قراءة تحليلية في تقديرات مراكز البحث والإعلام العبري حول سيناريوهات إنهاء الحرب وتداعياتها الإقليمية
دراسة تحليلية في الشأن الإسرائيلي–المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي تستند هذه الورقة إلى قراءة إسرائيلية لانعكاسات الحرب على إيران على الأمن الإسرائيلي والإقليمي، مستندة إلى تقديرات مراكز الأبحاث وتصريحات القادة العسكريين، وتشير التقديرات إلى مفارقة جوهرية: السعي للنصر العسكري قد يتحول إلى مأزق استراتيجي إذا لم يصاحبه إطار سياسي وإقليمي واضح، وتعرض ثلاثة سيناريوهات طرحها مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي: المعقول (تفاهمات محدودة)، المفضل (تسوية شاملة)، والخطر (استنزاف طويل وفوضى إقليمية). وتسلط الضوء على تحذيرات قائد أركان الجيش، إيال زامير على أزمة القوى البشرية واحتمال انهيار الجيش داخليًا إذا استمر تراجع التجنيد والاحتياط، وأن النصر العسكري الشكلي قد يحقق إنجازات مؤقتة لكنه يترك تهديدات طويلة الأمد قائمة، بما في ذلك قوة حلفاء إيران وتوسع النفوذ الإقليمي. تؤكد الورقة أن قدرة الكيان الإسرائيلي على إدارة الصراع طويل الأمد واستثمار الإنجازات العسكرية تعتمد على إنتاج نهاية سياسية قابلة للتحقق، ومن هذا المنظور، تصبح التسوية السياسية والاستراتيجية الإقليمية العامل الحاسم لتحويل الإنجاز العسكري إلى استقرار مستدام. |
مقدمــــة
لم تعد الحرب على إيران تُقاس فقط بنتائجها العسكرية المباشرة، بل باتت اختبارًا لقدرة الكيان الإسرائيلي على إدارة صراعات طويلة الأمد متعددة الأبعاد، والتوازن بين القوة العسكرية والسياسية والاستراتيجية في المنطقة، وقد برز داخل الكيان نقاش واسع وغير مسبوق حول مدى جدوى استمرار الحرب، ومدى قدرتها على تحقيق أهداف ملموسة دون أن تتحول الإنجازات الميدانية إلى عبء استراتيجي داخلي.
تستند هذه الورقة إلى قراءة إسرائيلية صرفة تعتمد على تقديرات مراكز الأبحاث الأمنية، وتصريحات القادة العسكريين، والمواقف السياسية، بهدف تحليل كيفية تقييم الكيان الإسرائيلي لمآلات الحرب على إيران.
ومن الطبيعي أن تغلب في هذه القراءة المقاربات الإسرائيلية، ليس بوصفها تبنيًا للأحداث، بل كمادة تحليلية تكشف إدراك الخصم لمخاطر المرحلة وحدود قوته.
وتكشف هذه التقديرات عن مفارقة مركزية: فبينما تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى تحقيق إنجاز عسكري حاسم، تشير التقديرات نفسها إلى أن أي “نصر شكلي” غير مدعوم بصيغة سياسية أو إقليمية قد يؤدي إلى استنزاف طويل الأمد، وتآكل الردع، وخلق بيئة تهديدات مستمرة.
وتمثل هذه المفارقة الجوهر الاستراتيجي للورقة : النصر العسكري قد يتحول إلى مأزق إذا لم يكن متبوعًا بإطار سياسي واستراتيجي قادر على تثبيت النتائج وتحقيق استقرار إقليمي.
