سلاح المقاومة في غزة: التوازن الفلسطيني وخطة ملادينوف في ظل الحرب الإقليمية

دراسة تحليلية-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
تشهد غزة مرحلة سياسية حساسة تتجاوز تداعيات الحرب الإنسانية، حيث يتجه الخطاب الدولي من إدارة الأزمة إلى إعادة هندسة البيئة السياسية والأمنية، وتمثل تصريحات نيكولاي ملادينوف مؤشرًا على تركيز المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، على ربط الاستقرار بترتيبات أمنية تضع ملف سلاح المقاومة في مركز الاهتمام. تسعى المقاربة الدولية إلى دمج إعادة الإعمار والتمويل الدولي مع آليات رقابة تمنع إعادة التسلح، ما يعكس محاولة إدارة البيئة الأمنية بشكل طويل الأمد، وتعكس الوساطة متعددة المستويات بين أطراف دولية وإقليمية توازنات قوة محددة أكثر من كونها حيادية كاملة. الفصائل الفلسطينية تعتبر السلاح ضمانة وجودية وأداة ردع، ما يجعل أي تسوية مرتبطة بطبيعة السلطة والقوة السيادية في غزة. النتيجة: إدارة صراع معاد تنظيمه عبر خطوات تدريجية، مع الحفاظ على التوازن الفلسطيني أمام الضغوط الدولية والإقليمية.

مقدمــــة

تدخل قضية غزة مرحلة سياسية شديدة الحساسية، لا تُعرَّف فقط بنتائج الحرب وتداعياتها الإنسانية، بل بما يجري في الكواليس الدبلوماسية من محاولات لإعادة صياغة ترتيبات “اليوم التالي”، وبدأ النقاش الدولي ينتقل تدريجيًا من إدارة الأزمة إلى تصميم البيئة السياسية والأمنية التي يفترض أن تحكم القطاع في المرحلة المقبلة.

في هذا السياق، أعادت تصريحات نيكولاي ملادينوف، بصفته الممثل السامي لغزة في مجلس السلام، طرح مجموعة من المفاهيم التي باتت تتكرر في الخطاب الدولي، مثل الإدارة الانتقالية، وضمانات الاستقرار طويلة الأمد، وآليات الرقابة الدولية، ومنع إعادة التسلح.

ولم تأتِ هذه الطروحات بوصفها مبادرة تفاوضية مكتملة، بل كمؤشرات سياسية تعكس اتجاهًا أوسع داخل دوائر صنع القرار الدولي نحو إعادة هندسة مقاربة التعامل مع غزة بعد الحرب.

تكتسب هذه التصريحات أهميتها من توقيتها وسياقها؛ إذ تتزامن مع انشغال النظام الدولي بالحرب في الإقليم، وتزايد الاعتماد على وساطات متعددة الأطراف تضم فاعلين غير متطابقين في المصالح والأدوار، من الولايات المتحدة ذات الحضور الحاسم والمنحاز في نظر الفلسطينيين، إلى الوسطاء الإقليميين مثل مصر وقطر الذين يتحركون ضمن هوامش سياسية مختلفة.

 هذا التعدد في مسارات الوساطة لا يعكس تعددية حيادية بقدر ما يكشف عن عملية تفاوض مركّبة تُعاد فيها صياغة الأهداف ذاتها بأدوات دبلوماسية جديدة.

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن النقاش الجاري حول غزة لا يتعلق فقط بترتيبات وقف الحرب أو إعادة الإعمار، بل بمحاولة تدريجية لإعادة تعريف موقع سلاح المقاومة داخل النظام السياسي والأمني المستقبلي، وتحويله إلى “العقدة المركزية” التي تُربط بها بقية ملفات المرحلة المقبلة، وبذلك، يصبح الجدل حول السلاح مدخلًا أوسع لإعادة تشكيل معادلة الحكم والاستقرار والتوازنات الإقليمية المرتبطة بالقطاع.

وعليه، تسعى الورقة إلى قراءة تصريحات ملادينوف ضمن إطار تحليلي أوسع يربط بين خطاب الوسطاء، والتحولات في المقاربة الدولية، والسياق الإقليمي المتغير، بهدف استكشاف الاتجاهات المحتملة لترتيبات “اليوم التالي” في غزة، وتقدير انعكاساتها على القرار الفلسطيني وخياراته السياسية والاستراتيجية.

