–2005)
مع انطلاق العملية السياسية وتشكّل السلطة الفلسطينية عام 1994، ازدهر قطاع الحج والعمرة في غزة كأحد أبرز روافد قطاع الخدمات الناشئ، ووصل عدد الشركات المرخصة إلى ما بين 35 و40 شركة، تعمل وفق أنظمة رقمية متطورة وشراكات مباشرة مع شركات الطيران المصرية والسعودية، وتُدير رحلات جوية عبر مطار غزة الدولي (قبل تدميره الكامل عام 2001) ثم براً عبر معبر رفح.[1]
خلال هذه الحقبة، استقطب القطاع استثمارات تأسيسية معتبرة في البنية التقنية والبشرية، وأقام شبكة تعاقدية إقليمية راسخة مع كبرى فنادق مكة المكرمة والمدينة المنورة، وامتلك حصصاً ثابتة في خطوط الطيران العاملة على المسار.
مرحلة الحصار وإعادة التموضع (2007–2023)
بعد فرض الحصار الإسرائيلي الشامل على القطاع عام 2007، دخل هذا القطاع دورةً من الضغط المتراكم والخسائر المتواترة؛ إذ باتت المواسم رهينة قرارات سياسية آنية تتعلق بفتح المعابر أو إغلاقها، ورغم ذلك، واصلت شركات الحج والعمرة توسعها الأفقي بشكل لافت — إذ تضاعف عددها من 38 شركة عام 2007 إلى 78 شركة بحلول 2023 (وفق سجلات وزارة الأوقاف) — وهو ما يعكس ضراوة المنافسة على حصص سوقية متقلصة، لا ازدهاراً حقيقياً في البيئة الاستثمارية.[2]
| ملاحظة تحليلية | التوسع في عدد الشركات رغم تراجع السوق ظاهرة لافتة تحتاج تفسيراً: فهي تعكس جزئياً توزيع الحصص المخصصة على شركات أكثر لتقليص سيطرة شركات بعينها، وجزئياً اضطرار رجال أعمال خسروا قطاعات أخرى إلى الدخول في هذا القطاع الخدمي الذي بدا أقل عرضة للقصف المباشر — وهو رهان أثبتت الحرب الأخيرة خطأه. |
مرحلة التدمير النهائي (أكتوبر 2023 — 2025)
جاءت الحرب على غزة التي اندلعت في أكتوبر 2023 لتُنهي ما تبقى من بنية قطاع الحج والعمرة؛ إذ طالت موجات القصف كل مقرات الشركات الـ78 بشكل كامل أو جزئي، وأسفرت عن تدمير أصولها المادية والتقنية والوثائقية بنسبة 100% وفق تقييمات جمعية أصحاب شركات الحج والعمرة (يوليو 2024).
ثالثاً: الثقل الهيكلي للقطاع — أرقام وحقائق
حجم القطاع وانتشاره
يضم قطاع غزة 78 شركة حج وعمرة مرخصة ومعتمدة رسمياً من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية (المصدر: سجل الشركات المرخصة، وزارة الأوقاف، 2023)، تمتلك شبكة من الفروع والمقار الموزعة عبر محافظات القطاع الخمس.
وفيما يلي الخارطة الهيكلية للقطاع:
| المؤشر | القيمة / الحجم |
| عدد الشركات المرخصة | 78 شركة (2023) |
| حجم الأصول الرأسمالية الإجمالية | 5–7 ملايين دولار |
| إجمالي العاملين المباشرين وغير المباشرين | أكثر من 1,500 عامل |
| متوسط الحصة السنوية من الحجاج | 2,508 حاج ثابتة + 500 مكرمة ملكية |
| حجم الضخ المالي السنوي (موسم الحج) | 11–12.5 مليون دولار |
| التكاليف التشغيلية الثابتة الشهرية | ~160,000 دولار للقطاع ككل |
| متوسط تكلفة الحج للمواطن | 4,500–5,000 دولار |
| حجم قطاع الخدمات من الناتج المحلي | 54.9% قبل الحرب |
موقع القطاع في منظومة الاقتصاد الغزي
لفهم ثقل تدمير هذا القطاع، لا يكفي النظر إليه منفرداً؛ إذ تتشابك علاقاته الاقتصادية مع طيف واسع من القطاعات الأخرى، فشركات الحج والعمرة تُدفع مدفوعاتها لشركات الطيران المصرية (مما يُنشئ تدفقاً نقدياً بالعملة الأجنبية)، وتتعاقد مع فنادق مكة والمدينة (ما يربط غزة بشبكة اقتصادية خليجية)، وتستخدم خدمات بنكية محلية (مما يُغذّي السيولة في الجهاز المصرفي الغزي)، وتستعين بمرشدين دينيين وسائقين ومصورين وشركات تأمين (مما يُولّد عمالة غير مباشرة).
