تحليل سياسات-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
تستعرض هذه الورقة مستقبل العلاقات بين مصر وقطاع غزة بعد الحرب الأخيرة، مع تحليل تطور الدور المصري منذ 2007 عبر الحروب والتصعيدات المختلفة، وتشير الورقة إلى أن مصر ستظل لاعبًا محوريًا، لكنها مقيدة بالقيود القانونية والدبلوماسية والأمنية، بينما تظل المقاومة الفلسطينية عنصرًا أساسيًا في أي ترتيبات مستقبلية.
تستعرض السيناريوهات المستقبلية: التعاون المنضبط الأكثر احتمالًا، الاحتواء الأمني التكتيكي، والانخراط الإقليمي الواسع الأكثر تعقيدًا، وتشمل التوصيات تعزيز وحدة الموقف الفلسطيني، إدارة العلاقة مع القاهرة ببراغماتية، توسيع الدور الإنساني والاقتصادي المصري، الحفاظ على الاستقرار الأمني، ومنع أي مشاريع تهجير قسري، وتهدف الورقة إلى تقديم رؤية شاملة ومتوازنة لضمان استقرار غزة وتعزيز الدور المصري ضمن الحدود القانونية والدبلوماسية.
مقــدمــــة
أعادت الحرب الأخيرة على قطاع غزة (2023-2025) إدخال النظام الإقليمي في الشرق الأوسط في مرحلة من السيولة السياسية والأمنية، حيث تجاوزت آثار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي حدود الميدان العسكري لتطال أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين، وحدود تدخلهم، وطبيعة الترتيبات الممكنة في مرحلة ما بعد الحرب.
كشفت الحرب عن هشاشة نماذج إدارة الصراع السابقة، وأكدت أن مرحلة ما بعد الحرب ستكون ساحة تنافس سياسي ودبلوماسي وقانوني لا تقل أهمية عن الميدان العسكري، مع الحاجة إلى إعادة تقييم الأدوار الإقليمية، خاصة لدول الجوار مثل مصر.
تبرز مصر اليوم كطرف إقليمي محوري لقطاع غزة، ليس فقط بحكم الجغرافيا والحدود، بل بفعل دورها التاريخي في القضية الفلسطينية وعلاقاتها المركبة مع الأطراف الفاعلة، من المقاومة الفلسطينية إلى الاحتلال الإسرائيلي، مرورًا بالولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وقد وجدت القاهرة نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، تُطالب بلعب أدوار إنسانية وأمنية وسياسية متقدمة، ضمن سقف محدود من الحرية التحرك.
تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن الدور المصري في قطاع غزة بعد الحرب سيظل محوريًا لا غنى عنه، لكنه مقيّد بالقيود القانونية والدبلوماسية والأمنية، وأن العلاقة بين القاهرة والمقاومة الفلسطينية ستقوم على براغماتية متبادلة وإدارة مصالح، دون تحولها إلى شراكة سياسية أو تحالف استراتيجي كامل، وتهدف الورقة إلى تحليل طبيعة هذه العلاقة، حدود الدور المصري، الملفات المفصلية، السيناريوهات المستقبلية، وتقديم توصيات عملية قابلة للتطبيق لضمان استقرار القطاع وتعزيز دور القاهرة الإقليمي.
أولًا: الخلفية العامة للعلاقة بين غزة ومصر ومقارنة تاريخية
تُعد العلاقة بين مصر وقطاع غزة أقدم من عام 2007، لكن هذا العام شكّل نقطة فاصلة بعد الانتخابات الفلسطينية التي أدت إلى فوز حركة حماس وسيطرتها الفعلية على القطاع، ومنذ ذلك الحين، أصبحت العلاقة أكثر حساسية وتعقيدًا، إذ تمزج بين اعتبارات الأمن القومي المصري، والبعد الإنساني والسياسي للقضية الفلسطينية، والانقسامات الداخلية الفلسطينية.
تتسم العلاقة بين القاهرة وغزة بتذبذب مستمر بين الانفتاح الحذر والتشديد الأمني، تبعًا لمستوى التوتر في القطاع وظروف البيئة الإقليمية والدولية، فقد تعاملت مصر مع غزة بوصفه ملفًا أمنيًا بالغ الحساسية يمسّ أمنها القومي مباشرة، في ظل تهديدات محتملة لتسلل أسلحة أو عناصر مسلحة عبر الحدود، وخاصة من سيناء، وهو ما عزّز الدور الأمني المصري المكثف.