أولاً: كيف تُقرأ مبادرات الوسطاء الدوليين؟

لا يمكن فهم دلالات التصريحات السياسية المرتبطة بقطاع غزة دون إدراك طبيعة منظومة الوساطة الدولية نفسها، إذ إن الوسطاء الفاعلين في الملف الفلسطيني لا يشكلون كتلة متجانسة، بل شبكة متعددة المستويات تختلف فيها الأدوار والدوافع وهوامش الحركة السياسية.

 تعددية الوسطاء واختلاف مواقعهم

تعمل الوساطة في ملف غزة ضمن بنية مركبة يمكن تقسيمها إلى ثلاث دوائر رئيسة:

الوسطاء الإقليميون المباشرون

وفي مقدمتهم مصر وقطر، اللتان تلعبان أدوارًا تشغيلية يومية تتعلق بوقف إطلاق النار، وإدارة التفاهمات الميدانية، وتسهيل الترتيبات الإنسانية.

تستند أدوارهما إلى اعتبارات أمنية وإقليمية مباشرة، حيث ترتبط استقرار غزة بالأمن الإقليمي وحدود الصراع في المنطقة.

2. الوساطة الأممية والدولية متعددة الأطراف

وتمثلها الأمم المتحدة ومبعوثوها، الذين يضطلعون بوظيفة صياغة الأطر السياسية القابلة للتدويل، وتوفير الغطاء الشرعي الدولي لأي ترتيبات طويلة الأمد، إضافة إلى ربط الملفات الإنسانية بالمنظومات التمويلية الدولية.

3.  الولايات المتحدة كوسيط–طرف

تحتل الولايات المتحدة موقعًا مختلفًا نوعيًا؛ فهي ليست وسيطًا تقليديًا بقدر ما تمثل فاعلًا مؤثرًا في صياغة النتائج النهائية للتسويات.

وبينما تقدم نفسها كراعٍ للعملية السياسية، ينظر إليها الفلسطينيون — استنادًا إلى تجارب تفاوضية سابقة ومواقف سياسية معلنة — باعتبارها طرفًا منحازًا إلى الرؤية الإسرائيلية الأمنية، ما يجعل دورها أقرب إلى وسيط ذي مصلحة استراتيجية مباشرة لا وسيطًا محايدًا.

هذا التمايز بين الوسطاء يفرض قراءة دقيقة لأي مبادرة أو تصريح، باعتبارها نتاج توازنات بين هذه المستويات المختلفة، لا تعبيرًا عن موقف دولي موحد.

ثانياً: فرضيات القراءة التحليلية للمبادرات

تنطلق هذه الورقة من ثلاث فرضيات تفسيرية تساعد على فهم مبادرات الوسطاء وسياقاتها:

1. التسويات الدولية تُصاغ غالبًا بعد تعذر الحسم العسكري

عندما تفشل الأطراف في تحقيق أهدافها عبر القوة، تنتقل المنافسة إلى المجال السياسي، حيث تسعى القوى الدولية إلى ترجمة موازين القوة الميدانية إلى ترتيبات طويلة الأمد تمنع تكرار المواجهة وفق تصورها للاستقرار.

2. اللغة الدبلوماسية تحمل مستويات متعددة من المعنى

تميل المبادرات الدولية إلى استخدام مفردات توافقية مثل “الاستقرار”، و”إعادة الإعمار”، و”الضمانات الأمنية”، وهي مصطلحات تبدو تقنية أو إنسانية، لكنها غالبًا تعكس تحولات استراتيجية أعمق تتعلق بإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية للصراع.

3. الوساطة الدولية تعكس توازنات القوة أكثر مما تتجاوزها

رغم الخطاب الرسمي حول الحياد، فإن الوساطة تتحرك ضمن حدود موازين القوى الدولية والإقليمية القائمة، ما يجعلها في كثير من الأحيان آلية لإدارة الصراع وإعادة ضبطه، لا أداة مستقلة لحله جذريًا.

