تقدير موقف-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
تبحث الورقة في طبيعة الدور الدولي المتصاعد في غزة بعد الحرب، بوصفه أحد أهم محددات المرحلة المقبلة على المستويين السياسي والإنساني، وترصد الورقة أن تدخل المنظمات الدولية يجري اليوم في بيئة معقدة في ظل محاولات الاحتلال استثمار هذا الواقع لإعادة تشكيل المشهد الغزي بما يخدم أهدافه الأمنية والسياسية.
وتبيّن الورقة أن المنظومة الدولية – بمؤسساتها الأممية وغير الحكومية – تتحرك ضمن ثلاثة دوافع رئيسية: منع الانهيار الإنساني، وإدارة الفراغ الإداري، وتقييد سيناريوهات ما بعد الحرب بما يتوافق مع مصالح الأطراف المؤثرة.
وتخلص الورقة إلى أن تعزيز القدرة الفلسطينية في الحوكمة، وتثبيت السيادة على القرار الإنساني والإغاثي، ووضع ضوابط واضحة للتدخل الدولي، تشكل عناصر حاسمة لمنع انزلاق غزة إلى نماذج إدارة خارجية أو ترتيبات طويلة الأمد تمسّ مستقبلها السياسي.
مقــدمــــة
يشهد قطاع غزة بعد الحرب الأخيرة واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخه الحديث، حيث تتقاطع مستويات الدمار غير المسبوقة في البنية التحتية المدنية مع فراغ إداري ناتج عن تعطّل مؤسسات الحكم المحلي وفقدان القدرة التشغيلية للوزارات والبلديات، ويأتي هذا التحدي في ظل تصاعد مشروعات دولية وإقليمية تسعى—ضمن أجنداتها السياسية والأمنية—إلى إعادة تشكيل النظام الإداري والأمني في القطاع بما يخدم مصالحها.
في هذا السياق، برزت المنظمات الدولية—الأممية والإقليمية والدولية غير الحكومية—كفاعلين محوريين يمتلكون خبرة واسعة في إدارة الأزمات الإنسانية المعقدة، وتتمتع بعضهم بتفويضات قانونية تسمح لهم بلعب دور مؤثر في عمليات الإغاثة، وإعادة الإعمار، والمساهمة في الحوكمة الانتقالية، ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية توظيف هذه القدرات بما يحافظ على السيادة الفلسطينية ويمنع تحويل التدخل الدولي إلى أداة لفرض ترتيبات سياسية أو أمنية خارج الإرادة الوطنية.
تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل معمق للدور الفعلي والمتوقع للمنظمات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب على غزة، من خلال دراسة قدراتها وحدود تدخلها، وربط هذا الدور بالتجاذبات السياسية والأمنية، وصولًا إلى تقديم توصيات العمل الفلسطيني الموحد، ودور عربي داعم، وتدخل دولي يحترم السيادة الوطنية ويضمن حقوق وكرامة الشعب الفلسطيني.
وتعكس الورقة رؤية استراتيجية مفادها أن نجاح أي تدخل دولي يعتمد على توازن دقيق بين الحاجة الإنسانية الملحة، وممارسة السيادة الوطنية، ووجود شراكات دولية تحمي الاستقرار دون فرض أجندات خارجية، وإن هذا التوازن يشكّل مفتاح المرحلة الانتقالية في غزة ويحدد قدرة المجتمع الدولي على أن يكون قوة دعم للبناء الوطني لا أداة لإعادة هندسة الواقع السياسي.
أولًا: الإطار المفاهيمي ودوافع التدخل الدولي
يمثّل فهم طبيعة الفواعل الدولية ودوافعها خطوة أساسية لتحليل الدور المتوقع لها في غزة خلال مرحلة ما بعد الحرب، فالدور الدولي لا يتحرك في فراغ، بل هو نتاج منظومة مصالح، وأدوات قانونية، ونماذج تدخل اعتادت المنظمات الدولية تطبيقها في بيئات ما بعد الحروب، ومن هنا تأتي أهمية بناء إطار مفاهيمي يميز بين الفاعلين، ويشرح حوافز تدخلهم، ويحدد حدود أدوارهم.
