دراسة تحليلية-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
انعقد الاجتماع الأول لمجلس السلام في واشنطن في 19 فبراير 2026، بمبادرة أمريكية لإطلاق آلية دولية لإدارة وقف النار وإعادة الإعمار في غزة، وشاركت فيه دول ومنظمات دولية متنوعة، مع غياب بعض القوى الكبرى، وركز على إنشاء قوة استقرار دولية وتشكيل هيئة إدارة فلسطينية انتقالية.
ترتكز خطة المجلس على نموذج “السلام الاقتصادي”، الذي يربط الدعم المالي بتحولات أمنية وسياسية، مما أثار مخاوف فلسطينية حول تهميش الدور السياسي والسيادة المحلية.
الورقة تحلل مخرجات الاجتماع على المستويات السياسية، الأمنية، والاقتصادية، مع تقييم التفاعلات الفلسطينية والبعد القانوني الدولي، وتخلص إلى أن نجاح المجلس يعتمد على تحقيق توازن بين الشرعية الدولية والمشاركة المحلية، وتقدم توصيات عملية لضمان مشاركة فلسطينية حقيقية، احترام القانون الدولي، ودعم تنمية اقتصادية مستقلة ومستدامة.
مقـدمــــة
في أعقاب الحرب الأخيرة على قطاع غزة وفشل المسارات التقليدية للتسوية، برزت مبادرة “مجلس السلام”(Board of Peace) ككيان دولي جديد يهدف إلى إدارة النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي، وضمان إعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي والأمني في القطاع.
انعقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بتاريخ 19 فبراير 2026، تحت رعاية الإدارة الأمريكية، بمشاركة دول ومنظمات متعددة، مع غياب بعض القوى الكبرى، وهو ما أثار جدلاً واسعًا حول شرعية المجلس، وآليات عمله، وأثره على مستقبل القضية الفلسطينية.
تسعى هذه الورقة إلى دراسة مسارات ومآلات اجتماع “مجلس السلام” الأول، وأثره على غزة، وعلى النظام السياسي الفلسطيني، وعلى العلاقات الدولية والإقليمية.
كما تحلل الورقة البُعد الأمني والاقتصادي والقانوني لهذه المنصة، مع مراعاة ردود الفعل الفلسطينية المحلية والدولية.
الإطار المفاهيمي
لا يمكن فهم دلالات انعقاد “مجلس السلام” وتحليل مآلاته دون تأطيره ضمن الأدبيات النظرية المتعلقة بإدارة النزاعات، وبناء السلام، والشرعية الدولية، ونماذج الوصاية أو التدخل الدولي، وعليه، يقوم هذا التحليل على خمسة مفاهيم مركزية:
- إدارة النزاعات الدولية
تُشير إدارة النزاعات إلى مجموعة الأدوات السياسية والدبلوماسية والأمنية التي تستخدمها الأطراف الدولية لمنع تصاعد الصراع أو احتوائه أو إعادة هندسته دون بالضرورة حله جذرياً.
تقليدياً، اضطلعت مؤسسات مثل الأمم المتحدة بدور مركزي في إدارة النزاعات عبر بعثات حفظ السلام وقرارات مجلس الأمن، غير أن السنوات الأخيرة شهدت صعود نماذج موازية تقودها قوى كبرى خارج الأطر الأممية، سواء عبر تحالفات طوعية أو أطر إقليمية.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى “مجلس السلام” بوصفه محاولة للانتقال من نموذج إدارة النزاع الأممي متعدد الأطراف إلى نموذج تقوده دولة راعية ذات نفوذ مركزي، ما يعكس تحوّلاً في هندسة الحوكمة الأمنية الدولية.
2. بناء السلام المشروط
ظهر مفهوم “السلام المشروط” في سياق تجارب إعادة الإعمار بعد النزاعات، خصوصاً في البلقان وأفغانستان والعراق، ويقوم على مبدأ: ربط الدعم المالي وإعادة الإعمار بإصلاحات سياسية وأمنية ومؤسسية محددة.
يتقاطع هذا النموذج مع مفهوم الديمقراطية المشروطة والمساعدات المرتبطة بالإصلاح)، حيث تُستخدم الموارد المالية كأداة ضغط لتحقيق تحولات داخلية.
في الحالة الفلسطينية، يتجلى السلام المشروط في:
- ربط تدفق أموال الإعمار بنزع السلاح.
- اشتراط إصلاح المناهج والمؤسسات.
- فرض آليات رقابة مالية خارجية.
- اشتراط الالتزام بترتيبات أمنية محددة.
هذا النموذج يختلف عن “السلام التفاوضي” الذي يقوم على تبادل تنازلات متكافئة بين طرفين سياسيين معترف بهما.
هنا يتحول الاقتصاد إلى أداة هندسة سياسية، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل التنمية المشروطة يمكن أن تنتج استقراراً دائماً إذا لم تُحلّ المسألة السياسية الجوهرية؟
3. الشرعية الدولية ومصادرها
تستند الشرعية الدولية تقليدياً إلى:
- قرارات مجلس الأمن.
- مبادئ ميثاق الأمم المتحدة
- القانون الدولي وحق تقرير المصير.
- الاعتراف المتبادل بين الدول.
في النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي، لعبت مؤسسات مثل و(كالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى) دوراً في تثبيت البعد القانوني لقضية اللاجئين.