ثالثًا: تصريحات نيكولاي ملادينوف كمؤشر على تشكيل “اليوم التالي” في غزة

تمثل تصريحات نيكولاي ملادينوف، بصفته الحالية ممثلًا ساميًا لقطاع غزة ضمن مجلس السلام، مؤشرًا مهمًا على التحول الجاري في المقاربة الدولية تجاه القطاع؛ إذ لم تعد النقاشات الدولية تقتصر على إدارة تداعيات الحرب أو تثبيت التهدئة، بل اتجهت بصورة متزايدة نحو بلورة تصورات عملية لمرحلة ما بعد الحرب، أو ما يُعرف سياسيًا بـ”اليوم التالي”.

مضمون التصريحات: من إدارة الأزمة إلى تصميم النظام

في مداخلاته وتصريحاته الأخيرة، ركّز ملادينوف على مجموعة من المرتكزات التي تعكس توجّهًا دوليًا آخذًا في التشكل، أبرزها:

ضرورة إنشاء ترتيبات انتقالية ذات طابع إداري–تكنوقراطي قادرة على إدارة الخدمات المدنية بعيدًا عن الاستقطاب السياسي الحاد.

العمل على توحيد الإدارة المدنية والمؤسساتية بين قطاع غزة وبقية الأراضي الفلسطينية لضمان الاستقرار الإداري والمالي.

تطوير آليات رقابة دولية على تدفق الموارد وإدارة المعابر، بما يضمن — وفق الطرح الدولي — عدم توظيف المساعدات في إعادة بناء القدرات العسكرية.

ربط برامج إعادة الإعمار والتمويل الدولي بـ ضمانات أمنية طويلة المدى تحقق ما يُوصف دوليًا بـ”الاستقرار المستدام”.

هذه العناصر، كما وردت في خطاب ملادينوف، تعكس انتقالًا واضحًا من مقاربة “احتواء التصعيد” إلى مقاربة “إعادة هندسة البيئة السياسية والأمنية” في غزة.

دلالات التحول في الخطاب الدولي

تكمن أهمية هذه التصريحات في أنها لا تمثل موقفًا فرديًا بقدر ما تعكس اتجاهًا أوسع داخل الدوائر الدولية الفاعلة، فقد أصبحت مفاهيم مثل:

“الاستقرار المستدام’

“الحوكمة الفعالة”

“منع إعادة التسلح”

“الضمانات الأمنية طويلة الأمد”

جزءًا من خطاب دولي شبه توافقي، بعدما كانت تُطرح سابقًا باعتبارها مطالب إسرائيلية مباشرة، ويشير هذا التحول إلى انتقال تدريجي للرواية الأمنية من إطارها الإسرائيلي الضيق إلى فضاء دولي أوسع، حيث يجري إعادة صياغتها بلغة مؤسساتية ودبلوماسية أكثر قبولًا على المستوى الدولي.

غزة كساحة إعادة تأسيس سياسي

بناءً على ذلك، لم تعد غزة تُناقش في الخطاب الدولي باعتبارها مجرد ساحة حرب أو أزمة إنسانية طارئة، بل كمساحة لإعادة تشكيل ترتيبات الحكم والأمن والاقتصاد في مرحلة ما بعد الحرب، وهذا التحول يحمل دلالتين أساسيتين:

–  يسعى النظام الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، إلى إعادة تصميم بيئة الحكم في غزة بحيث تقلل فرص ظهور أي مقاومة لاحقة للاحتلال الإسرائيلي، وتضمن استقرارًا يتوافق مع مصالح الاحتلال.

– أن ملف إعادة الإعمار أصبح أداة سياسية لإنتاج ترتيبات حكم جديدة، وليس مجرد استجابة إنسانية.

رابعًا: ملف سلاح المقاومة في ترتيبات “اليوم التالي”

يبرز ملف سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية باعتباره النقطة الأكثر حساسية وتعقيدًا ضمن النقاشات الجارية حول ترتيبات “اليوم التالي” في قطاع غزة، إذ تشير المؤشرات الدبلوماسية وتصريحات الوسطاء إلى أن هذا الملف بات يتحول تدريجيًا إلى المحور الناظم لبقية المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية.