- تعريف وتصنيف المنظمات الدولية
تعمل في غزة اليوم شبكة واسعة من الفاعلين الدوليين، تختلف في مصادر شرعيتها، وأهدافها، وطبيعة تمويلها، وآليات تدخلها، ويمكن تصنيفهم إلى أربع مجموعات رئيسية، لكل منها منطق تدخل مختلف:
أولًا: المنظمات الأممية (UN Agencies)
تشكل هذه المنظمات العمود الفقري للتدخل الدولي في غزة، نظرًا لشرعيتها القانونية وتفويضها المباشر من الأمم المتحدة. وتشمل:
الأونروا: صاحبة التفويض التاريخي الأكثر مباشرة تجاه اللاجئين الفلسطينيين، وتدير التعليم والصحة والإغاثة.
:UNDP الذراع التنموية للأمم المتحدة، والمسؤولة عن تقييم الأضرار وإدارة برامج التعافي المبكر.
WHO : الشريك الأساسي في إعادة تشغيل القطاع الصحي.
WFP : المسؤول عن الأمن الغذائي.
:OCHA مركز تنسيق الاستجابة الإنسانية.
خصائص هذه الفئة:
- تمتلك تفويضًا قانونيًا دوليًا.
- تعمل وفق نظام مساءلة أممي.
- تتأثر قراراتها بميزان القوى داخل الأمم المتحدة (خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي).
- تتمتع بقدرات تنفيذية واسعة لكنها مقيدة بإجراءات بيروقراطية معقدة وقيود الاحتلال.
ثانيًا: المنظمات الإقليمية
وتشمل الجهات الإقليمية الرسمية القادرة على التدخل في ملفات الإغاثة والتنمية والدعم السياسي، مثل:
(جامعة الدول العربية، الاتحاد الأوروبي، منظمة التعاون الإسلامي، بنك التنمية الإسلامي)
أهم سماتها:
- تمتلك شرعية سياسية لكنها تفتقر غالبًا إلى آليات تنفيذ ميدانية في غزة.
- يمارس بعضها—خصوصًا الاتحاد الأوروبي—نفوذًا من خلال التمويل المشروط سياسيًا أو إداريًا.
- تُعد جزءًا من شبكة أوسع من التوازنات الإقليمية (الدور المصري–القطري–الأردني، التوترات داخل المحور العربي، العلاقة مع الولايات المتحدة).
ثالثًا: المنظمات الدولية غير الحكومية (INGOs)
وتشمل مئات المنظمات مثل:
أطباء بلا حدود، أوكسفام، لجنة الإنقاذ الدولية، ميرسي كور.
خصائصها:
- مرونة عالية في الوصول للمناطق المتضررة.
- تعتمد على تمويل قصير أو متوسط الأجل.
- تعمل في مجالات الصحة، الحماية، المياه، والدعم النفسي.
- تتأثر غالبًا بدول التمويل التي تحدد أولوياتها.
- تخضع لضغوط الاحتلال في تسهيلات الدخول، وقدرة الحركة، ونوع المساعدات.
رابعًا: المؤسسات المالية الدولية (IFIs)
وهي الفاعل الأكثر تأثيرًا في تحديد نموذج الإعمار، وتشمل:
البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، بنك الاستثمار الأوروبي
خصائصها:
- تمتلك أدوات تمويل ضخمة، لكنها مشروطة بإصلاحات حوكمية واقتصادية.
- تسعى عادة إلى دمج المساعدات ببرامج “تعزيز الشفافية وإعادة الهيكلة”، وهي برامج قد تتحول إلى أدوات ضغط سياسي.
- تقترح نماذج لإدارة الإعمار تعتمد على إدارة مركزية متعددة المانحين ، ما يجعلها جهة مؤسِّسة لمسار الحوكمة ما بعد الحرب.
ثانيًا: دوافع التدخل الدولي
ليست تدخلات الفاعلين الدوليين في غزة عملاً إنسانيًا خالصًا، بل هي نتاج تفاعل عوامل إنسانية وقانونية واستراتيجية، ويمكن تلخيص أبرز دوافع التدخل الدولي كالتالي:
- الفراغ الإداري وتحديات الحكم المحلي
أدت الحرب إلى انهيار شبه كامل في منظومة الحكم المحلي:
- توقف بعض الوزارات عن العمل.
