تقدير موقف- المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
تبحث هذه الورقة في تحوّل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة من مسار يُفترض أن يفضي إلى التهدئة، إلى أداة لإدارة الصراع منخفض الوتيرة، تستخدمها الحكومة الإسرائيلية للضغط التفاوضي وإعادة صياغة الاتفاق وفق أولوياتها الأمنية والسياسية، وتُظهر المعطيات أن الخروقات الإسرائيلية تمثل سلوكًا ممنهجًا يهدف إلى فرض التزامات أحادية الجانب، واختزال الاتفاق في ملفي الأسرى وسلاح المقاومة، مع تفريغ بقية البنود من مضمونها.
وتحلل الورقة الأبعاد العسكرية والأمنية والسياسية لاستراتيجية الاغتيالات والضربات الانتقائية خلال “الهدوء”، ودورها في منع تعافي المقاومة، وإدامة التفوق الاستخباري الإسرائيلي، وخدمة حسابات حكومة نتنياهو الداخلية، كما تستعرض محدودية دور الوسطاء في ظل غياب ضغط أميركي فاعل، وتستشرف ثلاثة سيناريوهات لمسار المرحلة المقبلة، تتراوح بين انتقال مشروط، أو مرحلة ثانية مُفرغة، أو تعطيل كامل للاتفاق، وتختتم بتوصيات عملية تهدف إلى الحد من تكريس معادلة “اللا حرب واللا هدنة” في قطاع غزة.
مقــدمــــة
لم يكن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة محطة فاصلة بين الحرب والهدنة، بقدر ما شكّل انتقالًا مدروسًا في نمط إدارة الصراع، فبعد الإعلان عنه، سرعان ما تكشّف أن “الهدوء” المعلن لا يعكس توقفًا فعليًا للأعمال العسكرية، بل إعادة توظيفها ضمن مستوى أقل كثافة وأكثر انتقائية، يسمح للاحتلال الإسرائيلي بالحفاظ على زمام المبادرة، ومواصلة الضغط السياسي والعسكري دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
تُظهر الوقائع الميدانية أن الحكومة الإسرائيلية تعاملت مع الاتفاق باعتباره إطارًا مرنًا قابلًا لإعادة التفسير، وليس التزامًا ملزمًا بضبط السلوك العسكري، فقد استمرت الخروقات بوتيرة منتظمة، وتنوّعت بين الاغتيالات، والضربات الجوية المحدودة، والتوغلات الموضعية، وفرض القيود الإنسانية، في مقابل غياب شبه كامل لأي كلفة ميدانية أو سياسية تُذكر على الجانب الإسرائيلي.
هذا الاختلال لا يعكس فقط فجوة في ميزان القوة، بل يكشف خللًا بنيويًا في آليات الضمان والرقابة، وفي طبيعة الرعاية الدولية للاتفاق، وعلى رأسها الدور الأميركي.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن الخروقات الإسرائيلية ليست سلوكًا عشوائيًا أو استجابة أمنية ظرفية، بل جزء من استراتيجية ضغط تفاوضي تهدف إلى إعادة صياغة الاتفاق، وتفريغه من مضمونه السياسي والإنساني، وحصره في ملفات تخدم الأجندة الإسرائيلية، وفي مقدمتها ملف الأسرى، ومسألة سلاح المقاومة، وفي هذا السياق، تتحول الاغتيالات والضربات المحدودة إلى أدوات سياسية بامتياز، تُستخدم لإعادة رسم قواعد الاشتباك، وفرض التزامات أحادية الجانب، ومنع الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق بشروط متوازنة.
تهدف الورقة إلى تفكيك هذا النمط من إدارة الصراع منخفض الوتيرة، من خلال تحليل أبعاده العسكرية والأمنية والسياسية، واستجلاء دور الولايات المتحدة والوسطاء الإقليميين، واستشراف السيناريوهات المحتملة لمسار الاتفاق في المرحلة المقبلة، كما تسعى إلى تقديم قراءة عملية تتجاوز الوصف، عبر استخلاص استنتاجات وتوصيات قابلة للتطبيق، تُسهم في فهم أعمق لديناميات المرحلة، وتدعم صانعي القرار والباحثين والإعلاميين في التعامل مع واقع يتجه نحو تثبيت “اللا حرب واللا تهدئة” كمعادلة دائمة في قطاع غزة.