وبحساب المضاعف الاقتصادي المتعارف عليه لقطاعات الخدمات في الاقتصادات النامية (1.4 – 1.7)، فإن 12 مليون دولار من الضخ المالي السنوي لمواسم الحج تُولّد أثراً اقتصادياً إجمالياً يتراوح بين 16.8 و20.4 مليون دولار؛ وهو رقم يجعل تدمير هذا القطاع أكثر تكلفةً مما تُظهره الأرقام المباشرة.
رابعاً: تشريح الخسائر — ثلاثة مستويات تحليلية
المستوى الأول: الخسائر الرأسمالية والمادية المباشرة
تُمثّل هذه الخسائر الطبقة الظاهرة من الدمار، وهي قابلة للتقييم الكمي المباشر:
تدمير البنية العقارية والتأثيثية: القصف المباشر لـ78 مقراً رئيسياً وفروعها، بخسائر عقارية ومكتبية تتجاوز 2.5 مليون دولار.
تدمير البنية التقنية والرقمية: فقدان الأجهزة والخوادم وأنظمة الحجز التخصصية المرتبطة بالفنادق والطيران الدولي، بخسائر تُقدَّر بـ600-800 ألف دولار.
تبديد الموجودات المالية النقدية: فقدان السيولة النقدية المحتجزة في مقار الشركات.
احتراق وفقدان الوثائق تحت الأنقاض: عقود المواطنين، جوازات سفرهم المُعدَّة للتأشير، السجلات المالية، وثائق الضمانات البنكية.
الإجمالي التقديري للخسائر الرأسمالية المباشرة: أكثر من 4 ملايين دولار.
المستوى الثاني: الخسائر التشغيلية والهيكلية
تُجسّد هذه الخسائر الطبقة الأعمق من الدمار، وهي الأصعب تعويضاً:
أزمة السيولة والالتزامات المجمدة:
– مبالغ مدفوعة مسبقاً لفنادق مكة والمدينة كعرابين لمواسم ملغاة: تُقدَّر بـ1.2–1.8 مليون دولار.
– مبالغ مدفوعة لشركات الطيران المصرية كحجوزات مسبقة: تُقدَّر بـ0.8–1.2 مليون دولار.
– إجمالي الأموال المجمدة لدى الوكلاء الخارجيين: 2–3 ملايين دولار.
التكاليف التشغيلية الثابتة في غياب الإيراد:
160,000 دولار شهرياً كتكاليف ثابتة للقطاع (رواتب، إيجارات، اتصالات).
على مدار 19 شهراً (أكتوبر 2023 – أبريل 2025): ما يتجاوز 3 ملايين دولار من التكاليف المتراكمة بلا إيراد مقابلها.
الانكشاف العمالي والبطالة القسرية:
– أكثر من 1,500 عامل مباشر وغير مباشر يعانون انعدام الدخل.
– مئات الأسر المعتمدة على هذا القطاع تحولت إلى الفقر الحاد.
– مخاطر الإفلاس الشامل في مرحلة ما بعد الحرب:
– تراكم الالتزامات والديون يهدد بخروج القطاع من الخدمة لسنوات.
– تجديد التراخيص والتعاقدات الدولية يستلزم ضمانات بنكية وسمعة ائتمانية تآكلت بالكامل.
المستوى الثالث: خسائر الفرصة البديلة
يتجاوز هذا المستوى الأرقام المباشرة ليقيس العوائد التنموية الضائعة:
– حُرم أكثر من 10,000 مواطن من أداء الفريضة خلال ثلاثة أعوام (2024، 2026،2025).
– 71 حاجاً ممن اجتازوا قرعة الحج الرسمية في أعوام سابقة غيبهم الموت خلال الحرب دون أن يتمكنوا من أداء الفريضة.[3]
– غياب موسم الحج والعمرة يعني غياب 12 مليون دولار سنوياً عن دورة الاقتصاد المحلي المنهك.
– تآكل رأس المال الاجتماعي للقطاع: العلاقات التعاقدية مع الوكلاء الإقليميين تحتاج لسنوات لإعادة بنائها.
