من الدولة إلى المجتمع: الحراك الشعبي السوري ودلالات التحول في التضامن مع الأسرى الفلسطينيين

دراسة تحليلية- المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
ترصد الورقة تحولات العلاقة السورية–الفلسطينية من احتكار الدولة لتمثيل القضية الفلسطينية إلى صعود المجتمع كفاعل تضامني مستقل، من خلال تحليل الحراك الشعبي السوري الداعم للأسرى الفلسطينيين، وتبين أن هذا الحراك يعكس انتقال مصدر الشرعية التضامنية من الخطاب الرسمي إلى الفعل المجتمعي الأفقي، مدفوعًا بجيل سياسي جديد يعيد تأطير فلسطين ضمن إطار إنساني وحقوقي. كما يكشف اتساع الحراك جغرافيًا وتعدد فاعليه عن قدرة القضية الفلسطينية على تجاوز الانقسامات الداخلية وإعادة إنتاج فضاء تضامن عربي عابر للحدود.  وتشير النتائج إلى عودة الشارع العربي كفاعل رمزي غير رسمي قادر على التأثير في المجال العام دون تحوّل تنظيمي مباشر. وتخلص الورقة إلى أن أهمية الحراك لا تكمن في أثر سياسي فوري، بل في إعادة تشكيل البيئة الإدراكية الإقليمية وتعزيز مركزية فلسطين في الوعي الشعبي العربي، وتوصي الورقة صناع القرار الفلسطينيين بالاستثمار في الفضاءات المجتمعية والشبابية والرقمية لتحويل التضامن الشعبي إلى رافعة استراتيجية مستدامة للقضية الفلسطينية.

مقدمــــة

يشكل الحراك الشعبي السوري الداعم للأسرى الفلسطينيين مؤشرًا قويًا على قدرة المجتمعات العربية على التعبئة حول القضايا الرمزية الكبرى، رغم سنوات الصراعات الداخلية والانقسامات السياسية، فقد أظهر هذا الحراك قدرة المجتمع السوري على تجاوز الانقسامات الجغرافية والاجتماعية، والاصطفافات الأيديولوجية، ليعيد فلسطين إلى قلب التضامن الشعبي.

تكتسب هذه الظاهرة أهمية خاصة، إذ تمثل نموذجًا حيًا لقوة الفعل الشعبي غير الرسمي في تشكيل خطاب عام متفاعل، يمكن أن يؤثر في السياسات الإقليمية والوعي الجماهيري، ويعيد إنتاج التضامن مع فلسطين خارج أطر الدولة التقليدية.

 تهدف هذه الورقة إلى دراسة بنية هذا الحراك، خطاباته، دلالاته السياسية، واستنتاج الدروس العملية التي يمكن الاستفادة منها في تعزيز التضامن الشعبي العربي مع الفلسطينيين، خصوصًا في ملف الأسرى.

أولًا: العلاقة السورية–الفلسطينية: من احتكار الدولة للقضية إلى إعادة تشكّل الفاعل المجتمعي

تمثل العلاقة السورية بالقضية الفلسطينية أحد أكثر نماذج التفاعل العربي تعقيدًا، إذ لم تتشكل فقط بوصفها علاقة تضامن قومي تقليدية، بل كجزء من بنية الشرعية السياسية الداخلية، قبل أن تمر بتحولات عميقة مع الثورة السورية وما تلاها، ويمكن فهم التحول الحالي في الحراك الشعبي السوري تجاه الأسرى الفلسطينيين عبر ثلاث مراحل رئيسية:

1. مرحلة ما قبل الثورة السورية: فلسطين كركيزة شرعية للدولة

منذ سبعينيات القرن الماضي، احتلت القضية الفلسطينية موقعًا مركزيًا في الخطاب السياسي الرسمي السوري، حيث جرى تقديمها بوصفها أحد مصادر الشرعية الأساسية للنظام السياسي داخليًا وإقليميًا.