أولًا: من وقف إطلاق النار إلى إدارة صراع منخفض الوتيرة
تشير المعطيات الميدانية، وفق تقديرات فلسطينية وتقارير حقوقية وإعلامية متقاطعة، إلى تسجيل مئات الخروقات الإسرائيلية منذ اليوم التالي لإعلان وقف إطلاق النار وحتى منتصف كانون الأول/ديسمبر 2025، شملت طيفًا واسعًا من الانتهاكات: غارات جوية محدودة، قصفًا مدفعيًا متقطعًا، إطلاق نار مباشر على المدنيين، توغلات برية موضعية، إضافة إلى تشديد القيود على إدخال المساعدات الإنسانية والوقود، وتوسيع ما يُعرف بــ”الخط الأصفر” داخل أراضي القطاع.
وقد أسفرت هذه الخروقات عن ارتقاء مئات الشهداء والجرحى، بينهم نساء وأطفال وصحفيون، في مقابل غياب شبه كامل لأي إصابات إسرائيلية معلنة خلال الفترة نفسها، باستثناء حالات نادرة جرى توظيفها سياسيًا وإعلاميًا لتبرير التصعيد، ولا يعكس هذا التفاوت خللًا عرضيًا في ميزان الخسائر، بل يكشف عن اختلال بنيوي في طبيعة الالتزام بالاتفاق، وعن قراءة إسرائيلية أحادية لمعنى “التهدئة”.
هذا الواقع يؤكد أن الاحتلال لا يتعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه توقفًا عن الحرب أو انتقالًا إلى مسار سياسي، بل كـمرحلة عملياتية جديدة ضمن إدارة الصراع، تقوم على خفض كثافة النيران دون التخلي عن جوهر الفعل العسكري، ويستند هذا النمط إلى ثلاثة مرتكزات رئيسية:
- الضربات المتقطعة بدل المواجهة الشاملة
تعمد الحكومة الإسرائيلية إلى تنفيذ ضربات محدودة زمنيًا وجغرافيًا، لا ترقى إلى مستوى الحرب المفتوحة، لكنها كافية لإيقاع خسائر بشرية ومادية، والحفاظ على حالة توتر دائم، وهذا الأسلوب يسمح لها بتجنب الكلفة السياسية والعسكرية لحرب شاملة، مع الاحتفاظ بحق المبادرة والقدرة على التصعيد في أي لحظة.
2. الاستهداف الانتقائي بدل الاجتياحات الواسعة
بدل العمليات البرية الكبيرة، يعتمد الجيش الإسرائيلي على الاغتيالات والضربات الدقيقة ضد قيادات ميدانية أو أمنية، باعتبارها أدوات أقل كلفة وأكثر تأثيرًا في ضرب البنية التنظيمية للمقاومة، ويُعد اغتيال قيادات بارزة في فصائل المقاومة، ولا سيما في كتائب القسام، نموذجًا واضحًا لهذا النهج، حيث جرى تنفيذ هذه العمليات خلال فترة يُفترض أنها خاضعة لوقف إطلاق النار، ما يفرغ مفهوم “الهدنة” من مضمونه العملي.
3. استخدام “الهدوء” غطاءً لتكريس التفوق الاستخباري والأمني
تستغل الحكومة الإسرائيلية فترات التهدئة لتعزيز عملها الاستخباري داخل القطاع، سواء عبر المراقبة الجوية المكثفة، أو تشغيل الطائرات المسيّرة، أو تفعيل شبكات جمع المعلومات، ويتيح هذا النمط تحديث بنك الأهداف، واختبار أنماط التحرك والانتشار، والاستعداد لجولات لاحقة من التصعيد، بما يحوّل الهدوء إلى أداة تحضير للحرب لا بديلاً عنها.
في هذا السياق، لا يُنظر إلى الاغتيالات باعتبارها خرقًا استثنائيًا للاتفاق، بل كجزء من إعادة تعريف إسرائيلية لمفهوم “الخرق” نفسه؛ إذ يجري توسيع مفهوم “الدفاع عن النفس” ليشمل أي استهداف ترى تل أبيب أنه يخدم أمنها، حتى في غياب تهديد مباشر أو حادثة ميدانية واضحة.
وعليه، فإن وقف إطلاق النار، بصيغته الحالية، لم يفرض قيودًا فعلية على السلوك العسكري الإسرائيلي، بل أتاح للاحتلال هامشًا واسعًا لإعادة تنظيم أدواته، وضبط إيقاع العنف، وإدارة الصراع بطريقة منخفضة الوتيرة، لكنها مفتوحة زمنيًا وقابلة للانفجار في أي لحظة.