ففي المقاربة التي تدفع بها الولايات المتحدة الأمريكية بصورة خاصة، لم يعد موضوع السلاح بندًا تفاوضيًا منفصلًا، بل أصبح شرطًا تأسيسيًا يُربط به التقدم في ملفات إعادة الإعمار، وإدارة القطاع، وفتح المعابر، وترتيبات الحكم المستقبلية.

المقاربة الأمريكية: الأمن أولًا

تعكس المبادرات المطروحة — وفق تصريحات مسؤولين أمريكيين ومداولات دبلوماسية متكررة — تصورًا قائمًا على فرضية مفادها أن أي استقرار طويل المدى في غزة يتطلب معالجة ما يُوصف بـ”البنية العسكرية غير الرسمية”، وبناءً على ذلك، يجري طرح صيغ متعددة تتدرج بين:

نزع السلاح الكامل،

أو تجميد القدرات العسكرية الثقيلة،

أو إخضاع السلاح لآليات رقابة وضمانات دولية.

وتسعى هذه المقاربة إلى دمج الملف الأمني داخل منظومة إعادة الإعمار، بحيث يصبح التمويل الدولي مشروطًا بترتيبات أمنية تمنع عودة المواجهة العسكرية مستقبلاً.

رؤية الوسطاء: بين الواقعية السياسية والضغوط الدولية

مع ذلك، لا يتحرك الوسطاء بوصفهم كتلة واحدة، فبينما تميل واشنطن إلى مقاربة أمنية مباشرة، يظهر في أدوار الوسطاء الإقليميين — خصوصًا مصر وقطر — قدر أكبر من الحذر، انطلاقًا من إدراكهم أن طرح مسألة السلاح كشرط مسبق قد يعرقل أي تقدم سياسي أو إنساني.

وتقوم المقاربة الإقليمية غالبًا على محاولة تأجيل الحسم النهائي للملف أو تفكيكه إلى مراحل تدريجية، لتجنب انهيار المسار التفاوضي برمته.

الموقف الفلسطيني: السلاح كضمانة وجودية

في المقابل، تنظر فصائل المقاومة الفلسطينية إلى هذا الطرح بعين الريبة والشك، وهو موقف عبّرت عنه تصريحات متعددة لقياداتها السياسية والعسكرية خلال الأشهر الماضية، حيث تؤكد تمسكها بالسلاح باعتباره:

– أداة ردع في ظل استمرار الاحتلال،

– وضمانة أمنية في غياب حماية دولية فعلية،

– ووسيلة لمنع تكرار عمليات عسكرية واسعة ضد القطاع.

وتستند هذه الرؤية إلى تجربة تاريخية يعتبرها الفلسطينيون دالة، إذ يرون أن فترات التهدئة أو ضبط القوة لم تمنع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية أو توسع إجراءات السيطرة الميدانية، ما يعزز المخاوف من أن يؤدي نزع السلاح أو إضعافه إلى اختلال كامل في ميزان القوة.

كما تتصاعد مخاوف داخل الأوساط الفلسطينية من أن أي فراغ أمني قد يفتح المجال أمام مجموعات مسلحة محلية أو جهات مدعومة إسرائيليًا لاستغلال المرحلة الانتقالية، بما قد يؤدي إلى فوضى أمنية أو تصفية حسابات داخلية.

السلاح كـ”مربط الفرس” في التسوية المقبلة

تشير المعطيات الحالية إلى أن ملف السلاح لم يعد مجرد قضية أمنية، بل تحول إلى أداة لإعادة تشكيل النظام السياسي في غزة،  فربط إعادة الإعمار والاعتراف السياسي والترتيبات الإدارية بهذا الملف يعني عمليًا أن النقاش يدور حول طبيعة السلطة والقوة السيادية في القطاع مستقبلًا.

ومن هنا، يمكن فهم سبب تحويله إلى العقدة الأكثر تعقيدًا في جهود الوساطة؛ إذ يمثل نقطة تقاطع بين ثلاثة تصورات متعارضة:

– تصور دولي يربط الاستقرار بنزع أو ضبط القوة المسلحة.

– تصور إقليمي يسعى إلى حلول تدريجية تمنع الانفجار السياسي.

– تصور فلسطيني يرى في السلاح عنصر توازن لا يمكن التفريط به قبل إنهاء جذور الصراع.