لم يكن حضور فلسطين في المجال العام مجرد تعبير عن التزام قومي، بل أصبح جزءًا من بنية سردية الدولة التي قامت على ثلاث ركائز:

أ) شرعية الممانعة

قدّم النظام نفسه باعتباره جزءًا من محور المواجهة مع الكيان الإسرائيلي، ما منح الخطاب الرسمي قدرة على ربط الاستقرار الداخلي بدور إقليمي “مقاوم”.

ب) احتكار تمثيل القضية الفلسطينية

جرى تنظيم العلاقة مع الفصائل الفلسطينية ضمن إطار أمني–سياسي مضبوط، بحيث بقي التعبير الشعبي المستقل عن فلسطين محدودًا ومؤطرًا عبر مؤسسات رسمية أو شبه رسمية.

ج) تحويل القضية إلى أداة ضبط سياسي داخلي

أدى ربط فلسطين بالشرعية السياسية إلى جعلها قضية تُدار من أعلى إلى أسفل، حيث كان الحضور الشعبي موجودًا لكنه غير مستقل عن الدولة.

وبذلك، تشكّل وعي تضامني واسع مع فلسطين داخل المجتمع السوري، لكنه ظل في معظمه مُدارًا سياسيًا وليس منتجًا مجتمعيًا مستقلًا.

2. مرحلة الثورة السورية: تفكك السردية وانقسام الإدراك العربي

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، دخلت العلاقة السورية–الفلسطينية مرحلة اضطراب عميق، نتيجة انهيار الإطار السياسي الذي احتكر تمثيل القضية لعقود.

أ) تصادم السرديات

ظهر توتر واضح بين:

سردية رسمية استمرت في توظيف خطاب المقاومة.

وسردية شعبية ناشئة أعادت تعريف الأولويات حول الحرية والعدالة والكرامة.

أدى هذا التصادم إلى إعادة طرح سؤال جوهري داخل الوعي العربي:

هل دعم فلسطين مرتبط بالضرورة بدعم الأنظمة التي ترفع شعارها؟

ب) انقسام المواقف الفلسطينية والسورية

تأثرت المخيمات الفلسطينية في سوريا مباشرة بالصراع، ما أدى إلى:

انقسامات سياسية داخل المجتمع الفلسطيني نفسه.

تراجع مؤقت لمركزية فلسطين في الخطاب الشعبي السوري بسبب أولوية الصراع الداخلي.

ج) تشكّل فجوة إدراكية عربية

خلال هذه المرحلة، ساد قدر كبير من الالتباس عربيًا حول موقع المجتمع السوري من القضية الفلسطينية، نتيجة تداخل الصراع الداخلي مع الاستقطابات الإقليمية.

وبذلك انتقلت فلسطين في الوعي السوري من قضية إجماع مُدار سياسيًا إلى قضية معاد تعريفها ضمن سياق صراعي معقد.

3. مرحلة ما بعد الثورة: تحول في طريقة التفاعل

مع تراجع حدة الصراع المسلح تدريجيًا وبداية تشكل واقع سياسي واجتماعي جديد، بدأت تظهر ملامح تحول في طريقة تفاعل المجتمع السوري مع فلسطين.

أ) انتقال مركز الفعل من الدولة إلى المجتمع

لم يعد التضامن مع فلسطين مرتبطًا بالخطاب الرسمي، بل أخذ يتشكل عبر:

مبادرات شعبية،فضاءات مدنية ، شيكات شبابية وإعلام رقمي

وهو تحول مهم من التعبئة السلطوية إلى التضامن المجتمعي الأفقي.

ب) إعادة تأطير فلسطين كقضية أخلاقية وإنسانية

برزت فلسطين — خصوصًا ملف الأسرى وغزة — ضمن خطاب جديد يقوم على:

معاناة مشتركة تحت العنف والحصار.

التضامن الإنساني بين الشعوب المتضررة من الحروب.

رفض توظيف القضية سياسيًا.

هذا التحول أعاد بناء العلاقة على أساس التجربة الإنسانية المشتركة لا الاصطفاف الأيديولوجي.

