تفاوت المقاربات الأميركية–الإسرائيلية في المرحلة الثانية بعد وقف إطلاق النار على غزة: قراءة تحليلية واستشرافية

تقدير موقف-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي

بعد وقف إطلاق النار على غزة، دخلت الأزمة ما يُعرف بالمرحلة الثانية، التي تُدار من قبل الحكومة الإسرائيلية والولايات المتحدة لتحقيق مصالحهما دون فتح أفق سياسي حقيقي.

الاستنتاج الرئيسي: التفاوت بين المقاربتين الأميركية والإسرائيلية وظيفي وليس استراتيجيًا؛ الهدف المشترك هو إبقاء غزة تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية وضبط التطورات دون تسوية سياسية.

المقاربة الإسرائيلية: استمرار السيطرة العسكرية والسياسية، منع إعادة تسليح الفصائل، وإبقاء القطاع في حالة هشاشة، مع استثمار المرحلة في خطاب التهديد الأمني الداخلي.

المقاربة الأميركية: إدارة الكلفة السياسية والدولية، خفض التصعيد، مع الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع الحكومة الإسرائيلية دون فرض التزامات سياسية جوهرية.

السيناريو المرجح:  إدارة طويلة الأمد للتهدئة مع استمرار واستنزاف بنيتة غزة الاقتصادية والاجتماعية.

توصية رئيسية: تطوير استراتيجية فلسطينية واقعية ومرنة، تحويل الصمود إلى ورقة ضغط سياسية وقانونية، وتعزيز القدرات المؤسساتية والإعلامية لمواجهة التحديات المستقبلية.

مقـــدمــــة

لم تعد الحروب الحديثة تُدار بمنطق الحسم العسكري وحده، بل باتت تُدار عبر مراحل سياسية وأمنية متداخلة، تُستخدم فيها التهدئة المؤقتة وإدارة ما بعد النار كأدوات صراع بحد ذاتها، وفي هذا الإطار، تمثّل غزة إحدى أكثر حالات الصراع تعقيدًا، حيث تتقاطع فيها الاعتبارات العسكرية الإسرائيلية، والإدارة الأميركية للتداعيات الإقليمية والدولية، مع واقع إنساني هشّ واستعصاء سياسي مزمن.

مع الحديث عن قرب الدخول في ما يُعرف بـ”المرحلة الثانية” من اتفاق وقف إطلاق النار، لم تنتقل غزة إلى مسار سياسي مستقر، بل إلى وضع انتقالي مفتوح، تُدار فيه الأزمة دون معالجة جذورها، وتبرز هنا إشكالية مركزية: هل تعكس التباينات الظاهرة بين المقاربتين الأميركية والإسرائيلية خلافًا استراتيجيًا حقيقيًا حول مستقبل غزة، أم أنها توزيع أدوار وظيفي داخل تحالف واحد يسعى لإدارة الصراع لا حله؟

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن الاختلاف بين واشنطن وتل أبيب في إدارة المرحلة الثانية هو اختلاف في الأدوات والإيقاع، لا في الأهداف النهائية؛ إذ تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى تثبيت واقع السيطرة الأمنية ومنع أي تحوّل سياسي في غزة، بينما تعمل الولايات المتحدة على احتواء الكلفة السياسية والإنسانية ومنع الانفجار الإقليمي، دون الضغط باتجاه تسوية سياسية ملزمة.

وعليه، تهدف الورقة إلى تقديم تحليل معمّق للمرحلة الثانية بعد التهدئة من خلال:

  • تفكيك المقاربة الإسرائيلية في إدارة ما بعد وقف إطلاق النار، وأهدافها الأمنية والسياسية، مع الاستناد إلى سياسات وسلوكيات عملية.
  • تحليل المقاربة الأميركية في إدارة التهدئة وضبط تداعيات الحرب، مع تتبّع الخطاب الرسمي وأنماط القرار.
  • تقييم طبيعة التفاوت بين المقاربتين وانعكاساته على مستقبل غزة، وصولًا إلى بلورة توصيات عملية لبناء موقف فلسطيني أكثر فاعلية في التعامل مع المرحلة المقبلة.

أولًا: إشكالية المرحلة الثانية بين الغموض المقصود وتعدد الوظائف

لم تُطرح المرحلة الثانية منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار بوصفها إطارًا محددًا بوضوح، بل قُدمت كمفهوم فضفاض يسمح لكل طرف بإسقاط أولوياته الخاصة عليه، ويبدو أن هذا الغموض مقصود وظيفيًا، ويخدم هدفين متوازيين:

  1. إدارة الضغوط الدولية والإعلامية المتزايدة، بما يتيح للطرفين التعامل مع تداعيات انتهاكات الحرب السابقة أو أحداث التصعيد المحدود.
  2. الحفاظ على هامش مناورة سياسي وأمني داخلي لكل من واشنطن وتل أبيب، بما يمنح كل طرف القدرة على ضبط الإيقاع حسب مصالحه.

