من التضامن إلى الفاعلية الإقليمية: مستقبل الدور التركي في غزة بعد الحرب

تحليل استراتيجي-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي

تُبرز هذه الورقة دور تركيا كمرشّح بارز للمشاركة في لعب دور قوي في غزة أو في إعادة إعمارها، ليس فقط عبر تضامن رمزي، بل عبر إمكانات سياسية، إنسانية واستراتيجية.

ومن النتائج الأساسية: أن البيئة الداخلية في تركيا (ضغوط سياسية، رأي عام مؤيد للقضية الفلسطينية، أزمات اقتصادية) دفعت أنقرة نحو تبني موقف دعم مميّز لقطاع غزة.

كما أن البيئة الإقليمية والدولية — رغم التعقيد (مواقف الكيان الإسرائيلي، تحفظ بعض الدول العربية، تشابك قضايا أمنية في سوريا والمنطقة) — تتيح لتركيا فرصة دور إقليمي محتمل إذا ما استغلت الفرصة بحكمة، ومن بين السيناريوهات المحتملة: مشاركة تركية‑قطرية في إعادة الإعمار تبدو الأكثر واقعية في المدى القريب، بينما السيناريو الشامل يتطلب توافقًا عربيًا‑إسرائيلياً، والسيناريو المحدود يُلقي بغزة في مأزق إنساني، والتوصية المركزية للفلسطينيين: توحيد الموقف الفلسطيني — فصائل، سلطات، مجتمع مدني — لاستثمار الفرصة التركية ، مع التركيز على البعد الإنساني والتنمية (إعمار، بنى تحتية، خدمات)، وتأسيس آليات شفافة لإدارة أي دعم خارجي.

مقدّمة

تشهدُ القضية الفلسطينية، ومعها مستقبل قطاع غزة تحديدًا، منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، تحولات مفصلية على الصعيد الإقليمي والدولي، دفعت إلى إعادة قراءة دور القوى المحورية في الصراع — ليس فقط كدول مراقبة، بل كفاعلين محتملين في تحديد شكل ما بعد الحرب، وفي هذا السياق، برزت دولة جمهورية تركيا كلاعب إقليمي محوري عبر مواقف رسمية وشعبية وتحركات دبلوماسية وإنسانية، مما أثار جدلاً واسعاً حول مدى جدّية هذا الدور، وواقعية تحوّلها من “مساند رمزي” إلى “فاعل مؤثر على أرض الواقع”.

إن هذه الورقة تهدف إلى تحليل مستفيض لهذا التحوّل المحتمل؛ فهي لا تكتفي بسرد مواقف أو بيانات — بل تسعى لفهم العوامل الداخلية والخارجية التي تشكّل رؤية أنقرة، وتقيّم إمكانيات تركيا وقدرتها على ترجمة خطابها إلى واقع ملموس في غزة، كما تستشرف السيناريوهات المستقبلية لدور تركي في “اليوم التالي” للحرب، وتقدّم توصيات — خاصة لفلسطينيين — للاستفادة القصوى من هذه الديناميكية، في إطار يحافظ على الشرعية والمصلحة الوطنية.

تكتسب هذه الدراسة أهميتها من واقع أن تركيا تمتلك عدداً من الميزات الفريدة: علاقات تاريخية مع الساحة الفلسطينية، قدرة على النفوذ الإقليمي عبر أدوات متعددة (دبلوماسية، إنسانية، تنموية)، وقابلية لدور وساطة — لا سيما أن العلاقات مع فصائل فلسطينية (مثل حركة حماس) تمنحها قدرة تواصل لا تتاح لمعظم الدول العربية.

لكن هذه الميزات لا تضمن النجاح أو الاستمرارية: فالبيئة الإقليمية شديدة التعقيد، والتوازنات الدولية متقلبة، والقيود الأمنية والاقتصادية قائمة — ما يضع أمام أنقرة خيارين: إما الاستثمار الذكي في دور بناء ومتوازن، أو الخروج من الباب من دون تحقيق تأثير فعلي.

