المؤتمر الثامن لحركة فتح: قراءة في الأبعاد السياسية والتنظيمية ودلالات إعادة تشكيل القيادة والخلافات الداخلية

أ. إبراهيم الحواجري
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية-دراسة تحليلية

الملخص التنفيذي
يشكّل المؤتمر الثامن لحركة فتح، الذي انعقد في الفترة الممتدة بين 14 و17 مايو 2026 في رام الله بالتزامن مع ساحات قطاع غزة والقاهرة وبيروت، محطةً سياسيةً وتنظيميةً استثنائية في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية. فقد شهد المؤتمر مشاركة نحو 2580 عضواً، وتنافس 59 مرشحاً على 18 مقعداً في اللجنة المركزية، فيما تنافس 450 مرشحاً على 80 مقعداً في المجلس الثوري، وبلغت نسبة المشاركة في الاقتراع 94.64%. تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن المؤتمر الثامن لم يكن مؤتمراً انتخابياً بالمعنى التقليدي، بقدر ما كان مؤتمراً لإدارة التوازنات وإعادة إنتاج الشرعية التنظيمية داخل الحركة. وتكشف مخرجاته عن ميل واضح نحو الاستمرارية المنظمة أكثر من القطيعة أو التجديد الجذري؛ إذ جرى إعادة انتخاب محمود عباس (90 عاماً) رئيساً للحركة بالإجماع، مع دخول ستة أعضاء جدد إلى اللجنة المركزية وخروج قيادات تاريخية بارزة كعزام الأحمد وروحي فتوح وعباس زكي. ولعل أبرز ما ميّز هذا المؤتمر عن سابقيه هو ظهور ملف التوريث بشكل صريح وعلني، عبر فوز ياسر عباس نجل الرئيس بعضوية اللجنة المركزية بـ1290 صوتاً رغم غياب مساره التنظيمي التقليدي، مما أعطى هذا الملف بعداً دولياً لافتاً تجلى في تقرير صحيفة نيويورك تايمز. وتجادل الدراسة بأن المؤتمر الثامن لا يمكن فهمه باعتباره مؤتمر تغيير جذري، بل باعتباره محاولة لإعادة هندسة التوازنات الداخلية وإدارة مرحلة انتقالية مؤجلة داخل الحركة والنظام السياسي الفلسطيني.

المؤتمر في أرقام

الرقمالمؤشر
2580 عضواًإجمالي أعضاء المؤتمر
2507 ناخبينالمشاركون في الاقتراع
94.64%نسبة المشاركة
59 مرشحاً على 18 مقعداًالمرشحون للجنة المركزية
450 مرشحاً على 80 مقعداًالمرشحون للمجلس الثوري
6 أعضاءالأعضاء الجدد في اللجنة المركزية
رام الله – غزة – القاهرة – بيروتساحات الاقتراع المتزامنة
3 أيام (14-16 مايو 2026)مدة المؤتمر

مقدمــة

أعدّ المركز الفلسطيني للدراسات السياسية هذه الدراسة انطلاقاً من أهمية المؤتمر الثامن لحركة فتح باعتباره حدثاً سياسياً وتنظيمياً مفصلياً، جاء بعد عشر سنوات من انعقاد المؤتمر السابع عام 2016، في لحظة شديدة التعقيد تتقاطع فيها الحرب المستمرة على قطاع غزة، وأزمة الشرعية السياسية، وتعثر مسارات المصالحة، وتصاعد النقاشات المتعلقة بمستقبل القيادة الفلسطينية.

وقد شهد المؤتمر لأول مرة في تاريخ الحركة انعقاداً متزامناً في أربع ساحات: رام الله (نحو 1600 عضو)، وقطاع غزة (400 عضو)، والقاهرة (400 عضو)، وبيروت (200 عضو).

 وجرت عمليات الانتخاب والفرز بالطريقة الورقية الكاملة تحت إشراف لجنة من القضاة الفلسطينيين، وتطلبت العملية نحو 17 ألف عملية إدخال يدوي للبيانات للوصول إلى النتائج النهائية.