أمثلة سلوكية وخطابية

الحكومة الإسرائيلية:

  • حافظت على حرية الحركة العسكرية والرقابة على المعابر بعد وقف إطلاق النار، مع التركيز على منع إعادة تعزيز فصائل المقاومة نفسها.
  • تصريحات كبار المسؤولين، مثل وزير الجيش، شددت على “عدم السماح لأي تشكيل فلسطيني مسلح بإعادة تنظيم بنيته العسكرية”.
  • استمرار الإجراءات الأمنية على المعابر وإدخال مساعدات محدودة تحت إشراف دولي.

الولايات المتحدة:

  • بيانات رسمية تؤكد على “خفض التصعيد وحماية المدنيين”، مع عدم فرض أي التزامات سياسية جوهرية.
  • متابعة التهدئة عبر بعثات مراقبة أممية أو دولية، مع التركيز على احتواء الأزمة وليس حسمها.
  • رسائل دبلوماسية للقيادة الإسرائيلية لضبط تصرفات الجيش دون المساس بتحالف الولايات المتحدة الاستراتيجي.

ثانيًا: المقاربة الإسرائيلية – إدارة المرحلة الثانية بلا أفق سياسي

تتعامل الحكومة الإسرائيلية مع المرحلة الثانية بعد وقف إطلاق النار على أنها أداة لإدامة السيطرة الأمنية والسياسية، وليست مرحلة انتقالية نحو تسوية سياسية، وتقوم هذه المقاربة على المبادئ التالية:

  • منع إعادة تراكم القوة لدى الفصائل الفلسطينية، لضمان عدم القدرة على تحدي السيطرة الإسرائيلية مستقبلاً.
  • إبقاء غزة في حالة سيولة أمنية وسياسية تمنع تشكّل أي سلطة فلسطينية فاعلة مستقلة.
  • ضبط الأطر الدولية بما يتيح استمرار التدخل العسكري المحدود دون دفع ثمن سياسي كبير.

أمثلة على سياسات إسرائيلية

  • استمرار الإجراءات الأمنية على المعابر ومنع وصول بعض المواد الأساسية، مع إدخال مساعدات محدودة ضمن إشراف دولي.
  • تصريحات المسؤولين، مثل رئيس الوزراء ووزير الجيش، حول ضرورة “حفظ التهدئة ولكن مراقبة أي تهديد محتمل” .
  • اعتماد عمليات عسكرية محدودة على شكل استهداف مواقع بعينها لضمان عدم إعادة تعزيز فصائل المقاومة.
  • توظيف الخطاب الداخلي لإعادة إنتاج فكرة “التهديد الأمني الدائم”، لتبرير استمرار الحكومة في السيطرة وتجنب مساءلة سياسية.

ثالثًا: المقاربة الأميركية – احتواء الصراع وإدارة الكلفة

تركز الولايات المتحدة في المرحلة الثانية بعد وقف إطلاق النار على إدارة التهدئة وتخفيف التداعيات السياسية والدولية، مع ضمان استمرار التحالف الاستراتيجي مع الكيان الإسرائيلي.

أهداف المقاربة الأميركية تتلخص في:

  • خفض مستوى التصعيد الظاهر دون التدخل في جوهر السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
  • الاحتواء السياسي والقانوني لمنع توسيع دائرة الانتقادات الدولية أو الحقوقية.
  • ضبط الإيقاع الإقليمي لمنع انتقال الصراع إلى جبهات جديدة.

أمثلة خطابية وسلوكية

  • تصريحات البيت الأبيض حول “ضرورة حماية المدنيين وتثبيت وقف النار” مع تجنب أي إشارات إلى إنهاء الاحتلال أو فتح أفق سياسي.
  • إرسال بعثات مراقبة دولية لمتابعة الالتزام بوقف النار دون فرض التزامات على الكيان الإسرائيلي.
  • التواصل المستمر مع القيادة الإسرائيلية لضبط تصرفات الجيش مع استمرار الدعم العسكري والسياسي.

رابعًا: التفاوت مقابل التحالف الاستراتيجي

تحليل السلوك الفعلي للطرفين بعد وقف إطلاق النار يوضح أن الركائز الأساسية للتحالف لم تتأثر:

  1. استمرار الدعم العسكري والسياسي للكيان الإسرائيلي دون تغيير جوهري.
  2. الحفاظ على حماية الكيان الإسرائيلي في المحافل الدولية، لا سيما مجلس الأمن.
  3. غياب ضغط أميركي ملزم يفرض مسارًا سياسيًا لما بعد التهدئة.
  4. التوافق على أن غزة تظل ملفًا أمنيًا خاضعًا للرقابة، وليس قضية سياسية للتسوية النهائية.