ج) صعود جيل سياسي جديد

جيل سوري تشكّل وعيه خلال الثورة بات يتعامل مع فلسطين من منظور:

العدالة والحقوق ، التضامن الشعبي، استقلالية الموقف عن الصراعات الإقليمية

وهو ما يفسر الطابع الشعبي غير المؤدلج نسبيًا للحراك الداعم للأسرى الفلسطينيين.

وبناءً على ذلك، فإن المظاهرات السورية دعمًا للأسرى لا تمثل فقط حدثًا تضامنيًا، بل قد تشير إلى تحول تدريجي في مصدر الشرعية التضامنية مع فلسطين: من الدولة إلى المجتمع، وهو تحول يحمل دلالات سياسية إقليمية تتجاوز الحالة السورية نفسها.

ثانيًا: بنية الحراك الشعبي السوري دعمًا للأسرى — تشكل فضاء تضامن عابر للانقسامات

لا يمكن فهم دلالات الحراك السوري دعمًا للأسرى الفلسطينيين دون تحليل بنيته الاجتماعية والجغرافية والخطابية، إذ تكشف هذه العناصر مجتمعة طبيعة التحول الجاري في علاقة المجتمع السوري بالقضية الفلسطينية، وانتقالها من إطار التعبئة الرسمية إلى فضاء الفعل المجتمعي المستقل نسبيًا.

1. الاتساع الجغرافي: من مركزية العاصمة إلى تعدد الأطراف

امتدت الاحتجاجات والفعاليات التضامنية إلى نطاق جغرافي واسع شمل:

دمشق وريفها، درعا والقنيطرة جنوبًا، حلب واللاذقية شمالًا وغربًا،مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في عدة مناطق

ولا تكمن أهمية هذا الانتشار في بعده العددي فقط، بل في دلالته السياسية والاجتماعية؛ إذ يشير إلى انتقال القضية من فضاء النخب السياسية أو الأطر الأيديولوجية الضيقة إلى مستوى التعبئة المجتمعية العابرة للمناطق والانتماءات المحلية.

فخروج مدن ذات تجارب سياسية واجتماعية مختلفة خلال سنوات الصراع يعكس وجود قاسم رمزي جامع قادر على تجاوز آثار الاستقطاب الداخلي، وهو ما أعادت قضية الأسرى إنتاجه بوصفها قضية أخلاقية فوق-سياسية.

كما يحمل حضور الجنوب السوري، ولا سيما درعا والقنيطرة، دلالة خاصة، إذ يعيد إدخال الجغرافيا القريبة من حدود الصراع العربي-الإسرائيلي إلى المجال الرمزي للإسناد الشعبي، بما يمنح الحراك بعدًا نفسيًا واستراتيجيًا يتجاوز طبيعته الاحتجاجية المباشرة.

2. الفاعلون الاجتماعيون: تعددية القاعدة الاجتماعية للحراك

تميّز الحراك بمشاركة طيف متنوع من الفاعلين الاجتماعيين، من أبرزهم:

طلاب الجامعات والتجمعات الشبابية، ناشطون مدنيون وإعلاميون محليون، سكان المخيمات الفلسطينية، فعاليات مجتمعية وأهلية محلية .

وتكشف هذه التعددية عن تحول مهم في طبيعة الفعل التضامني؛ إذ لم يعد مرتبطًا ببنية تنظيمية مركزية أو بجهة سياسية محددة، بل تشكل عبر شبكات اجتماعية أفقية تعتمد على المبادرات المحلية والتعبئة المجتمعية الذاتية.

ويشير الحضور الشبابي تحديدًا إلى أن الأجيال التي تشكل وعيها السياسي خلال سنوات الثورة والحرب باتت تعيد تعريف علاقتها بالقضية الفلسطينية خارج الأطر الأيديولوجية التقليدية، عبر مقاربات تقوم على مفاهيم العدالة والحقوق الإنسانية المشتركة.