ثانيًا: الخروقات بوصفها أداة تفاوضية لإعادة صياغة الاتفاق
لا يمكن فهم الخروقات الإسرائيلية المتكررة باعتبارها ردود فعل أمنية ظرفية أو نتيجة “سوء تقدير ميداني”، بل يجب قراءتها في إطار قرار سياسي إسرائيلي واعٍ يهدف إلى إعادة هندسة اتفاق وقف إطلاق النار، وتحويله من التزام متبادل إلى أداة ضغط تفاوضي أحادية الاتجاه، فالسلوك الإسرائيلي منذ اليوم الأول للتهدئة يكشف عن سعي منهجي لفرض معادلة جديدة تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة:
- تحميل الالتزامات كاملة للجانب الفلسطيني
تتعامل الحكومة الإسرائيلية مع الاتفاق باعتباره التزامًا فلسطينيًا صرفًا بوقف أي نشاط عسكري أو أمني، في حين تمنح نفسها حق تقييم هذا الالتزام وتحديد ما إذا كان قد جرى خرقه، ووفق هذه القراءة، يصبح أي حدث ميداني، مهما كان محدودًا أو غير مؤكد المصدر، ذريعة كافية لإعادة تفعيل القوة العسكرية، دون الاعتراف بأي مسؤولية مقابلة.
2. تكريس حرية عمل عسكرية وأمنية مطلقة
تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى ترسيخ مبدأ أن وقف إطلاق النار لا يقيّد قدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية أو استخبارية داخل قطاع غزة، سواء بذريعة “الدفاع عن النفس” أو “منع تهديدات مستقبلية”، وبهذا المعنى، تتحول التهدئة إلى غطاء قانوني وسياسي لشرعنة الضربات الاستباقية، بدل أن تكون إطارًا لمنعها.
3. غياب أي آلية مساءلة أو ردع فعلي
يستند هذا السلوك إلى إدراك إسرائيلي راسخ بأن الاتفاق يفتقر إلى آليات إلزام واضحة، سواء من حيث الرقابة أو العقوبات، فغياب ضمانات دولية ملزمة، واعتماد الوسطاء على التفاهمات السياسية غير المكتوبة، يفتح المجال أمام الحكومة الإسرائيلية للتملص من التزاماتها دون تكلفة حقيقية.
اختزال الاتفاق: من إطار شامل إلى ملفين حصريين
في هذا السياق، تعمل الحكومة الإسرائيلية، بدعم أميركي ضمني، على اختزال الاتفاق من منظومة متكاملة تشمل وقف إطلاق النار، إدخال المساعدات، الانسحاب العسكري، وبدء إعادة الإعمار، إلى ملفين تعتبرهما جوهر الاتفاق وشرط استمراره:
- استعادة الأسرى الإسرائيليين، باعتبارها أولوية داخلية وسياسية لحكومة نتنياهو.
- نزع سلاح المقاومة أو تحييدها عمليًا، سواء عبر الاغتيالات، أو الاستنزاف طويل الأمد، أو فرض ترتيبات أمنية تُفرغ المقاومة من قدرتها على الفعل.
ويُستخدم هذا الاختزال أداة تفاوضية للضغط على الوسطاء والمجتمع الدولي، عبر تصوير أي تعثر في تنفيذ بقية البنود على أنه نتيجة “عدم التزام الطرف الفلسطيني”، لا نتيجة تعطيل إسرائيلي ممنهج.
سوابق تاريخية: نمط متكرر لا سلوك طارئ
لا يُعد هذا النهج سلوكًا استثنائيًا في الحالة الراهنة، بل يندرج ضمن نمط تاريخي متكرر في إدارة الحكومة الإسرائيلية للاتفاقات السياسية والأمنية:
- في اتفاق أوسلو، جرى تفريغ الالتزامات المرحلية المتعلقة بالانسحاب وبناء الدولة، مقابل تركيز دائم على المتطلبات الأمنية الفلسطينية، ما أدى عمليًا إلى تحويل الاتفاق إلى أداة إدارة للاحتلال لا إنهائه.
- في جنوب لبنان، سعت الحكومة الإسرائيلية مرارًا إلى فرض معادلة “الهدوء مقابل الهدوء” مع احتفاظها بحق الضرب متى شاءت، إلى أن انهارت هذه المعادلة بفعل تغير ميزان الردع.
- في غزة، تكررت الصيغة ذاتها بعد جولات تصعيد متعددة، حيث جرى تثبيت تفاهمات تهدئة غير مكتوبة، تُفسَّر إسرائيليًا باعتبارها تفويضًا مفتوحًا لإدارة العنف، لا التوقف عنه.
