دراسة تحليلية-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي تشهد غزة تحولًا في طبيعة التهديدات الأمنية نتيجة انتشار العصابات العميلة ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر، كأداة استخبارية للاحتلال. تعتمد هذه الشبكات على التشغيل المحلي لإضعاف التماسك المجتمعي واستنزاف فصائل المقاومة والأجهزة الأمنية، وتعكس المواجهة معها تحوّل الصراع من مواجهة عسكرية مباشرة إلى إدارة الفوضى الاجتماعية والأمنية. نجاح المواجهة يعتمد على تكامل الجهد الأمني مع وعي المجتمع ودور العائلات والعشائر في احتواء الشباب المغرر بهم. كما يتطلب التحصين المجتمعي إدارة الحرب النفسية والإعلامية، وتعزيز التنسيق بين الفصائل والأجهزة الأمنية. في المحصلة، يصبح المجتمع خط الدفاع الأول والأجهزة الأمنية الدرع الفعال ضد الاختراقات الداخلية. |
مقدمــــة
يشهد قطاع غزة، في ظل الظروف المتشابكة للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، تحولًا نوعيًا في طبيعة التهديدات الأمنية التي يواجهها، فقد برزت ظاهرة العصابات العميلة كأداة استخبارية للكيان الإسرائيلي، تعمل ضمن ما يُعرف بالـ “خط الأصفر”، في مسعى لتفكيك النسيج المجتمعي واستهداف المقاومة من الداخل.
إن هذه الظاهرة لم تعد مجرد أحداث معزولة، بل أصبحت عنصرًا مركزيًا في استراتيجية الاحتلال للتحكم الداخلي، حيث يتم توظيف شبكات محلية لتنفيذ عمليات اغتيال، جمع معلومات، وخلق حالة من عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي.
ومن هنا، لم تعد المواجهة مقتصرة على القتال المباشر، بل انتقلت لتصبح حربًا على الوعي المجتمعي، والتماسك الأمني والاجتماعي، ما يجعل لكل عملية استباقية أو تفكيك شبكي تأثيرًا استراتيجيًا يتجاوز القضاء على عنصر عميل واحد.
تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة شاملة لمواجهة العصابات العميلة في غزة، تحليل طبيعة عملها، تقييم مآلات المواجهة معها، وفهم التفاعلات بين الأجهزة الأمنية، المجتمع المحلي، والفصائل الفلسطينية، كما تهدف إلى استخلاص الدروس والتوصيات العملية التي تعزز قدرة المجتمع على حماية نفسه من الاختراقات الداخلية، مع تسليط الضوء على الدور الحاسم للوعي الشعبي، والتعاون المجتمعي، ومرونة الأجهزة الأمنية في التعامل مع هذا النوع من التهديدات.
أولًا: التحول في استراتيجية الاحتلال — من القوة المباشرة إلى الاختراق الداخلي
تشير المعطيات الميدانية المتراكمة في قطاع غزة، ولا سيما في المناطق المصنفة ميدانيًا ضمن ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، إلى مؤشرات على تحول تدريجي في مقاربة الاحتلال لإدارة الصراع، يقوم على تقليص الاعتماد النسبي على القوة العسكرية المباشرة مقابل توسيع أدوات العمل الاستخباري الداخلي ذات البصمة العملياتية المنخفضة.
ويعكس هذا التحول محاولة تحقيق تأثير أمني ممتد داخل البيئة المحلية دون الانخراط المستمر في عمليات عسكرية واسعة ذات كلفة سياسية وعسكرية مرتفعة، بما يسمح بإدارة الصراع عبر أدوات غير تقليدية أقل ظهورًا وأكثر استدامة.
يمكن قراءة هذا النمط العملياتي من خلال ثلاثة مرتكزات رئيسية:
1. تشغيل شبكات محلية داخل الخط الأصفر
يشكل “الخط الأصفر” بيئة ملائمة نسبيًا لهذا النمط من التشغيل نتيجة تداخل عدة عوامل، أبرزها:
- طبيعته كمنطقة تماس ذات استقرار أمني هش.
- وجود فراغ نسبي في الضبط الميداني المباشر بفعل ظروف الحرب المستمرة.
- إمكانية الحركة المحدودة ضمن نطاق مراقبة جوية دائمة.