أما مشاركة المخيمات الفلسطينية، فتعكس استمرار دورها كمساحات إنتاج للذاكرة السياسية الفلسطينية داخل المجال السوري، لكنها في الوقت ذاته تشير إلى تحول العلاقة من تضامن أحادي الاتجاه إلى تفاعل متبادل بين مجتمعين يتقاسمان خبرات الألم والصراع.

3. الخطاب الاحتجاجي: إعادة تعريف فلسطين في الوعي السوري

اتسم الخطاب المرافق للحراك بثلاث سمات مركزية تعكس تحولات عميقة في البنية الإدراكية للتضامن:

أ) ربط المصيرين السوري والفلسطيني

برزت في الشعارات والبيانات لغة تؤكد وحدة التجربة الإنسانية بين الشعبين، حيث جرى تقديم قضية الأسرى باعتبارها امتدادًا لمعركة الكرامة الإنسانية ضد القمع والعنف، وليس مجرد قضية خارجية.

ويمثل هذا الربط انتقالًا من التضامن القومي التقليدي إلى تضامن قائم على تشابه التجارب التاريخية والمعاناة الإنسانية.

ب) تأطير القضية ضمن العدالة الإنسانية

تراجع الخطاب الأيديولوجي لصالح خطاب حقوقي-إنساني يركز على:

الحق في الحياة، رفض الإعدام السياسي، حماية الأسرى وفق القانون الدولي

وهذا التحول يعكس اندماج القضية الفلسطينية ضمن منظومة القيم الحقوقية العالمية التي تبنتها قطاعات واسعة من المجتمعات العربية خلال العقد الأخير.

ج) رفض احتكار الأنظمة لتمثيل فلسطين

أحد أبرز التحولات الخطابية تمثل في الفصل بين دعم فلسطين وبين توظيفها السياسي من قبل الدول أو الأنظمة، إذ ظهر ميل واضح لتأكيد أن التضامن مع الفلسطينيين هو موقف شعبي مستقل لا يرتبط بشرعية سلطة بعينها.

ويمثل هذا التحول مؤشرًا على انتقال القضية الفلسطينية في المخيال السوري من كونها جزءًا من خطاب الدولة إلى كونها عنصرًا من عناصر الهوية الأخلاقية للمجتمع.

ثالثًا: الدلالات السياسية والاستراتيجية — الحراك السوري ضمن تحولات الفعل الشعبي العربي

تكشف المظاهرات السورية دعمًا للأسرى الفلسطينيين عن مجموعة من الدلالات السياسية والاستراتيجية التي تتجاوز الحدث الاحتجاجي ذاته، لتلامس تحولات أعمق في موقع الفعل الشعبي العربي داخل المعادلة الإقليمية، وفي طبيعة العلاقة بين المجتمع والسياسة في مرحلة ما بعد الاضطرابات الإقليمية الكبرى.

1. عودة الشارع العربي كفاعل سياسي غير رسمي

يشير الحراك إلى أن الشارع العربي، رغم سنوات من التراجع السياسي والانشغال بالأزمات الداخلية، ما يزال يحتفظ بقدرة كامنة على إعادة التشكل حول القضايا الرمزية الجامعة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

غير أن أهمية هذه العودة لا تكمن في حجم الاحتجاجات بحد ذاته، بل في طبيعة الفعل السياسي الذي تمثله؛ إذ لم يعد الشارع يسعى بالضرورة إلى تغيير مباشر للأنظمة، كما في موجات الاحتجاج السابقة، بل بات يمارس دورًا مختلفًا يتمثل في:

إنتاج ضغط أخلاقي ورمزي، إعادة توجيه النقاش العام، التأثير غير المباشر في البيئة السياسية والإعلامية.

وبذلك يظهر الحراك بوصفه نموذجًا لـ”الفاعل السياسي غير الرسمي”، الذي يؤثر في المجال العام دون أن يتحول إلى مشروع سياسي تنظيمي مباشر.

2. إعادة تموضع سوريا شعبيًا داخل القضية الفلسطينية

يمثل الحراك تحولًا نوعيًا في مصدر الشرعية الرمزية للدعم السوري لفلسطين. فبعد عقود ارتبط فيها الخطاب المؤيد لفلسطين أساسًا بالدولة ومؤسساتها، برزت هذه المرة دينامية تضامن تنبع من المجتمع نفسه.