ولا تقرأ هذه الدراسة المؤتمر الثامن باعتباره مجرد عملية انتخابية، بل بوصفه نافذة لفهم طبيعة التحولات داخل حركة فتح، وحدود قدرتها على احتواء التناقضات الداخلية، وإدارة سؤال الخلافة السياسية، وإعادة ترتيب النفوذ في مرحلة تتسم بدرجة عالية من السيولة السياسية.

إشكالية الدراسة ومنهجها

تنطلق الدراسة من إشكالية جوهرية: إلى أي مدى نجح المؤتمر الثامن في إحداث تغيير حقيقي في البنيتين السياسية والتنظيمية لحركة فتح، وما الذي تكشفه نتائجه عن طبيعة الخلافات الداخلية ومستقبل القيادة والنظام السياسي الفلسطيني؟

الأسئلة البحثية الرئيسية:

هل حمل المؤتمر تغييراً حقيقياً أم أعاد إنتاج النظام الداخلي القائم؟

ما دلالات إعادة انتخاب محمود عباس رئيساً للحركة بالإجماع في التسعين من عمره؟

كيف تعكس تركيبة اللجنة المركزية الجديدة إعادة توزيع النفوذ؟

ما دلالات فوز ياسر عباس ومخاوف التوريث التي أثارها؟

ما دلالات خروج قيادات تاريخية من اللجنة المركزية؟

هل ما يزال مركز القرار يميل لصالح الضفة الغربية على حساب غزة؟

كيف ستنعكس مخرجات المؤتمر على مستقبل فتح والنظام السياسي الفلسطيني؟

تعتمد الدراسة على المنهج التحليلي الاستشرافي، مستندةً إلى النتائج الانتخابية الرسمية، والتقارير الصحفية المتخصصة، وتصريحات المحللين السياسيين الفلسطينيين، وأرقام المشاركة الرسمية.

أولًا: المؤتمر الثامن في سياق أزمة النظام السياسي الفلسطيني

لا يمكن فهم المؤتمر الثامن بمعزل عن البيئة الفلسطينية التي انعقد فيها؛ إذ جاء في لحظة تتسم باستمرار الحرب على قطاع غزة، وتراجع مستويات الثقة بالمؤسسات السياسية، وغياب الانتخابات العامة منذ عام 2006، وتعثر مؤسسات التمثيل السياسي، واستمرار الانقسام الفلسطيني منذ عام 2007.

ويكتسب هذا المؤتمر أهمية مضاعفة من حيث التوقيت؛ فقد انعقد بعد أكثر من عشر سنوات على المؤتمر السابع، مما يعني أن الحركة ظلت طوال هذه الفترة تُدار بقيادة لم تُجدّد شرعيتها التنظيمية عبر انتخابات مؤتمرية، وهذا الفراغ يُعمّق سؤال الشرعية التنظيمية الذي جاء المؤتمر ليعالجه، وقد غاب عن أعمال المؤتمر أي نقاش جادّ حول أسباب تراجع شعبية الحركة وما يوصف بالترهل التنظيمي، وفق ما رصده المحلل الصحفي نبهان خريشة في تحليله المنشور عبر شبكة راية الإعلامية.

فالمؤتمر انصبّ اهتمامه على الانتخابات التنظيمية وإعادة توزيع النفوذ، دون مراجعة سياسية شاملة للمرحلة التي أعقبت مؤتمر 2016، ولا برنامج واضح لمعالجة أزمات الحركة والنظام السياسي الفلسطيني.

الدلالةجاء المؤتمر الثامن بوصفه محاولة لإدارة أزمة النظام السياسي الفلسطيني من بوابة إعادة ترتيب البيت الفتحاوي الداخلي، لكنه غاب عنه تقديم مراجعة سياسية شاملة تتناسب مع حجم التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية.