- تعطّل البلديات وانهيار قدرتها على إدارة الخدمات الأساسية.
- تراجع خدمات المياه، والصرف الصحي، والنفايات، والتعليم والصحة.
- نزوح وتشتت الكادر الحكومي.
- انقطاع الموارد المالية والقدرة التشغيلية.
هذا الفراغ يخلق حاجة موضوعية لفاعلين قادرين على:
- توفير الخدمات الأساسية بشكل مؤقت.
- إدارة مراكز الإيواء.
- الحفاظ على الحد الأدنى من النظام المدني.
لكن هذا “الملء المؤقت للفراغ” يحمل خطر التحول إلى بديل دائم، وهو ما تخشاه القوى الوطنية الفلسطينية.
2. الدمار البنيوي واسع النطاق
خلفت الحرب مستويات غير مسبوقة من الدمار:
- تدمير أكثر من ثلث الأبنية السكنية.
- انهيار شبكات المياه والصرف الصحي.
- تضرر نحو 70% من المرافق الصحية.
- توقف مئات المدارس والجامعات.
هذا الحجم من الدمار يفوق قدرة أي حكومة وطنية على التعامل معه منفردة، ما يجعل تدخل المنظمات الدولية—خاصة التنموية—أمرًا حتميًا في:
تقييم الأضرار، إزالة الأنقاض، التخطيط للبنى التحتية، إعادة الإعمار الاستراتيجي.
3. الشرعية القانونية للتدخل
يستند التدخل الدولي إلى مجموعة واسعة من الأطر القانونية:
- التزامات قوة الاحتلال وفق اتفاقيات جنيف بحماية المدنيين وضمان الخدمات الأساسية.
- قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة المرتبطة بالاستجابة الإنسانية وحماية المدنيين.
- التفويض التاريخي للأونروا بموجب القرار 302 لعام 1949.
- الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف التي تربط فلسطين بالاتحاد الأوروبي والبنك الدولي وبرامج التنمية الدولية.
هذه الشرعية تُستخدم أحيانًا كإطار حمائي حقيقي، وأحيانًا كمدخل لتوسيع التدخل الدولي بما يتجاوز الدور الإنساني.
4. مصالح الدول والمانحين
بالإضافة إلى الدوافع الإنسانية، هناك دوافع سياسية واستراتيجية:
- منع انهيار شامل يقود إلى فوضى أمنية قد تمتد إقليميًا.
- استخدام ملف الإعمار كأداة نفوذ سياسي على القوى الفلسطينية.
- حماية المصالح الإقليمية والدولية المتعلقة بالطاقة، وأمن البحر، والاستقرار الحدودي.
- محاولة بعض الأطراف ربط الإعمار بترتيبات أمنية تتماشى مع الرؤية الإسرائيلية مثل نزع السلاح أو إعادة هيكلة الحكم.
- السعي لتكريس نماذج الحوكمة الانتقالية الدولية التي جرى تطبيقها في مناطق نزاع أخرى.
ثالثًا: دور المنظمات الدولية في إعادة الإعمار
يُعدّ ملف إعادة الإعمار أحد أكثر مسارات التدخل الدولي حساسية وتعقيدًا في قطاع غزة، نظرًا لتداخل الأبعاد الإنسانية مع الحسابات السياسية والأمنية، ويمكن مقاربة هذا الدور عبر مستويين رئيسيين: الإعمار العاجل، ثم الإعمار الاستراتيجي طويل الأمد، وصولًا إلى تحليل العوائق البنيوية التي تحدّ من فاعليته.
- الإعمار العاجل
يرتكز هذا المستوى على الاستجابة الفورية لتقليل الخسائر الإنسانية، ومنع انهيار ما تبقى من البنية التحتية، وتهيئة الحدّ الأدنى من مقومات الحياة. وتشمل أهم تدخلاته:
أ. توفير المأوى المؤقت:
تتجه الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة نحو إنشاء وحدات سكنية طارئة، أو مراكز إيواء مؤقتة، بهدف حماية مئات الآلاف ممن فقدوا منازلهم، رغم محدودية الجودة وارتفاع التكدس البشري داخلها.