من هنا، تنطلق الورقة من فرضية مفادها أن “الدور التركي” اليوم يواجه مفترق طرق: إما أن يتحول إلى رافعة حقيقية لإعادة إعمار غزة وتعزيز القضية الفلسطينية، أو أن يبقى محدوداً شكلياً — وربما يُهمل — إذا لم تُدار عملية الشراكة بحكمة.

بهذا الإطار، تأمل الورقة أن تسهم في فتح نقاش جاد وهادئ حول “مكانة تركيا” في مسار غزة ما بعد الحرب، وتزوّد صناع القرار، والباحثين، والشخصيات المعنية بخريطة طريق واضحة تستند إلى قراءة واقع موضوعية وتحليل استراتيجي.

  1.  الإطار النظري والمفاهيمي

في سياق التحولات العميقة التي يشهدها النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، تبرز سياسات الدول الإقليمية كمفتاح لفهم ديناميات الصراع والتوازنات، ويُعدّ تركيا مثالاً مناسِباً على هذا النمط،و تعتمد هذه الورقة على فرضية مفادها أن السياسة التركية تجاه القضية الفلسطينية، لا سيما في حرب غزة، لا تُفهم بوصفها مجرد رد فعل أخلاقي أو إنساني، بل كجزء من استراتيجية أطول أمداً تهدف إلى الفاعلية الإقليمية عبر مزيج من أدوات القوة الناعمة والصلبة، والتفاعل بين البُعدين الأخلاقي والاستراتيجي.

مفاهيم محورية

  • الفاعل الإقليمي: يُقصد به الدولة التي تتجاوز نشاطها حدودها الوطنية التقليدية وتشارك بفعالية في بنية النظام الإقليمي من خلال أدوات متعددة (دبلوماسية، اقتصادية، عسكرية، إنسانية).
  • القوة الناعمة / القوة الذكية: مفهومان يُعبّران عن قدرة الدولة على التأثير من خلال الجاذبية أو الشراكة وليس فقط من خلال القمع أو القوة العسكرية.
  • الفاعلية الإقليمية: مرحلة تتجاوز الاستخدام التقليدي للقوة، وتُعبّر عن قدرة الدولة على تشكيل قواعد اللعبة الإقليمية، وبلورة تحالفات وفاعليات، وتوجيه توازنات القوى.
  • التحول في سياسة تركيا الخارجية: يُشير إلى تغيير الأولويات والعلاقات التركية — من اعتماد أكبر على علاقات تقليدية مع الكيان الإسرائيلي إلى انخراط أوسع نحو القضية الفلسطينية، وتبنٍ أكثر وضوحاً لدور تركي فاعل في الشرق الأوسط.

التفسير التركي للموقف تجاه القضية الفلسطينية

ضمن هذا الإطار، يمكن تفسير الموقف التركي تجاه القضية الفلسطينية والإجراءات التركية في حرب غزة على أنه محصلة بين:

البُعد الأخلاقي: حيث تسعى تركيا إلى تعزيز صورتها كمدافع عن العدالة الإنسانية وحقوق الفلسطينيين، مستفيدّة من خطاب يحمل قيمة رمزية وأخلاقية.

البُعد الاستراتيجي: حيث تسعى تركيا إلى تعزيز نفوذها الإقليمي وتوسيع مجال تأثيرها، مستعينة بأدوات عدة — منها الدبلوماسية، والشراكة الإنسانية، والاقتصادية، والعسكرية.

وبالتالي، لا يكون الموقف التركي عبارة عن تضامن تلقائي فقط، بل عن سياسة استراتيجية مدروسة ضمن سياق أوسع.

2.  المحددات الداخلية للدور التركي

تحليل العوامل الداخلية التي تشكّل الموقف التركي يُظهر ثلاث محاور رئيسية: الضغوط السياسية الداخلية، الأزمة الاقتصادية، والرأي العام التركي تجاه الحرب على غزة، وتتداخل هذه المحاور لتشكّل معاً الإطار الداخلي الذي تعمل ضمنه أنقرة، وتضع حدوداً وإمكانات لدورها.