بناءً على ذلك، لا تبدو أزمة المفاوضات مرتبطة فقط بوقف الحرب، بل بطبيعة النظام الأمني الذي سيحكم غزة لاحقًا، فكل تقدم في ملفات “اليوم التالي” يظل مرهونًا بالإجابة عن سؤال جوهري لم يُحسم بعد:

هل يمكن بناء ترتيبات سياسية مستقرة دون إعادة تعريف معادلة القوة داخل القطاع؟

وحتى الآن، تشير مواقف الأطراف إلى أن هذا السؤال ما يزال مفتوحًا، وأنه سيبقى العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح أو تعثر أي تسوية قادمة.

خامسًا: إعادة تدوير المقاربات السابقة بواجهة دبلوماسية جديدة

عند مقارنة الطرح الحالي المتعلق بترتيبات “اليوم التالي” بالمبادرات التي طُرحت خلال السنوات الماضية، يتضح أن جوهر المقاربة الدولية لم يشهد تحولًا جذريًا بقدر ما خضع لعملية إعادة صياغة سياسية وتسويقية، فقد تكررت معادلة أساسية حكمت معظم المبادرات السابقة، تقوم على الربط بين إعادة الإعمار وإعادة ضبط البيئة الأمنية في قطاع غزة.

غير أن الفارق الرئيس لا يكمن في مضمون الفكرة، بل في آليات تقديمها وإخراجها السياسي.

التحول البنيوي في أدوات الطرح

يمكن رصد ثلاثة تحولات رئيسية في النسخة الحالية من المقاربة الدولية:

– الانتقال من الضغط الأميركي المباشر إلى إطار متعدد الأطراف يمنح المبادرة غطاءً أمميًا ودوليًا أوسع، ويقلل من حساسيتها السياسية.

– تحول اللغة الدبلوماسية من مفاهيم صدامية مثل “نزع السلاح” إلى مصطلحات أكثر مرونة كـ”ضمان الاستقرار” و”الترتيبات الأمنية المستدامة”.

– استبدال الاشتراط السياسي الفوري بالتدرج الإجرائي، بحيث تتحقق الأهداف الأمنية عبر مراحل متراكمة بدل فرضها كشرط مسبق معلن.

هذا التحول يمنح المقاربة ميزتين أساسيتين:

أولاً، خفض الكلفة السياسية لرفضها من قبل الأطراف المحلية؛ وثانيًا، رفع قابلية تسويقها لدى المانحين والمؤسسات الدولية باعتبارها برنامج استقرار طويل الأمد لا تسوية قسرية.

وبذلك تبدو المبادرة الجديدة أقل صدامية في الشكل، رغم احتفاظها بجوهر المقاربات السابقة.

سادسًا: توقيت الطرح في ظل التحولات الدولية

لا يمكن فهم إعادة طرح ملف السلاح بمعزل عن البيئة الدولية الراهنة، إذ يأتي في لحظة تشهد إعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في ظل تصاعد الأزمات الإقليمية والدولية المتزامنة، خصوصًا الحرب على إيران ومسارات الصراع في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، يمكن إضافة فرضية مفادها أن الإدارة الأميركية تبحث عن تحقيق “إنجاز سياسي سريع” في غزة، يعكس قدرة واشنطن على التأثير في مسارات الصراع الفلسطيني، ويُسوّق داخليًا على أنه نجاح في نزع سلاح المقاومة أو الوصول إلى تنازل فلسطيني، وبذلك، تكسب الولايات المتحدة هدفين في آن واحد:

– تحقيق مكسب سياسي يظهر قدرتها على ضبط بيئة المقاومة الفلسطينية، حتى لو كان جزئيًا أو مرحليًا.

– إرسال رسالة تحذيرية غير مباشرة لإيران، مفادها أن هناك ضغوطًا على شبكات المقاومة في محيطها الإقليمي يمكن أن تؤثر على موازين القوة أو تعكس تراجعًا محتملًا في دعم الفصائل.

وقد أفرز هذا السياق عدة آثار غير مباشرة على الملف الفلسطيني:

تراجع مركزية القضية الفلسطينية في الأجندة الإعلامية والسياسية الدولية مقارنة بملفات إقليمية أخرى.

