دراسة تحليلية-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
تتناول هذه الورقة القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2025 بشأن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وتبحث في دلالاته القانونية والسياسية وإمكانات توظيفه فلسطينيًا، بعيدًا عن اعتباره مجرد قرار رمزي غير ملزم.
تُظهر الورقة أن أهمية القرار تكمن في توصيفه الصريح للاحتلال بوصفه “وجودًا غير قانوني”، واستناده إلى فتوى محكمة العدل الدولية، إلى جانب تحديد إطار زمني لإنهاء هذا الوضع، وهو ما يعزز مكانته ضمن التراكم القانوني الدولي ضد الاحتلال. وتؤكد أن هذه العناصر تمنح القرار قابلية للتوظيف في مسارات المساءلة القانونية والضغط السياسي والدبلوماسي.
في المقابل، تشير الورقة إلى أن تفعيل القرار يواجه تحديات بنيوية، أبرزها غياب آليات التنفيذ، والانقسام الفلسطيني الداخلي، واستمرار اختلال موازين القوى الدولية، وتخلص إلى أن تحويل القرار إلى أداة فاعلة يتطلب استراتيجية فلسطينية موحدة تربط بين المسارات القانونية والسياسية، وتستثمر الإجماع الدولي الواسع الذي عكسه التصويت في الجمعية العامة.
مقــدمــــة
تمثل قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة إحدى الركائز الأساسية التي اعتمد عليها الفلسطينيون تاريخيًا لترسيخ حقوقهم الوطنية والقانونية، في ظل تعطل مجلس الأمن بفعل استخدام حق النقض من بعض الدول دائمة العضوية، وفي ديسمبر 2025، اعتمدت الجمعية العامة قرارًا تاريخيًا يطالب بإنهاء “الوجود غير القانوني” لــ(إسرائيل) في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، وهو القرار الذي حظي بأغلبية واسعة من الدول الأعضاء (151 صوتًا مقابل 11 معارضًا و11 ممتنعًا).
يمثل هذا القرار تطورًا نوعيًا في التراكم القانوني الدولي ضد الاحتلال، إذ يستند إلى المبادئ الثابتة في القانون الدولي حول عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وعدم شرعية الاستيطان والضم، ويعكس إجماعًا دوليًا واسعًا على ضرورة إنهاء الاحتلال.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن القرار، رغم كونه صادرًا عن الجمعية العامة وغير ملزم ذاتيًا بالقوة التنفيذية، يوفر أداة قانونية وسياسية قابلة للتوظيف الفلسطيني إذا ما أُحسن استثمارها ضمن استراتيجية فلسطينية موحدة.
السؤال البحثي الرئيس:
إلى أي مدى يشكل قرار الجمعية العامة (ديسمبر 2025) بشأن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي أداة قانونية وسياسية قابلة للتوظيف الفلسطيني الفعلي، وليس مجرد قرار رمزي ضمن سياق القرارات غير الملزمة؟
وتسعى الدراسة إلى:
- تحليل الأبعاد القانونية للقرار في ضوء قواعد القانون الدولي.
- تقييم الأبعاد السياسية للقرار في النظام الدولي الراهن.
- استكشاف إمكانات توظيف القرار فلسطينيًا، والتحديات التي تحول دون ذلك.
- استشراف السيناريوهات المحتملة لتفعيل القرار على الأرض.
أولًا: الإطار القانوني الحاكم لقرارات الجمعية العامة
تُعد الجمعية العامة للأمم المتحدة أحد الأجهزة الرئيسية للمنظمة، وتمثل منصة جماعية تعكس إرادة المجتمع الدولي كافة، بما في ذلك الدول الكبرى والدول الصغيرة، الغنية والفقيرة، ذات النظم السياسية والاجتماعية المختلفة، ورغم أن قراراتها ليست ملزمة قانونيًا بشكل مباشر، على عكس قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فإن لها أدوارًا قانونية وسياسية معتبرة تُعزز من مكانة القرارات الدولية، أهمها:
- تفسير وتطوير قواعد القانون الدولي:
قرارات الجمعية العامة تساهم في صياغة فهم جماعي لمبادئ القانون الدولي، وقد تُستخدم لتحديد نطاق حقوق وواجبات الدول في حالات النزاع، بما فيها الحالات المتعلقة بالاحتلال العسكري، الاستيطان، وحقوق الشعوب في تقرير المصير.
2. الإسهام في تكوين العرف الدولي:
من خلال اعتماد قرارات متكررة تؤكد على قواعد معينة، تساهم الجمعية العامة في تحويل هذه المبادئ إلى عرف دولي، وهو مصدر أساسي من مصادر القانون الدولي وفقًا للمادة 38 من نظام محكمة العدل الدولية.