وتركز الورقة على الإجابة عن سؤال رئيسي: كيف ترى المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية نهاية الحرب على إيران، وما السيناريوهات المحتملة والمفضلة والخطرة وفق القراءة الداخلية نفسها، وما تداعيات ذلك على الأمن الإسرائيلي والقدرة على إدارة الحرب الاستراتيجية في المنطقة؟
البحث عن صيغة لإنهاء الحرب: مأزق “الأمن المطلق” في التفكير الإسرائيلي
تشير التقديرات الصادرة عن الأوساط البحثية والأمنية الإسرائيلية إلى أن المعضلة الأساسية التي تواجه الكيان الإسرائيلي في الحرب على إيران لم تعد عسكرية بقدر ما أصبحت مشكلة تعريف للنهاية السياسية للحرب، فمع دخول العمليات مرحلة الاستنزاف، بدأ النقاش داخل مراكز التفكير الإسرائيلية يتحول من سؤال: كيف ننتصر؟ إلى سؤال أكثر إلحاحًا: كيف نُنهي الحرب دون أن يبدو ذلك هزيمة؟
في هذا السياق، نشر مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) تقديرًا ضمن سلسلة “نظرة عليا”، ركّز على ضرورة البحث عن صيغة مقبولة لإنهاء الحرب دون انتظار انقلاب ميزان القوى ضد إيران، في إشارة واضحة إلى إدراك متزايد داخل المؤسسة الأمنية بأن استمرار الحرب لا يضمن تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
يرى الباحث البارز في المركز، أودي ديكل —الرئيس الأسبق لشعبة الأبحاث الاستراتيجية في الجيش الإسرائيلي — أن “إسرائيل” ما تزال أسيرة ما يسميه “نظرية الأمن المطلق “التي تعززت بعد أحداث 7 أكتوبر، وهي نظرية تعيد تعريف الأمن باعتباره إزالة كاملة للتهديدات وليس إدارتها.
ويقول ديكل:
“إذا ما واصلنا تعريف الأمن على أنه إزالة مطلقة لأي تهديد من مراحله الأولى وحتى المراحل المتقدمة، دون خلق تعريفات ثانوية قابلة للتحقق، فسيتم اعتبار أي نتيجة غير النصر المطلق فشلاً، وأي تسوية جزئية ستكون بمثابة استسلام، وكل إنجاز جزئي كفشل.”
تعكس هذه المقاربة — وفق القراءة الإسرائيلية ذاتها — تحوّلًا عميقًا في الثقافة الاستراتيجية الإسرائيلية؛ إذ لم يعد الهدف تحقيق ردع مستقر، بل القضاء النهائي على مصادر التهديد، وهو هدف يراه عدد متزايد من الباحثين الإسرائيليين غير قابل للتحقق عمليًا في بيئة إقليمية مركبة.
فخّان استراتيجيان: كيف تحوّل مفهوم النصر إلى عبء؟
يشير تقرير المركز إلى أن تبني مفهوم “الأمن المطلق” أدخل الكيان الإسرائيلي في فخين متلازمين:
1. غياب صيغة تسوية قابلة للاستدامة
استمرار العمليات العسكرية دون بلورة إطار سياسي نهائي يعني أن أي وقف لإطلاق النار سيكون مجرد هدنة مؤقتة، ما يترك الباب مفتوحًا لجولات صراع لاحقة.
وتعكس هذه الفكرة نقاشًا متزايدًا في الإعلام العبري خلال الأسابيع الأخيرة، حيث حذّر محللون عسكريون من أن “الإنجازات العملياتية لا تتحول تلقائيًا إلى مكاسب استراتيجية”، في إشارة إلى التجربة الإسرائيلية في غزة ولبنان سابقًا.
2. الانزلاق نحو حرب استنزاف طويلة
في غياب “نقطة خروج” سياسية واضحة، تتحول الضربات العسكرية تدريجيًا إلى نمط استنزافي يضغط على الاقتصاد والجيش والمجتمع الإسرائيلي في آن واحد.
وقد عبّر عدد من المعلقين العسكريين في الصحافة العبرية عن مخاوف متزايدة من أن الكيان الإسرائيلي بدأ يدخل نموذج “الحرب المفتوحة بلا نهاية محددة”، وهو النموذج الذي حاولت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تاريخيًا تجنبه.
البحث عن مخرج إقليمي للحرب
لا يطرح التقرير إنهاء الحرب باعتباره قرارًا إسرائيليًا منفردًا، بل كعملية إقليمية مركبة، إذ يرى أن تحويل الإنجاز العسكري إلى نتيجة استراتيجية يتطلب إنشاء منظومة تعاون بين الولايات المتحدة ودول عربية توصف إسرائيليًا بـ”المعتدلة”.
ويحدد التقرير أربعة أهداف مركزية لهذه المنظومة:
- إضعاف ما يصفه الكيان الإسرائيلي بـ”المعسكر المتطرف” في الإقليم.
- التقليص الجوهري للخطر الإيراني طويل المدى.
- ضمان استمرار التواجد العسكري الأمريكي باعتباره عنصر ردع مركزي.
- توسيع شبكات التعاون الأمني الإقليمي بقيادة واشنطن.