إن أي إطار بديل لإدارة النزاع خارج مظلة الأمم المتحدة يثير أسئلة تتعلق بـ:
- مصدر التفويض القانوني.
- حدود التدخل في السيادة.
- طبيعة الإلزام.
- مشروعية نشر قوة متعددة الجنسيات دون قرار أممي جامع.
وعليه، فإن “مجلس السلام” — إذا كان يعمل خارج تفويض صريح من مجلس الأمن بالرغم من القرار 2803 الذي أقر بإنشاء مجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية — يمثل نموذجاً لما يسميه بعض منظّري العلاقات الدولية بـ “الشرعية البديلة” أو “التحالفات الإرادية ذات التفويض الذاتي”.
4. الوصاية الدولية وإعادة هندسة السيادة
شهد النظام الدولي تجارب متعددة لوصاية أو إدارة انتقالية دولية، مثل إدارة الأمم المتحدة لكوسوفو وتيمور الشرقية.
تقوم هذه النماذج على:
- تعليق جزئي للسيادة المحلية.
- إدارة دولية انتقالية.
- إعادة بناء مؤسسات الدولة تحت إشراف خارجي.
الفارق الجوهري أن تلك الحالات كانت تستند إلى قرارات صريحة من مجلس الأمن، وغالباً إلى توافق دولي واسع، أما في النموذج المطروح في غزة، فإن السؤال يتمحور حول ما إذا كنا أمام:
- إدارة انتقالية بطلب محلي؟
- أم إعادة هيكلة مفروضة بحكم موازين القوة؟
- أم صيغة هجينة تجمع بين الإغاثة الإنسانية والهندسة الأمنية؟
هذا المفهوم بالغ الأهمية، لأنه يمس جوهر مسألة حق تقرير المصير، وهو أحد المبادئ المؤسسة للنظام الدولي المعاصر.
5. هندسة الأمن مقابل الحل السياسي
يمثل النموذج المطروح تحولاً من منطق “التسوية السياسية” إلى منطق “الهندسة الأمنية”:
- أولوية نزع السلاح.
- ضبط الحدود بالتكنولوجيا.
- إعادة تعريف الفاعل السياسي المقبول.
- بناء طبقة تكنوقراطية مدعومة خارجياً.
هذا التحول يعكس اتجاهاً عالمياً متنامياً في إدارة النزاعات المعقدة، حيث يتم التعامل مع الأمن كمدخل لإعادة تشكيل السياسة، لا العكس.
انطلاقاً من المفاهيم السابقة، يمكن فهم “مجلس السلام” باعتباره:
- نموذجاً لإدارة النزاع أكثر منه لحله.
- صيغة للتسوية المشروطة اقتصادياً وأمنياً.
- آلية لإعادة توزيع مصادر الشرعية خارج الإطار الأممي التقليدي.
- محاولة لإعادة هندسة السيادة في قطاع غزة ضمن مقاربة أمنية–تنموية.
هذا التأطير يسمح بتحليل المجلس لا بوصفه مبادرة إنسانية فحسب، بل كتحول محتمل في بنية الحوكمة الدولية للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
أولاً: مخرجات الاجتماع الأول ومساراته
- الدول المشاركة والالتزامات
انعقد الاجتماع الافتتاحي لـ”مجلس السلام” في واشنطن برعاية الإدارة الأمريكية، في سياق دولي يتسم بمحاولات إعادة صياغة أدوات إدارة النزاعات خارج الأطر متعددة الأطراف التقليدية، وقد شاركت في الاجتماع مجموعة واسعة من الدول والمنظمات الدولية، عكست تركيبة غير تقليدية للتحالفات المشاركة في إدارة مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة.
ومن أبرز المخرجات التي أُعلن عنها:
تعهدات مالية لإعادة الإعمار: أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن حزمة التزامات مالية تُقدَّر بنحو 17 مليار دولار، خُصصت لتمويل برامج إعادة الإعمار والبنية التحتية والطاقة والإسكان، مع ربط صرفها بآليات رقابية متعددة الأطراف تشرف عليها مؤسسات مالية دولية.
تشكيل قوة الاستقرار الدولية : (ISF) شهد الاجتماع توافقاً مبدئياً على إنشاء قوة متعددة الجنسيات تحت مسمى “قوة الاستقرار الدولية”، بمشاركة دول من آسيا وإفريقيا وأوروبا الوسطى، في مؤشر على توجه لتشكيل قوة ذات طابع وظيفي أكثر منه تحالفاً عسكرياً تقليدياً، وتتمثل مهمتها الأساسية في تثبيت وقف إطلاق النار، وتأمين البيئة الأمنية اللازمة لتنفيذ برامج إعادة الإعمار.
توزيع أدوار أمنية ولوجستية: أُسندت أدوار قيادية لبعض الدول المشاركة، من بينها إندونيسيا، في حين أعلنت دول أخرى استعدادها لتقديم دعم تدريبي ولوجستي وتمويلي، بما يعكس نموذجاً هجيناً يجمع بين الأمن والتنمية ضمن إطار عملياتي واحد.