الضغوط السياسية الداخلية

الحكومة التركية، بقيادة رجب طيب أردوغان وحلفائها (مثل حزب العدالة والتنمية)، واجهت ضغوطاً متنامية من داخل الوسط السياسي والجمهور لاتخاذ موقف أكثر تشدّداً تجاه قطاع غزة والكيان الإسرائيلي، فعلى سبيل المثال، وُقّع بيان مشترك من جميع القوى السياسية في البرلمان التركي بتاريخ 17 أكتوبر 2023 يُدين الكيان — ما يُشير إلى توافق نسبي في الرأي الداخلي حول القضية الفلسطينية.

ولعل الانتخابات البلدية التي جرت في 31 مارس 2024 شكّلت عامل ضغط إضافي: إذ لاحظ المراقبون أن الخسارة التي مُني بها حزب العدالة والتنمية للمرة الأولى منذ سنوات حملت في طياتها بعداً مؤشّرياً حول شعور الناخب التركي بعدم الرضا عن الأداء، خاصة الاقتصادي، لكن أيضاً عبر وسيط الشعور الوطني تجاه القضية الفلسطينية.

من جهة التحليل: الضغط السياسي الداخلي يُجبر تركيا على رفع نغمة خطابها وتوظيف القضية الفلسطينية في سياق “مواقف تتماشى مع الرأي العام”، لكن هذا لا يعني بالضرورة تغيّراً جذرياً فورياً في السياسات؛ إذ ما تزال المصالح الاقتصادية والاستراتيجية تمارس ضغوطاً معوقة.

الأزمة الاقتصادية

تمثّل الأزمة الاقتصادية في تركيا عاملاً أساسياً يُقيّد أفعال السياسة الخارجية ويُوجّهها في الوقت ذاته نحو مُعالجة الضغوط الداخلية، وهذا الوضع الاقتصادي، إلى جانب تراجع قيمة الليرة التركية وارتفاع تكاليف المعيشة، جعل الحكومة في أنقرة تُعيد ترتيب أولوياتها: من استثمار اقتصادي أوسع مع الكيان الإسرائيلي إلى موازنة ضرورية بين المبادئ والمصالح، ومثلاً، مسار التطبيع مع الكيان في مجال الطاقة، الذي بدأ قبل اندلاع الحرب على غزة، بدا أنه تأثر بالضغوط الاقتصادية التركية التي تطلبت جذب استثمارات وخيارات تنموية، لكن تدخّل العدوان على غزة أعاد الأنظار إلى بعد أخلاقي-استراتيجي للعلاقات التركية.

من التحليل: الأزمة الاقتصادية تعمل كعامل “محدِّ “للسياسة الخارجية — فهي تُجبر تركيا على إبقاء “مسار متوازن” بين الطموح في الدعم الفلسطيني والمصلحة في العلاقات الاقتصادية مع الكيان الإسرائيلي ودول الغرب، وهذا التوازن قد يفسّر لماذا تركيا تُعلِن مواقف قوية لكنها في بعض المناسبات تقيّد تنفيذها أو تؤجّله.

الرأي العام التركي والحرب على غزة

الرأي العام التركي يشكّل بعداً داخلياً حاسماً، وفق بيانات متعددة، يظهر أن نسبة كبيرة من الأتراك تُعبّر عن دعم للقضية الفلسطينية، وعلى سبيل المثال، أوردت مصادر رسمية أن التضخّم قد بلغ مستويات تؤثر مباشرة على معيشة المواطن التركي، مما يزيد من حساسية الرأي العام تجاه القضايا الوطنية والإقليمية.

فعلاً، استطلاع رأي في تركيا أشار إلى أن “معظم الأتراك” يرون القضية الفلسطينية قضيتهم، وهو ما يجعل من الصعب على الحكومة تجاهلها سياسياً، وهذا الضغط الشعبي يعزّز الجانب الأخلاقي في الموقف التركي، لكنه في الوقت ذاته يولّد تحدياً للحكومة: كيف تدعم فلسطين دون أن تُضمر مصالحها الداخلية؟
من التحليل: الرأي العام يُعدّ “قوة دفع” نحو تشدّد الخطاب، لكنه ليس بالضرورة قوة تنفيذ — لأن الحكومة تُراعي معادلات القوة والمصالح، لذا نرى في السياسات التركية مزيجاً بين “خطاب تضامني قوي” و”سنوات تنفيذ أكثر حذراً”.