دلالات أعمق: اعتراف إسرائيلي بحدود القوة العسكرية
تكشف هذه الطروحات، عند قراءتها مجتمعة، عن تحول مهم داخل التفكير الأمني الإسرائيلي، يتمثل في ثلاث دلالات استراتيجية رئيسية:
أولاً: انتقال الأزمة من ساحة المعركة إلى تعريف النصر
النقاش الإسرائيلي لم يعد يدور حول القدرة على إلحاق الضرر بإيران، بل حول العجز عن تحويل هذا الضرر إلى واقع سياسي دائم، ما يعكس فجوة متزايدة بين التفوق العسكري والنتائج الاستراتيجية.
ثانيًا: تآكل نموذج الحسم السريع
لطالما قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على حروب قصيرة وحاسمة. أما النقاش الحالي فيشير إلى اعتراف ضمني بأن الكيان الإسرائيلي يواجه خصمًا إقليميًا لا يمكن إخضاعه عبر الضربات العسكرية وحدها.
ثالثًا: الاعتماد المتزايد على البعد الإقليمي والدولي
إصرار مراكز التفكير الإسرائيلية على الدور الأمريكي والتحالفات الإقليمية يعكس إدراكًا بأن الكيان الإسرائيلي لم بعد قادرًا بشكل منفرد على صياغة نهاية الحرب، وهو تطور يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز الحرب الحالية نفسها.
السيناريوهات المحتملة لنهاية الحرب: كيف يرى الكيان الإسرائيلي مستقبل الصراع؟
في إطار محاولات المؤسسة البحثية والأمنية الإسرائيلية استشراف مآلات الحرب، طرح تقرير مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي ثلاثة سيناريوهات رئيسية لنهاية الحرب على إيران.
ولا تعكس هذه السيناريوهات مجرد احتمالات عسكرية، بل تمثل — وفق القراءة الإسرائيلية — مستويات مختلفة من النجاح أو الفشل الاستراتيجي للكيان الإسرائيلي في ترجمة القوة العسكرية إلى واقع سياسي مستقر.
ويكشف تصنيف السيناريوهات بحد ذاته عن تحوّل لافت في التفكير الإسرائيلي؛ إذ لم يعد الحديث يدور حول “النصر” و”الهزيمة”، بل حول إدارة المخاطر وتقليل الخسائر الاستراتيجية طويلة المدى.
أولاً: السيناريو المعقول — نهاية الحرب دون حسم
يطرح التقرير ما يسميه “السيناريو المعقول”، وهو الأكثر واقعية من وجهة نظر الباحثين الإسرائيليين، ويقوم على تفاهمات غير مباشرة بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني، تشمل:
- وقف العمليات العسكرية.
- ضمان فتح مضيق هرمز واستمرار حرية الملاحة البحرية.
- استئناف المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية.
وفق هذا التصور، لن تنتهي الحرب بحسم واضح، بل ستنتقل إلى مرحلة صراع طويل منخفض الحدة يهدف إلى منع إيران من إعادة بناء قدراتها بسرعة.
ويشير التقرير إلى أن إيران في هذا السيناريو ستكون “أضعف لكنها غير مهزومة”، أي قادرة على مواصلة دعم حلفائها الإقليميين بدرجات متفاوتة.
الدلالة الاستراتيجية
هذا السيناريو يعكس اعترافًا إسرائيليًا ضمنيًا بأن القضاء الكامل على القدرات الإيرانية هدف غير واقعي، وأن أقصى ما يمكن تحقيقه هو إدارة التهديد وليس إنهاؤه.
وقد تكرر هذا التقدير في تحليلات عسكرية عبر الإعلام العبري مؤخرًا، حيث جرى التأكيد على أن “الإنجاز الحقيقي سيكون تأجيل الخطر الإيراني لسنوات، لا إزالته نهائيًا”.
بمعنى آخر، يتحول مفهوم النصر الإسرائيلي هنا من الحسم إلى شراء الوقت الاستراتيجي.
ثانيًا: السيناريو المفضل — تسوية مُقننة للتهديد الإيراني
أما السيناريو الذي يصفه التقرير بـ”المفضل”، فيقوم على إنهاء متفق عليه للحرب ضمن تسوية إقليمية ودولية أوسع تشمل:
- منظومة رقابة صارمة على البرنامج النووي الإيراني.
- آليات متابعة حقيقية لبرنامج الصواريخ.
- ترتيبات لضمان أمن الملاحة والطاقة في المنطقة.