خامساً: نمط الاستهداف المتراكم — الدليل على القصدية
يُعدّ رصد نمط الاستهداف عبر الزمن من أقوى الأدلة على وجود سياسة ممنهجة لا مجرد أضرار عرضية. يوضح الجدول التالي مسار الخسائر المتراكمة عبر المحطات التاريخية الرئيسية:
| الحدث | الخسارة المباشرة | طبيعة الضرر |
| إغلاق رفح (2015–2017) | >مليون دولار | إلغاء 3 مواسم عمرة متتالية — إفلاس جزئي لعدد من الشركات |
| جائحة كوفيد-19 (2020) | ~مليون دولار | 680 ألف دينار أردني: 200 ألف دينار حج + 480 ألف دينار عمرة |
| عدوان 2021 | >مليون دولار | قصف برج الجلاء (مقر الجمعية) وبرج الشروق — تضرر 20+ شركة مباشرة |
| حرب الإبادة 2023–2025 | >9 ملايين دولار | تدمير 100% من الأصول — 10,000+ حاج محروم — 1,500+ عامل بلا دخل |
| الملاحظة التحليلية | في كل جولة عسكرية، كانت المقار التجارية والأبراج التي تضم شركات الحج تُستهدف بصورة تتجاوز احتمال الصدفة. ففي 2021، دُمّر برج الجلاء الذي كان يضم مقر جمعية وكلاء السياحة والسفر (الغطاء المؤسسي للقطاع) وبرج الشروق الذي احتضن شركات رئيسية، وفي 2023-2025، وُسّع نطاق الاستهداف ليشمل الفروع الموزعة في المحافظات كافة. |
| دلالة الأنماط | التكرار + الانتقائية + التصاعد = مؤشرات القصدية في التحليل القانوني والاقتصادي، حين يُدمَّر قطاع بعينه في خمس جولات متتالية خلال أقل من عقدين، يصبح الاستناد إلى العرضية تفسيراً غير مقنع إحصائياً. |
سادساً: أساليب الاستهداف الإسرائيلية — تشريح الأدوات
يُشغّل الاحتلال الإسرائيلي منظومةً متكاملة من الأدوات لاستهداف قطاع الحج والعمرة، يمكن تصنيفها في أربعة محاور:
سلاح المعابر والإغلاق
قبل الحرب الأخيرة، كانت آلية المنع الأمني تُطبَّق على آلاف المواطنين سنوياً — مع تركيز واضح على فئة الشباب — لمنعهم من الخروج عبر معبري إيرز ورفح. وفي المرحلة الراهنة، تحوّل الإغلاق الجزئي والمتقطع إلى إغلاق تام مستدام أدى إلى حرمان القطاع من ثلاثة مواسم حج كاملة.
والجدير بالملاحظة أن إغلاق المعابر لأغراض الحج يسبق في كثير من الأحيان أي مسوّغ أمني معلن، مما يكشف عن استخدامه كأداة ضغط وعقاب لا كإجراء أمني بحت.
القرصنة المالية وتجميد التحويلات
تحتاج شركات الحج إلى مرونة عالية في تحويل مئات الآلاف من الدولارات إلى الخارج لحجز الفنادق وشراء تذاكر الطيران، غير أن الاحتلال فرض قيوداً مشددة على التحويلات المالية الخارجية من البنوك العاملة في غزة، ووضع عقبات أمام الضمانات البنكية المطلوبة لترخيص الشركات، مما تسبّب في تجميد ملايين الدولارات وتآكل ثقة الوكلاء الإقليميين بالشركات الغزية.
الاستهداف المتكرر للبنية التحتية
في كل جولة عسكرية منذ 2008، استُهدفت الأبراج التجارية والمجمعات الخدمية التي تضم مقار شركات الحج، بدرجة من التكرار والانتقائية يصعب تفسيرها بالعرضية. وفي الحرب الراهنة، جرى محو كافة المقار الـ78 مع ما تضمنته من وثائق ومستندات وأنظمة رقمية وأصول مالية.
التضييق الإجرائي والأمني على الحجاج
على مدار سنوات الحصار، خضع حجاج غزة لإجراءات تفتيش معقدة ومُذِلّة، وجرى في أحيان كثيرة استبعاد عوائل الشهداء والأسرى من الاستفادة من المكرمة الملكية السعودية البالغة 500 حاج سنوياً، عبر التضييق الإسرائيلي على كشوفات الأسماء المرفوعة، وقد أفضى ذلك إلى حرمان الفئة الأكثر استحقاقاً إنسانياً من هذه المكرمة.
سابعاً: الإطار القانوني الدولي — حدود المسؤولية
تُمثّل الأفعال الموثقة انتهاكات صريحة لعدد من المبادئ الراسخة في القانون الدولي الإنساني:
حظر العقاب الجماعي
تحظر المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 العقوبات الجماعية بأي شكل من الأشكال. وحرمان أكثر من 10,000 مواطن من أداء فريضة دينية تُعدّ ركناً من أركان دينهم — بسبب إغلاق معابر يسيطر عليها طرف نزاع — يندرج في صلب هذا الحظر، وقد أكد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحق التنمية (تقرير 2023) أن سياسات الحصار الإسرائيلية تُشكّل عقاباً جماعياً لسكان غزة.