ب. إعادة تأهيل الطرق والمرافق الحيوية:
تركّز هيئات مثل UNDP على إصلاح محاور السير الرئيسة لتمكين حركة الإغاثة، ونقل الوقود والغذاء. هذا التدخل ضروري لضمان وصول الخدمات الطبية واللوجستية.
ج. حلول عاجلة للمياه والتحلية:
تسعى منظمات متخصصة (مثل اليونيسف) إلى إنشاء محطات تحلية متنقلة، وشبكات توزيع مياه طارئة، لتعويض انهيار الشبكات العامة الملوثة أو المتوقفة عن العمل.
د. السيطرة على التلوث البيئي:
بسبب تدمير شبكات الصرف الصحي، برز خطر انتشار الأمراض والتلوث، ما دفع منظمات دولية إلى تنفيذ عمليات ضخ ومعالجة طارئة، واحتواء البقع الملوثة، خصوصًا في محيط التجمعات السكنية.
خلاصة هذا المستوى: الاستجابة العاجلة ليست إعمارًا بالمعنى الفعلي، بل هي برامج طوارئ تهدف إلى “منع الانهيار”، وتهيئة بيئة الحدّ الأدنى للحياة.
2. الإعمار الاستراتيجي طويل الأمد
يمثّل هذا المستوى جوهر مشروع إعادة بناء غزة، ويتطلب رؤية متكاملة تتجاوز «الترقيع»، وصولًا إلى بنية أكثر صمودًا واستدامة. وتركّز المؤسسات الدولية فيه على مسارات رئيسية:
أ. تطوير منظومة كهرباء مستدامة:
تتحرك بعض الدول المانحة والمؤسسات المالية نحو إدخال مشاريع للطاقة الشمسية، وبناء محطات توليد أكثر كفاءة، بهدف تقليل الاعتماد على الوقود الإسرائيلي، وإنشاء شبكة مستقرة قادرة على خدمة المراكز الصحية والقطاع الإنتاجي.
ب. بناء مستشفيات مركزية حديثة:
يُعدّ القطاع الصحي الأكثر تضررًا؛ لذلك تتجه الخطط الدولية لتشييد مستشفيات كبرى متخصصة، وتعزيز القدرة الاستيعابية، وتدريب كوادر جديدة، بما يعيد بناء المنظومة الصحية من الصفر تقريبًا.
ج. خلق بنية اقتصادية إنتاجية:
تشمل برامج دعم المشاريع الصغيرة، وإنشاء مناطق إنتاجية، وترميم المصانع التي دُمّرت خلال الحرب. يهدف هذا التوجه إلى تقليل الاعتماد على الإغاثة، وخلق فرص عمل، وزيادة الاعتماد على الذات.
جوهر هذا المسار: التحول من “التعافي” إلى “إعادة البناء”، ومن البقاء إلى التنمية، وهو ما يتطلب توافقًا سياسيًا فلسطينيًا، وضمانات دولية، وتمويلًا طويل الأمد.
3. العوائق والتحديات أمام الإعمار
لا تزال هناك مجموعة من العقبات البنيوية التي تجعل الإعمار عملية بطيئة ومتعثرة:
أ. تحكم الاحتلال في المواد الإنشائية يفرض الاحتلال نظامًا رقابيًا صارمًا على دخول مواد البناء، ويمنع الكثير منها تحت ذريعة “الاستخدام المزدوج”، ما يجعل عملية الإعمار رهينة بإرادته، ويمنح الاحتلال قدرة على التحكم في وتيرة تعافي غزة.
ب. ربط الإعمار بالاشتراطات الأمنية:
تسعى الولايات المتحدة والحكومة الإسرائيلية وبعض الدول المانحة لربط الإعمار بشروط سياسية وأمنية، مثل نزع سلاح المقاومة أو ضبطها، وهو ما يحوّل الإعمار إلى أداة ضغط، لا استجابة إنسانية.
ج. اختلاف أولويات ومقاربات المانحين:
تختلف أجندات الدول المانحة: بعضها يركز على الخدمات الأساسية، وبعضها على مشاريع طويلة الأمد، بينما يمتنع آخرون عن التمويل دون ترتيبات سياسية واضحة، والنتيجة: غياب تنسيق فعّال يؤخر التنفيذ.