انخفاض مستوى التدقيق السياسي الدولي في التفاصيل الدقيقة للترتيبات المقترحة لغزة.

اتساع المجال أمام مبادرات تدريجية منخفضة الضجيج السياسي بدل المبادرات الكبرى ذات الطابع الصدامي، بحيث يمكن تمرير تغييرات بنيوية في البيئة الأمنية دون مواجهة دبلوماسية مباشرة.

في مثل هذه البيئات، تميل القوى الكبرى إلى تمرير ترتيبات طويلة الأمد عبر خطوات متراكمة، بما يسمح بتحقيق أهداف استراتيجية، وربما رسائل سياسية، دون إثارة صدام مباشر مع الأطراف الفلسطينية أو التصعيد الإقليمي.

سابعًا: السيناريوهات الفلسطينية المحتملة

في ضوء التحولات الجارية في المقاربة الدولية تجاه غزة، ومحادولة الدمفع بــ”ملف سلاح المقاومة” باعتباره محورًا ناظمًا لترتيبات “اليوم التالي”، يمكن رسم مجموعة من السيناريوهات الفلسطينية المحتملة التي ستتحدد ملامحها وفق توازنات ثلاثة عوامل رئيسية: موقف فصائل المقاومة، وطبيعة الضغوط الدولية، ومدى ارتباط الإعمار بالشروط الأمنية.

1. سيناريو التجميد المرحلي

يقوم هذا السيناريو على قبول ترتيبات جزئية أو مؤقتة دون الوصول إلى تسوية نهائية لملف السلاح، وفي إطاره قد تُقبل إجراءات تقنية أو ميدانية محدودة تحت عناوين إنسانية أو إدارية، مثل تنظيم الانتشار أو ضبط الاستخدام العلني، دون المساس بالبنية الاستراتيجية للسلاح.

جاذبية هذا السيناريو تكمن في أنه يتيح لجميع الأطراف ادعاء تحقيق مكاسب جزئية:

الوسطاء يحققون تقدمًا سياسيًا قابلًا للتسويق دوليًا،

– المجتمع الدولي يطلق مسار الإعمار،

– الفصائل تتجنب تقديم تنازل استراتيجي نهائي.

إلا أن هذا المسار يبقي جذور الأزمة قائمة، ويؤجل الصدام بدل حله.

2.  سيناريو الرفض الكامل

يفترض هذا السيناريو تمسك الفصائل الفلسطينية برفض أي ربط بين الإعمار والترتيبات الأمنية المتعلقة بالسلاح، انطلاقًا من اعتبار ذلك مساسًا بحق تعتبره مرتبطًا باستمرار الاحتلال وغياب الضمانات السياسية.

قد يؤدي هذا المسار إلى:

– إبطاء أو تعطيل برامج إعادة الإعمار،

– تصاعد الضغوط السياسية والدبلوماسية على غزة،

– محاولة نقل مسؤولية التعثر إلى الطرف الفلسطيني في الخطاب الدولي.

ورغم كلفته الإنسانية والسياسية، قد يُنظر إليه داخليًا باعتباره خيارًا يحافظ على عناصر الردع ويمنع فرض وقائع استراتيجية طويلة الأمد.

3. سيناريو الانقسام الداخلي

يبرز هذا السيناريو إذا تحوّل ملف السلاح إلى محور تنافس سياسي فلسطيني داخلي، سواء بين القوى السياسية أو داخل البيئة المجتمعية نفسها، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتزايدة.

في هذه الحالة، قد يُستخدم ملف الإعمار بوصفه أداة ضغط لإعادة تشكيل موازين القوة الداخلية، ما يؤدي إلى:

– تصاعد الاستقطاب السياسي،

– إضعاف الموقف التفاوضي الفلسطيني الجماعي،

– منح الوسطاء هامشًا أوسع لفرض ترتيبات جزئية عبر أطراف متعددة بدل شريك فلسطيني موحد.

ويُعد هذا السيناريو من أكثر السيناريوهات خطورة على المدى البعيد، لأنه يعيد إنتاج الأزمة داخل البنية الفلسطينية ذاتها.