جوهر التفاوت

الاختلاف بين الطرفين يرتبط بـ:

  • التوقيت المناسب للخطوات التالية بعد التهدئة.
  • الأدوات المستخدمة في إدارة الصراع والضغط الدولي.
  • إدارة الكلفة السياسية والإنسانية لكل طرف، دون المساس بالوجهة النهائية للتحالف.

خامسًا: السيناريوهات المستقبلية للمرحلة الثانية وما بعدها

السيناريو الأول: إدارة طويلة الأمد للتهدئة (المرجّح)

  • استمرار ضبط التهدئة دون حل سياسي جذري، مع الحفاظ على السيطرة الإسرائيلية وإدارة أميركية للتداعيات الدولية.
  • غزة تبقى في حالة هشاشة دائمة، مع استمرار الاستنزاف الاقتصادي والاجتماعي.

السيناريو الثاني: فرض ترتيبات انتقالية هشّة

  • الولايات المتحدة تحاول فرض إدارة مؤقتة للقطاع ذات أبعاد أمنية–إنسانية، لكن غياب التوافق الفلسطيني ورفض الحكومة الإسرائيلية لأي سيادة فعلية يجعل هذا الترتيب هشًا.

السيناريو الثالث: فشل التهدئة وتصعيد محدود

  • قد يؤدي الفشل في إدارة المرحلة الثانية إلى تصعيد محدود أو محلي، مع بقاء الدعم الأميركي للكيان الإسرائيلي، واستمرار التفاوت في السيطرة على غزة.

السيناريو الرابع: ضغط دولي نوعي (ضعيف الاحتمال)

  • ضغط دولي حقيقي قد يفرض مسارًا سياسيًا أكثر جدية، لكنه محدود الاحتمال بسبب الانحياز الأميركي المستمر وضعف الإرادة الدولية على المدى القريب.

الخــلاصــــة

تخلص هذه الورقة إلى أن المرحلة الثانية التي تلت اتفاق وقف إطلاق النار لا تمثّل انتقالًا نحو مسار تسوية سياسية، بل تشكّل إعادة تنظيم لإدارة الصراع ضمن قواعد جديدة، تُستخدم فيها التهدئة كأداة ضبط لا كمدخل للحل، ويُظهر تحليل السلوك العملي والخطاب السياسي أن التفاوت بين المقاربتين الأميركية والإسرائيلية لا يرقى إلى مستوى الخلاف الاستراتيجي، بل يعكس توزيعًا وظيفيًا للأدوار داخل تحالف راسخ يتوافق على الأهداف النهائية، ويختلف فقط في الإيقاع والأدوات وإدارة الكلفة.

إن إدراك هذا الواقع يوفر إطارًا تحليليًا أكثر واقعية لفهم المرحلة المقبلة، ويجنّب الرهان على تحولات وهمية في الموقف الأميركي، ويفتح في المقابل المجال أمام بلورة مقاربة فلسطينية أكثر فاعلية، تقوم على توحيد الموقف الوطني، وتعظيم استثمار الصمود السياسي والمجتمعي، وتفعيل أدوات الضغط القانونية والإعلامية والدبلوماسية، بما يعزز القدرة على حماية الحقوق الوطنية الفلسطينية، ويمنع تكريس واقع إدارة الصراع بوصفه قدرًا دائمًا أو مسارًا نهائيًا.

توصيات للموقف الفلسطيني

انطلاقًا من التحليل السابق، يقترح المركز الفلسطيني للدراسات السياسية:

  1. بناء استراتيجية وطنية واقعية ومرنة من خلال إدراك حدود الدور الأميركي، وتطوير خطط وطنية لإدارة المرحلة الثانية سياسياً وقانونياً.
  2. تحويل الصمود إلى ورقة ضغط سياسية واستثمار قدرة المجتمع المدني والمؤسسات الوطنية في الضغط على المحافل الدولية.
  3. تطوير خطاب قانوني ودولي متماسك وتوثيق الانتهاكات، وربط الصراع ببنية الاحتلال والتداعيات الإنسانية.
  4. تعزيز الجبهة الداخلية والمؤسساتية وبناء قدرات مؤسسية وقانونية وإعلامية للتعامل مع الأزمات وحماية المجتمع.
  5. استثمار الإعلام والدبلوماسية بذكاء وإطلاق حملات إعلامية دولية تكشف التفاوت بين الخطاب والسياسات الإسرائيلية–الأميركية.
  6. رصد السيناريوهات المستقبلية وتطوير آليات متابعة وتحليل مستمرة للمرحلة الثانية، مع خطط بديلة لكل سيناريو.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-ديسمبر 2025

شارك:

المزيد من المقالات