د. غياب رؤية فلسطينية موحدة للإعمار:
تشتت القرار بين الجهات الفلسطينية المختلفة، وغياب هيئة وطنية موحدة لإدارة ملف الإعمار، يؤدي إلى تداخل الأدوار، وضعف التخطيط، ويعطي مساحة أكبر للجهات الخارجية للهيمنة على مسار الإعمار.
النتيجة العامة :العوائق ليست تقنية فحسب، بل سياسية بالدرجة الأولى، ما يجعل الإعمار ملفًا خاضعًا للمساومات، وليس استحقاقًا إنسانيًا مستقلًا.
رابعًا: التحديات السياسية والأمنية أمام الدور الدولي في غزة
تعكس البيئة السياسية والأمنية في غزة حجم التعقيدات التي تواجه أي تدخل دولي، سواء في الإغاثة أو إعادة الإعمار أو الحوكمة. فالدور الدولي لا ينشط في فراغ، بل يتحرّك ضمن منظومة قيود مفروضة من الاحتلال، وتباينات داخلية فلسطينية، وحساسية اجتماعية واسعة تجاه أي حضور خارجي. ويمكن تلخيص أبرز هذه التحديات في المسارات التالية:
- التحكم الإسرائيلي في المعابر وإدارة الحركة
يمثل التحكم الإسرائيلي في المعابر الحدودية والعقد اللوجستية العقبة الأكبر أمام فاعلية التدخل الدولي. إذ تتحكم الحكومة الإسرائيلية بشكل كامل في: دخول مواد البناء، مرور المعدات الطبية والكهربائية، حركة طواقم المنظمات الدولية، إدخال الوقود والآليات الثقيلة.
هذا التحكم لا يقتصر على الجانب الأمني، بل تحوّله حكومة الاحتلال إلى أداة ضغط سياسية واقتصادية، ما يجعل المشاريع الدولية—سواء قصيرة أو طويلة الأمد—رهينة المزاج السياسي الإسرائيلي، والنتيجة: لا يمكن لأي برنامج دولي أن ينجح دون آلية رقابة وضمانات دولية تحدّ من قدرة الاحتلال على التعطيل.
2. محاولة فرض نموذج “غزة منزوع السيادة”
تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى تحويل غزة بعد الحرب إلى كيان منزوع السيادة، بلا بنى أمنية أو سياسية مستقلة، عبر: ربط الإعمار بالاشتراطات الأمنية، فرض آليات مراقبة مشددة على المؤسسات المحلية، الدفع باتجاه ترتيبات حوكمة انتقالية لا تستند إلى قيادة فلسطينية موحدة، تشجيع حضور دولي واسع يحلّ محل الدور الحكومي الفلسطيني.
هذا المسار، إن تحقق، يحوّل التدخل الدولي من “مساندة إنسانية” إلى “هندسة سياسية”، تسعى فيها الحكومة الإسرائيلية إلى إعادة تشكيل البيئة الداخلية بما يخدم مصالحها الأمنية.
3. التوظيف الأمني لملف الإعمار
بدل أن يكون الإعمار استحقاقًا إنسانيًا، يجري توظيفه سياسيًا وأمنيًا من بعض الأطراف عبر ربط التمويل الدولي بترتيبات أمنية، مشروطية رفع الحصار بتحولات داخلية فلسطينية، استخدام الإغاثة للضغط على الفصائل أو فرض نماذج سلطوية جديدة.
هذا التسييس يجعل الإعمار عرضة للتجميد أو التعطيل عند كل محطة تفاوضية أو أمنية، ويمنح الاحتلال قدرة على التحكم في سرعة إعادة البناء.
4. غياب التوافق الفلسطيني الداخلي
تشكّل الانقسامات الفلسطينية عامل إعاقة رئيسيًا أمام أي جهد دولي، إذ يؤدي غياب رؤية موحدة لإدارة غزة إلى: ظهور أكثر من جهة تدّعي تمثيل الملف، تضارب المطالب والمشاريع المقدّمة للمانحين، فقدان الثقة الدولية في القدرة على التنفيذ، فسح المجال أمام أطراف خارجية للهيمنة على القرار.
غياب قيادة موحدة يجعل التدخل الدولي أكثر تعقيدًا، ويضعف من فرص وضع استراتيجية وطنية متفق عليها لإعادة الإعمار والإغاثة.