في الوقت نفسه، لم تغفل القاهرة البعد الإنساني والتاريخي في علاقتها بفلسطين، بما في ذلك مسؤولياتها التقليدية تجاه السكان وملفات الإغاثة وإعادة الإعمار، ولذا حافظت مصر على موقعها كوسيط رئيسي في جولات التصعيد المتكررة، مستفيدة من قدراتها على التواصل مع المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس، بالإضافة إلى التنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة، لتسهيل حلول مؤقتة وتخفيف حدة الصراع.
ومع الحرب الأخيرة على غزة، تجاوز الدور المصري وساطة وقف إطلاق النار التقليدية، ليتسع إلى نقاشات معمقة حول إعادة ترتيب المشهد السياسي والإداري في القطاع، وإعادة الإعمار، وإدارة الأمن الداخلي. هذا التوسع في الدور كشف عن معضلة جوهرية أمام القاهرة، تتعلق بمدى استعدادها وقدرتها على لعب أدوار تتجاوز إدارة الأزمات قصيرة الأجل، إلى التأثير غير المباشر في صياغة مستقبل القطاع على المستويين السياسي والأمني، مع المحافظة على التوازن بين مصالحها القومية والضغوط الدولية.
مقاربة مقارنة – الدور المصري بعد 2014 و2021 واليوم
بعد حرب 2014، تمحور الدور المصري أساسًا حول تثبيت وقف إطلاق النار وإدارة ملف إعادة الإعمار عبر آليات تقليدية، مع حضور قوي للأجهزة الأمنية المصرية لضبط معبر رفح والتحكم في تدفق السلع، وقد ركزت القاهرة حينها على منع تصاعد التصعيد على حدودها، وضمان عدم انتقال آثار المواجهات إلى سيناء، مع إبقاء قنوات الوساطة مفتوحة بين الكيان الإسرائيلي وفصائل المقاومة .
أما بعد حرب 2021، فقد شهد الدور المصري توسعًا نسبيًا، تمثل في انخراط اقتصادي أوضح، ومشاركة شركات مصرية في مشاريع إعادة الإعمار، إلى جانب استمرار الدور الأمني والوساطي، وفي هذه المرحلة، ظهرت قدرة القاهرة على التوفيق بين مصالحها الأمنية والضغط الدولي لإعادة بناء البنية التحتية في غزة، مع محاولة بناء مصداقية دبلوماسية كميسر بين الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية.
في السياق الراهن، بعد الحرب الأخيرة، تواجه مصر بيئة أكثر تعقيدًا: حرب طويلة الأمد، أضرار واسعة في البنية التحتية، نقاشات دولية حول مستقبل غزة، محاولات فرض ترتيبات تتجاوز التهدئة إلى إعادة هندسة الحكم والأمن، وضغوط غير مسبوقة تتعلق بالتهجير وإعادة الانتشار السكاني، كما زادت الضغوط الإقليمية والدولية على القاهرة للحفاظ على الاستقرار في سيناء، مع متابعة دقيقة لأوضاع الحدود والمعابر.
بالمقارنة، يظهر أن الدور المصري اليوم أقل قدرة على المناورة، وأكثر انضباطًا بالقيود القانونية والدبلوماسية، مقارنة بالمراحل السابقة، فهو لم يعد يقتصر على إدارة الأزمات قصيرة الأجل، بل يمتد إلى محاولة التأثير غير المباشر في إعادة صياغة المشهد السياسي والأمني للقطاع، مع الحفاظ على توازن دقيق بين المصالح المصرية، الضغوط الدولية، والتفاعلات مع الفصائل الفلسطينية المختلفة، خصوصًا حركة حماس.
ثانيًا: الإطار القانوني الحاكم للدور المصري
يحكم الدور المصري في قطاع غزة إطار قانوني بالغ الحساسية والدقة، تسعى القاهرة إلى عدم تجاوزه، إدراكًا منها للتبعات القانونية والسياسية والأمنية لأي انخراط مباشر في إدارة القطاع، ويأتي معبر رفح في صلب هذا الإطار، باعتباره المنفذ البري الوحيد الذي لا يخضع لسيطرة الاحتلال المباشرة، لكنه في الوقت ذاته محكوم باتفاقيات دولية سابقة، أبرزها بروتوكول تشغيل المعبر لعام 2005، التي ربطت تشغيله بتفاهمات مع الاحتلال ووجود طرف أوروبي.