ثانيًا: إعادة انتخاب محمود عباس – الاستمرارية أم تأجيل الازمة؟

أُعيد انتخاب محمود عباس (90 عاماً) رئيساً للحركة بالإجماع في اليوم الأول من المؤتمر، وقد رصد المحللون أن خطابه الافتتاحي كرّر ذات المفردات والمواقف التقليدية دون تقديم رؤية سياسية جديدة؛ لا رؤية متجددة للتعامل مع الاحتلال، ولا استراتيجية لمواجهة الاستيطان المتسارع، ولا خطة لإنهاء الانقسام مع غزة.

ومن الناحية التحليلية، يمكن قراءة إعادة الانتخاب من زاوية مزدوجة: من جهة تعكس رغبة داخل الحركة في الحفاظ على الاستقرار التنظيمي وتجنب الانزلاق نحو صراع مفتوح على القيادة، ومن جهة أخرى تشير إلى استمرار تأجيل الحسم في سؤال الخلافة السياسية في ظل عمر الرئيس المتقدم وغياب خليفة توافقي واضح.

الدلالةإعادة انتخاب عباس مثّلت آلية لتجميد التناقضات الداخلية لا حلّها، وتأجيلاً منظماً لسؤال القيادة المستقبلية، وتكشف محدودية قدرة الحركة على إنتاج بديل توافقي جامع حتى اللحظة.

ثالثًا: اللجنة المركزية الجديدة-قراءة في البنية والدلالات

تُعدّ اللجنة المركزية الجديدة المحكَّ الأساسي لقراءة التحولات الحقيقية داخل المؤتمر. وقد جمعت التشكيلة النهائية بين أعضاء أبقتهم الشرعية النضالية، وشخصيات تنتمي إلى الجناح التنفيذي الأمني، وأعضاء جدد يمثلون جيل الوسط والشباب.

أبرز الفائزين بعضوية اللجنة المركزية – المؤتمر الثامن 2026

الدلالةالدور والحقيبةالشخصية
الأعلى أصواتاً للمرة الثالثة — الشرعية النضالية الأولىأسير في السجون الإسرائيليةمروان البرغوثي
ثاني أعلى الأصوات — تعزيز البُعد الأمنيرئيس المخابرات العامة الفلسطينيةماجد فرج
الجناح الدبلوماسي-السياسينائب الرئيس في منظمة التحريرحسين الشيخ
استمرار النفوذ التنظيميأمين سر اللجنة المركزيةجبريل الرجوب
الجناح الأمني والبحثيرئيس لجنة التحقيق في وفاة عرفاتتوفيق الطيراوي
الخبرة الحكومية والتنمويةرئيس الوزراء السابقمحمد اشتية
استمرار جيل الخبرة المخضرمةنائب رئيس الحركةمحمود العالول
الشرعية الميدانية النضاليةمسؤول كتائب الأقصى السابق في جنينزكريا الزبيدي
الوجه الجديد الأكثر إثارة للجدلنجل الرئيس — ممثل خاص (1290 صوتاً)ياسر عباس
التمثيل النسائي والإداريمحافظ رام اللهليلى غنام
التمثيل النسائيعضو سابق في اللجنة المركزيةدلال سلامة
جيل الشباب — دخل للمرة الأولىالشبيبة الفتحاويةإياد صافي
ثقل القدس الرمزي والجغرافيمحافظ القدسعدنان غيث
الجناح الدبلوماسي-التفاوضيلجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيليمحمد المدني
كوتة الأسرى المحررينأسير محررتيسير البردوني

أولًا: الشرعية النضالية

يشكّل تصدّر مروان البرغوثي قائمة الفائزين للمرة الثالثة على التوالي (2009-2016-2026) رغم بقائه رهن الاعتقال منذ عام 2002، مؤشراً بالغ الدلالة على عمق الحضور الشعبي والرمزي لهذا القيادي داخل الوجدان الفتحاوي، ويُعزز وجوده إلى جانب زكريا الزبيدي وتيسير البردوني البعدَ النضالي الذي حاولت الحركة الحفاظ عليه في مواجهة الانتقادات المتعلقة بصعود الطابع الإداري السلطوي.