وتستفيد الحكومة الإسرائيلية في جميع هذه الحالات من الغموض المتعمّد في الصياغات، واختلال ميزان القوة، ومن الغطاء السياسي والدبلوماسي الأميركي، الذي يوفر لها هامش مناورة واسعًا لإعادة تفسير الاتفاقات بما يخدم مصالحها الآنية والاستراتيجية.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن الخروقات الإسرائيلية لا تمثل انحرافًا عن مسار الاتفاق، بل تشكّل جوهر الاستراتيجية التفاوضية الإسرائيلية الهادفة إلى إعادة تعريف الاتفاق وشروطه وحدوده. فالعمليات العسكرية المحدودة ليست مجرد أدوات ضغط ميداني، بل رسائل تفاوضية مباشرة تُستخدم لإعادة ترتيب الأولويات، وتعديل ميزان الالتزامات، وفرض وقائع تفاوضية جديدة على الأرض.
ثالثًا: استهداف القيادة والميدان – الأبعاد العسكرية والأمنية
- البعد العسكري: تفكيك الاستمرارية لا تحقيق الحسم
عسكريًا، لا تهدف الاغتيالات الإسرائيلية التي تُنفَّذ خلال فترات “الهدوء” إلى تحقيق حسم ميداني مباشر، بقدر ما تسعى إلى ضرب الاستمرارية القيادية والتنظيمية للمقاومة، باعتبارها عنصر القوة الأهم في قدرتها على الصمود طويل الأمد، فالتركيز لا ينصب فقط على إيقاع خسائر بشرية، بل على تعطيل حلقات الوصل بين القيادة والميدان، وإرباك منظومات اتخاذ القرار، وإبقاء البنية العسكرية في حالة إعادة ترميم دائمة.
ويُنظر إلى هذه الاغتيالات كوسيلة لمنع المقاومة من الانتقال من مرحلة الصمود تحت النار إلى مرحلة التعافي وإعادة التنظيم، وهي مرحلة تدرك الحكومة الإسرائيلية أنها الأخطر استراتيجيًا، لأنها تسمح بإعادة بناء القدرات، وتطوير التكتيكات، واستخلاص الدروس من جولات المواجهة السابقة، ومن هنا، يُعاد توجيه الضربات خلال فترات التهدئة بدقة محسوبة، تستهدف قيادات ميدانية وأمنية يُنظر إليها بوصفها “عناصر تمكين” للمرحلة اللاحقة.
كما تهدف هذه السياسة إلى إدامة حالة الاستنزاف، ليس فقط من حيث الخسائر، بل من حيث استنزاف الزمن والموارد والانتباه التنظيمي، بحيث تبقى المقاومة في موقع الدفاع وإدارة الطوارئ، بدل التفرغ لإعادة بناء الجاهزية الشاملة.
وتُنفَّذ هذه العمليات عبر أنماط متعددة من الأدوات والوسائل، تشمل الغارات الجوية الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والعمليات الخاصة، والتعاون الاستخباري المحلي، ما يعكس تنوع أدوات القتل مع ثبات الهدف الاستراتيجي، ويؤكد أن المسألة ليست ردود فعل ظرفية، بل سياسة عسكرية ممنهجة.
2. البعد الأمني والاستخباري: الهدوء كفرصة لتجديد الحرب
على المستوى الأمني والاستخباري، تُظهر كثافة النشاط الإسرائيلي خلال فترات وقف إطلاق النار أن “الهدوء” يُستخدم بوصفه فرصة عملياتية ثمينة، لا مرحلة انتقالية نحو الاستقرار، فخلال هذه الفترات، يجري الاستثمار المكثف في جمع المعلومات، وتحديث بنك الأهداف، وإعادة تقييم تقديرات الموقف، بما يخدم الاستعداد لجولات لاحقة من المواجهة.
وتشمل هذه الجهود:
- تحديث بنك الأهداف عبر دمج المعطيات الاستخبارية الجديدة بالمعلومات المتراكمة من الجولات السابقة.
- اختبار الجهوزية الميدانية للمقاومة من خلال رصد أنماط الانتشار، وسرعة الاستجابة، وطبيعة ردود الفعل على الاغتيالات والاستهدافات المحدودة.
- قياس ردود الفعل السياسية والإعلامية محليًا وإقليميًا ودوليًا، لتقدير سقوف التصعيد الممكنة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة في ظل عدم تفكيك الحكومة الإسرائيلية لبنيتها العملياتية خلال فترة التهدئة؛ إذ لم تُسحب وحدات سلاح الجو من حالة الجهوزية، ولم تُخفَّض وتيرة عمل الاستخبارات العسكرية، بل جرى الإبقاء على منظومات الرصد والاستهداف في حالة نشاط دائم، وهذا يؤكد أن الحكومة الإسرائيلية لم تُنهِ حالة الحرب، بل أعادت ضبطها على مستوى أقل ضجيجًا وأكثر انتقائية، بما يسمح لها بإدارة الصراع بدل حسمه.