5. الحساسية المجتمعية تجاه التدخل الدولي
يعكس المجتمع الفلسطيني حساسية تاريخية تجاه أي دور خارجي قد يتجاوز حدود المساندة الإنسانية. وتعود هذه الحساسية إلى عوامل عديدة، أهمها: تجربة الوصاية الدولية في بعض الدول العربية، الخشية من استبدال المؤسسات الوطنية، التجارب السابقة حيث استُخدمت الإغاثة لتثبيت واقع سياسي معين، تنامي الوعي الشعبي بضرورة حماية القرار الوطني.
هذه الحساسية قد تُضعف قبول بعض المشاريع أو تؤدي إلى تراجع ثقة الجمهور في البرامج الدولية إذا لم تُصمَّم بشفافية واحترام للثقافة المحلية.
6. تعدد الفاعلين الدوليين وفوضى التنسيق
يضم حقل العمل في غزة عددًا كبيرًا من الجهات: الأمم المتحدة ووكالاتها، مؤسسات مانحة غربية، منظمات عربية، مؤسسات مالية دولية، INGOs كبرى.
هذا التعدد—في غياب إطار وطني موحّد للتنسيق—يؤدي إلى: تداخل المشاريع وتكرارها، التنافس على التمويل، ضعف المراقبة والتقييم، فجوات في الخدمات تبرز في مناطق دون أخرى، تعقيدات في التخطيط الاستراتيجي.
التنسيق المتعدد الأطراف يحتاج إلى قيادة فلسطينية قوية، وآلية دولية واضحة تُحدّد الأدوار وتمنع التضارب.
التحديات السياسية والأمنية لا تُعيق التدخل الدولي فقط، بل تشكّل جزءًا من معركة السيادة على غزة بعد الحرب. وهي تعكس صراعًا بين ثلاثة أطراف:
- الحكومة الإسرائيلية التي تسعى إلى نموذج “غزة منزوع السيادة”،
- الفاعلون الدوليون الذين يتراوح دورهم بين المساندة والإدارة،
- الفلسطينيون الذين يحاولون الحفاظ على القرار الوطني ومنع استغلال الإغاثة والإعمار لفرض ترتيبات سياسية.
نجاح أي تدخل دولي يتطلب بيئة سياسية فلسطينية موحدة، وضمانات دولية تُقلّل من قدرة الاحتلال على التحكم، ومقاربة تحترم الإرادة الشعبية.
خامسًا: السيناريوهات المتوقعة للدور الدولي في غزة
يبدو المشهد المستقبلي للدور الدولي في غزة مفتوحًا على عدة مسارات، تتحدد وفق توازنات إقليمية ودولية متغيرة، ومستوى التوافق الفلسطيني الداخلي، وقدرة الاحتلال على فرض رؤيته الأمنية. ورغم صعوبة التنبؤ بشكل دقيق، فإن أربعة سيناريوهات رئيسية تتصدر النقاشات الحالية:
- سيناريو الإدارة الأممية المُوسَّعة
الخصائص العامة:
يتضمن هذا السيناريو وضع ترتيبات إدارة شبه مباشرة أو إدارة انتقالية بقيادة الأمم المتحدة، عبر هياكل خاصة مشابهة لما جرى في كوسوفو وتيمور الشرقية.
مقوماته:
- رغبة بعض المانحين الغربيين في وجود جهة دولية موحدة تدير الملف.
- ضعف الثقة في قدرة الأطراف الفلسطينية على إدارة المرحلة الانتقالية.
- السعي لتجاوز النفوذ الإسرائيلي المفرط في إدارة الإغاثة والإعمار.
التحديات:
- مرفوض شعبيًا وفصائليًا على نطاق واسع داخل غزة.
- يصطدم بمعارضة الحكومة الإسرائيلية التي تفضّل إدارة إنسانية محدودة لا مسارًا سياسيًا دوليًا.
- يعزز خطر الفصل الإداري والسياسي عن الضفة الغربية، ويطرح مخاوف من تكريس “كيانية منفصلة”.
التقييم:
سيناريو محتمل نظريًا في أروقة الأمم المتحدة، لكنه ضعيف الواقعية سياسيًا وميدانيًا بسبب التوازنات القائمة.