هذا التحول يحمل دلالتين أساسيتين:

انتقال فلسطين من كونها عنصرًا في شرعية السلطة السياسية إلى عنصر في الهوية الأخلاقية للمجتمع، وإعادة إدماج سوريا شعبيًا في المجال العربي الداعم لفلسطين بغض النظر عن موقعها السياسي الرسمي.

وبذلك يمكن قراءة الحراك باعتباره بداية تشكل مسار تضامن مجتمعي مستقل يعيد تعريف العلاقة السورية بالقضية الفلسطينية خارج ثنائية الاصطفاف السياسي التي سادت خلال سنوات الصراع.

3. رسائل إقليمية غير مباشرة في سياق التحولات العربية

يأتي الحراك في لحظة إقليمية تتسم بتوسع مسارات التطبيع وتراجع مركزية القضية الفلسطينية في بعض الأجندات الرسمية العربية، ما يمنحه بعدًا يتجاوز الساحة السورية.

فالاحتجاجات تبعث بعدة رسائل ضمنية، أبرزها:

أن مركزية فلسطين في الوعي الشعبي العربي لم تتآكل بالقدر الذي تعكسه السياسات الرسمية، وأن الفجوة بين المزاج الشعبي والسياسات الإقليمية ما تزال قائمة، وأن القضايا الإنسانية المرتبطة بفلسطين تمتلك قدرة عالية على إعادة توحيد الرأي العام العربي.

وبهذا المعنى، يشكل الحراك مؤشرًا على استمرار وجود “بنية تضامن كامنة” قابلة للظهور عند حدوث محفزات رمزية قوية.

4. التأثير المحتمل على سلوك الحكم السياسي

لا توجد مؤشرات حاسمة على انعكاس مباشر للحراك على السياسات الرسمية السورية في المدى القريب، نظرًا لتعقيدات البيئة الداخلية وأولويات إعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي، إلا أن اتساع الحراك يخلق تأثيرًا غير مباشر يتمثل في رفع الكلفة السياسية لتجاهل المزاج الشعبي.

ويتجلى هذا التأثير عبر ثلاثة مسارات محتملة:

توسيع هامش الخطاب الرسمي المتعاطف مع قضية الأسرى، زيادة الحساسية السياسية تجاه القضايا المرتبطة بفلسطين في المجال العام، وإدراك صناع القرار أن القضية الفلسطينية ما تزال عنصرًا مؤثرًا في الشرعية الرمزية الداخلية.

وعليه، يمكن القول إن تأثير الحراك لا يظهر في تغيير السياسات فورًا، بل في إعادة تشكيل البيئة الإدراكية التي تُصاغ داخلها القرارات السياسية مستقبلًا.

الخلاصة

تكشف هذه الورقة أن الحراك الشعبي السوري الداعم للأسرى الفلسطينيين لا يمثل حدثًا تضامنيًا عابرًا، بل يعكس تحوّلًا في طبيعة العلاقة السورية–الفلسطينية وفي مصدر الشرعية الرمزية للقضية الفلسطينية داخل المجال العربي. فبعد عقود ارتبط فيها حضور فلسطين بخطاب الدولة وأولوياتها السياسية، انتقلت مركزية القضية تدريجيًا إلى المجال المجتمعي، حيث بات الفعل التضامني يُنتَج من القاعدة الاجتماعية لا من المؤسسات الرسمية.

وتبيّن الدراسة أن هذا التحول لم يكن نتيجة موقف سياسي مباشر، بل نتاج تجربة اجتماعية طويلة أعادت تشكيل وعي الفاعلين السوريين، فجرى إعادة تعريف فلسطين باعتبارها قضية عدالة إنسانية مشتركة، وليست امتدادًا لصراعات الأنظمة أو اصطفافاتها الإقليمية، وبذلك تحوّل التضامن من خطاب تعبوي موجَّه إلى تعبير أخلاقي مستقل يستند إلى تجربة المعاناة المشتركة.