في هذا السياق، تصبح العناصر المحلية — عند توفر ظروف التشغيل — أداة وظيفية تقلل الحاجة إلى الحضور العسكري المباشر، وتتيح تحقيق أهداف استخبارية ضمن بيئة منخفضة الانكشاف.
2. تنفيذ عمليات بوسائل منخفضة الظهور العسكري
بالتوازي مع ذلك، يُلاحظ اتجاه نحو أنماط تنفيذ أقل ارتباطًا بالضربات العسكرية التقليدية، عبر تجنيد خلايا صغيرة محدودة العدد، استخدام وسائل تنفيذ منخفضة الضجيج العملياتي، والاعتماد على مراقبة بشرية لصيقة بالأهداف.
يساهم هذا النمط في خفض مستوى الانتباه الدولي المصاحب للعمليات العسكرية الكبرى، ويوفر هامشًا أوسع للغموض العملياتي وتقليل التبعات السياسية المباشرة.
3. تقليل الانكشاف العملياتي وإعادة تشكيل ساحة الاشتباك
يحقق الاعتماد على أدوات محلية عدة مزايا عملياتية محتملة، من بينها: تقليص الظهور المباشر للفاعل العسكري، خفض المخاطر المرتبطة بانتشار القوات النظامية، ونقل جزء من ساحة الصراع إلى المجال الداخلي بدل المواجهة العسكرية المفتوحة.
وبذلك تميل طبيعة الاشتباك إلى التحول من مواجهة تقليدية بين قوة عسكرية وفصائل المقاومة إلى صراع أكثر تعقيدًا داخل المجال المجتمعي نفسه.
ثانيًا: الخط الأصفر كساحة صراع ناشئة
تكشف التطورات الأخيرة عن تحول الخط الأصفر من كونه نطاقًا عازلًا ذا وظيفة عسكرية محدودة إلى حيز تشغيل أمني واستخباري متعدد الأدوار، وضمن هذا الحيز:
- قد يُستخدم الغطاء الناري أو الجوي بصورة غير مباشرة لتهيئة بيئات تشغيل محددة.
- تُوظَّف مجموعات محلية بدرجات متفاوتة في مهام الرصد أو التنفيذ.
- يجري اختبار أنماط سيطرة أمنية دون الحاجة إلى احتلال مادي دائم للأرض.
وعليه، يمكن النظر إلى الخط الأصفر بوصفه منطقة وسيطة بين السيطرة العسكرية المباشرة وأنماط السيطرة غير المباشرة القائمة على إدارة المجال الأمني عن بُعد.
ثالثًا: من المواجهة العسكرية إلى إدارة الفوضى الأمنية
في حال استمرار هذا النمط، فإن أثره لا يقتصر على تحقيق أهداف تكتيكية آنية، بل قد يمتد إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية والاجتماعية للصراع عبر:
- إضعاف مستويات الثقة داخل المجتمع المحلي.
- استنزاف القدرات الأمنية في معالجة تهديدات داخلية متغيرة.
- خلق تهديد دائم منخفض الظهور يصعب ضبطه بوسائل تقليدية.
- نقل جزء من عبء الأمن من المؤسسات المنظمة إلى المجتمع ذاته.
وبهذا المعنى، يتحول الصراع تدريجيًا من استهداف القدرات العسكرية المباشرة إلى التأثير في البيئة الحاضنة وبنيتها الاجتماعية.
رابعًا: انعكاسات التحول على بنية المقاومة والمجتمع
لا يقتصر التحول نحو أنماط الاختراق الداخلي منخفضة البصمة العملياتية على تغيير أدوات الاشتباك فحسب، بل يترك آثارًا مركبة تمس بنية المقاومة والبيئة المجتمعية الحاضنة لها على حد سواء، فحين تنتقل ساحة الصراع إلى الداخل الاجتماعي، تصبح النتائج ذات طبيعة طويلة الأمد تتجاوز الأثر العسكري المباشر.
ويمكن قراءة أبرز هذه الانعكاسات عبر المستويات التالية:
1. إعادة تشكيل التهديد الأمني للمقاومة
في النمط التقليدي للصراع، كان التهديد الأساسي يتمثل في القوة العسكرية المباشرة، ما يسمح ببناء عقائد أمنية قائمة على مواجهة واضحة المعالم، أما في نموذج الاختراق الداخلي، فإن التهديد يتحول إلى تهديد شبكي غير مرئي، يتميز بـصعوبة تحديد مصدر الخطر بدقة، تداخل المجالين الأمني والاجتماعي، وارتفاع احتمالات الاختراق عبر نقاط ضعف بشرية لا تقنية.