يمكن القول إن العوامل الداخلية تُؤسّس لموقف تركي أكثر تشدّداً ومتجاوباً مع القضية الفلسطينية، لكنها في الوقت نفسه تُقيّد هذا الموقف بحدود واضحة، فالضغوط السياسية تجبر الحكومة على المضي قدماً في الخطاب، والأزمة الاقتصادية تُلزمها بإدارة مصارِع المصالح، والرأي العام يُعطيها شرعية أكبر لكنها لا تستبدل أولويات الدولة.

وبالتالي، فإن دور تركيا في غزة يُقرأ داخلياً كخيار متوازن بين تعزيز النفوذ والتعبير الأخلاقي من جهة، وبين الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والسياسي الداخلي من جهة أخرى.

3.  المحددات الخارجية للدور التركي

يتحدد موقع قطاع غزة في سياسات جمهورية تركيا من خلال سياق إقليمي ودولي متعدد الأبعاد، منها الصراع التركي-الإسرائيلي في سوريا، ودور العواصم العربية، وتحولات الموقف الأوروبي والأميركي، وتحليل هذه المحاور يُساعد على فهم ماذا يمكن لتركيا أن تفعل فعلياً وما هي القيود التي تواجهها .

الصراع التركي-الإسرائيلي في سوريا

من أبرز المحددات الخارجية دخول تركيا والكيان الإسرائيلي في صراع جيوسياسي متداخل داخل سوريا، ما يُؤثّر على قدرة تركيا في الملف الفلسطيني/غزّة، فبعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 تحولت سوريا إلى ساحة تنافس مباشر بين أنقرة وتل أبيب.

 تركيا توسّعت في شمال سورية، وأنشأت حضوراً عسكرياً وإدارياً في مناطق مثل جرابلس ورأس العين، ما يعكس رؤيتها لتوسيع “منطقة نفوذ” شمالي سوريا، والمقابل، زاد الكيان الإسرائيلي ضرباته الجوية داخل سوريا ضد ما تُعدّه تهديداً: مثلاً استهداف قاعدة T4 في ريف حمص التي كانت تركيا تُقيّم إمكانية استخدامها.

من تحليل هذا الواقع: عندما تُعتبر سوريا جزءاً محورياً في الاستراتيجية التركية، فإن دعم تركيا لغزة لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن تحفظاتها الأمنية في الحدود السورية، ولذا، تركيا تواجه معادلة صعبة: دعم القضية الفلسطينية والمواجهة الرمزية مع الكيان الإسرائيلي من جهة، وتجنّب الاشتباك المباشر في سوريا من جهة أخرى. هذا يُبرّر لماذا الموقف التركي رغم تصاعده الخطابي، إلا أنه يُمارَس بحذر عملي.

العواصم العربية ودورها

الدور التركي في غزة يتفاعل أيضاً مع موقف بعض الدول العربية التي تميل إلى “التطبيع” مع الكيان الإسرائيلي أو التي تخشى من توسّع النفوذ التركي، فعلى سبيل المثال، دول مثل مصر والإمارات العربية المتحدة تتحفّظ في كثير من الحالات على أن تصبح تركيا هي اللاعب الأوّل في قطاع غزة أو في إعادة الإعمار بعد الحرب، خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى تقليص نفوذها أو تغيير ميزان القوى الإقليمي.

هذا التحفّظ يُشكّل قيداً عملياً أمام أنقرة: ففي حين يمكنها عرض مبادرات دبلوماسية وإنسانية، إلا أن تنفيذها على الأرض يحتاج إلى قبول من دول عربية مؤثرة — ما يضع حدوداً لقدرتها على العمل المنفرد أو الإقصاء.

من التحليل: هذا يعني أن تركيا ليست الفاعل الوحيد، بل تعمل ضمن شبكة علاقات إقليمية تتداخل فيها مصالح متعددة، وربما تضطر لتوفير “ضمانات” أو “تنسيقات” مع بعض العواصم العربية كي لا تكون مواجهتها مع الكيان الإسرائيلي أو دخولها في غزة مدخلًا لصدامات إقليمية أوسع.