ورغم أن هذه الاتفاقية فقدت فعاليتها العملية منذ عام 2007 بعد تولي الحكومة التي شكلتها حماس إدارة قطاع غزة، فإن آثارها القانونية لا تزال حاضرة في حسابات القاهرة، التي تحرص على عدم توصيف دورها في المعبر بوصفه توليًا لمسؤوليات سيادية على قطاع غزة، ولذلك، تقدم مصر دورها باعتباره دورًا إنسانيًا وتنظيميًا مؤقتًا، يهدف إلى تسهيل حركة الأفراد والبضائع، دون أن يرقى إلى مستوى الإدارة القانونية للإقليم.
علاوة على ذلك، تتحرك مصر ضمن التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض عليها تسهيل دخول المساعدات الإنسانية، منع استخدام أراضيها في أعمال عسكرية، ورفض أي سيناريوهات تنطوي على تهجير قسري أو نقل جماعي دائم لسكان غزة إلى سيناء، ويُعد هذا الرفض أحد الثوابت القانونية والسياسية في الموقف المصري، لما يحمله التهجير من انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي، ومن مخاطر استراتيجية مباشرة على الأمن القومي المصري.
وفي إطار التعزيز التحليلي، يظهر أن القاهرة تراعي في حساباتها القانونية أثر أي تحرك على الموقف الدولي والعلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بحيث لا يمكن لأي قرار مصري حول غزة أن يُفسر على أنه تغييب للقانون الدولي أو تجاوز للسلطة الفلسطينية الرسمية، وهو ما يقيّد هامش الحركة المصري ويجعل أي دور موسع مستقبلي مشروطًا بالشرعية القانونية والدبلوماسية الدولية.
ثالثًا: الإطار الدبلوماسي وحدود الحركة المصرية
يتحدد الدور المصري في غزة ضمن شبكة معقدة من العلاقات الدبلوماسية المتشابكة، على رأسها العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، التي تشكّل عامل ضغط دائم على هامش الحركة المصرية، فالقاهرة حريصة على عدم تبني أي مقاربات يمكن أن تُفهم على أنها شرعنة كاملة لدور المقاومة الفلسطينية سياسيًا، أو تجاوز للإطار الدولي الذي يعترف بالسلطة الفلسطينية ممثلًا رسميًا للشعب الفلسطيني.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن فصل السلوك المصري تجاه غزة عن مستوى التنسيق الأمني القائم مع الاحتلال الإسرائيلي، والذي يشكّل أحد أعمدة الاستقرار الأمني في سيناء، ويؤثر هذا التنسيق بشكل مباشر على سياسات القاهرة في المطلوب منها سواء في ضبط الحدود، منع تهريب الأسلحة، وإدارة أي ترتيبات أمنية طويلة الأمد قد تُطرح بعد الحرب.
إقليميًا، تسعى مصر إلى الحفاظ على موقعها كوسيط مركزي في الملف الفلسطيني، في مواجهة أدوار متنامية لقوى إقليمية أخرى، مثل قطر وتركيا، ويدفعها هذا التنافس إلى انتهاج سياسة انفتاح محسوب على المقاومة الفلسطينية، يهدف إلى منع احتكار الساحة من قبل فاعلين آخرين، مع التأكيد على أن هذا الانفتاح لا يتحول إلى شراكة سياسية كاملة أو اعتراف سياسي مطلق بالمقاومة.
ويعكس هذا الإطار الدبلوماسي محدودية هامش الحركة المصري، حيث يتعين على القاهرة الموازنة بين الضغط الدولي، مصالحها الاستراتيجية، والتعامل مع المقاومة الفلسطينية بصياغة تفاهمات غير معلنة تضمن استقرار الحدود وحماية مصالحها الوطنية، دون أن تتعرض لمخاطر سياسية أو دبلوماسية على المستويين الإقليمي والدولي.
رابعًا: مقاربة مقارنة – تطور الدور المصري منذ 2007 وحتى اليوم
منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام 2007، لعبت مصر دورًا مركزيًا في إدارة الأزمات المتكررة الناتجة عن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، مع تصاعد حدة الحروب والمواجهات التي شهدها القطاع على مراحل:
حرب نوفمبر 2012 : ركز الدور المصري على الوساطة لإيقاف التصعيد، وضبط معبر رفح وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، مع الالتزام بالحدود القانونية والدبلوماسية.