وهذا التحول يفرض على بنية المقاومة الانتقال من نموذج الحماية العسكرية إلى نموذج الأمن الوقائي المجتمعي، بما يتطلب موارد وجهدًا مضاعفًا.
2. استنزاف القدرات التنظيمية والأمنية
يؤدي انتشار التهديدات الداخلية منخفضة الظهور إلى إعادة توجيه جزء معتبر من القدرات نحو العمل الأمني الداخلي بدل التركيز على الاستعداد العسكري الخارجي، وهو ما ينعكس في زيادة العبء الاستخباري الداخلي، اتساع دائرة الاشتباه الأمني، واستنزاف الوقت والموارد في إجراءات التدقيق والمتابعة.
ومع الزمن، قد يتحول هذا الاستنزاف إلى هدف بحد ذاته، عبر دفع الفاعلين الأمنيين إلى العمل في بيئة ضغط دائم.
3. التأثير على العلاقة بين المقاومة والبيئة المجتمعية
أحد أخطر آثار هذا النمط يتمثل في إدخال عنصر الشك داخل المجال الاجتماعي، حيث يصبح المجتمع نفسه ساحة محتملة للاختراق. وينعكس ذلك عبر: تآكل مستويات الثقة الأفقية بين الأفراد، حساسية متزايدة تجاه السلوكيات اليومية العادية، واحتمالية حدوث مشكلات اجتماعية ناتجة عن الاشتباه أو الاتهام.
وبذلك يتحول المجتمع — دون قصد — إلى جزء من ساحة الاشتباك، بدل أن يبقى فقط بيئة حاضنة له.
4. إنتاج بيئة فوضى أمنية
لا يسعى هذا النموذج بالضرورة إلى السيطرة المباشرة، بل إلى خلق حالة عدم يقين أمني مستمر، تتسم بـتهديدات متقطعة يصعب توقعها، شعور دائم بعدم الاستقرار، وتراجع الإحساس بوضوح خطوط الصراع.
هذه الحالة تُضعف القدرة على بناء استقرار داخلي طويل المدى، حتى في غياب عمليات عسكرية واسعة.
خامسًا: استراتيجيات المواجهة والتحصين — من الرد الأمني إلى بناء المناعة المجتمعية
أدخل التحول نحو أنماط الاختراق الداخلي منخفضة البصمة العملياتية الصراع في قطاع غزة مرحلة مختلفة؛ مرحلة لم يعد فيها التهديد ظاهرًا على هيئة قوة عسكرية متقدمة فحسب، بل متخفّيًا داخل النسيج الاجتماعي ذاته. وفي بيئة كالخط الأصفر، حيث تتقاطع الهشاشة الأمنية مع ضغط الحرب اليومية، لم تعد المواجهة الأمنية التقليدية كافية لفهم طبيعة الخطر أو احتوائه.
فالعصابات العميلة لا تعمل ككيانات قتالية مستقلة بقدر ما تمثل أدوات ضمن هندسة صراع تستهدف الداخل قبل خطوط المواجهة.
ومن هنا، تصبح المواجهة الفعّالة عملية تحصين شاملة، هدفها تقليل قابلية الاختراق قبل وقوعه، لا الاكتفاء بملاحقة نتائجه بعد حدوثه.
1. إعادة تعريف الأمن: من الحماية إلى الوقاية
في السياقات التقليدية، يُقاس النجاح الأمني بعدد العمليات التي أُحبطت أو الشبكات التي جرى تفكيكها، أما في بيئة الحرب الاستخبارية المركبة، فإن المؤشر الأعمق للنجاح يصبح غياب الظاهرة نفسها أو تراجع قدرتها على التشكل.
هذا التحول يفرض الانتقال نحو:
- رصد مبكر للتغيرات السلوكية والأنماط غير المعتادة.
- تعزيز العمل الوقائي القائم على التوقع لا رد الفعل.
- إدماج القراءة الاجتماعية ضمن التقدير الأمني.