تحولات الموقف الأوروبي والموقف الأميركي

الموقف التركي أيضاً يتأثّر بتغيّرات في البيئة الدولية:

في أوروبا، نشهد تحوّلات في الموقف تجاه الكيان الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، حيث بدأت بعض الدول الأوروبية تُعبّر عن نقد صريح لسياسات الحكومة الإسرائيلية في غزة، وهذا بدوره يوفّر “غطاءً” إضافياً لخطاب تركيا.

أما في الولايات المتحدة الأميركية، فعودة دونالد ترمب أو تغيّر المواقف الأميركية تُشكّل عامل عدم يقين لتركيا: فهي قد تُستدعى كشريك في إعادة إعمار غزة أو الوساطة، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن تُستخدم كمكوّن في رؤية أميركية تخصع للكيان الإسرائيلي أو لإعادة ترتيب النفوذ في الشرق الأوسط.

تحليل هذا البعد: موقع تركيا ليس مستقلاً تماماً، فهو يتفاعل مع تحوّلات الخارج، ما يعني أن فرصها وقدراتها في غزة مرتبطة بما تقبله القوى الدولية ـ الإقليمية الأخرى، وبالتالي فإن كتابتها لسياسة مستقلة بالكامل تُعدّ مضبوطة بإقامة حدود في المدى. ومن أمثلة ذلك، بحسب تحليل صادر، أن تركيا تحاول أن تجد لنفسها “صوتاً مُعترفاً به” في مفاوضات غزة من واشنطن، لكن أيضاً تتجنّب أن تُحال إلى مجرد “ذراع” أميركية أو إسرائيلية.

4. النقاط الراهنة للتوتر والتصعيد في العلاقات التركية-الإسرائيلية

منذ اندلاع العدوان الأخير على غزة، شهدت العلاقات بين تركيا والكيان الإسرائيلي تصعيداً ملموساً، وتحوّلت من حالة توتر دبلوماسي واقتصادي إلى ميدان أوسع يشمل الأمن القومي والاستراتيجية الإقليمية. هذا القسم يستعرض أهم محاور التصعيد، ويحلّل دوافعها ودلالاتها.

من دبلوماسية التوتر إلى بُعد أمني-استراتيجي

بحسب تحليل صادر في نوفمبر 2025، العلاقة بين تركيا والكيان الإسرائيلي “في مسار تنازلي ثابت”، مع تكوين الكيان لحلف وتقوية علاقاته العسكرية مع دول الجوار لتقليص نفوذ أنقرة.

من جهة الأزمة السورية، طرحت تركيا والكيان الإسرائيلي آليات “تجنّب تصادم” لكن التوتر تزايد بسبب توسّع النفوذ التركي شمال سوريا وتضخّم المشاركة العسكرية التركية، الأمر الذي تراه تل أبيب تهديداً مباشراً.

كذلك، حذّرت تركيا من صفقة تسليح بين الكيان الإسرائيلي وقبرص الجنوبية (المعترف بها دولياً)، معتبرة أن هذه الصفقة تُعدّ “زعزعة للاستقرار في شرق المتوسط”.

هذا كله يعكس تحولاً: لم يعد الحديث فقط عن مواقف أخلاقية تجاه القضية الفلسطينية، بل عن قراءة تركية-إسرائيلية للصراع باعتباره يمتد إلى “ساحة تُعرّض الأمن القومي التركي للمخاطر” ، وعلى سبيل المثال، تركيا باتت تنظر إلى إمكانية استهداف إسرائيلي داخل أراضيها باعتباره احتمالاً يجب أخذه على محمل الجد.

محفّزات التصعيد ودوافعه

توسّع النفوذ التركي في سوريا وخطر قرب الحدود: توسّع الوجود التركي في الشمال السوري يقلق الحكومة الإسرائيلية من أن أنقرة قد تستعمل قواعد قريبة للعمليات ضد الكيان الإسرائيلي، أو تفتح جبهة إضافية.