كما شارك ممثلون عن دول عربية وإسلامية، خاصة مصر وقطر، في أدوار مرتبطة بالدعم السياسي والاقتصادي والتدريب الأمني، بينما لوحظ غياب أو تحفظ قوى دولية مركزية في النظام الدولي مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة عن الانضمام الرسمي، مع إصدارها مواقف حذرة ركزت على ضرورة عدم تجاوز أطر الشرعية الدولية القائمة، وفي مقدمتها الأمم المتحدة.
تعكس تركيبة الدول المشاركة تحوّلاً مهماً في نمط بناء التحالفات الدولية؛ إذ لم تعتمد واشنطن على القوى الغربية التقليدية بقدر ما اتجهت نحو دول “الوسط الدولي”، وهو ما يشير إلى محاولة تقليل احتمالات التعطيل السياسي المرتبط بالخلافات داخل المؤسسات الدولية الكبرى، خصوصاً في ظل الانقسام داخل مجلس الأمن.
2. بنود “خطة المجلس”
أظهرت المناقشات التي جرت خلال الاجتماع تبني رؤية شاملة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، تقوم على الدمج بين إعادة الإعمار والهندسة الأمنية والسياسية للقطاع، ويمكن تلخيص أبرز ملامحها فيما يلي:
إعادة الإعمار المشروط: ربط تدفق التمويل الدولي بتحقيق تقدم ملموس في ملفات أمنية ومؤسسية، وعلى رأسها نزع السلاح، وإعادة هيكلة المؤسسات الإدارية، وتعزيز أنظمة الحوكمة والرقابة المالية، ويعكس هذا التوجه انتقالاً من نموذج “المساعدات الإنسانية غير المشروطة” إلى نموذج “الامتثال مقابل التمويل”.
هيئة إدارة انتقالية فلسطينية: تشكيل هيئة تكنوقراط فلسطينية لإدارة الشؤون المدنية خلال المرحلة الانتقالية، تعمل تحت إشراف آليات المجلس، مع التركيز على بناء قدرات مؤسساتية محلية تدريجية بهدف نقل المسؤوليات لاحقاً إلى إدارة فلسطينية مستقرة.
منظومة أمن دولية متقدمة: إنشاء قوة دولية لضمان الأمن والاستقرار، تتضمن أنظمة رقابة حدودية وتكنولوجية متقدمة، بما يشمل المراقبة الإلكترونية وإدارة المعابر، بهدف منع إعادة تشكل البنى العسكرية وضمان استمرارية البيئة الأمنية المطلوبة للاستثمار والإعمار.
تكشف هذه البنود عن تبنّي نموذج “السلام عبر إعادة الهندسة المؤسسية”، حيث لا يُنظر إلى الأمن كنتاج للحل السياسي، بل كشرط سابق له، ويقترب هذا النموذج من مقاربة “السلام الاقتصادي”، التي تقوم على افتراض أن تحسين الظروف المعيشية وخلق الاعتماد الاقتصادي المتبادل يمكن أن يسبق التسوية السياسية أو حتى يحل محلها مؤقتاً.
غير أن هذا التصور يثير إشكالية مركزية تتعلق بمدى استدامة الاستقرار الناتج عن التنمية المشروطة، إذ تشير تجارب دولية سابقة إلى أن غياب أفق سياسي واضح قد يحول التنمية إلى أداة لإدارة الصراع بدلاً من حله، وهو ما يعيد طرح سؤال الشرعية السياسية للنظام الإداري المزمع إنشاؤه في قطاع غزة.
ثانياً: تحليل مآلات المجلس على المستويات المختلفة
يشير تحليل مخرجات الاجتماع الأول لـ”مجلس السلام” إلى أن المبادرة لا تمثل مجرد آلية لإعادة الإعمار، بل محاولة لإعادة تشكيل بنية إدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي عبر نموذج جديد يجمع بين التدخل الدولي المباشر والهندسة المؤسسية المحلية، ويمكن قراءة مآلات المجلس عبر أربعة مستويات مترابطة: السياسي، والأمني، والاقتصادي، والدولي.
- المآل السياسي: من تسوية الصراع إلى إدارته
تُظهر المؤشرات الأولية أن المجلس يميل إلى إعادة ترتيب الصراع خارج المرجعيات السياسية التقليدية التي حكمت “عملية السلام” منذ تسعينيات القرن الماضي، وهو ما قد يقود إلى تحولات جوهرية، أبرزها:
تراجع دور القيادة الفلسطينية التقليدية في صياغة المسار السياسي، نتيجة انتقال مركز القرار من المفاوضات الثنائية إلى منصات دولية ذات طابع تنفيذي وإداري.
صعود نموذج الإدارة التكنوقراطية الدولية بوصفه بديلاً مرحلياً للحل السياسي النهائي، حيث يتم التركيز على الحوكمة والخدمات والاستقرار المؤسسي بدلاً من معالجة قضايا السيادة والحدود والتمثيل السياسي.
ويعكس هذا التحول انتقال مفهوم السلام من كونه عملية سياسية تفاوضية إلى نموذج إدارة نزاع طويلة الأمد قائم على ضبط الواقع الميداني وتقليل مستويات المواجهة دون معالجة الجذور السياسية للصراع.
هذا الاتجاه ينسجم مع تحولات أوسع في إدارة النزاعات الدولية بعد تعثر نماذج بناء الدولة التقليدية، حيث أصبحت القوى الدولية تميل إلى إنشاء ترتيبات انتقالية مستقرة وظيفياً حتى في غياب تسوية سياسية نهائية، وهو ما قد يؤدي عملياً إلى تثبيت واقع سياسي مؤقت يتحول بمرور الوقت إلى وضع دائم.