الدلالةالحركة سعت إلى الحفاظ على توازن رمزي يمنع ظهورها بوصفها مجرد حركة سلطة، لكن الوزن الأكبر في التشكيلة ذهب للجناح التنفيذي الأمني.

ثانيًا: صعود الثقل الأمني

يعكس حضور شخصيات مثل ماجد فرج وحسين الشيخ وجبريل الرجوب وتوفيق الطيراوي ميلاً واضحاً نحو تعزيز البعد التنفيذي والأمني داخل القيادة، وقد لاحظ بعض المحللين أن اللجنة المركزية باتت تعكس أغلبية أمنية من قادة الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، مما يعني أنها تعكس واقع السلطة الإدارية أكثر من واقع الحركة الوطنية بمعناها الأشمل.

الدلالةتعكس اللجنة المركزية إدراكاً داخلياً بأن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة إدارة انتقال وضبط توازنات أكثر منها مرحلة تعبئة جماهيرية تقليدية.

ثالثًا: التجديد الجزئي- دخول الأعضاء السنة الجدد

يُعدّ دخول ستة أعضاء جدد أبرز ملامح هذا المؤتمر، إذ طالت التغييرات نحو نصف أعضاء المركزية السابقين، كما ارتفع تمثيل المرأة من مقعد واحد في الدورة السابقة إلى مقعدين، ودخل إياد صافي ممثلاً للشبيبة الفتحاوية للمرة الأولى في تاريخ اللجنة المركزية، غير أن المحللين تباينوا في تقدير عمق هذا التجديد بين من يصفه بالتجديد الفعلي ومن يراه إعادة توزيع نفوذ داخل الدائرة ذاتها.

رابعًا: ملف التوريث- القضية الأكثر إثارة للجدل

شكّل صعود ياسر عباس (64 عاماً) نجل الرئيس الفلسطيني إلى عضوية اللجنة المركزية القضية الأكثر إثارة للجدل في المؤتمر الثامن، وقد منحها أبعاداً محلية وإقليمية ودولية.

المعطيات الموثّقة:

مقيم بصورة رئيسية في كندا ويدير أعمالاً تجارية في الأراضي الفلسطينية، ولم يمرّ بالمسار التنظيمي التقليدي داخل أقاليم الحركة.

يشغل منذ عام 2020 منصب الممثل الخاص للرئيس، وهو منصب يفتقر إلى سند قانوني واضح وفق ما يؤكد ائتلاف أمان للنزاهة والمساءلة.

حصل في مايو 2025 على ملف الساحة اللبنانية لمتابعة ملف نزع سلاح الفصائل الفلسطينية.

فاز بـ1290 صوتاً محتلاً المرتبة الثامنة من بين الثمانية عشر عضواً المنتخبين.

نشرت صحيفة نيويورك تايمز قبيل التصويت تقريراً تحت عنوان: مسؤولون: الزعيم الفلسطيني المسن يدعم الصعود السياسي لابنه، مشيرةً إلى ضغوط وتحالفات داخلية قادها بدعم من والده.

الموقف المؤيدالموقف المعارض
خبرة اقتصادية وإدارية تمنحه حضوراً مؤثراًغياب المسار التنظيمي التقليدي داخل الأقاليم والأجهزة القيادية
اللوائح تكفل حق الترشح لأي عضو يستوفي الشروطمؤشر على توجه نحو التوريث يخالف ثقافة الحركة
الصندوق الانتخابي هو الفيصل النهائييعزز الفجوة بين القيادة والشارع الفلسطيني
محاولة لتجديد القيادة وإدخال دماء جديدةتكريس نفوذ عائلي داخل مؤسسات السلطة وفتح

وقد حذّر هاني المصري مدير مركز مسارات من أن هذا الترشح يشير بوضوح إلى توجه نحو التوريث، واصفاً الأمر بأنه يحمل خطورة بالغة على فتح والسلطة والقضية الفلسطينية برمتها، في المقابل، دافع المتحدث باسم الحركة جمال نزال عن الخطوة.