وبذلك يتحول الأمن من حالة دفاع مستمر إلى إدارة واعية لمساحات الخطر قبل اتساعها.
2. المجتمع كخط الدفاع الأول
أظهرت التجربة الميدانية أن المجتمع ليس ساحة للصراع فقط، بل أحد أهم أدوات حسمه. فشبكات الاختراق تعتمد أساسًا على العزلة الفردية والهشاشة الاجتماعية، بينما يفشل عملها كلما ازدادت درجة الترابط المجتمعي والوعي الجمعي.
ومن هنا تبرز أهمية:
- رفع الوعي بأساليب الاستقطاب والاستغلال.
- بناء قنوات ثقة متبادلة بين المجتمع والمنظومة الأمنية.
- ترسيخ فكرة أن الأمن مسؤولية جماعية لا وظيفة مؤسسية فقط.
حين يشعر المجتمع بأنه جزء من منظومة الحماية، تتحول محاولات الاختراق إلى فعل مكشوف قبل أن يصبح تهديدًا فعليًا.
3. إدارة الأثر النفسي للصراع
لا تسعى عمليات الاختراق فقط إلى تحقيق نتائج ميدانية، بل إلى زرع شعور دائم بالاختراق وعدم اليقين. فالخوف والشك يمثلان هدفًا بحد ذاته، لأنهما يستهلكان طاقة المجتمع ويضعفان ثقته بذاته.
لذلك، تصبح إدارة الإدراك العام جزءًا من المواجهة عبر:
- منع تضخيم الأحداث الفردية بما يخدم أهداف الحرب النفسية.
- تقديم تفسير عقلاني ومتزن للتطورات الأمنية.
- الحفاظ على توازن دقيق بين الشفافية والاستقرار النفسي العام.
فالاستقرار الإدراكي يقلل من القيمة الاستراتيجية لأي اختراق محدود.
4. تقليل دوافع التجنيد ومعالجة مناطق الهشاشة
تعتمد عمليات التجنيد في أحيانٍ كثيرة على استغلال ظروف قاهرة يعيشها بعض الأفراد، ما يجعل المعالجة الأمنية وحدها غير كافية، فكل مساحة هشاشة غير معالجة قد تتحول إلى نقطة دخول للاختراق.
ومن ثم، فإن تقليص دوافع التجنيد يمر عبر:
- تعزيز شبكات الاحتواء المجتمعي.
- دعم المبادرات العائلية والعشائرية في إعادة الاحتواء.
- التدخل المبكر قبل تحول الانحراف الفردي إلى تهديد منظم.
بهذا المعنى، تصبح الوقاية الاجتماعية امتدادًا طبيعيًا للأمن.
5. تعطيل بيئة التشغيل بدل الاكتفاء بتفكيك الشبكات
النجاح الاستراتيجي لا يتحقق فقط بإسقاط الخلايا بعد ظهورها، بل بجعل البيئة التشغيلية نفسها طاردة لهذا النمط من العمل.
ويحدث ذلك عندما:
- ترتفع كلفة التخفي داخل المجتمع.
- تضيق مساحات الحركة غير المرئية.
- يفقد المشغّل الخارجي جدوى الاستثمار في الشبكات المحلية.
عندها يتحول الاختراق من أداة فعالة إلى عبء عملياتي لا يحقق أهدافه.
تكشف تجربة المواجهة مع عصابات عملاء الخط الأصفر أن الصراع لم يعد يدور فقط حول السيطرة الميدانية، بل حول تماسك المجتمع وقدرته على حماية نفسه من الداخل. فكلما ازدادت المناعة المجتمعية وتكاملت مع الجهد الأمني، تراجعت فعالية نموذج الاختراق منخفض البصمة الذي يسعى إلى تحويل المجتمع إلى ساحة صراع مع ذاته.
وبذلك يصبح الأمن حالة جماعية تُبنى تدريجيًا، لا إجراءً طارئًا يُفرض عند وقوع الخطر.
المؤشرات الميدانية ودلالاتها العملياتية
لا يظل التحول نحو نموذج الاختراق الداخلي افتراضًا نظريًا عند مقارنته بالتطورات الميدانية الأخيرة داخل مناطق الخط الأصفر، بل تظهر معالمه بوضوح من خلال نمط متكرر من الأحداث والإجراءات الأمنية والمجتمعية التي تكشف طبيعة الصراع الجاري.
