الاقتصاد الإغاثي في غزة: كيف تهدد العقوبات الأمريكية تماسك البنية الاجتماعية؟

أ. خالد أبو عامر
خاص بالمركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
تحلل هذه الورقة تصاعد قرارات وزارة الخزانة الأمريكية بتصنيف جمعيات إغاثية عاملة في قطاع غزة ضمن قوائم دعم “الإرهاب”، وتبحث آثارها الاقتصادية والاجتماعية على بنية المجتمع في القطاع، وتشير الورقة أن هذه الإجراءات ستؤدي إلى انقطاع التمويل عن الجمعيات المشمولة بالقرار الأمريكي، وتراجع النشاط الاقتصادي المرتبط بالمساعدات، بما يشمل سلاسل التوزيع والتوظيف المباشر وغير المباشر، وتوفر المواد الغذائية والطبية ومواد الإيواء، وتزداد خطورة هذه التداعيات في ظل اعتماد غالبية السكان، وتحديدا الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع كالأيتام والأرامل، على المساعدات كمصدر رئيسي للبقاء، إذ يؤدي تعطل العمل الإغاثي لتراجع القدرة الشرائية، وتفاقم مؤشرات الفقر والبطالة، ونقص الغذاء والخدمات الأساسية، ما يعمق الأزمة الإنسانية ويضعف شبكة الأمان الاجتماعي المتبقية في القطاع.

أولا: المقدمة

صنف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأميركية، في 12 من مارس 2026، أربع منظمات إغاثية إنسانية دولية تعمل في قطاع غزة، ضمن قوائم ما تصفه بدعم “الإرهاب”.[1]

جاء القرار امتدادا لخطوة مماثلة اتخذتها وزارة الخزانة الأمريكية في 21 من يناير 2026، حينما صنفت ست جمعيات خيرية فلسطينية، في سياق اتهامات مماثلة بتوجيه دعمها المالي للفصائل الفلسطينية وتحديدا حركة حماس.[2]

وبين القرارين تتضح ملامح سياسة أمريكية ممنهجة لا تستهدف كيانات بعينها بقدر ما تضيق الخناق على الفضاء الإغاثي بأكمله، في لحظة إنسانية واقتصادية حرجة يعيشها أهالي القطاع.

 حيث تأتي الإجراءات الأمريكية في وقت يعتمد فيه غالبية سكان قطاع غزة بشكل شبه كامل على المساعدات الخارجية، في ظل انهيار شبه تام في البنية الاقتصادية والذي أدى لتراجع في فرص العمل ومصادر الدخل لمئات آلاف العائلات.

ومع تضييق الخناق على المنظمات الإغاثية، تتزايد المخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية، لا سيما بالنسبة لمئات آلاف النازحين الذين باتت المساعدات تمثل بالنسبة لهم شريان الحياة الوحيد، ما يجعل أي قيود على هذا القطاع انعكاسا مباشرا على قدرتهم على البقاء وتلبية احتياجاتهم الأساسية.

ويُقصد بالاقتصاد الإغاثي في هذه الورقة منظومة النشاط الاقتصادي الناتجة عن تدفقات المساعدات الإنسانية وما تولده من أنماط تشغيل واستهلاك وأسواق محلية بديلة في ظل تعطل الاقتصاد الإنتاجي التقليدي.

ثانيا: المنظمات المستهدفة من القرار الأمريكي

وفق بيان وزارة الخزانة الأمريكية فإن المنظمات المستهدفة بالقرار تشمل:

  • جمعية وقف غازي للتعليم والأعمال الخيرية ومقرها تركيا.
  • جمعية الأيدي البيضاء الفلسطينية للمساعدة والتضامن ومقرها تركيا.
  • منظمة طريق الحياة ومقرها تركيا.
  • اللجنة الوطنية لشعب فلسطين ومقرها إندونيسيا.