2. المآل الأمني: الاستقرار السريع مقابل إشكالية الشرعية
يمثل إنشاء “قوة الاستقرار الدولية” محاولة لإنتاج استقرار أمني سريع يسمح ببدء إعادة الإعمار، إلا أن هذا المسار يثير مجموعة من الإشكاليات البنيوية:
إشكالية الشرعية القانونية الدولية: إذ إن نشر قوة أمنية متعددة الجنسيات خارج تفويض واضح من مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة يفتح نقاشاً قانونياً حول مدى توافق الخطوة مع قواعد القانون الدولي، خاصة فيما يتعلق باستخدام القوة وإدارة الأقاليم المتنازع عليها.
تحديات التطبيق الميداني: نجاح أي قوة دولية يعتمد على قبول الأطراف المحلية، وهو عنصر غير مضمون في سياق يتميز بوجود فاعلين مسلحين ذوي شرعية اجتماعية مختلفة، ما قد يحول القوة من عامل استقرار إلى طرف في الاحتكاك اليومي.
التجارب الدولية تشير إلى أن قوات الاستقرار تنجح عندما تكون جزءاً من تسوية سياسية متوافق عليها، لا بديلاً عنها، وفي حال غياب هذا التوافق، قد تجد القوة الدولية نفسها أمام معضلة مزدوجة: الحفاظ على الأمن دون امتلاك شرعية سياسية كافية.
3. المآل الاقتصادي: التنمية المشروطة وإشكالية الاعتماد
تطرح المبادرة رؤية اقتصادية طموحة تقوم على إعادة بناء البنية التحتية وخلق دورة اقتصادية جديدة في قطاع غزة، عبر مشاريع الإسكان والطاقة والمرافق الحيوية، ومن المتوقع أن تسهم هذه المشاريع في:
- خلق فرص عمل واسعة خلال مرحلة إعادة الإعمار.
- تحسين الخدمات الأساسية وتقليل الاعتماد على المساعدات الإنسانية الطارئة.
- إعادة دمج الاقتصاد المحلي في شبكات إقليمية للطاقة والتجارة.
غير أن نموذج التمويل المعتمد يقوم على التمويل المشروط سياسياً وأمنياً، وهو ما يضع المجتمع المحلي ضمن علاقة اعتماد هيكلي على الجهات المانحة.
هذا النموذج يعكس ما يُعرف في أدبيات التنمية السياسية بـ”الاستقرار عبر الاعتماد الاقتصادي”، حيث يصبح استمرار النمو الاقتصادي مرتبطاً بمستوى الامتثال للشروط الأمنية والسياسية، ما يثير تساؤلات حول:
- استدامة التنمية على المدى الطويل.
- قدرة المؤسسات المحلية على بناء استقلال اقتصادي فعلي.
- احتمال تحول الاقتصاد إلى أداة ضبط سياسي غير مباشر.
4. البعد الدولي: إعادة تشكيل أدوات الحوكمة العالمية للنزاعات
تظهر المبادرة بوصفها منصة دولية موازية — أو جزئية البديل — للأطر متعددة الأطراف التقليدية التي تقودها الأمم المتحدة، وهو ما أثار تحفظات دبلوماسية أوروبية تتعلق بمخاطر إضعاف النظام الدولي القائم على الشرعية الجماعية.
ويشير هذا المسار إلى اتجاه متصاعد في السياسة الدولية نحو إنشاء تحالفات وظيفية مرنة لمعالجة الأزمات، بدلاً من الاعتماد الكامل على المؤسسات الأممية التي تعاني من الجمود الناتج عن التنافس بين القوى الكبرى.
إذا نجح نموذج “مجلس السلام”، فقد يشكل سابقة في إدارة النزاعات عبر أطر خارج مجلس الأمن، وهو ما قد يؤدي إلى:
- تقليص احتكار الأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام.
- تعزيز نماذج التدخل الانتقائي بقيادة القوى الكبرى.
- إعادة تعريف مفهوم الشرعية الدولية من “شرعية قانونية” إلى “شرعية وظيفية قائمة على النتائج”
ثالثاً: تقييم التفاعلات الفلسطينية
تشير متابعة الخطاب السياسي وردود الفعل المجتمعية الفلسطينية إلى وجود حالة ازدواجية في الاستجابة تجاه مبادرة “مجلس السلام”، تعكس التوتر التقليدي بين الاحتياجات الإنسانية العاجلة والاعتبارات السياسية والسيادية بعيدة المدى، ويمكن فهم هذه التفاعلات عبر ثلاثة مستويات رئيسية: الشعبي، والسياسي–النخبوي، والميداني الأمني.
- المستوى الشعبي: القبول البراغماتي المشروط
تظهر المؤشرات الأولية وجود قدر من التأييد الشعبي لفكرة إعادة الإعمار ووقف العمليات العسكرية، خاصة في ظل:
- الإرهاق المجتمعي الناتج عن سنوات الحرب والدمار الاقتصادي.
- الحاجة الملحّة لإعادة الخدمات الأساسية والبنية التحتية.
- تطلع قطاعات واسعة إلى الاستقرار المعيشي ولو بشكل مرحلي.