يكشف استهداف القيادة والميدان خلال فترات “الهدوء” عن مقاربة إسرائيلية تعتبر وقف إطلاق النار مرحلة ضمن الحرب لا نقيضًا لها، فالاغتيالات والاستهدافات الانتقائية تشكّل أدوات لضبط إيقاع الصراع، ومنع خصمها من استثمار الهدوء في التعافي الاستراتيجي، مع الاحتفاظ الدائم بخيار التصعيد عند الضرورة.
رابعًا: البعد السياسي – نتنياهو وإدارة الأزمة المركبة
سياسيًا، لا يمكن فصل نمط التصعيد العسكري المحدود عن الحسابات الداخلية لحكومة بنيامين نتنياهو، التي تواجه أزمة مركبة تشمل تحديات سياسية وقضائية وائتلافية غير مسبوقة، ففي هذا السياق، يتحول “الأمن” من كونه ملفًا سياديًا إلى أداة مركزية لإدارة البقاء السياسي، وتفادي الاستحقاقات الداخلية المؤجلة.
- إبقاء ملف “الأمن” في صدارة المشهد السياسي
يسمح التصعيد المحدود والمتدرج لنتنياهو بإبقاء الخطاب الأمني حاضرًا في الفضاء العام، بما يبرر استمرار العمليات العسكرية ويحول دون انتقال النقاش الداخلي إلى قضايا أكثر حساسية، مثل الإخفاقات الاستراتيجية للحرب، أو كلفة استمرارها، أو مسؤولية القيادة السياسية عن تداعياتها، وبهذا المعنى، يشكّل “التهديد المستمر” أداة لتوحيد الخطاب الداخلي حول أولوية الأمن، حتى في ظل غياب خطر فوري أو مواجهة شاملة.
2. الهروب من الأزمات الداخلية والملفات القضائية
يتقاطع هذا السلوك مع حاجة نتنياهو الدائمة إلى إدارة أزماته القضائية، وعلى رأسها محاكمته في قضايا الفساد، والتي تشكل تهديدًا مباشرًا لمستقبله السياسي، فإطالة أمد التوتر الأمني، ولو بوتيرة منخفضة، يساهم في:
- تأجيل الاستحقاقات السياسية.
- تخفيف الضغوط الإعلامية والقضائية.
- إعادة إنتاج صورة “القائد في زمن الطوارئ”، بما يصعّب استبداله أو محاسبته.
3. منع أي مسار سياسي قد يُفسَّر كهزيمة
تدرك حكومة نتنياهو أن أي انتقال جدي إلى مسار سياسي ملزم، سواء عبر تنفيذ كامل لبنود الاتفاق أو الانخراط في ترتيبات ما بعد الحرب، سيُفسَّر داخليًا بوصفه تنازلًا استراتيجيًا أو اعترافًا بفشل تحقيق أهداف الحرب المعلنة، وعلى رأسها “القضاء على حماس”، ولذلك، يُستخدم التصعيد المحدود كوسيلة لتعطيل أي مسار سياسي قد يضع الحكومة أمام اختبار النتائج لا الشعارات.
4. تطبيع العنف المنخفض الوتيرة كواقع دائم
في هذا الإطار، لا يقتصر هدف نتنياهو على إدارة الأزمة الراهنة، بل يتجاوزها إلى تطبيع نمط جديد من التعامل مع غزة، تصبح فيه الاغتيالات والضربات الخاطفة جزءًا اعتياديًا من المشهد، دون الانزلاق إلى حرب شاملة أو الالتزام بمسار سلام فعلي، ويحقق هذا النمط معادلة مريحة سياسيًا:
لا حرب تفرض كلفة عالية، ولا سلام يفرض تنازلات داخلية.
يكشف البعد السياسي للسلوك الإسرائيلي أن التصعيد العسكري المحدود ليس مجرد انعكاس لاعتبارات أمنية، بل خيار سياسي محسوب يخدم بقاء الحكومة الحالية، ويؤجل لحظة المحاسبة، ويعيد إنتاج الأزمة بدل حلّها، وفي هذا السياق، تصبح إدارة الصراع، لا تسويته، هي الاستراتيجية الأكثر انسجامًا مع مصالح نتنياهو الشخصية والائتلافية.
خامسًا: موقف المقاومة والوسطاء
- موقف حركة حماس: تحميل الاحتلال المسؤولية والضغط على الوسطاء
حمّلت حركة حماس الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن خرق اتفاق وقف إطلاق النار، معتبرة الغارات والاغتيالات المتكررة تصعيدًا ممنهجًا يهدد مسار التهدئة ويحولها إلى وهم سياسي أكثر من كونها واقعًا ميدانيًا.