الدلالةيُعدّ ملف ياسر عباس النقطة التي تقاطع فيها سؤال الخلافة مع سؤال الديمقراطية الداخلية ومعايير الكفاءة، وهو ما جعل هذا الملف يتجاوز الأوساط الفلسطينية ليصبح قضية دولية ذات صدى إعلامي واسع.

خامسًا: القيادات التي غادرت المشهد-الدلالات والمعاني

شهد المؤتمر خروج عدد من الشخصيات التاريخية البارزة من اللجنة المركزية، في مقدمتهم عزام الأحمد وروحي فتوح وعباس زكي وصبري صيدم، إضافة إلى قيادات أخرى من الحرس القديم.

ويمكن قراءة هذا الخروج من ثلاث زوايا تحليلية:

إعادة التموضع: خروج هذه الشخصيات لا يعني قطيعة مع النخبة التقليدية بقدر ما يشير إلى إعادة تموضع داخلية تفرضها متطلبات المرحلة.

تراجع الأدوار التقليدية: صعود شخصيات أكثر التصاقاً بالملفات التنظيمية والأمنية، مقابل تراجع أدوار ذوي الاختصاص الدبلوماسي والتفاوضي التقليدي.

سؤال التجديد الحقيقي: هل نحن أمام تجديد فعلي أم إعادة توزيع نفوذ داخل الدائرة ذاتها؟ السؤال مشروع ما دام أن غالبية أعضاء المركزية الجديدة لا يزالون من جيل مخضرم.

الدلالةخروج هذه الشخصيات يعكس إعادة هندسة موازين القوى داخل القيادة أكثر من كونه تجديداً جذرياً، وتبقى التساؤلات قائمة حول مدى قدرة الحركة على تجديد نخبها بصورة حقيقية.

سادسًا: الضفة الغربية وقطاع غزة-فجوة النفوذ الفعلي

تكشف مخرجات المؤتمر استمرار تمركز مركز القرار السياسي والتنظيمي والأمني في الضفة الغربية، رغم المشاركة الرسمية لـ400 عضو من قطاع غزة في عملية الاقتراع، فقد أشارت تحليلات عدة إلى أن المؤتمر أسفر عن لجنة مركزية ذات أغلبية أمنية من قادة الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، مما يعني أن غزة رغم كونها ساحة الحرب وموضع الرهانات الوطنية الكبرى، تبقى دون تمثيل وزني مكافئ في هيئة صنع القرار.

وتكتسب هذه النقطة أهمية مضاعفة في ظل الحرب الممتدة على قطاع غزة وما ولّدته من شعور بأن القطاع رغم كلفته الوطنية والسياسية الهائلة لا يمتلك وزناً متكافئاً داخل القرار الفتحاوي.

الآلية الانتخابية كعامل بنيوي في إنتاج الفجوة

لا تُنتج فجوة التمثيل من فراغ، بل لها جذور في البنية الانتخابية ذاتها، فآلية الانتخاب الفردي تجعل النتيجة مرتبطة بقدرة المرشحين الغزيين على منع تشتت الأصوات، في ظل غياب نظام الكوتة الجغرافية الإلزامية لغزة في اللجنة المركزية، ويعني ذلك أن الكتلة التصويتية الأكبر في رام الله — بفعل عددها وتنظيمها وتركّزها داخل شبكات النفوذ التنفيذي والأمني — تمتلك قدرة هيكلية على التأثير في تشكيل القيادة بصورة تفوق ما تُتيحه نسبة تمثيل غزة العددية.