ويفترض هذا السيناريو وجود دور قيادي أمريكي فاعل، إلى جانب مشاركة إقليمية في ترتيبات الأمن الجماعي.
الدلالة الاستراتيجية
يكشف هذا السيناريو عن تصور إسرائيلي يعتبر أن الأمن الإسرائيلي لم يعد قابلًا للتحقق عبر القوة العسكرية فقط، بل عبر هندسة نظام أمني إقليمي تشارك فيه أطراف متعددة.
وهذا يعكس تحولًا مهمًا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية من نموذج “الاعتماد على الذات” إلى نموذج الأمن الشبكي القائم على التحالفات.
غير أن توصيف التقرير لهذا السيناريو باعتباره “مفضلًا” وليس “مرجحًا” يشير ضمنيًا إلى إدراك إسرائيلي لصعوبة تحقيقه، بسبب تعقيدات التفاهم مع إيران وتباين المصالح الدولية.
ثالثًا: السيناريو الخطر — الاستنزاف والفوضى الإقليمية
يحذر التقرير من سيناريو يعتبره الأخطر على الأمن الإسرائيلي، يتمثل في استمرار الحرب ضمن نمط استنزافي طويل يؤدي إلى تداعيات إقليمية واسعة، منها:
- المس باستقرار أسواق الطاقة وخطوط الإمداد العالمية.
- موجات هجرة محتملة من إيران نتيجة التدهور الاقتصادي والأمني.
- انتقال السلاح والتقنيات العسكرية إلى حلفاء إيران في المنطقة.
- تصاعد التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ، بما يشمل تركيا والكيان الإسرائيلي ودولًا عربية وقوى دولية أخرى.
الدلالة الاستراتيجية
لا ينبع الخطر في هذا السيناريو من قوة إيران، بل من تفكك البيئة الإقليمية المحيطة بالكيان الإسرائيلي.
فالفوضى الإقليمية — وفق القراءة الإسرائيلية — تخلق تهديدات متعددة ومتزامنة يصعب على الجيش الإسرائيلي التعامل معها في وقت واحد.
وقد حذّر محللون في الصحافة العبرية خلال الفترة الأخيرة من أن “أسوأ نتيجة للحرب ليست هزيمة إسرائيل، بل فقدان الاستقرار الإقليمي الذي تعتمد عليه قوتها الردعية والاقتصادية”.
قراءة تحليلية جامعة: ما الذي تكشفه السيناريوهات الثلاثة؟
عند قراءة السيناريوهات مجتمعة، تظهر ثلاث خلاصات عميقة في التفكير الإسرائيلي:
1. غياب سيناريو النصر الحاسم
لا يتضمن أي سيناريو احتمال القضاء النهائي على التهديد الإيراني، وهو ما يعكس تحولًا جوهريًا في تقييم الكيان الإسرائيلي لقدراته وحدود القوة العسكرية.
2. الخوف من الزمن أكثر من الخوف من إيران
التهديد المركزي في السيناريوهات ليس الضربة الإيرانية المباشرة، بل الاستنزاف طويل المدى الذي يضغط على الجيش والاقتصاد والمجتمع الإسرائيلي.
3. انتقال مركز الثقل من الميدان إلى السياسة
تُظهر السيناريوهات أن نتيجة الحرب ستُحسم سياسيًا ودبلوماسيًا أكثر مما تُحسم عسكريًا، وهو اعتراف نادر نسبيًا داخل الخطاب الأمني الإسرائيلي التقليدي.
تكشف السيناريوهات التي طرحتها مراكز التفكير الإسرائيلية أن التحدي الحقيقي أمام الكيان الإسرائيلي لا يكمن في كيفية مواصلة الحرب، بل في كيفية منع تحوّلها إلى صراع مفتوح بلا نهاية.
وبينما يمثل السيناريو المفضل محاولة لإعادة هندسة البيئة الإقليمية، يبقى السيناريو المعقول أقرب للواقع، في حين يشكل سيناريو الاستنزاف التهديد الأكثر إثارة للقلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
النصر الرمزي والفشل الاستراتيجي: معضلة الإنجاز العسكري غير المكتمل
يحذر تقرير مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي من سيناريو تعتبره الأوساط الأمنية الإسرائيلية الأخطر على المدى البعيد، يتمثل في تحقيق إنجاز عسكري ملموس ضد إيران دون نجاح موازٍ في بناء تسوية سياسية أو منظومة إقليمية تمنع إعادة تشكل التهديد.