أما المنظمات التي صدر بحقها قرار مماثل في يناير الماضي فهي:

  • منظمة المؤتمر الشعبي للفلسطينيين في الخارج.
  • جمعية الفلاح.
  • جمعية النور.
  • جمعية السلامة.
  • جمعية الأيادي الرحيمة.
  • جمعية قوافل.
  • جمعية واعد.

وباستثناء منظمة المؤتمر الشعبي للفلسطينيين في الخارج التي يقع مقرها في تركيا، فإن باقي الجمعيات المشمولة بالقرار تتخذ من غزة مقرا لها، وتواصل إدارة أنشطتها الإنسانية في القطاع المدمر، حيث تعمل بالتوازي مع المنظمات الدولية للتخفيف من حدة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في القطاع المحاصر.

وتُعد هذه المؤسسات جزءا أساسيا من شبكة الأمان الإنساني في غزة، حيث تبرز مساهمتها في سد فجوات كبيرة ناجمة بالأساس عن ضعف الموارد المحلية، وما تسببت به القيود المفروضة على النشاط الاقتصادي.

وأخذت الإجراءات الأمريكية ضد الجمعيات والمنظمات العاملة في المجال الإغاثي منذ أكتوبر 2023 تصاعدا ملحوظا، حيث صدر عن وزارة الخزانة الأمريكية قرارات مست بشكل مباشر عشرات الجمعيات الإغاثية والخيرية الدولية العاملة في غزة، بالإضافة إلى كيانات وشخصيات من أبناء الجاليات الفلسطينية في الخارج، وهذه الكيانات هي:[3]

  • جمعية التضامن مع الشعب الفلسطيني ومقرها إيطاليا.
  • جمعية القبة الذهبية ومقرها إيطاليا.
  • جمعية شام الخيرية ومقرها تركيا
  • مؤسسة فلسطين ومقرها تركيا
  • مؤسسة إسراء ومقرها هولندا.
  • مؤسسة غزة الآن ومقرها ألمانيا.
  • جمعية البركة ومقرها الجزائر.
  • وجمعية الوئام ومقرها غزة.

أما القرارات المماثلة التي طالت أبناء الجاليات الفلسطينية في الخارج، فهم:

  • محمد أبو مرعي
  • أمين أبو راشد
  • إسراء أبو راشد
  • زكي عرعراوي
  • أحمد البراهيمي
  • محمد حنون
  • ماجد الزير
  • عادل دوغمان
  • زاهر بيراوي

ثالثا: استهداف مزدوج: إسرائيلي بالنار وأمريكا بالقيود

في ضوء ذلك، تجدر الإشارة إلى أنه خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، لم يقتصر استهداف العمل الإنساني على القيود القانونية أو المالية، بل امتد ميدانيا ليشمل العاملين في هذا القطاع، حيث تعرضت جمعيات إغاثية وناشطون إنسانيون للاستهداف المباشر من قبل جيش الاحتلال، حيث وثقت الأمم المتحدة استشهاد أكثر من 480 من العاملين في المجال الإغاثي أثناء تأدية مهامهم في توزيع المساعدات أو تقديم الخدمات الأساسية. [4]

وبالتالي، تبدو الإجراءات الأمريكية الأخيرة وكأنها امتداد لهذا المسار، ولكن بأدوات مختلفة، إذ تُكمّل الضغوط الميدانية الإسرائيلية عبر تضييق الخناق المالي والقانوني على نفس الفضاء الإنساني، بما يؤدي عمليا إلى تقويض قدرة المؤسسات الإغاثية على الاستمرار. [5]

وبهذا المعنى، فإن تلاقي الاستهداف الميداني مع القيود المالية يفضي إلى نتيجة واحدة، تتمثل في إضعاف منظومة العمل الإنساني في غزة، وحرمان الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها النازحون، من أحد أهم مصادر البقاء.

وبذلك ينتقل الضغط على القطاع الإنساني من المجال العسكري المباشر إلى المجال المالي والقانوني، بما يعيد تشكيل بيئة العمل الإنساني عبر أدوات غير عسكرية.