وقد طُرح داخل المؤتمر ذاته مقترح بتخصيص 30% من مقاعد اللجنة المركزية لأعضاء من قطاع غزة، بمن فيهم من لا يستطيعون الحضور، عبر التصويت الإلكتروني، غير أن هذا المقترح لم يُتبنَّ رسمياً ضمن مخرجات المؤتمر، وهو ما يعكس أن الإرادة السياسية لمعالجة الخلل الجغرافي لم تكن بالمستوى الكافي.

الدلالةتكشف النتائج استمرار فجوة بين التمثيل التنظيمي لغزة ومستوى النفوذ الفعلي في صناعة القرار، مما يُبقي سؤال العدالة التنظيمية مطروحاً بحدة داخل الحركة.

سابعًا: غياب محمد دحلان-الغياب الحاضر

يشكّل غياب محمد دحلان عن المؤتمر وعن البنية التنظيمية الرسمية عنصراً مهماً لفهم المشهد الداخلي. فهذا الغياب لا يعني بالضرورة غياب التأثير بصورة كاملة؛ إذ ما تزال شبكات اجتماعية وتنظيمية تُنسب إليه قريبة من بعض الدوائر، خاصة في قطاع غزة وبعض البيئات التنظيمية.

وأسهم غيابه في إعادة رسم الاصطفافات الداخلية، بحيث باتت القيادة الرسمية أكثر قدرة على احتكار المجال التنظيمي دون وجود منافس داخلي منظم، غير أن ذلك لا يلغي استمرار تداعيات الانقسام الفتحاوي التاريخي بصورة كامنة.

ناصر القدوة – الغياب الأشد صراحةً

يجدر في هذا السياق الإشارة إلى غياب آخر أكثر صراحة؛ فقد وصف عضو اللجنة المركزية السابق ناصر القدوة المؤتمر بأنه «غير شرعي»، معتبراً أن القيادة الحالية «انتهت شرعيتها»، وإعلان القدوة مقاطعة المؤتمر يحمل دلالة مختلفة عن غياب دحلان؛ إذ إن القدوة لا يزال داخل الفضاء الفتحاوي الرسمي نظرياً، وهو ابن شقيقة ياسر عرفات ويحمل ثقلاً رمزياً تاريخياً، مما يجعل طعنه في شرعية المؤتمر أكثر وجعاً من الداخل.

الدلالةنجحت القيادة الرسمية في تحييد المنافسة المباشرة داخل المؤتمر، لكن أثر دحلان يبقى حاضراً عبر النفوذ غير المؤسسي أكثر من الحضور التنظيمي المباشر.

ثامنًا: فتح بين حركة التحرر وبنية السلطة-أزمة تعريف الذات

أعاد المؤتمر الثامن طرح سؤال جوهري: هل ما تزال فتح حركة تحرر وطني تحمل مشروعاً سياسياً واضحاً، أم تحولت تدريجياً إلى بنية سلطة وإدارة تُقدّم المصالح المؤسسية على حساب التعبئة الجماهيرية؟

وقد أشار المحلل رامي الغول إلى أن التركيز على الأشخاص بدل البرامج يعكس خللاً عميقاً في البنية الفكرية والحزبية داخل الحركة، وأن المرحلة تتطلب قيادة تمتلك الكفاءة الفكرية والسياسية والقدرة على الإبداع في أدوات العمل الوطني بعيداً عن معايير الجهوية والعشائرية والولاءات الشخصية.

وتكمن المشكلة الأساسية ليس في قدرة المؤتمر على توصيف الواقع المرير أو إحصاء مشاريع الاستيطان والضم الإسرائيلية، بل في عجز الحركة عن مراجعة تحوّلها التاريخي؛ فقد تحوّلت من حركة تحرر وطني تقود النضال إلى حزب سلطة يركز على المهام الخدمية والأمنية في ظل فشل سياسي واضح.

ويُلفت المحللون إلى أن المؤتمر تجاهل الأسس التي يجب أن تقوم عليها أي حركة تحرر تواجه خطراً وجودياً يستهدف الأرض والإنسان، وبدلاً من ابتكار وسائل مواجهة جديدة، غرق في تفاصيل المحاصصة وتوريث المناصب داخل اللجنة المركزية، مما يعزز حالة الشللية والترهل.