تسليح الكيان الإسرائيلي لدول الجوار، وتكوين محاور مضادة لتركيا: في السياق ذاته، نشرت أن الكيان الإسرائيلي وقبرص (وأحياناً اليونان) تعزّزان تعاونها الدفاعي، ما ينظر إليه الجانب التركي باعتباره “نعكاساً على تركيا” وليس مجرد توسّعٍ دفاعي.

استغلال تركيا للقضية الفلسطينية لتعزيز صورتها الإقليمية: بينما تستخدم تركيا خطاباً قوياً تجاه الكيان الإسرائيلي بخصوص غزة، يرى محللون أن هذا الخطاب يُترجَم إلى سياسات وتوجيهات استراتيجية تُقلق الحكومة الإسرائيلية، لأنه يشير إلى أن أنقرة لم تعد فاعلاً خارج إطار غزة فقط، بل في الساحة الإقليمية ككل.

دلالات هذه العلاقات على الدور التركي في غزة

أولاً، التصعيد يُبيّن أن تركيا ترى القضية الفلسطينية ــ وبالأخص غزة ــ ليس فقط من زاوية إنسانية، بل كجزء من مشروع أوسع يُمثّل حضوراً استراتيجياً.

ثانياً، محدودية الخيارات التركية تظهر: فعلى الرغم من الخطاب التصعيدي، فإن أنقرة تسعى تجنّب مواجهة مباشرة مع الكيان الإسرائيلي، ما يعكس إدراكها لقيودها وتحفّظاتها الداخلية والخارجية (اقتصادية، أمنية، دبلوماسية).

ثالثاً، هذا التصعيد يشكّل فرصة ومخاطرة للدور التركي: فرصة لتعزيز النفوذ والمكانة الإقليمية، ومخاطرة بأن تتحوّل إلى طرف في مواجهة مفتوحة مع الكيان الإسرائيلي أو تُستثنى من تسويات مستقبلية في غزة بسبب مواقفها.

5. سيناريوهات مستقبلية للدور التركي في غزة

المتغيرات الحاسمة التي تؤثّر في مآل الدور التركي

قبل الخوض في السيناريوهات، من المهم تحديد المتغيرات التي قد تحدد أي مسار سيتخذ مستقبلًا:

  • موقف الحكومة الإسرائيلية من مشاركة تركية في إدارة ما بعد الحرب، سواء في إعادة الإعمار أو قوة حفظ سلام/استقرار في غزة.
  • موقف الدول العربية خصوصًا دول مثل مصر، قطر، دول الخليج من إشراك تركيا، ومدى استعدادها للتعاون أو التنافس معها.
  • الموقف الأميركي والدولي تجاه دور تركيا في غزة، خاصة في ضوء خطط وقف النار، إعادة الإعمار  والتبرعات المالية.
  • القدرات الاقتصادية والمالية التركية على المدى المتوسط — أي مدى قدرة أنقرة على تمويل / دعم مشاريع إعادة الإعمار، والموازنات المطلوبة.
  • الوضع الأمني / السياسي في غزة — إذا تم نزع سلاح الفصائل، أو تغيير إداري داخلي، أو إشراك سلطة فلسطينية، فهذا يُعيد تكوين بيئة عمل لأي جهة مشاركة.
  • الديناميكية الإقليمية: تطورات في سوريا، شرق المتوسط، التحالفات الإقليمية — كل هذه تؤثر على موازين النفوذ وعلى حسابات تركيا.

السيناريوهات المحتملة

في ضوء المتغيرات أعلاه، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة لدور تركيا في غزة:

السيناريو (أ) “انخراط جميع اللاعبين”

الفرضية: الكيان الإسرائيلي، الدول العربية، وفلسطينيون — يتوصلون إلى اتفاق للتسوية؛ يُعاد بناء غزة ضمن آلية دولية/عربية/فلسطينية تشمل مشاركة تركيا، مع إشراف سلطة فلسطينية (أو هيئة دولية)، وتتم عملية إعادة الإعمار بصورة متكاملة.

الفرص: تركيا تُصبح شريكًا مؤثّراً — سياسياً، إنسانيًا، وتنموياً — في “اليوم التالي” لغزة؛ مشروع إعادة الإعمار يلقى شرعية عربية ودولية؛ دور تركيا يُعدّ بناء وليس مجرّد خطاب.