رابعا: التداعيات المباشرة على العمل الإنساني في غزة

رغم غياب تقدير رقمي دقيق لحجم الاقتصاد الإغاثي، إلا أن العديد من المؤشرات الاقتصادية تشير إلى أنه أصبح المكون الرئيسي في اقتصاد غزة في مرحلة ما بعد حرب الإبادة، وأقرب لأن يكون بديلا للسوق التقليدي في ظل انهيار منظومة الإنتاج الصناعي والتشغيلي وارتفاع نسب البطالة والفقر وانعدام الأمن الغذائي.[6]

وفقا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) تشكل احتياجات المشاريع الإغاثية، بما في ذلك المساعدات الغذائية والتموينية والصحية ومواد الإيواء والمطابخ المجتمعية، نحو 70% من حجم الشاحنات التي تدخل القطاع عبر المعابر الإسرائيلية وتحديدا معبر كرم أبو سالم، بينما لا تتجاوز حصة القطاع التجاري 30% من الشاحنات، ما يعكس اعتماد الاقتصاد المحلي على النشاط الإغاثي كعمود فقري للاستهلاك.[7]

بموازاة ذلك- تعتمد العديد من المنظمات على شراء المواد محليا بسبب قيود الاستيراد الإسرائيلية التي تحصر الدخول الرسمي للمساعدات في عددِ محدود من الجهات أبرزها: الأونروا، برنامج الغذاء العالمي، يونيسيف، أطباء بلا حدود، منظمة الصحة العالمية، انيرا، اللجنة المصرية لإعادة إعمار غزة، اللجنة القطرية، واللجنة السعودية وغيرها.

فمنذ وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 وحتى مارس 2026 دخل القطاع نحو 326 ألف منصة نقالة (مشتاح)، ما يعادل 13 ألف شاحنة مساعدات بمعدل شهري يقارب 2,600 شاحنة، مقارنة بـ860 شاحنة تجارية شهريا.

يعكس ذلك أن الاقتصاد الإغاثي أصبح أحد أكبر القطاعات الفعلية في غزة، مرتبطا بسلاسل التوزيع والاستهلاك وفرص العمل، ما يجعل أي تعطيل لتدفقاته يؤثر ليس فقط على البعد الإنساني، بل على مجمل الدورة الاقتصادية في القطاع.

فعند احتساب متوسط قيمة كل منصة نقالة بين (500 _1000) دولار، فإن قيمة المساعدات المباشرة التي دخلت القطاع خلال الأشهر الخمسة الأخيرة تتراوح بين 160 و320 مليون دولار، بمتوسط شهري يتجاوز 45 مليون دولار.

ما يعني أن تدفقات المساعدات لم تعد مجرد تدخل إنساني طارئ، بل أصبحت أحد المحددات الرئيسية لحركة السيولة داخل الاقتصاد المحلي.

وبالتالي فإن أي توقف أو انخفاض في هذه التدفقات سيؤدي حتما إلى تراجع السيولة النقدية، وانخفاض القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار مع آثار مباشرة على المشاريع التجارية المرتبطة بالقطاع الإغاثي.

أما سوق العمل فأثره المباشر يتجاوز ذلك بكثير، حيث توفر المنظمات الإنسانية عشرات آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة، في قطاعات تشمل التوزيع والنقل والتخزين والإدارة، إضافة إلى سلسلة من الأعمال المرتبطة بمنفذي المشاريع والمبادرين المحليين والمتاجر والموردين، ويؤدي توقف هذه الأنشطة إلى تداعيات اجتماعية واقتصادية بالغة الخطورة، في ظل تجاوز نسبة الفقر 90%، وانخفاض الاستهلاك الكلي بنحو 81%، وتجاوز البطالة 83% من القوى العاملة، ومعاناة 70% من السكان من نقص حاد في الغذاء وارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال والنساء الحوامل.[8]

خامسا: التداعيات الاجتماعية المحتملة

لا تقتصر التداعيات على الجانب الإنساني المباشر، بل تمتد لتشمل الاستقرار المجتمعي، حيث يؤدي تراجع المساعدات إلى زيادة الضغوط الاجتماعية، وارتفاع معدلات الفقر، وتآكل قدرة المجتمع على الصمود.