حرب صيف 2014 وما بعدها: تمحور الدور المصري حول تثبيت وقف إطلاق النار، إدارة ملف إعادة الإعمار عبر آليات تقليدية، وضمان عدم تصاعد التوتر على حدود سيناء، مع استمرار التنسيق الأمني مع الاحتلال ومنع تسلل الأسلحة.
تصعيدات متفرقة 2015–2020: ركزت القاهرة على دور الوسيط الأمني والسياسي، مع تعزيز المراقبة على المعابر ومنع تهريب الأسلحة، وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين الأطراف المختلفة لتجنب تفاقم النزاع.
حرب مايو 2021 “سيف القدس“: شهد الدور المصري توسعًا نسبيًا، تمثل في انخراط اقتصادي أوضح، ومشاركة شركات مصرية في مشاريع الإعمار، إلى جانب استمرار الدور الأمني والوساطي، مع محاولة بناء مصداقية دبلوماسية كوسيط بين الفصائل الفلسطينية والكيان الإسرائيلي.
الحرب الأخيرة (2023-2025): يواجه الدور المصري اليوم بيئة أكثر تعقيدًا، مع حرب طويلة الأمد، أضرار واسعة في البنية التحتية، محاولات دولية لفرض ترتيبات تتجاوز التهدئة إلى إعادة هندسة الحكم والأمن، وضغوط غير مسبوقة تتعلق بالتهجير وإعادة الانتشار السكاني.
وبالمقارنة عبر هذه المراحل، يظهر أن الدور المصري قد تطور من إدارة أزمات قصيرة الأجل إلى محاولة التأثير الاستراتيجي غير المباشر في المشهد السياسي والأمني للقطاع، مع التزام صارم بالقوانين الدولية والقيود الدبلوماسية والأمنية، والسعي للحفاظ على توازن دقيق بين المصالح المصرية، الضغوط الدولية، والتفاعلات مع الفصائل الفلسطينية، خصوصًا حركة حماس.
خامسًا: العلاقة بين مصر والمقاومة الفلسطينية بعد الحرب
من المرجح أن تُدار العلاقة بين مصر والمقاومة الفلسطينية في مرحلة ما بعد الحرب وفق منطق براغماتي واضح، يقوم على تبادل المصالح وتجنب الصدام المباشر، مع مراعاة الثوابت الوطنية والقومية لكل طرف. تدرك القاهرة أن المقاومة الفلسطينية تمثّل واقعًا ميدانيًا لا يمكن تجاوزه في غزة، وأن أي ترتيبات مستقرة تتطلب التعامل معها كفاعل أساسي يمتلك القدرة على ضبط الأرض، وليس كظاهرة عابرة أو مؤقتة.
في المقابل، تدرك فصائل المقاومة، وعلى رأسها حركة حماس، أهمية العلاقة مع مصر باعتبارها بوابة غزة الوحيدة، والوسيط الأكثر تأثيرًا في الملفات الإنسانية والسياسية، وكذلك كقناة للتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية. ومن هنا، يُتوقع أن يلتزم الطرفان بصيغة تفاهم غير مكتوبة تقوم على:
- عدم نقل أي تهديدات أمنية إلى الداخل المصري.
- تسهيل الدور المصري في تخفيف الحصار وإدارة الملفات الإنسانية.
- الحفاظ على التوازن بين مصالح القاهرة الأمنية والإغاثية وبين مصالح المقاومة في ضمان استقرار القطاع وتوسيع هامشها السياسي الداخلي.
وعليه، يمكن القول إن العلاقة بين مصر والمقاومة الفلسطينية ستستند إلى براغماتية متبادلة، تقوم على إدارة المصالح المشتركة، وضبط الحدود، مع التركيز على استدامة الاستقرار الأمني والإنساني، دون أن تتحول إلى تحالف سياسي أو شراكة استراتيجية طويلة الأمد.