حماية الممتلكات المدنية
تنص المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة على حظر تدمير الممتلكات الثابتة والمنقولة التي تتعلق بالسكان المدنيين، وتدمير مقار شركات مدنية تؤدي خدمات دينية — دون مسوّغ عسكري محدد وموثق — يُشكّل انتهاكاً لهذه المادة. ويُعزز هذه الحجة أن الاستهداف تكرّر في خمس جولات متتالية، مما يُضعف أي ادعاء بالاستهداف العسكري العرضي.
الحق في حرية العبادة والتنقل
يكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 18) حرية الدين وممارسة الشعائر الدينية، فيما تكفل المادة 12 حرية التنقل، وتقييد سفر الحجاج لأغراض دينية بحتة — عبر إغلاق المعابر الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية — يُشكّل انتهاكاً مزدوجاً لكلا الحقين.
| الموقف القانوني الراهن | في رأيها الاستشاري الصادر في يوليو 2024، أكدت محكمة العدل الدولية أن الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير مشروع وفق القانون الدولي، وأن على إسرائيل التعويض عن الأضرار الناجمة عن انتهاكاتها، ويُوفّر هذا الرأي أساساً قانونياً لطلبات التعويض عن الأضرار اللاحقة بقطاع الحج والعمرة. |
الخلاصة
يكشف التحليل الموثق في هذه الورقة عن حقيقة تتجاوز كونها مجرد ضرر جانبي لحرب: إن تدمير قطاع الحج والعمرة في غزة يحمل كل سمات السياسة المقصودة — التكرار عبر خمس جولات عسكرية، الانتقائية في الاستهداف، والتصاعد من الإغلاق الجزئي إلى المحو الكامل — مما يُرسّخ توصيفه بالإبادة الهيكلية الاقتصادية وفق المفهوم الأكاديمي والقانوني.
لقد كان هذا القطاع يضخّ ما لا يقل عن 12 مليون دولار سنوياً في دورة اقتصاد منهك، ويُشغّل أكثر من 1,500 أسرة، ويُديم ارتباط غزة بشبكة علاقات اقتصادية ودينية واقليمية، وتدميره لا يعني فقط خسارة مادية قابلة للتعويض المالي، بل يعني قطعاً لخيوط اجتماعية ودينية ومؤسسية يستلزم إعادة نسجها عقوداً من الاستقرار — وهو ما يُرجّح أن يكون أحد الأهداف الاستراتيجية غير المُعلنة لهذه السياسة.
وتبقى مسؤولية المجتمع الدولي — الحكومات والمنظمات ومؤسسات التمويل — في اتخاذ خطوات استباقية لتوثيق هذه الخسائر، وضمان حق الغزيين في أداء فريضتهم، وإدراج إعادة بناء هذا القطاع ضمن أولويات خطط إعادة الإعمار التي تستحق اسمها.
التوصيات
1. مطالبة رابطة العالم الإسلامي ومنظمة التعاون الإسلامي بإدراج ملف الحج والعمرة لأهل غزة ضمن أجندة مفاوضات فتح المعابر، والضغط لضمان حق الحج بمعزل عن الوضع السياسي.
2. العمل مع المملكة العربية السعودية على ترسيم حصة غزة السنوية من الحجاج بصورة تجعلها محميةً من أي تدخل خارجي.
3. توثيق انتهاكات حق العبادة والتنقل أمام هيئات الأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية وإدراجها في التقارير الحقوقية الرسمية.
4. إدراج قطاع الحج والعمرة ضمن القطاعات المؤهلة للتعويض في صناديق إعادة الإعمار، استناداً إلى وثائق الخسائر المعدّة من وزارة الأوقاف وجمعية الشركات.
5. إعداد سجل توثيقي دقيق لخسائر القطاع بمنهجية قابلة للمراجعة الدولية تمهيداً لملفات التعويض القانوني.
6. تصميم حزمة إعفاءات ضريبية وتأجيل رسوم تراخيص لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات بعد انتهاء الحرب.
7. تيسير اندماج الشركات الصغيرة لتشكيل كيانات تضامنية أكثر ملاءةً مالية كأولوية في مرحلة إعادة الإعمار.
8. مبادرة كل شركة إلى بناء سجل رقمي احتياطي لخسائرها من أي مستندات محفوظة سحابياً أو لدى وكلاء خارجيين.
9. إدراج بنود “القوة القاهرة” بصياغة دقيقة في عقود الحجز المستقبلية لضمان حق استرداد المدفوعات عند إغلاق المعابر.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مايو 2026
[1] السياحة الدينية في فلسطين. وكالة وفا. اضغط هنا.
[2] “الأوقاف” تعلن أسماء شركات الحج والعمرة المؤهلة للعمل هذا الموسم. وكالة وفا. اضغط هنا.
[3] الأوقاف بغزة: العدوان حال دون سفر حجاج القطاع وتسبب بوفاة العشرات منهم، وكالة صفا. اضغط هنا.