التحديات: يتطلب موافقة الحكومة الإسرائيلية (أمنياً وسياسياً)، ورضى عربي — وهو أمر صعب في ظل التنافس على النفوذ؛ كما يتطلب تمويلًا ضخمًا (أعباء إعادة إعمار كبيرة).

السيناريو (ب) “هيمنة تركية‑قطرية / مبادرة ثنائية – إقليمية

الفرضية: تفشل الدول الكبرى (بعض الدول العربية أو دول غربية) في الاتفاق أو تتريث؛ تركيا وقطر — وربما جهات داعمة — تملآن الفراغ، وتقدّمان عرضًا لإعادة الإعمار والدعم، ضمن تكتّل عربي/إقليمي محدود.

الفرص: تركيا تُترجم نفوذها إلى واقع ميداني عبر البناء والإعمار والمساعدات الإنسانية، وتُبرز نفسها كلاعب إقليمي مستقل؛ يمكن أن تستفيد من شبكة علاقاتها ودبلوماسيتها.

التحديات: معارضة إقليمية أو دولية (بعض الدول العربية) خشية “هيمنة تركية” أو زعزعة موازين النفوذ؛ رفض إسرائيلي لأي مشاركة تركية تؤدي إلى تموضع دائم؛ إمكانية تسليط ضغوط غربية على تركيا.

السيناريو(ج) “الجمود أو الدور المحدود”

الفرضية: الحكومة الإسرائيلية ترفض المشاركة أو تعقّد الشروط؛ الدول العربية تتريث أو ترفض مشاركة تركية ناجزة؛ تركيا — بسبب ضغوط داخلية/خارجية — تكتفي بدور دعم إنساني أو شكلي، دون إدارة فعلية أو مشاركة أمنية.

النتائج المحتملة: غزة تعتمد على مساعدات دولية أو مشروعات جزئية، دون إعادة إعمار شاملة؛ الدور التركي يبقى شكليًا أو محدودًا؛ نفوذ أنقرة في الملف الفلسطيني يتقلّص، وقد يُنظر إليه كفرصة ضائعة.

مناقشة السيناريوهات

بحسب المعطيات الحالية في ظل تصاعد التوتر مع الكيان الإسرائيلي، تجميد التجارة، فتح قنوات دبلوماسية تركية مع دول عربية وإقليمية، واستعداد تركي للمشاركة في إعادة الإعمار، يبدو أن السيناريو الأرجح في المدى القريب هو سيناريو “مشاركة تركية‑قطرية / مبادرة إقليمية”.

هذا السيناريو يوفر لتركيا فرصة لتحويل خطابها إلى واقع ملموس، دون انتظار توافق عربي–إسرائيلي الذي يبدو شبه مستحيل في المدى القريب، بينما يمنحها هامش حركة واسعًا، ولكن هذا يتطلب حذرًا كبيرًا: إدارة حساسة لتوازن القوى، تواصل دبلوماسي مع دول عربية، وضمانات مالية ولوجستية.

الخــلاصــــة

منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر 2023، برزت تركيا كلاعب إقليمي محوري يسعى إلى ترجمة مواقفه من التضامن مع القضية الفلسطينية إلى فاعلية عملية في “اليوم التالي” لغزة، ولكن هذا الدور الجديد لا يتشكل في فراغ: هو نتاج تفاعل بين عوامل داخلية (ضغوط سياسية، أزمة اقتصادية، رأي عام) وعوامل خارجية (الصراع الاستراتيجي في سوريا، الصراع التركي–الإسرائيلي، الموازنة بين القوى العربية والإقليمية، التحولات في الموقف الأميركي والدولي).