2. سيناريو إدارة فلسطينية مدعومة دوليًا
الخصائص العامة:
يقوم هذا المسار على عودة إدارة فلسطينية موحّدة للقطاع، مع دعم دولي تقني ومالي واسع، دون تدخل تنفيذي مباشر.
مقوماته:
- يشترط مصالحة فلسطينية حقيقية أو تشكيل حكومة توافق وطني.
- يحظى بتأييد دولي واسع لأنه يجمع بين الشرعية الوطنية والدعم الدولي.
- يحدّ من قدرة الاحتلال على التحكم المباشر في الإعمار.
نطاق الدور الدولي:
- مساندة في الإغاثة والإعمار.
- دعم مؤسسي للوزارات والبلديات.
- مراقبة دولية للتمويل والحوكمة دون أن تحل محل المؤسسات المحلية.
التقييم:
يُعد هذا السيناريو الأكثر استدامة وشرعية، والأكثر قابلية للتنفيذ إذا ما تحقق توافق فلسطيني وتفاهمات عربية فاعلة.
3. سيناريو الهيمنة الأمنية الإسرائيلية
الخصائص العامة:
يقوم على فرض الحكومة الإسرائيلية ترتيبات أمنية مشددة في غزة، مع الإبقاء على دور دولي محدود بحدود الإغاثة، دون أي بعد سياسي أو إداري.
مظاهر السيناريو:
- حصار مضبط أمنيًا، دون سيطرة مدنية إسرائيلية مباشرة.
- منع الإعمار الاستراتيجي الذي قد يعزز قدرات غزة الاقتصادية.
- استمرار تعامل المنظمات الدولية ضمن قيود إسرائيلية صارمة.
نتائجه:
- تحويل غزة إلى “منطقة إغاثة” تعتمد على المجتمع الدولي.
- تكريس غياب الأفق السياسي، وقطع الطريق على أي مشروع وطني لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية.
التقييم:
رغم تكلفته الإنسانية والسياسية، لا يزال هذا السيناريو مرجحًا من منظور الرؤية الإسرائيلية ما لم تظهر قوة فلسطينية موحدة، أو ضغوط عربية ودولية تحول دون استمراره.
4. سيناريو شراكة عربية–أممية
الخصائص العامة:
يشتمل على صيغة شراكة تجمع بين الدور العربي الفاعل والدور الأممي التقني، مع بقاء الإدارة المدنية فلسطينية.
أطرافه الأساسية:
- مصر: دور محوري في المعابر والأمن وإدارة المساعدات.
- قطر : تمويل وإدارة مشاريع الإعمار.
- الأردن: دور محتمل في الدعم الإداري والمجتمعي.
- الأمم المتحدة : إشراف، وتنسيق، ومراقبة تمويل وخدمات.
نطاق الشراكة:
- دعم فلسطيني في الخدمات والصحة والإغاثة.
- إشراف أممي على النزاهة والتمويل.
- تمويل عربي واسع لمسار الإعمار.
مميزاته:
- يحظى بقبول أكبر من السيناريو الأممي البحت.
- يوفر مظلة عربية تحول دون الانزلاق إلى إدارة دولية منفردة.
- يقلص قدرة الاحتلال على التحكم المنفرد.
التقييم:
سيناريو متوسط الاحتمال، لكنه مرهون بالوحدة الفلسطينية وبمستوى التنسيق بين الدول العربية الفاعلة.
تشير قراءة السيناريوهات الأربعة إلى ما يلي:
- السيناريو الأكثر توافقًا مع المصالح الفلسطينية هو إدارة فلسطينية مدعومة دوليًا، ويليه الشراكة العربية–الأممية.
- السيناريو الأكثر انسجامًا مع الرؤية الإسرائيلية هو الهيمنة الأمنية.
- والسيناريو الأقل واقعية هو الإدارة الأممية الموسّعة.
بناءً على ذلك، يبقى العامل الحاسم هو القدرة الفلسطينية على صياغة رؤية موحدة لما بعد الحرب، وامتلاك قدرة تفاوضية وسياسية تتيح التأثير في شكل الدور الدولي ومنع تحويله إلى أداة لإعادة هندسة المشهد السياسي أو تكريس الانفصال.