غير أن هذا التأييد لا يعكس بالضرورة قبولاً سياسياً بالمبادرة، بل يمكن وصفه بـ القبول البراغماتي المؤقت، حيث ينظر جزء من المجتمع إلى المبادرة باعتبارها وسيلة لتحسين الظروف الإنسانية أكثر من كونها إطاراً لحل سياسي دائم.
هذا النمط من القبول يظهر عادة في المجتمعات الخارجة من النزاعات، حيث تتقدم أولويات البقاء الاقتصادي على النقاشات السيادية، لكنه يظل قابلاً للتحول السريع في حال شعور المجتمع بأن الاستقرار يأتي على حساب الهوية السياسية أو الحقوق الوطنية.
2. المستوى السياسي والنخبوي: أزمة الشرعية والتمثيل
- في المقابل، تسود حالة رفض أو تحفظ واسع داخل الأوساط السياسية والفصائلية، يرتبط بعدة اعتبارات:
- اعتبار المجلس آلية خارجية لإدارة القطاع دون تفويض سياسي فلسطيني شامل.
- القلق من تقليص الدور الفلسطيني في تقرير المصير لصالح ترتيبات دولية أمنية–اقتصادية.
- الخشية من تكريس نموذج “السلام المشروط” الذي يربط تحسين الواقع الاقتصادي بتنازلات سياسية وأمنية طويلة الأمد.
ويعكس هذا الموقف صراعاً أعمق حول مصدر الشرعية السياسية :هل تُستمد من القبول الدولي والقدرة على توفير الاستقرار، أم من التمثيل الوطني والعملية السياسية الداخلية؟
3. المستوى الأمني الميداني: معضلة نزع السلاح
تمثل قضية نزع السلاح التحدي الأكثر حساسية أمام المبادرة، إذ تواجه صعوبات تتعلق بـ:
- رفض بعض فصائل المقاومة ربط إعادة الإعمار بالتفكيك الكامل لقدراتها العسكرية.
- اعتبار السلاح جزءاً من معادلة الردع وليس مجرد ملف أمني تقني.
- غياب ضمانات سياسية واضحة مقابل متطلبات نزع السلاح.
في أدبيات إدارة النزاعات، تُعد عملية نزع السلاح ناجحة فقط عندما تأتي ضمن إطار تسوية سياسية شاملة توفر بديلاً أمنياً وشرعياً مقبولاً. أما ربطها أساساً بالمساعدات الاقتصادية فقد يؤدي إلى:
- مقاومة غير مباشرة أو تعطيل التنفيذ.
- ظهور فاعلين أمنيين غير رسميين.
- انتقال الصراع من مواجهة مفتوحة إلى مواجهات منخفضة الحدة طويلة الأمد.
4. التفاعل المركب: فجوة بين المجتمع والسياسة
تُظهر القراءة الشاملة وجود فجوة آخذة في الاتساع بين:
- مجتمع يبحث عن الاستقرار الفوري،
- ونخب سياسية تخشى تثبيت ترتيبات دائمة تنتقص من المشروع الوطني.
وهذه الفجوة تمثل أحد أهم محددات مستقبل المبادرة؛ إذ إن أي مشروع دولي يفتقر إلى القيادة المحلية قد يحقق استقراراً مؤقتاً لكنه يظل عرضة للاهتزاز عند أول اختبار سياسي أو أمني.
رابعاً: الإشكالية القانونية الدولية للمجلس المقترح
يطرح تشكيل المجلس الدولي لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة إشكالية قانونية مركزية تتعلق بمدى اتساق هذا الترتيب مع قواعد القانون الدولي الناظمة للتدخل الدولي وإدارة الأقاليم الخارجة من النزاعات، ويتمحور النقاش حول سؤال أساسي: هل يشكّل هذا النموذج إطارًا مشروعًا لإدارة انتقالية دولية، أم أنه يمثل تجاوزًا لمبادئ السيادة وحق تقرير المصير؟
- شرعية التدخل الأمني خارج مظلة مجلس الأمن
يُعد إرسال قوة أمنية دولية أو متعددة الجنسيات أحد أكثر عناصر المبادرة إثارةً للجدل القانوني، فوفق ميثاق الأمم المتحدة، يُناط بمجلس الأمن الدور الحصري تقريبًا في تفويض استخدام القوة أو نشر قوات دولية لحفظ السلم والأمن الدوليين، استنادًا إلى الفصلين السادس والسابع من الميثاق.
وفي حال إنشاء قوة الاستقرار الدولية (ISF) دون تفويض صريح من مجلس الأمن، فإن ذلك يثير عدة إشكالات قانونية، أبرزها:
- غياب الأساس القانوني الملزم دوليًا لنشر القوات.
- احتمال اعتبار القوة ترتيبات أمنية سياسية خارج النظام الجماعي للأمن الدولي.
- فتح سابقة لتشكيل تحالفات أمنية بديلة عن منظومة الأمم المتحدة.
ويرى عدد من فقهاء القانون الدولي أن مثل هذه النماذج قد تقع ضمن ما يُعرف بـ “الشرعية السياسية دون الشرعية القانونية”، حيث تستند المبادرة إلى توافقات دولية جزئية بدلًا من تفويض أممي شامل.