تحليل الورقة يقود إلى استنتاجات رئيسية:

  • تركيا اختارت مقاربة هجينة: دعم رمزي/خطابي للقضية الفلسطينية + خطوات عملية (مقاطعة اقتصادية، تجميد التجارة، إغلاق الموانئ والمجال الجوي أمام الكيان الإسرائيلي، دعم إغاثة غزة) — ما يبرز تحولاً نحو “القوة الناعمة – الذكية” وفاعلية إقليمية.
  • الدور التركي في غزة بعد الحرب بات جدّيًا: هناك توافق دولي وإقليمي نسبي حول أن يكون لتركيا مكان في إدارة “اليوم التالي” في غزة، سواء عبر إعادة إعمار أو تنسيق مساعدات، رغم رفض إسرائيلي متكرر.
  • إمكانيات النفوذ التركي مدعومة بعوامل داخلية وخارجية: اقتصادياً، تركيا تخلّت عن جزء من المصالح مع الكيان الإسرائيلي رغم الأضرار المحتملة في مقابل مكاسب سياسية ودعم شعبي داخلي، سياسياً، علاقات تركيا مع فصائل فلسطينية (مثل حماس) وخطابها المناصر للفلسطينيين أضفى عليها مصداقية وسط الشارع العربي والإسلامي.
  • مع ذلك، فإن الدور التركي يواجه قيودًا واضحة: تحفظ إسرائيلي قوي، تخوف من بعض الدول العربية من “هيمنة تركية”، حاجة إلى تمويل ضخم لإعادة الإعمار، وتداخل مصالح تركية — ما يجعل تحقق دور مركزي ضمن سيناريو طموح مشروطاً بعوامل عديدة.

التوصيات

  1. صياغة موقف فلسطيني موحَّد تجاه تركيا (فصائل، سلطات، مؤسسات مدنية) ليُظهر أن مشاركة تركيا ليست تخصُّصًا فصيليًّا وإنما خيارٌ وطني.
  2. إعادة تفعيل دور ممثلي فلسطين في أنقرة (سفارة فلسطين، الجاليات، الطلبة، المؤسسات الأهلية) ليكونوا جسرًا بين المجتمع التركي والجانب الفلسطيني؛ بحيث يُظهروا أن الشراكة مع تركيا تخدم مصلحة فلسطينية حقيقية.
  3. استثمار العلاقات التركية–الدولية لتعزيز الموقف الفلسطيني دولياً التنسيق مع تركيا لرفع الصوت الفلسطيني على الصعيد الدولي — من خلال الدبلوماسية التركية مع دول أوروبا، العالم الإسلامي، المنظمات الدولية — لاستصدار قرارات دعم، حماية، إعادة إعمار.
  4. المشاركة الفعالة في صناديق إعادة الإعمار والمشاريع التنموية وتشكيل هيئة فلسطينية مستقلة (بحضور الحكومة، الفصائل، المجتمع المدني) تكون مسؤولة عن استقبال المساعدات وإدارة المشاريع بالشراكة مع تركيا أو دول داعمة، مع نظام شفافية محكم.
  5. دعم الإصلاح الفلسطيني الداخلي — مؤسسات، شفافية، مشاركة — حتى تكون غزة قادرة على إدارة نفسها عند إعادة الإعمار، ما يعزز مصداقية أي شراكة خارجية.
  6. تشجيع منظمات مجتمع مدني فلسطينية (داخل غزة، الشتات، الشتات في تركيا) على التعاون مع نظيراتها التركية في مشاريع دعم وإغاثة، توثيق، إعلام، تعليم.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية- ديسمبر2025

شارك:

المزيد من المقالات

المسجد الأقصى بين الطوارئ والسياسة: الإغلاق كأداة لإعادة تشكيل الواقع

تستعرض هذه الورقة تحليلًا استراتيجيًا لإجراءات إغلاق المسجد الأقصى خلال الحرب الإقليمية، وتقييم أثرها على الواقع الفلسطيني، وتشير التجارب التاريخية إلى أن الإغلاقات المؤقتة غالبًا ما تتحول إلى ممارسات دائمة، مما يهدد الوضع التاريخي والقانوني للمسجد.

الفجوة السلطوية في غزة: تداعيات عرقلة الاحتلال لاستلام اللجنة الوطنية لمهامها وانتقال الإدارة الحكومية

إن عرقلة انتقال الإدارة المدنية لا تنتج فراغًا عرضيًا، بل تخلق نموذج حكم انتقاليًا يبقي غزة في منطقة رمادية بين الاحتلال والإدارة الذاتية غير المكتملة — وهي الحالة التي تصفها الورقة بـ”الفجوة السلطوية”.