ومن بين الفئات الأكثر هشاشة في قطاع غزة، يبرز الأيتام والأرامل الذين يعتمدون بشكل رئيسي على الدعم المالي المباشر من الجمعيات والمنظمات الإغاثية عبر برامج الكفالات الشهرية، ووفقا للتقارير الرسمية يضم القطاع نحو 57 ألف يتيم و22 ألف أرملة، وبالتالي فإن أي توقف في عمل هذه الجمعيات أو فرض قيود على عملها سيزيد من تعرض هذه الفئات لتداعيات خطيرة، بما فيها قدرة المجتمع على الصمود أمام الأزمات الاقتصادية والإنسانية المستمرة.

وفي ضوء ذلك يمكن حصر النتائج المتوقعة بالتالي:

شلل عمل الجمعيات الإغاثية: تؤدي التصنيفات إلى شلل جزئي وقد يصل إلى كامل في عمل الجمعيات المستهدفة، ما ينعكس مباشرة على الواقع الإنساني في قطاع غزة، خاصة مع اعتماد شريحة واسعة من السكان على المساعدات، وانهيار البنية الاقتصادية والخدماتية، ومحدودية عمل المنظمات الدولية بسبب القيود الأمنية والسياسية.

انقطاع التمويل: يؤدي التصنيف الأمريكي إلى توقف التحويلات البنكية بشكل فوري، ليس فقط من الولايات المتحدة، بل من مجمل النظام المالي العالمي المرتبط بها، ما يحرم هذه الجمعيات من مصادر تمويلها الأساسية.

تراجع ثقة المانحين: تتردد العديد من الجهات المانحة في تقديم الدعم خشية التعرض للمساءلة القانونية أو فقدان الوصول إلى النظام المالي الدولي، ما يقلّص فرص التمويل المتاحة.

تعطّل المشاريع الإغاثية: ينعكس ذلك على توقف أو تقليص مشاريع حيوية، مثل الرعاية الصحية، والإغاثة الغذائية، وإيواء النازحين، الأمر الذي يزيد من هشاشة الوضع الإنساني في القطاع.

سادسا: التأثيرات المتوقعة على الجمعيات المشمولة بالعقوبات الأمريكية

وفقا للقوانين الأمريكية فإن العقوبات المشمولة بجرائم دعم “الإرهاب” تأخذ أربع مستويات، وهي:[9]

تجميد الأصول والممتلكات: حيث يحظر على أي منظمة مصنفة بـ”الإرهاب” امتلاك أصول أو مصالح داخل الولايات المتحدة، أو أي ممتلكات تحت إدارة أو حيازة أشخاص أمريكيين.

حظر التعاملات المالية والتجارية: كما يحظر القانون أي شخص أو مؤسسة أمريكية من إرسال أو تلقي أموال، أو سلع، أو خدمات من وإلى هذه المنظمات، كما يمكن أن تواجه المؤسسات المالية غير الأمريكية عقوبات مماثلة إذا واصلت تقديم خدمات مصرفية أو تسهيلات لهذه المنظمات، ما يؤدي غالبا إلى عزلها عن النظام المصرفي العالمي.

المساءلة القانونية للأفراد: يتعرض الأشخاص المخالفون للقرار للمحاكمة الجنائية، وقد تصل العقوبات إلى السجن لمدة تصل لعشرين عاما، أو فرض غرامات تصل إلى 250 ألف دولار.

قيود إضافية: يشمل القرار إلغاء أي إعفاءات ضريبية، ومنع المنظمات المصنفة من الحصول على أي مساعدات أمريكية خارجية، وينعكس هذا القرار بشكل مباشر على قدرة هذه المنظمات على تنفيذ مشاريعها الإنسانية، بسبب امتناع الموردين والشركات عن التعاون معها.