فالإعلانات المتتابعة حول تفكيك خلايا محلية، وإحباط محاولات اغتيال، واعتقال عناصر مرتبطة بجهات استخبارية معادية، تشير إلى انتقال مركز الثقل العملياتي من الاشتباك العسكري المباشر إلى العمل عبر وسطاء محليين يعملون ضمن بيئة رمادية تجمع بين الحضور العسكري غير المباشر والهشاشة الأمنية الناتجة عن ظروف الحرب.
كما أن تكرار حالات التسليم الطوعي لبعض العناصر بعد تدخل عائلي أو مجتمعي يعكس حقيقة مهمة؛ وهي أن ظاهرة العصابات العميلة لا تقوم على بنية تنظيمية صلبة بقدر اعتمادها على شبكات تشغيل مرنة تستفيد من الظروف الضاغطة، ما يجعل المعالجة المجتمعية جزءًا من تفكيك الظاهرة نفسها، وليس مجرد مسار موازٍ للعمل الأمني.
وفي السياق ذاته، تكشف الوقائع المرتبطة بمحاولات اغتيال أو استهداف شخصيات ميدانية عبر أدوات خفيفة أو خلايا صغيرة عن تطبيق عملي لنموذج العمليات منخفضة البصمة، حيث يُستبدل التدخل العسكري المباشر بعمليات محدودة الانكشاف تمنح الجهة المشغِّلة قدرة أكبر على الإنكار وتقليل الكلفة السياسية.
أما مشاركة العائلات والعشائر في احتواء بعض الحالات وإعلان البراءة من عناصر أخرى، فتشير إلى بُعد أعمق للصراع؛ إذ تتحول البنية الاجتماعية نفسها إلى ساحة مقاومة موازية، تعمل على تعطيل بيئة التجنيد وتقليص المساحات التي يمكن أن تنمو فيها شبكات الاختراق.
وبذلك، لا تبدو هذه الأحداث منفصلة أو ظرفية، بل تمثل مؤشرات عملية على صراع يدور حول السيطرة على الداخل بقدر ما يدور حول خطوط المواجهة العسكرية، حيث يصبح تماسك المجتمع عاملًا حاسمًا في إحباط نموذج التشغيل القائم على تفكيكه من الداخل.
سادسًا: مآلات مواجهة العصابات العميلة
تعكس التطورات الأخيرة في الخط الأصفر عدة مؤشرات حول مستقبل المواجهة مع العصابات العميلة، ويمكن تصنيف المآلات إلى أربعة سيناريوهات رئيسية:
1. استمرار الضبط الأمني المتقدم
الأجهزة الأمنية، بدعم العشائر والمجتمع المحلي، تواصل تنفيذ عمليات دقيقة ضد العصابات العميلة، مما يؤدي إلى تحجيم شبكاتهم تدريجيًا.
النتائج المتوقعة:
- تراجع قدرة العملاء على التحرك بحرية.
- تقليص الخطر على المواطنين والمقاومة.
- تعزيز ثقة المجتمع بالأجهزة الأمنية.
العوامل المؤثرة: مستوى التنسيق الأمني، مشاركة المجتمع، استمرارية الموارد والقدرات الاستخبارية.
2. توسع محدود في النفوذ بفعل الأزمات
الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد توفر فرصة لبعض الشبكات للتمدد، خاصة في مناطق الهشاشة الأمنية بالقرب من الخط الأصفر.
النتائج المتوقعة:
- ظهور بؤر اختراق جديدة تستغل الانفلات الأمني النسبي.
- زيادة الضغط على الأجهزة الأمنية والمجتمع المحلي.
- حاجة متجددة لعمليات استباقية أكثر كثافة.
العوامل المؤثرة: حجم الأزمات الاقتصادية، ضعف الحاضنة الشعبية، تدخل الاحتلال الخارجي.
3. فشل محاولات الاختراق
يقظة المجتمع وفعالية الأجهزة الأمنية تؤدي إلى إحباط جميع محاولات العملاء بشكل شبه كامل.
النتائج المتوقعة:
- تشديد القبضة على شبكات العملاء.
- تحويل المناطق إلى منطقة آمنة نسبيًا.
- استنزاف جهود العملاء وارتفاع تكلفة أي نشاط داخلي لهم.