وأكدت حماس أن استمرار هذه الخروقات يعيد إنتاج حالة التوتر الدائم والاستنزاف التدريجي للبنية التنظيمية للمقاومة، ويعرقل أي خطوة نحو إعادة الإعمار أو تطوير قدرات القطاع المدني، ووفقًا لذلك، طالبت الحركة بـ:
- الضغط الفوري من الإدارة الأميركية لضمان التزام الحكومة الإسرائيلية ببنود الاتفاق.
- ممارسة الوسطاء، خصوصًا مصر وقطر، لدور حقيقي في إجبار الاحتلال على وقف الاغتيالات والاعتداءات، وإلزامه بضوابط واضحة تمنع إعادة تعريف مفهوم الخرق على نحو أحادي الجانب.
وبشكل تحليلي، تشير هذه المواقف إلى استراتيجية حماس القائمة على الضغط السياسي والدبلوماسي الموازٍ للمواجهة العسكرية، مع محاولة استثمار الموقف الدولي لخلق رادع مؤقت أمام التصعيد الإسرائيلي، رغم محدودية هذه الآليات.
2. موقف الوسطاء: إدارة الأزمة أكثر من حلها
تعكس مواقف الوسطاء إدراكًا متزايدًا لمحدودية قدرتهم على ردع الحكومة الإسرائيلية عمليًا، ففي التفاصيل:
- قطر تركز على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، مع محاولة الحد من الانهيار الكامل للهدنة، معتمدة على الدور الوسيط لجمع الأطراف وضبط التوتر المؤقت.
- مصر تحذر من تبعات فرض الحكومة الإسرائيلية واقعًا ميدانيًا جديدًا، بما يهدد الاستقرار الهش في القطاع، لكنها تواجه قيودًا في القدرة على ممارسة ضغط فعلي على الاحتلال.
ومع ذلك، يظل غياب ضغط أميركي حاسم أحد أهم العوامل التي تجعل دور الوسطاء أقرب إلى إدارة الأزمة والاحتواء المؤقت، وليس ضمان الالتزام بالاتفاق أو تحقيق استقرار دائم، وهذا الواقع يعكس التوازن القائم بين الأجندة الإسرائيلية – القوة العسكرية – النفوذ الدبلوماسي الدولي، ويضع الوسطاء في موقع المراقب المتحفظ أكثر من كونه فاعلًا قادراً على فرض التزامات.
يمكن القول إن مواقف المقاومة والوسطاء تكشف انفصالًا واضحًا بين الإرادة الميدانية والسياسية للحكومة الإسرائيلية والقدرة العملية للمجتمع الدولي على الردع، فحماس تحاول الضغط سياسياً ودبلوماسياً لتعويض ما لا يمكن تحقيقه عسكريًا، في حين يقصر الوسطاء على إدارة الأزمة وتقليل الضرر، دون القدرة على فرض التزامات حقيقية على الاحتلال، وهذا الواقع يعيد التأكيد على أن اتفاق وقف إطلاق النار الحالي معرض لإعادة تعريفه أحادي الجانب ما لم يتدخل ضغط دولي حاسم.
سادسًا: سيناريوهات المرحلة المقبلة – بين فرض الانتقال وإدارة التعطيل
السيناريو الأول: الانتقال المُنضبط إلى المرحلة الثانية (سيناريو ضعيف الاحتمال)
يقوم هذا السيناريو على تدخل أميركي مباشر وفعّال لفرض الانتقال إلى المرحلة الثانية، عبر إعلان دولي مشترك أو إطار ضمانات متعددة الأطراف، يشمل:
- التزامًا إسرائيليًا واضحًا بوقف العمليات العسكرية.
- آليات رقابة على تنفيذ الانسحاب وتدفق المساعدات.
- حوافز سياسية وأمنية للحكومة الإسرائيلية (ضمانات أمنية، دعم دبلوماسي، أو ترتيبات إقليمية).
شروط تحققه:
- رغبة أميركية في تسجيل إنجاز سياسي خارجي، سواء داخليًا أو على مستوى الإقليم.
- توافق نسبي داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، حتى وإن عارضه المستوى السياسي.
- قدرة الوسطاء على توفير مظلة تنفيذية لا تقتصر على الوساطة اللفظية.
مؤشرات ضعفه:
- استمرار الغطاء الأميركي للسلوك الإسرائيلي.
- غياب أي إجراءات ردعية بحق الكيان الإسرائيلي على خروقات المرحلة الأولى.
- معارضة نتنياهو العلنية والضمنية لأي مسار يُقيّد حرية العمل العسكري.