سابعا: السياق القانوني والسياسي للقرار الأمريكي

تستند العقوبات الأمريكية إلى الأمر التنفيذي رقم 13224 الصادر بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 لمكافحة الإرهاب، والذي يمنح الحكومة صلاحيات واسعة لتجميد الأصول المالية وفرض قيود على الأفراد أو الكيانات المشتبه في دعمها لأنشطة “إرهابية”.[10]

وقد سبق أن أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية حركة حماس ضمن قائمة المنظمات الإرهابية وفقًا للأمر التنفيذي الصادر في 31 أكتوبر 2001، وصنفتها أيضًا كمنظمة “إرهابية أجنبية” وفق المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية، ما يجعل أي دعم مادي لها جريمة يعاقب عليها القانون الأمريكي.

تهدف هذه الإجراءات إلى تعطيل قنوات التمويل التي تعتمد عليها الحركة داخل غزة وخارجها، حيث تزعم واشنطن أن حماس تستغل بعض المنظمات المدنية والخيرية لدعم أنشطتها العسكرية، وتشمل استراتيجية مكافحة تمويل الإرهاب مراقبة المؤسسات المالية والجمعيات التي يشتبه في تحويل الأموال إلى جماعات مسلحة.

سياسيا، يتضح أنه منذ وقف إطلاق النار تسارع الإجراءات الأمريكية والإسرائيلية بحق العمل الإنساني في غزة، حيث لم يعد استهداف الجمعيات مقتصرًا على الأطر القانونية، بل أصبح أداة ضغط سياسي تزيد من معاناة النازحين وتعمق الأزمة الإنسانية، وتعكس هذه الخطوة النهج الأمريكي في تقويض القدرات المالية لحماس، والتي تعتبرها واشنطن عنصرًا حيويًا مثل بنيتها العسكرية.

ورغم المزاعم الأمريكية، يظهر الواقع على الأرض التزام العمل الإغاثي في قطاع غزة بأعلى المعايير الدولية، وخضوعه لإجراءات دقيقة بإشراف السلطة الفلسطينية، مكتب رئيس الحكومة، ووزارات التنمية الاجتماعية والعمل وشؤون المرأة والمالية والتخطيط والخارجية، كما تخضع الجمعيات والمؤسسات الإغاثية لتدقيق مؤسسات أهلية مستقلة وموثوقة، مثل الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة – أمان، ومركز الميزان، والهيئة المستقلة، ومؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، وغيرها من منظمات المجتمع المدني، ما يؤكد التزامها الكامل بالشفافية والمصداقية في تقديم المساعدات.

الخلاصــــة

تشير نتائج التحليل إلى أن قرارات تصنيف الجمعيات الإغاثية تتجاوز إطارها القانوني المباشر لتؤثر في بنية الاقتصاد الاجتماعي وآليات الصمود المجتمعي في قطاع غزة.

تأتي هذه الإجراءات ضمن استراتيجية استخدام الأدوات المالية لتقييد تدفقات التمويل المرتبطة بالمساعدات، في ظل انهيار شبه كامل للبنية الاقتصادية واعتماد واسع للسكان على الدعم الخارجي، ما يشمل مؤسسات تمثل ركائز أساسية في شبكة الأمان الاجتماعي.

وتنعكس هذه التحولات بشكل مباشر على الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها النازحون والأيتام والأرامل الذين ترتبط معيشتهم بالكفالات الخارجية، إذ يؤدي تعطّل عمل الجمعيات إلى تراجع السيولة، وانخفاض القدرة الشرائية، وتقليص فرص العمل، ما يزيد من تفاقم الفقر وانعدام الأمن الغذائي ويهدد بتقويض مقومات الصمود المجتمعي في القطاع.