سادسًا: الملفات المفصلية في مرحلة ما بعد الحرب
تشكل إعادة إعمار قطاع غزة أحد أبرز الملفات التي ستحدد طبيعة الدور المصري في المرحلة المقبلة، نظرًا لأهميته الإنسانية والسياسية والأمنية، وتسعى القاهرة إلى لعب دور محوري في هذا الملف، مستفيدة من موقعها الجغرافي وخبرتها السابقة في مشاريع إعادة الإعمار، لكنها في الوقت ذاته تحرص على ربط هذا الدور بضمانات أمنية وآليات رقابة دولية، تقلل من أي تبعات قانونية أو سياسية مباشرة قد تُترتب على تدخلها.
على المستوى الأمني، تُظهر مصر رفضًا قاطعًا لأي وجود عسكري مباشر داخل قطاع غزة، لكنها قد تدعم ترتيبات أمنية غير مباشرة، تقوم على آليات رقابة أو صيغ فلسطينية–فلسطينية بضمانات إقليمية ودولية، بما يحقق الحد الأدنى من الاستقرار دون التورط المباشر، وتشمل هذه الترتيبات مراقبة المعابر، منع تهريب الأسلحة، وضمان عدم استخدام الأراضي الفلسطينية في أعمال مسلحة تهدد الأمن المصري في سيناء.
فيما يتعلق بمستقبل الحكم في غزة، تفضّل القاهرة صيغًا وسطية لا تُقصي المقاومة الفلسطينية بالكامل، ولا تمنحها اعترافًا سياسيًا مطلقًا، مثل إدارة مدنية توافقية أو ترتيبات مرحلية تُدار بتوافق وطني فلسطيني، ويعكس هذا النهج الحرص المصري على المحافظة على التوازن بين الضغوط الدولية، مصالحها الأمنية، ومتطلبات الاستقرار الداخلي في غزة، مع تعزيز دورها الإنساني والتنموي بطريقة قانونية ودبلوماسية آمنة.
وبالإضافة إلى ذلك، تشكل قضايا الصحة، التعليم، والبنية التحتية الأساسية ملفات حساسة يمكن أن تستخدمها القاهرة كآليات ضغط وتأثير غير مباشر على عملية إدارة غزة، مع الحفاظ على دورها كوسيط مؤثر بين الأطراف الفلسطينية والإقليمية والدولية.
سابعًا: السيناريوهات المستقبلية لمستقبل العلاقة بين غزة ومصر
يمكن تصور مستقبل العلاقة بين مصر والمقاومة الفلسطينية عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية، مع ترجيح محتمل لكل منها استنادًا إلى المعطيات الراهنة:
السيناريو الأول: التعاون المنضبط
يتمثل في تعزيز التنسيق بين مصر والمقاومة الفلسطينية في الملفات الإنسانية والأمنية، مع الحفاظ على الوضع السياسي القائم وعدم إحداث تحول جوهري في طبيعة العلاقة، ويعد هذا السيناريو الأكثر احتمالية على المدى القصير، نظرًا للتركيز المصري على الحد من التوترات، وضمان استقرار المعابر، وتسهيل إعادة الإعمار، مع الالتزام بالقيود القانونية والدبلوماسية.
السيناريو الثاني: الاحتواء الأمني
ينشأ هذا السيناريو في حال تصاعد التوترات أو فشل التفاهمات بين القاهرة وفصائل المقاومة، حيث قد تعود مصر إلى تشديد الإجراءات على حدودها، مع الإبقاء على قنوات الوساطة مفتوحة لتجنب تصعيد شامل، يُرجح هذا السيناريو بدرجة أقل من الأول، إلا أنه يظل خيارًا استراتيجيًا تستخدمه القاهرة كأداة ضغط عند الحاجة.
السيناريو الثالث: الانخراط الإقليمي الواسع
يعتمد هذا السيناريو على مشاركة مصر في ترتيبات إقليمية ودولية شاملة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، بما يشمل الملفات الأمنية، السياسية، والإنسانية على نطاق أوسع، ويُعد السيناريو الأكثر تعقيدًا وحساسية، نظرًا لارتباطه بتفاعلات متعددة الأطراف، مع مخاطر دبلوماسية وأمنية عالية، وقدرة محدودة على المناورة دون توافق دولي وإقليمي كبير، ويُرجح هذا السيناريو بدرجة أقل من السيناريو الأول والثاني، ويظهر غالبًا في إطار ترتيبات مرحلية بعد اتفاقيات واسعة أو ضغوط دولية كبيرة.