2. حق تقرير المصير والإدارة الانتقالية الدولية
تثير فكرة إنشاء إدارة فلسطينية انتقالية بإشراف دولي مباشر تساؤلات مرتبطة بحق تقرير المصير، وهو مبدأ راسخ في القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة.
فبينما شهد النظام الدولي نماذج لإدارات انتقالية دولية (مثل كوسوفو وتيمور الشرقية)، فإن مشروعيتها ارتبطت عادةً بثلاثة شروط رئيسية:
- وجود تفويض أممي واضح.
- قبول محلي واسع.
- هدف صريح يقود إلى سيادة وطنية كاملة خلال إطار زمني محدد.
وفي حال غياب هذه العناصر، قد يُنظر إلى الإدارة المقترحة باعتبارها شكلًا من “الإدارة الدولية الممتدة” التي تؤجل الحل السياسي بدلًا من تمهيده، وهو ما قد يضعها في تعارض مع مبدأ تمكين الشعوب من إدارة شؤونها السياسية بحرية.
3. إشكالية نزع السلاح في القانون الدولي للنزاعات الداخلية
يشكّل ربط إعادة الإعمار ببرامج نزع السلاح تحديًا قانونيًا وسياسيًا إضافيًا، فالقانون الدولي لا يفرض نزع سلاح الفاعلين من غير الدول إلا ضمن تسويات سياسية شاملة أو اتفاقات سلام متوافق عليها.
وبالتالي، فإن فرض نزع السلاح كشرط مسبق لإعادة الإعمار قد يُفسَّر باعتباره:
- أداة ضغط سياسية أكثر منه إجراءً قانونيًا متفقًا عليه.
- محاولة لإعادة هندسة التوازنات الداخلية قبل التوصل إلى تسوية سياسية نهائية.
وهذا يطرح إشكالية تتعلق بمدى توافق المقاربة مع مبادئ العدالة الانتقالية التي تشترط عادة التدرج والتوافق المحلي بدل الفرض الخارجي.
4. المجلس كمنصة بديلة للنظام متعدد الأطراف
تُظهر المبادرة ملامح تحوّل محتمل في إدارة النزاعات الدولية، من الأطر متعددة الأطراف التي تقودها الأمم المتحدة إلى ترتيبات “ائتلاف الراغبين”، وقد عبّر بعض الدبلوماسيين الأوروبيين عن تحفظات مرتبطة بإمكانية أن يؤدي ذلك إلى إضعاف النظام الدولي القائم على الشرعية المؤسسية.
وفي هذا السياق، يصبح المجلس المقترح ليس مجرد آلية لإعادة الإعمار، بل نموذجًا جديدًا لإدارة النزاعات خارج الهياكل التقليدية للشرعية الدولية، وهو تحول يحمل تداعيات بعيدة المدى على قواعد الحوكمة العالمية.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن الإشكالية القانونية للمجلس لا تتعلق فقط بشرعية نشر قوة دولية أو إنشاء إدارة انتقالية، بل تمتد إلى طبيعة النظام الدولي نفسه وحدود التدخل الخارجي في النزاعات ذات الأبعاد التحررية، وعليه، فإن مستوى القبول القانوني والدولي للمبادرة سيشكّل عاملًا حاسمًا في تحديد قابليتها للاستمرار ونجاحها العملي، وهو ما يجعل البعد القانوني أحد المحددات البنيوية لمآلات المشروع.
وفي ضوء الإشكاليات القانونية المرتبطة بشرعية التدخل الأمني، وطبيعة الإدارة الانتقالية المقترحة، وحدود توافقها مع مبادئ القانون الدولي وحق تقرير المصير، يتضح أن مستقبل المجلس المقترح لا يتوقف على حجم الموارد المالية أو الدعم السياسي الدولي فحسب، بل يرتبط بدرجة أساسية بمدى تمتّعه بشرعية قانونية وسياسية قادرة على إنتاج قبول دولي ومحلي مستدام، فالتجارب المقارنة في إدارة النزاعات تشير إلى أن المبادرات التي تفتقر إلى أساس شرعي متماسك غالبًا ما تحقق استقرارًا مؤقتًا دون أن تنجح في بناء ترتيبات تسويات طويلة الأمد، ومن هنا، يصبح تقييم فرص نجاح المجلس أو تعثره مرتبطًا بجملة من المحددات البنيوية السياسية والأمنية والقانونية والاجتماعية، وهو ما يستدعي الانتقال إلى بحث محددات النجاح والفشل المحتملة لهذا الإطار الدولي.
خامسًا: محددات نجاح أو فشل مبادرة “مجلس السلام“
لا يتوقف مستقبل “مجلس السلام” على حجم التمويل أو الزخم الدولي المصاحب لانطلاقه فحسب، بل يرتبط بمجموعة من المحددات السياسية والأمنية والاجتماعية والدولية التي ستحدد ما إذا كانت المبادرة قادرة على التحول إلى نموذج مستقر لإدارة الصراع، أم أنها ستواجه تعثراً تدريجياً. ويمكن تحديد أبرز هذه المحددات على النحو الآتي:
- مستوى القبول والمشاركة الفلسطينية المحلية
يُعد القبول المحلي العامل الأكثر حسماً في نجاح أي ترتيبات دولية في بيئات ما بعد النزاعات. فالمبادرات التي تُنظر إليها باعتبارها مفروضة من الخارج غالباً ما تواجه مقاومة كامنة حتى في حال نجاحها المؤقت.