كما يظهر الحراك أن المجتمعات العربية، رغم التفكك السياسي والصراعات الداخلية، ما تزال قادرة على إعادة إنتاج الفعل الجماعي حول القضايا الرمزية الكبرى، وأن فلسطين تحتفظ بوظيفتها الجامعة بوصفها إطارًا أخلاقيًا عابرًا للانقسامات.

ويشير الانتشار الجغرافي وتعدد الفاعلين إلى نشوء نمط جديد من التضامن الأفقي الشبكي، تقوده فئات شبابية ومدنية خارج الهياكل التنظيمية التقليدية.

وتخلص الورقة إلى أن الأهمية الاستراتيجية للحراك لا تكمن في تأثيره المباشر على السياسات الرسمية، بل في قدرته على إعادة تشكيل البيئة الإدراكية المحيطة بصنّاع القرار، ورفع الكلفة الرمزية والسياسية لتجاهل المزاج الشعبي، بما يعيد إدخال القضية الفلسطينية إلى المجال العام العربي من بوابة المجتمع لا الدولة.

ومن النتائج الرئيسية:

– انتقال مركز الثقل التضامني مع فلسطين من الدولة إلى المجتمع، بما يؤسس لشرعية شعبية مستقلة طويلة الأمد.

– ظهور نموذج تضامن عربي جديد قائم على الشبكات الاجتماعية والمدنية بدل الأطر الأيديولوجية التقليدية.

– إعادة تأطير قضية الأسرى وفلسطين ضمن خطاب حقوقي–إنساني أكثر قابلية للانتشار إقليميًا ودوليًا.

– استمرار القدرة التعبوية للقضية الفلسطينية رغم التحولات الإقليمية ومسارات التطبيع السياسي.

-تشكّل الحراك الشعبي كعامل ضغط رمزي غير مباشر يمكن أن يؤثر في حسابات الفاعلين الرسميين على المدى المتوسط.

– بروز جيل سياسي واجتماعي عربي يتعامل مع فلسطين باعتبارها قضية عدالة مشتركة لا أداة صراع سياسي.

التـوصيـــات

1. تعزيز التواصل مع المجتمع السوري وإنشاء منصات تفاعلية رسمية وغير رسمية للتنسيق مع المبادرات الشعبية السورية الداعمة للقضية الفلسطينية، ودعم البرامج المشتركة في مخيمات اللاجئين لتعزيز التضامن الشعبي المستمر.

2. الاستفادة من الفضاء الرقمي والشبابي، وتطوير حملات إعلامية رقمية مشتركة تسلط الضوء على قضايا الأسرى، مع التركيز على القيم الإنسانية والحقوقية، ودعم شبكات الشباب والناشطين في سوريا لتوسيع نطاق الرسائل التضامنية.

3. تحويل التضامن الشعبي إلى دعم ملموس، وربط الفعاليات الشعبية بمشاريع مساندة للأسرى وعائلاتهم (مثل الدعم القانوني، الإغاثي، أو الإعلامي)، وتوثيق ومتابعة الفعاليات لتقييم الأثر وتحسين استراتيجيات الدعم.

4. الاستفادة الاستراتيجية من التأييد الشعبي العربي، وتقديم بيانات وتقارير مدعومة بالحقائق إلى مؤسسات عربية ودولية لتسليط الضوء على القضية الفلسطينية دون انتظار التحركات الرسمية، واستثمار التضامن الشعبي لإعادة تأكيد مركزية فلسطين في السياسة العربية ورفع كلفة التطبيع غير المشروط.

5. بناء شراكات مع الفاعلين غير الرسميين، والعمل مع المنظمات الشبابية والمدنية السورية والفلسطينية لتشكيل شبكة تضامن مستدامة بعيدًا عن الأطر الرسمية الضيقة، وتبني أساليب تنسيق أفقي لضمان استقلالية المبادرات واستمراريتها.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-أبريل 2026

شارك:

المزيد من المقالات