بناءً على المعطيات الحالية، يبدو أن التعاون المنضبط هو السيناريو الأكثر احتمالًا، حيث يمكّن القاهرة من إدارة ملفات إعادة الإعمار والأمن والإنسانية بشكل فعال، مع الحفاظ على العلاقة البراغماتية مع المقاومة الفلسطينية ضمن الحدود القانونية والدبلوماسية.
الخــلاصــــة
تستنتج هذه الورقة أن مستقبل العلاقات بين غزة ومصر بعد الحرب سيظل محكومًا بمعادلة دقيقة، تجمع بين الأهمية الاستراتيجية لمصر كممثل إقليمي لا يمكن تجاوزه، والواقع الميداني للمقاومة الفلسطينية كعنصر أساسي في أي ترتيبات مستقبلية.
تشير التحليلات التاريخية والمقارنة بين مراحل الصراع منذ 2007، مرورًا بحروب 2012 و2014 و2021 وصولًا إلى الحرب الأخيرة، إلى أن الدور المصري قد تطور من إدارة أزمات قصيرة الأجل إلى محاولة التأثير الاستراتيجي غير المباشر، ضمن قيود قانونية، دبلوماسية، وأمنية صارمة.
كما توضح الورقة أن العلاقة بين مصر والمقاومة الفلسطينية ستكون براغماتية، قائمة على تبادل المصالح وتجنب الصدام، مع إبقاء الدور المصري مركزًا في إدارة الملفات الإنسانية والأمنية، دون منح اعتراف سياسي مطلق للمقاومة.
وتبرز السيناريوهات المستقبلية ثلاثة اتجاهات محتملة: التعاون المنضبط كأكثرها احتمالًا، الاحتواء الأمني كخيار تكتيكي في حال تصاعد التوترات، والانخراط الإقليمي الواسع كخيار معقد وحساس يرتبط بالضغوط الدولية والإقليمية.
في المجمل، تؤكد الورقة أن العلاقة المصرية–الفلسطينية بعد الحرب ستكون إدارة متوازنة للأزمات، ضبط للتوازنات، وتحقيق الاستقرار النسبي في غزة، مع استغلال القاهرة لموقعها الجغرافي ودورها التاريخي كوسيط دولي وإقليمي، في ظل مراعاة القيود القانونية والدبلوماسية والأمنية.
التــوصيــــات
استنادًا إلى التحليل التاريخي والمقارن والسيناريوهات المستقبلية، تقدم الورقة التوصيات التالية لتعزيز الدور المصري وتحقيق استقرار غزة بعد الحرب:
- تعزيز وحدة الموقف الفلسطيني من خلال دعم مسار وطني شامل يشمل جميع الفصائل، ويشرك المقاومة الفلسطينية في إدارة المرحلة الانتقالية، بما يحمي الثوابت الوطنية ويقلل من مخاطر الانقسامات.
- إدارة العلاقة مع القاهرة ببراغماتية والالتزام بأسس تفاهم غير مكتوبة مع مصر، تضمن عدم تهديد الأمن المصري، مع تسهيل دورها في تخفيف الحصار وإدارة الملفات الإنسانية.
- ترسيخ الدور الإنساني والاقتصادي المصري من خلال تشجيع القاهرة على توسيع مشاركتها في إعادة الإعمار، المشروعات التنموية، والمساعدات الإنسانية ضمن إطار قانوني واضح، مع ضمان الرقابة الدولية لتجنب أي تبعات سياسية أو قانونية.
- الحفاظ على الاستقرار الأمني من خلال التنسيق الأمني بين مصر والفصائل الفلسطينية لضبط الحدود ، مع تبني ترتيبات فلسطينية–فلسطينية بضمانات إقليمية لتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار.
- استخدام موقع مصر كوسيط إقليمي لضمان حماية مصالح غزة، تعزيز التفاهمات مع المجتمع الدولي، وموازنة الضغوط الأمريكية والإقليمية دون التورط في تحالفات سياسية مباشرة.
- منع مشاريع التهجير والنقل القسري من خلال التأكيد على رفض أي سيناريوهات تهجير قسري أو إعادة انتشار سكاني، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، لحماية السكان والحفاظ على الوضع القانوني لغزة.
- تعزيز آليات الشفافية والمتابعة الدولية ودعم عمليات إعادة الإعمار والملفات الإنسانية عبر آليات مراقبة دولية لضمان التنفيذ الفعال وتقليل أي استغلال سياسي أو أمني للملفات الحيوية.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-ديسمبر 2025