ويتوقف هذا العامل على:
- إشراك فاعلين فلسطينيين ذوي تمثيل مجتمعي حقيقي في صناعة القرار.
- قدرة الهيئات الانتقالية المقترحة على اكتساب شرعية داخلية تدريجية.
- تحقيق توازن بين متطلبات الاستقرار الأمني والحفاظ على الحد الأدنى من السيادة السياسية.
غياب هذا العنصر قد يؤدي إلى استقرار إداري هش قابل للاهتزاز عند أول أزمة سياسية.
2. التوازن بين الأمن والتنمية
تعتمد المبادرة على فرضية أن التحسن الاقتصادي يمكن أن يسبق الحل السياسي ويهيئ له، وهو نموذج يرتبط بمفهوم “السلام الاقتصادي”، غير أن التجارب المقارنة تشير إلى أن الإفراط في المقاربة الأمنية قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
نجاح المبادرة يتطلب:
- عدم تحويل إعادة الإعمار إلى أداة ضغط سياسي دائم.
- ضمان أن يشعر السكان بعوائد اقتصادية ملموسة وسريعة.
- تجنب ربط كل تقدم اقتصادي بمؤشرات أمنية صارمة قد تعطل العملية التنموية.
ففي حال اختلال هذا التوازن، قد يتحول الاقتصاد نفسه إلى مصدر توتر بدلاً من أن يكون عامل استقرار.
3. شرعية الإطار الدولي الحاكم للمبادرة
يشكل غياب تفويض صريح من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي أحد أبرز التحديات القانونية والسياسية أمام المبادرة، إذ قد يحدّ ذلك من:
- قبول بعض الدول بالمشاركة طويلة الأمد.
- قدرة القوة الدولية على العمل دون اعتراضات قانونية أو دبلوماسية.
- استدامة الدعم الأوروبي والدولي.
وكلما اقتربت المبادرة من الأطر متعددة الأطراف المرتبطة بـ الأمم المتحدة، زادت فرص اكتسابها شرعية دولية أوسع.
4. موقف فصائل المقاومة ومعادلة نزع السلاح
تمثل قضية نزع السلاح نقطة الاختبار الأكثر حساسية للمبادرة، إذ إن نجاح أي ترتيبات أمنية يعتمد على وجود تصور انتقالي واضح يربط بين:
- الضمانات السياسية،
- وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية،
- ومستقبل الفاعلين المسلحين داخل النظام السياسي الجديد.
فرض نزع السلاح كشرط مسبق دون أفق سياسي واضح قد يؤدي إلى مقاومة مباشرة أو غير مباشرة، بما يهدد استقرار المرحلة الانتقالية.
5. التوافق الدولي بين القوى الكبرى
نجاح المبادرات الدولية الكبرى في إدارة النزاعات يرتبط عادة بدرجة التوافق بين القوى الدولية المؤثرة، وفي ظل التحفظات التي أبدتها بعض القوى الكبرى وغياب توافق دولي شامل، يبقى المجلس عرضة لتأثيرات الاستقطاب الدولي.
وقد ينعكس ذلك في:
- تراجع التمويل أو الدعم السياسي.
- ظهور مبادرات موازية منافسة.
- استخدام الملف ضمن سياقات التنافس الجيوسياسي الأوسع.
- العامل الزمني وإدارة التوقعات
تمثل المرحلة الأولى بعد النزاعات نافذة زمنية حساسة؛ إذ ترتفع توقعات السكان بسرعة مقارنة بقدرة المشاريع الدولية على الإنجاز الفعلي.
نجاح المبادرة يتطلب:
- تحقيق إنجازات إنسانية ملموسة خلال فترة قصيرة.
- إدارة التوقعات الشعبية بواقعية.
- تجنب فجوة بين الوعود السياسية والنتائج الميدانية.
فالتجارب الدولية تظهر أن فقدان الثقة المجتمعية غالباً ما يبدأ عندما تتأخر النتائج الملموسة رغم الخطاب الدولي المرتفع.
يمكن القول إن مستقبل “مجلس السلام” لن يتحدد فقط بقدرته على إعادة إعمار غزة، بل بمدى نجاحه في تحقيق معادلة دقيقة بين الشرعية الدولية، والقبول المحلي، والاستقرار الأمني، والتنمية الاقتصادية، وأي اختلال في أحد هذه العناصر قد يحول المبادرة من إطار لإدارة الاستقرار إلى مصدر جديد لإعادة إنتاج الصراع بصيغ مختلفة.
الخلاصــة والاستنتاجــات
تُظهر متابعة الاجتماع الأول لـ “مجلس السلام” في واشنطن (19 فبراير 2026) أن هناك تحوّلًا مهمًا في إدارة النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي، يتمثل في محاولة إعادة هندسة إدارة الصراع من منظور دولي–أمني–اقتصادي خارج الأطر التقليدية للأمم المتحدة ومجلس الأمن، ويستخلص من التحليل عدة استنتاجات رئيسية:
- موازين القوى الدولية: المجلس يعكس تركيزًا أمريكيًا واضحًا على إدارة النزاع خارج النسق التقليدي للمنظمات الدولية، وهو تحول في استراتيجية إدارة النزاعات، ويعيد ترتيب الأولويات بين الأطراف الدولية والإقليمية.