وقد جاءت نتائج المؤتمر لتكرّس هذا التوجه؛ إذ كشف البيان السياسي الذي تلاه الرئيس عباس أن سمات المرحلة الجديدة للحركة لم تتبدل في التمسك بتلابيب اتفاق أوسلو الذي أُفرغ من مضمونه.

وكشف غياب البرنامج السياسي عن المؤتمر حجم الهوّة بين ما كان مطلوباً وما جرى. يرى المحلل هاني المصري أن الصراع على المواقع القيادية يطغى على أجندة المؤتمر، في حين يغيب النقاش الجاد حول البرنامج الوطني، وقد طرح كتّاب وباحثون جملة من الأسئلة الجوهرية التي كان يُفترض أن يُعالجها المؤتمر.

– ما الموقف من الاستيطان الذي تجاوز 700 ألف مستوطن في الضفة الغربية والقدس، وهو رقم يُفرغ حلّ الدولتين من مضمونه على أرض الواقع؟

– ما الاستراتيجية البديلة في حال استمرار انسداد الأفق التفاوضي؟

– كيف تُعيد الحركة بناء علاقتها بالشارع الفلسطيني في ظل أرقام ثقة متدنية كاشفة؟

– ما الرؤية للمصالحة الوطنية وإنهاء الانقسام الذي أكمل عامه التاسع عشر؟

تتطلب الإجابة عن هذه الأسئلة إعادة الاعتبار لفكرة أن فتح حركة تحرر وطني قبل أن تكون جزءاً من السلطة، وهذا يتطلب إعادة بناء علاقتها بالشارع والمخيم والجامعة والنقابة، لا الاكتفاء بالبنية الإدارية والتنظيمية التقليدية.

الدلالةالمؤتمر كشف عن استمرار التوتر داخل فتح بين الشرعية الثورية التاريخية ومتطلبات السلطة والإدارة، دون أن ينجح في حسم طبيعة العلاقة بينهما أو تقديم برنامج سياسي متجدد.

تاسعًا: انعكاسات المؤتمر على النظام السياسي الفلسطيني

لا يمكن قراءة انعكاسات المؤتمر على النظام السياسي الفلسطيني بمعزل عن السياق الدولي والإقليمي الذي فرض نفسه على أجندة الحركة قبل انعقاده وبعده، تدعو أكثر من جهة عربية ودولية إلى إصلاحات داخل السلطة الفلسطينية التي تعاني من جمود في الحركة السياسية الديمقراطية، تمهيداً لتسليمها إدارة غزة بعد الحرب.

ولا تقتصر مخرجات المؤتمر على الإطار التنظيمي الداخلي لحركة فتح، بل تمتد آثارها إلى مجمل النظام السياسي الفلسطيني، فقد أعاد المؤتمر تثبيت موقع فتح بوصفها الأكثر تأثيراً داخل النظام السياسي، لكنه لم يقدّم مراجعة سياسية شاملة أو تصوراً جديداً لمعالجة أزمات النظام السياسي الفلسطيني على صعيد المصالحة مع حماس أو إعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير أو إجراء انتخابات عامة.

وبالرغم من أن فتح تضع ملف غزة في مقدمة خطابها السياسي، إذ تُعلن أن إعادة إعمار قطاع غزة وتوحيد المؤسسات الفلسطينية يتصدران أولوياتها، مع التمسك بالثوابت التي أقرّتها المجالس الوطنية المتعاقبة لضمان استقرار النظام السياسي الفلسطيني.

غير أن المؤتمر لم يقدّم خارطة طريق عملية لتحقيق هذا الهدف، وهو إغفال ذو كلفة باهظة في لحظة تُطرح فيها على الطاولة الدولية ترتيبات متنافسة لإدارة غزة.