ويشير التقرير إلى أن التفوق العسكري، في غياب إطار سياسي منظم لنهاية الحرب، قد يتحول من عنصر قوة إلى عامل عدم استقرار طويل الأمد.
وجاء في تقدير التقرير:
“حتى إذا ألحقنا الضرر العسكري الكبير بإيران، فإن غياب منظومة تمنع ترميم قدراتها سيحوّل الشرق الأوسط إلى منطقة خطرة، مع استمرار قوة حلفاء إيران مثل حزب الله وحماس، وتوسع النفوذ التركي، وتعطيل حركة الملاحة البحرية بواسطة الحوثيين.”
تعكس هذه العبارة — وفق القراءة الإسرائيلية — إدراكًا متزايدًا داخل المؤسسة الأمنية بأن الحرب قد تنتج نصرًا عملياتيًا قصير المدى مقابل خسارة استراتيجية مؤجلة.
من الحسم العسكري إلى مأزق ما بعد الحرب
لطالما قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على فرضية مركزية مفادها أن الضربات العسكرية المكثفة قادرة على خلق واقع سياسي جديد، إلا أن النقاش الحالي داخل مراكز التفكير الإسرائيلية يشير إلى تآكل هذه الفرضية، خاصة بعد تجارب متراكمة في غزة ولبنان، حيث لم تؤدِّ النجاحات العسكرية إلى إنهاء مصادر التهديد.
في هذا السياق، يميز التقرير بين نوعين من النتائج:
نصر تكتيكي أو رمزي: يتمثل في إلحاق ضرر كبير بالبنية العسكرية للخصم.
نجاح استراتيجي حقيقي: يقوم على منع الخصم من إعادة بناء قوته ضمن بيئة سياسية وأمنية جديدة.
ويرى الباحثون الإسرائيليون أن الخطر يكمن في الخلط بين المستويين، إذ قد يؤدي الإعلان عن “النصر” عسكريًا إلى تجاهل الحاجة لبناء ترتيبات سياسية طويلة المدى.
بيئة إقليمية أكثر خطورة رغم الضربات العسكرية
وفق القراءة الإسرائيلية، فإن غياب التسوية بعد الحرب قد ينتج سلسلة من التداعيات المتزامنة:
- بقاء حلفاء إيران فاعلين عسكريًا وإن بدرجات متفاوتة.
- استمرار التهديدات غير المباشرة للملاحة الدولية، خاصة في البحر الأحمر.
- اتساع المنافسة الإقليمية على النفوذ، بما يشمل الدور التركي المتنامي.
- زيادة عدد بؤر الاحتكاك بدلاً من تقليصها.
وقد حذر معلقون عسكريون في الإعلام العبري مؤخرًا من أن “تفكيك محور لا يعني اختفاءه، بل إعادة تشكله بأشكال أقل مركزية وأكثر صعوبة في الردع”، وهو ما يعكس قلقًا متزايدًا من انتقال التهديد من نموذج واضح إلى شبكة تهديدات موزعة.
الدلالة الأعمق: اعتراف بحدود القوة الإسرائيلية
يكشف مفهوم “النصر الرمزي” عن تحول مهم في التفكير الأمني الإسرائيلي، يتمثل في الاعتراف الضمني بثلاث حقائق:
أولاً: القوة العسكرية لا تنتج نظامًا سياسيًا تلقائيًا
الضربات قد تخلق فرصة سياسية، لكنها لا تضمن استثمارها دون استراتيجية إقليمية متكاملة.
ثانيًا: الخطر الحقيقي هو عودة التهديد بشكل أكثر تعقيدًا
إضعاف الخصم قد يدفعه إلى العمل بأساليب غير متماثلة يصعب ردعها مقارنة بالمواجهة التقليدية.
ثالثًا: الزمن أصبح عامل تهديد بحد ذاته
كلما طالت الفترة بين الإنجاز العسكري والتسوية السياسية، ازدادت احتمالات فقدان نتائج الحرب.
لماذا يُعد هذا السيناريو الأسوأ إسرائيليًا؟
لا ترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن الخطر الأكبر يتمثل في خسارة الحرب عسكريًا، بل في تحقيق انتصار محدود يُنتج شعورًا زائفًا بالأمان، بينما تستمر مصادر التهديد بالتشكل تدريجيًا.