ويمكن استخلاص ثلاث دلالات رئيسة من النقاش الدائر حول هذه الإجراءات:

  1. أن استهداف القنوات المالية للعمل الإغاثي بات أداة مركزية في إدارة الصراع، تتجاوز بعدها الأمني إلى التأثير في البنية الاقتصادية والاجتماعية.
  2. أن هشاشة الاقتصاد المحلي في غزة تجعل أي تقييد للمساعدات الخارجية ذا أثر مضاعف يتجاوز القطاع الإنساني ليطال مجمل النشاط الاقتصادي.
  3. أن الفئات الأكثر اعتمادا على المساعدات، وخاصة النازحين، ستتحمل العبء الأكبر من هذه الإجراءات في ظل غياب شبكات أمان بديلة.

وبناء على ذلك، فإن هذه السياسات ينبغي أن تفهم في إطار أوسع يتصل بإعادة تشكيل المجال الإنساني والاقتصادي في غزة، وحدود القدرة على الاستجابة للأزمات في بيئة تعاني من قيود مركبة وممتدة.

التوصيــــات

  1. حماية قنوات العمل الإنساني: عبر تطوير آليات دولية تضمن استمرار تدفق المساعدات إلى قطاع غزة، بما في ذلك إيجاد مسارات مالية محمية من القيود السياسية، تتيح للجمعيات الإغاثية مواصلة عملها دون انقطاع.
  2. تعزيز الشفافية والحوكمة: وذلك عبر دعم وتطوير أنظمة رقابية ومالية واضحة داخل المؤسسات الإغاثية، بما يساهم في تعزيز الثقة الدولية، وتحد من مخاطر الاستهداف، مع توثيق عمليات الإنفاق والتدقيق بشكل دوري.
  3. تنويع مصادر التمويل: وذلك من خلال تشجيع الجمعيات على تنويع قنوات التمويل، بما يقلل من الاعتماد على النظام المالي التقليدي المرتبط بالقيود الأمريكية، ويعزز قدرتها على الصمود في مواجهة العقوبات.
  4. التركيز على الفئات الأكثر هشاشة: من خلال توجيه الجهود الإنسانية بشكل أكبر نحو دعم النازحين والأيتام والأرامل، عبر برامج مستدامة تضمن استمرارية تقديم الغذاء والمأوى والرعاية الصحية.
  5. دعم الاقتصاد المحلي المرتبط بالمساعدات: العمل على تصميم تدخلات إنسانية تدعم الأسواق المحلية وخلق فرص عمل مؤقتة، بما يخفف من آثار انقطاع التمويل على الدورة الاقتصادية داخل القطاع.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-أبريل 2026


[1] الولايات المتحدة تفرض عقوبات على شبكة جمعيات خيرية غير مشروعة تابعة لحماس، وزارة الخزانة الأمريكية، اضغط هنا.

[2] Treasury Exposes and Disrupts Hamas’s Covert Support Network ، الخزانة الأمريكية 21/1/2026، اضغط هنا.

[3] وزارة الخزانة تستهدف شبكة دولية كبيرة لجمع التبرعات تابعة لحماس، وزارة الخزانة الأمريكية، 7/10/2024، اضغط هنا.

[4] A record number of aid workers were killed in global hotspots in 2024, the U.N. says. اضغط هنا.

[5] عام من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، أكتوبر 2024، اضغط هنا.

[6] اقتصاد الإغاثة في غزة …حين تتحول المساعدات من إنقاذ مؤقت إلى بديل عن التنمية، سمير أبو مدللة، اضغط هنا.

[7] Humanitarian Situation Report | 6 March 2026، أوتشا، 6/3/2026. اضغط هنا.

[8] مسؤول حكومي: حرب غزة سحقت الفقراء وخلفت 57 ألف يتيم، الجزيرة نت، اضغط هنا.

[9] ما هي تصنيفات الإرهاب الأميركية وعواقبها؟ الشرق. اضغط هنا.

[10] Sanctions Programs and Country Informationـ اضغط هنا.

شارك:

المزيد من المقالات