4. سيناريو الانفجار وإعادة التصعيد

يفترض هذا السيناريو فشل التوازن الهش بين الضغوط الدولية ومتطلبات الواقع الميداني، بما يؤدي إلى انهيار مسار الترتيبات التدريجية وعودة دورة التصعيد العسكري.

وقد ينشأ ذلك نتيجة أحد العوامل التالية:

– تعثر تنفيذ التفاهمات المرحلية،

– تصاعد الاحتكاكات الميدانية،

– شعور أي طرف بأن الترتيبات الجديدة تقوّض معادلات الردع القائمة.

في هذه الحالة، تتحول ترتيبات “اليوم التالي” من مسار استقرار إلى عامل إضافي لإنتاج جولة صراع جديدة، بما يعيد الأزمة إلى نقطة البداية ولكن في بيئة أكثر هشاشة.

رؤية استشرافية

تشير القراءة المقارنة للسيناريوهات إلى أن المسار الأكثر احتمالًا ليس الحسم السريع، بل إدارة انتقالية طويلة تقوم على تسويات جزئية متراكمة، حيث يُترك ملف السلاح في حالة “تعليق استراتيجي” بين الرفض الكامل والتسوية النهائية.

وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد لا تشهد حلًا جذريًا، بقدر ما ستشهد إعادة تنظيم للصراع بأدوات سياسية واقتصادية جديدة.

الخلاصة والنتائج

تشير القراءة التحليلية لتصريحات نيكولاي ملادينوف والتحركات الدبلوماسية المرافقة لها إلى أن النقاش الدولي حول غزة يشهد انتقالًا تدريجيًا من إدارة تداعيات الحرب إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية لمرحلة ما بعدها، ولا تبدو المبادرات المطروحة منفصلة أو طارئة، بل جزءًا من مسار أوسع يسعى إلى إعادة هندسة ترتيبات غزة ضمن تصور دولي طويل الأمد للاستقرار الإقليمي.

وتكشف الورقة أن جوهر التحول لا يكمن في ظهور خطة جديدة بقدر ما يتمثل في إعادة تدوير مقاربات سابقة ضمن إطار دبلوماسي أكثر مرونة وتعددية، يسمح بطرح أهداف أمنية حساسة عبر أدوات تدريجية أقل صدامًا وأكثر قابلية للتسويق الدولي.

وفي هذا السياق، برز ملف سلاح المقاومة من خلال جعله “العقدة المركزية” التي يجري من خلالها تنظيم بقية ملفات “اليوم التالي”، حيث لم يعد يُناقش كقضية أمنية منفصلة، بل كمتغير حاكم يرتبط بالإعمار، والتمويل الدولي، وإدارة المعابر، وشرعية أي بنية حكم انتقالية محتملة، ويعكس هذا التحول انتقالًا ملحوظًا في الخطاب الدولي من التعامل مع السلاح باعتباره نتيجة للصراع إلى تقديمه باعتباره أحد محددات استمراره.

كما توضح الورقة أن توقيت إعادة طرح هذه المقاربات يرتبط بالسياق الدولي الأوسع، حيث أتاح انشغال القوى الكبرى بأزمات إقليمية أخرى هامشًا لتمرير ترتيبات تدريجية منخفضة الضجيج السياسي، تستهدف تحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد دون اللجوء إلى فرض تسويات صدامية مباشرة.

وانطلاقًا من ذلك، يمكن استخلاص مجموعة من النتائج الرئيسية:

– تصريحات ملادينوف تمثل مؤشرًا مبكرًا على اتجاهات التفكير الدولي تجاه مرحلة ما بعد الحرب في غزة، أكثر مما تمثل مبادرة تفاوضية منفصلة.

– المقاربة الدولية الحالية تقوم على مبدأ التدرج التراكمي، أي تحقيق أهداف استراتيجية عبر خطوات إجرائية متتابعة بدل فرض تسوية نهائية مباشرة.

– الدفع بملف سلاح المقاومة ليصبح الإطار الناظم لبقية الملفات السياسية والإنسانية، ما يحوله إلى نقطة الارتكاز الأساسية في أي ترتيبات مستقبلية.

– الوساطة الدولية تعكس توازنات القوة أكثر مما تعكس حيادًا كاملاً، وهو ما يفسر تقاطع الخطاب الدولي المتزايد مع الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية وإن اختلفت الصياغات الدبلوماسية.