الخــلاصــــة
تكشف هذه الورقة أن الدور الدولي في غزة بعد الحرب ليس مجرد استجابة إنسانية طارئة، بل هو ساحة صراع معقدة تتقاطع فيها مشاريع الإغاثة مع الحسابات السياسية والأمنية. فالدمار الهائل وتعطّل مؤسسات الحكم وغياب الموارد يخلق حاجة موضوعية لحضور دولي واسع، إلا أن هذا الحضور يتحرك ضمن بيئة مُسيطر عليها إسرائيليًا، ومشحونة بتباينات فلسطينية داخلية، ومحاطة بمشاريع إقليمية ودولية تتباين دوافعها وأولوياتها.
وتُظهر الورقة أن المنظمات الدولية، رغم امتلاكها القدرة والخبرة في إدارة الكوارث وإعادة الإعمار، تبقى محدودة التأثير ما لم يتحقق شرط مركزي: وجود شريك فلسطيني موحّد وقادر، فالفراغ الإداري يسمح بتوسع الدور الدولي، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام محاولات هندسة سياسية ترمي إلى فرض نموذج “غزة منزوع السيادة” تحت غطاء إنساني.
وتؤكد السيناريوهات المطروحة أن المسار الأكثر استدامة وشرعية هو إدارة فلسطينية مدعومة دوليًا، بينما تمثل الهيمنة الأمنية الإسرائيلية أخطر السيناريوهات لأنها تحوّل غزة إلى منطقة إغاثة دائمة بلا أفق سياسي.
وتخلص الورقة إلى أن شكل الدور الدولي سيحدده ثلاثة عوامل رئيسية:
- وحدة الموقف الفلسطيني وقدرته على صياغة رؤية وطنية لإعادة الإعمار والحكم.
- الموقف العربي وقدرته على توفير مظلة سياسية واقتصادية تحمي القرار الفلسطيني وتوازن الضغوط الدولية.
- الضغط الدولي على الاحتلال لضمان تدفق المساعدات ورفع القيود عن الإعمار.
وفي المحصلة، فإن الدور الدولي يمكن أن يكون فرصة لتعزيز صمود غزة وبناء مؤسساتها، أو أداة لإعادة تشكيلها وفق رؤى لا تخدم مصالح شعبها، ويكمن مفتاح المعادلة في قدرة الفلسطينيين على قيادة المرحلة، وفي تصميم مقاربة تحوّل التدخل الدولي من عنصر هيمنة محتمل إلى رافعة وطنية تعزز نحو التعافي والسيادة والكرامة.
التـــوصيـــــات
- تشكيل هيئة وطنية موحّدة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب تضم الفصائل والحكومة والبلديات والمجتمع المدني لضمان رؤية وطنية متكاملة.
- وضع خطة فلسطينية للإعمار والاستقرار تشمل تحديد الأولويات ومشاريع عاجلة واستراتيجية، بدل تركها للمانحين لتحديدها.
- توحيد الخطاب السياسي الفلسطيني تجاه الدور الدولي لمنع أي طرف خارجي من الاستفراد بالملف واستغلال الخلافات الداخلية.
- ضمان سيادة المؤسسات الفلسطينية على جميع مشاريع الإغاثة والإعمار، مع تحديد أطر واضحة لدور أي شريك دولي.
- رفض أي شروط سياسية مرتبطة بالإعمار أو الإغاثة تهدف إلى نزع السلاح أو فرض ترتيبات أمنية على الفلسطينيين.
- إنشاء صندوق عربي لإعادة إعمار غزة بآليات إدارة مستقلة وتخطيط بعيد المدى لتقليل التشتت الدولي.
- توفير مظلة سياسية عربية داعمة تحمي التدخل الدولي من الضغوط الإسرائيلية وتضمن احترام السيادة الفلسطينية.
- مراقبة دقيقة لعمل المنظمات الدولية لضمان احترام السيادة الوطنية ومنع أي تجاوز أو استبدال للمؤسسات.
- إشراك المواطنين والمجتمع المدني في تخطيط وتنفيذ مشاريع الإعمار عبر منصات تشاركية وشفافة.
- توعية الجمهور حول دور المنظمات الدولية وتمييز المساندة الإنسانية عن التدخل السياسي، لتعزيز الدعم المجتمعي للجهود الوطنية.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية- ديسمبر2025