ففي هذا السيناريو:
- تتحقق إنجازات عسكرية آنية.
- يُعلن النصر سياسيًا وإعلاميًا.
- لكن البيئة الاستراتيجية تصبح أكثر هشاشة وتعقيدًا على المدى الطويل.
وهذا ما يجعل — وفق تقديرات التقرير — “الفشل الاستراتيجي المؤجل” أخطر من الهزيمة المباشرة.
تحذيرات زامير من انهيار الجيش: أزمة القوى البشرية كتهديد للأمن الإسرائيلي
في موازاة النقاشات البحثية حول مآلات الحرب، برزت تحذيرات غير مسبوقة صادرة عن المستوى العسكري الأعلى في الكيان الإسرائيلي، عكست حجم القلق داخل المؤسسة الأمنية من تداعيات الحرب الممتدة على بنية الجيش ذاته.
فقد أطلق قائد أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، سلسلة تحذيرات علنية ومسرّبة خلال اجتماعات حكومية وأمنية، ركزت على التآكل المتسارع في القوى البشرية للجيش نتيجة استمرار تعدد الجبهات وطول أمد العمليات العسكرية.
وقال زامير، وفق تسريبات نقلتها وسائل إعلام عبرية:
“الجيش سينهار داخليًا إذا لم يتم تدارك الأمر، خاصة مع عدم تمرير قانون التجنيد، وعدم تعديل نظام الاحتياط، وعدم تمديد فترة الخدمة الإلزامية.”
تعكس هذه العبارة — في السياق الإسرائيلي — مستوى مرتفعًا من الإنذار المؤسسي، إذ نادرًا ما يستخدم رئيس الأركان مصطلح “الانهيار” لوصف وضع داخلي قائم، وليس تهديدًا مستقبليًا فقط.
الحرب الممتدة واستنزاف المورد الأهم: الإنسان
تشير التحذيرات إلى أن المشكلة لم تعد مرتبطة بنقص السلاح أو التمويل، بل بتراجع القدرة البشرية على تحمّل عبء الحرب طويلة الأمد.
ويواجه الجيش الإسرائيلي عدة تحديات متزامنة:
- ارتفاع الاعتماد على قوات الاحتياط لفترات غير مسبوقة.
- تراجع الدافعية للخدمة الطويلة داخل المجتمع الإسرائيلي.
- استمرار إعفاء فئات دينية واسعة من التجنيد.
- الضغط النفسي والاقتصادي المتزايد على الجنود الاحتياط وعائلاتهم.
وقد حذّر محللون عسكريون في الإعلام العبري خلال الأسابيع الأخيرة من أن الجيش “مصمم لحروب قصيرة وحاسمة، لا لحروب استنزاف متعددة الجبهات”، وهو ما يفسر تصاعد التحذيرات من داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
أزمة التجنيد تتحول إلى أزمة أمن قومي
أثارت تصريحات زامير ردود فعل سياسية حادة داخل الكيان الإسرائيلي، ما يعكس انتقال القضية من نقاش عسكري مهني إلى صراع سياسي داخلي حول مستقبل نموذج الخدمة العسكرية.
فقد اتهم رئيس حزب “يسرائيل بيتينو”، أفيغدور ليبرمان، رئيس الحكومة بالتواطؤ مع الأحزاب الدينية للحفاظ على إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، معتبرًا أن ذلك “يضر مباشرة بأمن إسرائيل”.
في المقابل، وصف وزير الجيش الأسبق بيني غانتس تصريحات زامير بأنها:
“لائحة اتهام ضد الحكومة أثناء الحرب.”
وتكشف حدة هذه الردود عن إدراك سياسي متزايد بأن أزمة القوى البشرية لم تعد قضية تنظيمية، بل تهديدًا مباشرًا لقدرة الكيان الإسرائيلي على إدارة حرب طويلة.
الدلالة الاستراتيجية: تآكل نموذج الجيش الإسرائيلي
تُظهر تحذيرات رئيس الأركان تحولًا أعمق يتعلق بطبيعة الجيش الإسرائيلي نفسه، فمنذ تأسيسه، اعتمد الجيش على نموذج “جيش الشعب” القائم على التجنيد الواسع والاحتياط الكبير القادر على التعبئة السريعة.
غير أن الحرب الحالية — وفق القراءة الإسرائيلية — كشفت هشاشة هذا النموذج أمام ثلاثة متغيرات:
- الاستقطاب الاجتماعي والسياسي الداخلي الذي يضعف الإجماع حول الخدمة العسكرية.