- السلام مقابل التنمية: نموذج المجلس يميل إلى السلام المشروط، حيث ترتبط التنمية الاقتصادية والاستقرار بالتحولات الأمنية والسياسية، ما يطرح تحديات للسيادة المحلية واستقلال القرار الفلسطيني، ويضع المجتمع الفلسطيني في موقع تبعية جزئية للممول الدولي.
- الشرعية المحلية والفلسطينية: هناك فجوة واضحة بين رؤية المجلس ومفهوم الشرعية الفلسطينية؛ فالفلسطينيون يتطلعون إلى حل سياسي يعتمد على السيادة الوطنية والمشاركة الحقيقية، بينما يطرح المجلس نموذجًا إداريًا وتقنيًا قائمًا على دعم دولي مشروط، مما يثير مخاوف من تهميش القيادة الفلسطينية التقليدية وتفكيك النسيج الاجتماعي والسياسي.
- الأبعاد الأمنية والقانونية: القوة الدولية المقترحة (ISF) تمثل محاولة لإرساء استقرار سريع، لكنها تثير تساؤلات حول شرعية التدخل وفق القانون الدولي وحق تقرير المصير، بالإضافة إلى قدرة هذه القوة على التعامل مع استمرار وجود فصائل المقاومة.
- الأثر الاقتصادي والمجتمعي: المشاريع الكبرى مثل الموانئ والطاقة والسكن قد توفر فرص عمل وتحسن البنية التحتية، لكنها مرتبطة بشروط سياسية وأمنية مشددة، ما يطرح تحديات الاستدامة الاقتصادية والقدرة على إدارة التنمية بشكل مستقل.
- الدور الدولي والإقليمي: المجلس يُطرح كمنصة بديلة عن الأمم المتحدة، وهو ما أثار تحفظات دبلوماسيين أوروبيين ودوليين، ويعيد النقاش حول كيفية الحفاظ على التوازن بين التدخل الدولي وشرعية الأمم المتحدة في إدارة النزاعات.
ونجاح نموذج “مجلس السلام” رهين بتحقيق توازن دقيق بين:
- الشرعية الدولية والمصداقية القانونية،
- المشاركة المحلية الفلسطينية،
- السيادة الفلسطينية على القرار السياسي،
- إدارة التنمية والأمن بشكل متكامل ومستدام.
في حال فشل المجلس في تحقيق هذا التوازن، فإنه من المرجح أن يتحول إلى منصة لإدارة النزاع وليس لحله، حيث يقتصر دوره على فرض ترتيبات مؤقتة وإدارية على غزة، دون معالجة جذور الصراع السياسي والاجتماعي، لذلك، فإن أي استراتيجية مستقبلية يجب أن تأخذ في الاعتبار دمج الفلسطينيين في صنع القرار، وضمان استدامة التنمية، واحترام القواعد القانونية الدولية لضمان شرعية وفعالية أي تدخل مستقبلي.
التـوصيــــات
- ضمان مشاركة فلسطينية حقيقية في صياغة وتنفيذ أي خطة لإعادة الإعمار أو الاستقرار، بحيث لا يقتصر الدور على وظائف إدراية أو تقنية، بل يشمل اتخاذ القرارات الاستراتيجية، إدارة الموارد، ومراقبة تنفيذ السياسات.
- تشجيع التوافق بين الفصائل الفلسطينية لتقوية التمثيل الشعبي والسياسي في أي هيئة إدارية أو مجلس دولي يتعامل مع غزة.
- دمج دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن لضمان توازن الشرعية الدولية، وتقليل مخاطر الانفراد بالقرارات من قبل أطراف محددة.
- تأطير أي قوة دولية ضمن قواعد القانون الدولي، مع تحديد مهام واضحة وصلاحيات محدودة تحترم السيادة الفلسطينية، وحق تقرير المصير، وتجنب خرق القوانين الدولية المتعلقة بالتدخل العسكري.
- وضع آليات واضحة لصرف التمويل الدولي تكون مرتبطة بمعايير الشفافية والمساءلة، مع تفادي ربط التنمية الاقتصادية بالشروط السياسية الضيقة التي قد تقلص حرية الفلسطينيين في اتخاذ القرار.
- دعم مشاريع التنمية المستقلة محليًا، بما في ذلك إشراك القطاع الخاص الفلسطيني والمغتربين، لإنشاء نموذج اقتصادي مستدام يقلل من تبعية القطاع للممول الدولي.
- تصميم مهام القوة الدولية بحيث تدعم الشرطة الفلسطينية وتعمل كمساند وليست كقوة احتلال، مع مراعاة قواعد الاشتباك القانونية والقيود على استخدام القوة.
- تبني استراتيجيات استقرار ذكية تشمل توازنًا بين المراقبة التقنية وحماية الحقوق المدنية، مع إشراك المجتمع المحلي في عمليات المراقبة والمساءلة.
- دعم المسارات الشعبية المدنية والمبادرات المجتمعية لإدارة الخدمات والإعمار بما يعزز استقلال القرار الفلسطيني ويحد من فرص فرض وصاية خارجية.
- استخدام القنوات الحقوقية والإعلامية الدولية للضغط على الأطراف الدولية للمحافظة على حقوق الفلسطينيين وضمان التوازن بين التنمية والأمن والسيادة.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مارس 2026