– المرحلة المقبلة مرشحة لأن تكون مرحلة إدارة صراع مُعاد تنظيمه لا مرحلة تسوية نهائية، حيث يُرجّح استمرار الحلول المرحلية والتفاهمات المؤقتة بدل الوصول إلى اتفاق شامل.

– مستقبل غزة السياسي بات مرتبطًا بشكل متزايد بالسياق الإقليمي الأوسع، ما يجعل أي ترتيبات داخلية جزءًا من معادلات توازن إقليمي تتجاوز الساحة الفلسطينية نفسها.

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن الصراع الدائر حول سلاح المقاومة لا يتعلق فقط بطبيعته العسكرية، بل يدور في جوهره حول من يملك حق تعريف شكل النظام السياسي والأمني في غزة بعد الحرب، ومن يحدد موقعها داخل التوازنات الإقليمية المقبلة.

التــوصيــــات

في ضوء التحولات الجارية في المقاربة الدولية تجاه غزة، وما تشير إليه المؤشرات من محاولة ربط إعادة الإعمار بترتيبات أمنية طويلة الأمد، توصي الورقة بما يلي:

أولاً: على مستوى الموقف السياسي والتفاوضي

1. رفض تحويل ملف السلاح إلى شرط مسبق شامل مع الاستعداد لمناقشة ترتيبات تهدئة ميدانية مؤقتة لا تمس جوهر معادلة الردع، بما يمنع تثبيت سابقة سياسية يصعب التراجع عنها لاحقًا.

2. اعتماد مقاربة “الفصل المرحلي للملفات” عبر الإصرار على فصل المسار الإنساني والإغاثي عن الترتيبات السياسية والأمنية، ومنع استخدام الاحتياجات الإنسانية كأداة ضغط تفاوضي.

3. توحيد الخطاب الفلسطيني الرسمي والفصائلي تجاه مبادرات الوسطاء لأن التباين العلني يمنح الوسطاء القدرة على إدارة التفاوض عبر أطراف متعددة بدل شريك فلسطيني موحد.

ثانياً: على مستوى إدارة العلاقة مع الوسطاء الدوليين

4. التعامل مع الوسطاء بوصفهم أطرافًا ذات مصالح مختلفة لا كتلة واحدة عبر: توسيع هامش العمل مع الوسطاء الأقل انخراطًا في المقاربة الأمنية، تقليل الاعتماد السياسي على وسيط واحد في الملفات الحساسة، ونقل النقاش الدولي من “السلاح” إلى “إنهاء أسباب الصراع” من خلال إعادة ربط أي نقاش أمني بملفات الاحتلال، والحصار، وحرية الحركة، بما يعيد التوازن إلى الإطار التفاوضي.

5. المطالبة بضمانات سياسية متبادلة قبل أي ترتيبات أمنية بحيث لا تكون الالتزامات الفلسطينية أحادية الجانب أو مفتوحة زمنيًا دون مقابل واضح.

ثالثاً: على مستوى إدارة مرحلة “اليوم التالي”

6. بلورة رؤية فلسطينية مكتوبة ومعلنة لإدارة غزة بعد الحرب لأن الفراغ التصوري الفلسطيني يسمح بفرض تصورات خارجية جاهزة.

7. تعزيز دور المؤسسات المدنية الفلسطينية في ترتيبات الإعمار لتقليل فرص تدويل الإدارة المدنية بصورة تنتقص من القرار الوطني.

8. منع تحويل إعادة الإعمار إلى آلية رقابة سياسية طويلة الأمد عبر المطالبة بهياكل تمويل شفافة لكنها غير مشروطة بتغييرات سياسية جوهرية.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-أبريل 2026

شارك:

المزيد من المقالات

الاقتصاد الإغاثي في غزة: كيف تهدد العقوبات الأمريكية تماسك البنية الاجتماعية؟

جاء القرار امتدادا لخطوة مماثلة اتخذتها وزارة الخزانة الأمريكية في 21 من يناير 2026، حينما صنفت ست جمعيات خيرية فلسطينية، في سياق اتهامات مماثلة بتوجيه دعمها المالي للفصائل الفلسطينية وتحديدا حركة حماس