تقدير عام:
رغم أن هذا السيناريو هو الأفضل نظريًا، إلا أنه يظل الأضعف واقعيًا في ظل توازنات القوى الحالية، ويُستخدم غالبًا كورقة ضغط تفاوضية أكثر من كونه خيارًا عمليًا.
السيناريو الثاني: المرحلة الثانية المُفرغة – الانتقال الشكلي والعرقلة العملية (السيناريو الأرجح)
في هذا السيناريو، توافق الحكومة الإسرائيلية شكليًا على الانتقال إلى المرحلة الثانية، لكنها تعمل على تفريغها من مضمونها السياسي والإنساني، عبر مجموعة من الأدوات:
- الإبقاء على مناطق عازلة تحت مسميات أمنية مختلفة.
- تعطيل عودة النازحين بذرائع لوجستية وأمنية.
- ربط إعادة الإعمار بشروط سياسية وأمنية، أبرزها ملف سلاح المقاومة.
منطق هذا السيناريو:
- الحفاظ على صورة “الملتزم بالاتفاق” دوليًا.
- منع أي مكاسب سياسية أو ميدانية للمقاومة.
- إبقاء غزة في حالة هشاشة دائمة تمنع التعافي أو الاستقرار.
أدوات التنفيذ:
- التلاعب بتفسير بنود الاتفاق.
- استخدام الخروقات المحدودة كأدوات ضغط تفاوضي.
- تحميل المقاومة مسؤولية أي تعثر عبر خطاب أمني وإعلامي موازٍ.
تقدير عام:
هذا السيناريو يتماشى بشكل كبير مع نهج نتنياهو التاريخي القائم على القبول اللفظي والتعطيل الميداني، ويُعد الأكثر قابلية للتطبيق في ظل الغطاء الأميركي القائم.
السيناريو الثالث: التعطيل الكامل وإعادة الاتفاق إلى نقطة الصفر (سيناريو تصعيدي مشروط)
يقوم هذا السيناريو على نسف فعلي لمسار الاتفاق، من خلال:
- فرض شروط جديدة تتجاوز نص وروح الاتفاق.
- ربط أي تقدم بملفات كبرى غير متفق عليها.
- تصعيد عسكري محسوب يعيد إنتاج معادلة “الضغط بالنار”.
دوافع اللجوء إليه:
- اشتداد الأزمات الداخلية لحكومة نتنياهو.
- تصاعد الضغط من مكونات اليمين المتطرف.
- فشل الحكومة الإسرائيلية في فرض معادلتها عبر التعطيل الناعم.
مخاطره:
- احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
- تحميل الحكومة الإسرائيلية مسؤولية دولية متزايدة، ولو بشكل تدريجي.
- دفع المقاومة نحو خيارات رد أكثر كلفة على الطرفين.
تقدير عام:
رغم خطورته، يظل هذا السيناريو قابلًا للتحقق إذا ما ضاق هامش المناورة السياسية أمام نتنياهو، أو إذا شعر بأن كلفة الالتزام بالاتفاق باتت أعلى من كلفة تفجيره.
خلاصة استشرافية
تدل السيناريوهات الثلاثة على أن المرحلة المقبلة لن تكون انتقالًا تقنيًا بين مراحل اتفاق، بل ساحة صراع سياسي وأمني مفتوح حول:
- تعريف معنى “وقف إطلاق النار.”
- حدود حرية العمل العسكري الإسرائيلي.
- مستقبل غزة سياسيًا وأمنيًا.
وفي ظل المعطيات الحالية، يبقى السيناريو الثاني (المرحلة المُفرغة) هو الأقرب للتحقق، ما لم يطرأ تحول جوهري في الموقف الأميركي أو في ميزان الردع على الأرض.
الاستنتــاجــات والخــلاصــــة
تُظهر قراءة مسار وقف إطلاق النار وما تلاه من تطورات ميدانية وسياسية أن الاتفاق لم يشكّل نهاية للحرب، بل دشّن مرحلة جديدة من إدارتها بأدوات أقل صخبًا وأكثر انتقائية، فقد تعاملت الحكومة الإسرائيلية مع التهدئة بوصفها فرصة لإعادة التموضع، وتكريس التفوق الاستخباري، واستمرار الاستنزاف المنضبط للمقاومة، دون تحمّل كلفة حرب شاملة أو ضغوط دولية فعلية.
تؤكد الخروقات الإسرائيلية المتكررة أن الاحتلال أعاد تعريف مفهوم “الخرق” نفسه، مستفيدًا من غموض الصياغات، واختلال ميزان القوة، وغياب آليات رقابة أو مساءلة ملزمة، وفي هذا السياق، تحولت الاغتيالات والضربات المحدودة إلى أداة سياسية وأمنية مزدوجة: تضغط تفاوضيًا، وتُبقي الميدان تحت السيطرة، وتمنع أي انتقال حقيقي نحو الاستقرار أو التعافي في غزة.