الدلالةنجح المؤتمر في إعادة ترتيب الاستقرار الداخلي لفتح، لكنه لم يقدّم معالجة بنيوية لأزمة النظام السياسي الفلسطيني الأوسع.

نتائج الدراسة

المؤتمر الثامن لم يؤسس لتحول جذري داخل حركة فتح، بل أعاد إنتاج الاستمرارية السياسية والتنظيمية مع قدر محدود من إعادة توزيع النفوذ، وفق ما وصفه المحلل الصحفي نبهان خريشة بأنه عملية إعادة ترتيب لمراكز القوى أكثر من كونها محطة لإحداث تغيير جذري.

إعادة انتخاب محمود عباس (90 عاماً) رئيساً بالإجماع عكست رغبة في الحفاظ على الاستقرار التنظيمي وتأجيل الحسم في ملف الخلافة، مع التأكيد على مسار أوسلو دون تقديم رؤية سياسية متجددة.

تعكس اللجنة المركزية الجديدة تحالفاً بين الشرعية النضالية والخبرة التنظيمية والنفوذ التنفيذي الأمني، مع ميل واضح نحو الجناح الأمني التنفيذي مقارنة بالحركي الجماهيري.

فوز ياسر عباس بـ1290 صوتاً شكّل أبرز نقاط الجدل، وأثار تساؤلات واسعة حول التوريث السياسي وتركّز النفوذ العائلي، وصلت أصداؤها إلى وسائل الإعلام الدولية.

خروج عزام الأحمد وروحي فتوح وعباس زكي وصبري صيدم يشير إلى إعادة توزيع نفوذ وتموضع داخلي، لا قطيعة مع الجيل السابق.

ما يزال مركز القرار يميل لصالح الضفة الغربية مقارنة بقطاع غزة، رغم مشاركة 400 عضو غزي في الاقتراع.

لم ينهِ غياب محمد دحلان أثره السياسي والتنظيمي، لكنه نقل حضوره من المنافسة المؤسسية إلى التأثير غير المباشر.

ارتفع تمثيل المرأة من مقعد إلى مقعدين، ودخل جيل الشبيبة للمرة الأولى عبر إياد صافي، لكن هذه المكاسب تبقى محدودة قياساً بحجم التحديات التمثيلية.

غابت عن المؤتمر أي مراجعة سياسية شاملة أو خطة لمعالجة أزمات النظام السياسي الفلسطيني الأوسع.

الخلاصة

يمثل المؤتمر الثامن لحركة فتح محطة لإعادة هندسة التوازنات الداخلية أكثر من كونه لحظة تغيير بنيوي جذري، فقد نجحت الحركة في إعادة إنتاج الحد الأدنى من التماسك التنظيمي، وإدارة تناقضاتها ضمن أطر مؤسساتية، وإعادة تثبيت القيادة الحالية، لكنها في المقابل لم تحسم أسئلة جوهرية تتعلق بالخلافة السياسية، وعدالة التمثيل التنظيمي، ومستقبل العلاقة بين التنظيم والسلطة.

وكشف ملف ياسر عباس عن توتر عميق بين منطق التوارث العائلي للنفوذ من جهة، ومبادئ الحركة التنظيمية التي تُفترض فيها الكفاءة والمسار النضالي التقليدي من جهة أخرى. وهذا التوتر لن يزول بانتهاء المؤتمر، بل قد يتعمق مع مرور الوقت وتقدّم مسألة الخلافة نحو لحظة الحسم.

وعليه، فإن الدلالة الأبرز للمؤتمر الثامن تكمن في كونه مؤتمر إدارة الاستمرارية وإعادة توزيع النفوذ أكثر من كونه مؤتمر إعادة تأسيس أو تحول جذري داخل حركة فتح، وهو ما يجعل مستقبل الحركة مرهوناً بقدرتها على تحويل الاستقرار التنظيمي المؤقت إلى عملية إصلاح سياسي وتنظيمي أعمق في السنوات المقبلة.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مايو 2026

شارك:

المزيد من المقالات