- تعدد الجبهات القتالية بما يتجاوز قدرة نظام الاحتياط التقليدي.
- تحول الحروب إلى صراعات طويلة منخفضة الحسم بدل المواجهات القصيرة.
وبذلك، لم تعد الأزمة مجرد نقص جنود، بل مؤشرًا على تآكل أحد أعمدة الأمن القومي الإسرائيلي.
الرابط مع مسار الحرب على إيران
تكتسب تحذيرات زامير أهمية خاصة في سياق الحرب على إيران، لأنها تقدم دليلًا عمليًا على ما حذرت منه مراكز التفكير الإسرائيلية سابقًا: أن خطر الحرب لا يكمن فقط في نتائجها العسكرية، بل في تأثيرها التراكمي على قدرة الكيان الإسرائيلي الذاتية على الاستمرار.
فبينما يسعى الكيان لتحقيق إنجازات استراتيجية خارج حدوده، تشير التحذيرات العسكرية إلى أن استمرار الحرب قد ينتج تهديدًا داخليًا لبنية الجيش نفسها.
الخلاصة: حرب بلا نهاية واضحة وأمن إسرائيلي أكثر هشاشة
تكشف القراءة الإسرائيلية لانعكاسات الحرب على إيران عن مفارقة استراتيجية متصاعدة داخل التفكير الأمني الإسرائيلي؛ إذ تشير تقديرات مراكز الأبحاث، وتصريحات القادة العسكريين، والنقاشات السياسية الداخلية، إلى فجوة متزايدة بين القدرة العسكرية الإسرائيلية وبين القدرة على تحويل هذه القوة إلى استقرار استراتيجي دائم.
ففي الوقت الذي تستند فيه الحرب إلى مفهوم “الأمن المطلق” والسعي لإزالة التهديدات جذريًا، تحذر النخب الأمنية الإسرائيلية نفسها من أن هذا التعريف يدفع الحكومة الإسرائيلية نحو حروب مفتوحة بلا نقطة خروج واضحة، الأمر الذي يزيد احتمالات التحول إلى حرب استنزاف طويلة بدل تحقيق حسم استراتيجي.
وتُظهر السيناريوهات التي ناقشتها مراكز التفكير الإسرائيلية أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في نتائج المعركة العسكرية بحد ذاتها، بل في غياب صيغة سياسية وإقليمية قادرة على تثبيت تلك النتائج. فالنصر العسكري، وفق هذه القراءة، قد يتحول إلى “نصر رمزي” إذا لم يمنع إعادة تشكل مصادر التهديد، وهو ما قد يفضي إلى بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا وخطورة رغم حجم الضربات العسكرية.
وفي هذا السياق، تأتي تحذيرات رئيس الأركان الإسرائيلي من خطر “انهيار الجيش داخليًا” لتشكل مؤشرًا عمليًا على أن تداعيات الحرب لم تعد خارجية فقط، بل بدأت تمس البنية الداخلية للأمن الإسرائيلي نفسه، خاصة في ظل أزمة القوى البشرية وتآكل قدرة نموذج “جيش الشعب” على تحمّل حروب طويلة متعددة الجبهات.
وبذلك، لا تعكس التحذيرات الإسرائيلية قلقًا من قوة الخصم بقدر ما تعكس قلقًا من حدود القوة الذاتية، ومن قدرة الكيان الإسرائيلي على الاستمرار في إدارة صراعات ممتدة دون استنزاف عناصر قوته الداخلية العسكرية والاجتماعية والاقتصادية.
تشير مجمل هذه المعطيات إلى أن الخطر الذي تخشاه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا يكمن في خسارة الحرب عسكريًا، بل في نجاح عسكري جزئي يقود إلى استنزاف طويل الأمد، حيث تتحقق إنجازات عملياتية آنية مقابل تراجع تدريجي في البيئة الأمنية والاستراتيجية المحيطة بالكيان الإسرائيلي.
وعليه، يمكن القول إن القراءة الإسرائيلية نفسها تخلص إلى أن مستقبل الأمن الإسرائيلي في ظل الحرب على إيران لن يتحدد فقط بنتائج الضربات العسكرية، بل بقدرة القيادة السياسية على إنتاج نهاية سياسية للحرب تمنع تحول الإنجاز العسكري إلى عبء استراتيجي مستدام.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-أبريل 2026