سياسيًا، يخدم هذا النمط حكومة بنيامين نتنياهو عبر إبقاء حالة “التهديد الأمني” قائمة، وتفادي أي مسار قد يُفسَّر داخليًا كهزيمة أو تنازل، مع توظيف الهدوء الهش لتجاوز أزماته الداخلية وتعزيز تماسك ائتلافه اليميني، وفي المقابل، وجدت المقاومة نفسها أمام معادلة مركبة، توازن فيها بين الحفاظ على الحد الأدنى من الردع، ومنع الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، واستثمار المسار السياسي والدبلوماسي لتحميل الاحتلال مسؤولية الانتهاكات.
أما الوسطاء، فقد انحصر دورهم عمليًا في إدارة الأزمة لا حلّها، في ظل غياب ضغط أميركي حاسم، ما سمح للكيان الإسرائيلي بهامش واسع للمناورة والتعطيل وإعادة هندسة الاتفاق وفق أولوياته الأمنية، وقد أفضى هذا الواقع إلى جعل المرحلة الثانية من الاتفاق ساحة صراع بحد ذاتها، لا مرحلة انتقالية طبيعية.
استشرافيًا، تُظهر السيناريوهات المحتملة أن الانتقال الحقيقي إلى المرحلة الثانية يظل ضعيف الاحتمال، فيما يُرجّح استمرار نهج “الانتقال الشكلي والتفريغ العملي”، بما يُبقي غزة في حالة هشاشة سياسية وإنسانية وأمنية مستدامة، ويظل خطر التعطيل الكامل قائمًا، خصوصًا إذا ما ارتبط بتفاقم الأزمات الداخلية الإسرائيلية أو فشل التعطيل الناعم في تحقيق أهدافه.
خلاصة القول، إن وقف إطلاق النار القائم لا يعكس تسوية سياسية، بل توازنًا مؤقتًا للقوة تُديره الحكومة الإسرائيلية وفق منطق إدارة الصراع لا إنهائه، ومن دون تغيير جوهري في معادلة الردع، أو فرض مظلة دولية ملزمة، سيبقى الاتفاق عرضة للتآكل التدريجي، وستظل غزة رهينة لمرحلة “لا حرب ولا تهدئة”، تُستنزف فيها دون أفق سياسي حقيقي.
التــوصيــــات
- الضغط السياسي والدبلوماسي المتوازن باستخدام البيانات الرسمية والإعلامية الدولية لتسليط الضوء على خروقات الاحتلال، واستثمار الدعم العربي والدولي لضمان رقابة على الالتزامات الإسرائيلية.
- تحصين البنية المجتمعية من خلال الحفاظ على الخدمات الأساسية وحماية المواطنين، وتجنب الانجرار إلى مواجهات شاملة قد تؤدي إلى استنزاف غير محسوب.
- ضرورة فرض آليات مراقبة دقيقة وملزمة من الوسطاء الدوليين والإقليميين ضمان وجود رصد مستقل للتحقق من الالتزام الإسرائيلي، وربط أي دعم سياسي أو اقتصادي بالتقيد الكامل بالاتفاق.
- ضرورة توحيد الموقف الدولي والضغط الأميركي لدفع الحكومة الإسرائيلية للالتزام الفعلي ببنود الاتفاق.
- تسليط الضوء على الخروقات والأبعاد الإنسانية من خلال نشر بيانات دقيقة حول الخروقات وأثرها على المواطنين العُزل لتعزيز الضغط السياسي والدبلوماسي على الحكومة الإسرائيلية.
- تفعيل المساءلة الدولية وربط المساعدات والمشاريع التنموية بالالتزام بالاتفاق، مع دعم المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والعربية في رصد الانتهاكات.
- تحديد معايير واضحة للانتقال ووضع جدول زمني ومرجعية واضحة لكل بند من بنود المرحلة الثانية، مع آليات متابعة دقيقة ومعلنة.
- إشراك كل الأطراف الفلسطينية من خلال ضمان مشاركة جميع الفصائل في مراقبة تنفيذ الاتفاق، لتقليل فرص الاختراق الأحادي وبناء مصداقية محلية.
- التدرج في التنفيذ مع رصد التأثير واعتماد نهج مرحلي للتحقق من الالتزام الإسرائيلي، مع إمكانية تعديل الخطط بناءً على المعطيات الميدانية والسياسية.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-ديسمبر 2025