العوامل المؤثرة: مستوى الوعي الشعبي، فعالية الأجهزة الأمنية، الدعم المجتمعي المستمر.
4. تصاعد الحرب النفسية والإعلامية
قد يلجأ العملاء وراعيهم الاحتلال إلى تكثيف الحرب النفسية عبر الشائعات والتهديدات الإعلامية لتعويض محدودية القدرة الميدانية.
النتائج المتوقعة:
- خلق حالة توتر نفسي مستمرة داخل المجتمع.
- استنزاف الموارد البشرية والإدارية للأجهزة الأمنية.
- الحاجة إلى استراتيجية متكاملة لمواجهة الشائعات وحماية التماسك المجتمعي.
العوامل المؤثرة: مدى تحكم المجتمع في المعلومات، قدرة الأجهزة الأمنية على إدارة الأزمات الإعلامية، مستوى دعم الفصائل للمجتمع.
مناقشة السيناريوهات
مآلات المواجهة تعتمد على توازن بين قدرة الأجهزة الأمنية والمجتمع على الضبط، وحجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ومستوى تدخل الاحتلال الخارجي.
السيناريو الأكثر احتمالًا: استمرار الضبط الأمني مع مواجهة ضغوط متفرقة قد تُولد بؤرًا محدودة، تتطلب عمليات استباقية دورية.
النتيجة المرجوة: بيئة أمنية مستقرة نسبيًا، مع تقليص محاولات الاختراق وتحويل المجتمع إلى خط دفاع أول.
الخلاصـــة
توضح الدراسة أن مواجهة العصابات العميلة داخل ما يُعرف بـ “الخط الأصفر” تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع الفلسطيني وأجهزته الأمنية على حماية بيئتهم الداخلية من أدوات الاحتلال الاستخبارية.
التحولات الاستراتيجية للاحتلال، من القوة المباشرة إلى الاختراق الداخلي منخفض البصمة، جعلت الصراع أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على القدرات العسكرية، بل امتدت إلى البنية الاجتماعية والوعي الشعبي.
وتؤكد المعطيات الميدانية أن نجاح هذه المواجهة يعتمد بشكل رئيسي على:
- فعالية الأجهزة الأمنية في تنفيذ عمليات استباقية دقيقة.
- وعي المجتمع ومشاركته الفاعلة في كشف وملاحقة العملاء.
- دعم العشائر والعائلات في احتواء الأبناء المغرر بهم وإعادة دمجهم ضمن البيئة الآمنة.
إن مآلات المواجهة مع العصابات العميلة ليست محصورة في مجرد القضاء على عناصر محددة، بل تمتد لتشمل تعزيز الأمن الداخلي، صيانة النسيج المجتمعي، وتحصين المجتمع من محاولات الاحتلال لإضعافه، وفي هذا السياق، يمكن القول إن المجتمع نفسه أصبح خط الدفاع الأول، فيما تُعد الأجهزة الأمنية الدرع الفعال للحفاظ على استقرار القطاع ومقاومة الاختراقات.
التوصيــــات
- تعزيز اليقظة المجتمعية عبر الإبلاغ الفوري عن أي تحركات مشبوهة داخل الخط الأصفر والمشاركة الفعّالة في حملات التوعية بمخاطر التعاون مع العصابات العميلة.
- دعم الأجهزة الأمنية والتعاون معها في جمع المعلومات وتسهيل الوصول إلى العملاء المحتملين.
- تعزيز دور العائلات والعشائر في احتواء الشباب المغرر بهم وإعادة دمجهم بالمجتمع، مع تقوية الروابط الاجتماعية لمنع انتشار نفوذ العصابات العميلة.
- تحصين المجتمع من الاختراقات الداخلية عبر رفض نشر الشكوك والخلافات، ودعم المبادرات التي تعزز التماسك المجتمعي وثقة المواطنين بأجهزتهم الأمنية.
- مواجهة الحرب النفسية والإعلامية عبر التحقق من المعلومات ودعم المحتوى المحلي الإيجابي الذي يعزز الوعي الوطني.
- ضمان استمرارية التعاون بين فصائل المقاومة والأجهزة الأمنية لتعزيز الاستجابة المتكاملة ومراقبة الأنشطة العميلية للحد من انتشارها.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-أبريل 2026