3. إضفاء الشرعية الدولية على مطالب أو مواقف سياسية:
القرارات الأممية تعطي القوة القانونية والأخلاقية لمواقف الدول أو الشعوب، خصوصًا في النزاعات طويلة الأمد، وتُشكل أساسًا للضغط الدبلوماسي والسياسي على الأطراف المعنية.
4. تشكيل قاعدة قانونية وأخلاقية للتحركات أمام الهيئات القضائية الدولية:
يمكن استخدام قرارات الجمعية العامة كمرجعية أساسية في الطعن أمام محكمة العدل الدولية، المحكمة الجنائية الدولية، أو آليات العدالة الدولية الأخرى، خاصة عندما تتعلق بمسائل مثل الاحتلال، الاستيطان، وانتهاك حقوق الإنسان.
في السياق الفلسطيني، ازدادت أهمية قرارات الجمعية العامة بشكل مضاعف نتيجة تعطّل مجلس الأمن بسبب استخدام حق النقض من قبل الدول دائمة العضوية، ما حول الجمعية العامة إلى منصة بديلة لتثبيت الحقوق القانونية للشعب الفلسطيني، فقد أظهرت التجارب السابقة، مثل قرار 67/19 (2012) حول رفع مكانة فلسطين إلى دولة مراقب، أن الجمعية العامة قادرة على خلق تراكم قانوني دولي يمكن توظيفه سياسيًا وقضائيًا، رغم غياب القوة التنفيذية المباشرة.
ثانيًا: القرار الأممي الأخير في سياقه التاريخي والقانوني
يأتي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في ديسمبر 2025 بشأن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي في إطار مسار تراكمي طويل من القرارات الدولية التي تناولت القضية الفلسطينية منذ عام 1947، غير أن أهميته لا تكمن في كونه امتدادًا كميًا لهذا المسار، بل في ما يضيفه نوعيًا إلى البناء القانوني والسياسي الدولي المتعلق بوضع الاحتلال.
فمنذ قرار التقسيم رقم 181 (1947)، مرورًا بقرارات حق العودة وتقرير المصير وعدم شرعية الاستيطان، كرّست المنظومة الدولية مجموعة من المبادئ القانونية المستقرة، في مقدمتها مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، باعتباره من القواعد الآمرة (Jus Cogens) في القانون الدولي، التي لا يجوز الخروج عليها أو تبرير انتهاكها تحت أي ذريعة سياسية أو أمنية، ويترتب على هذا المبدأ نفي أي أساس قانوني لضم الأراضي الفلسطينية أو استمرار السيطرة عليها بالقوة العسكرية.
كما أكد هذا المسار التراكمي حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بوصفه حقًا قانونيًا غير قابل للتصرف، كما ورد في قرارات الجمعية العامة، ولا سيما القرار 3236 (1974)، ما يجعل الاحتلال الإسرائيلي ليس فقط انتهاكًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، بل عائقًا بنيويًا أمام ممارسة حق جماعي معترف به دوليًا.
وفي السياق ذاته، رسّخت القرارات الدولية وفتاوى محكمة العدل الدولية عدم شرعية الاستيطان والضم، واعتبرتهما خرقًا جسيمًا لاتفاقية جنيف الرابعة، وهو ما يُخرج السياسات الإسرائيلية من نطاق “الخلاف السياسي” إلى نطاق الوضع غير المشروع قانونيًا، ويترتب على ذلك مبدأ المسؤولية الدولية عن الوضع غير المشروع المستمر، بما يشمل التزام الدول بعدم الاعتراف به أو تقديم أي شكل من أشكال الدعم الذي يسهم في استمراره، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية بوضوح في فتواها الاستشارية بشأن جدار الضم والتوسع عام 2004.
ما يميز قرار ديسمبر 2025 عن سابقاته لا يقتصر على إعادة التأكيد على هذه المبادئ، بل يتمثل في ثلاثة عناصر مفصلية تعزز قابليته للتوظيف الفلسطيني:
أولًا، استناده الصريح إلى فتوى محكمة العدل الدولية بشأن الآثار القانونية للاحتلال، وهو ما يمنحه وزنًا قانونيًا مضاعفًا، ويحوّله من مجرد إعلان سياسي إلى وثيقة يمكن الاستناد إليها في المسارات القضائية الدولية، سواء أمام المحكمة الجنائية الدولية أو في إطار الولاية القضائية العالمية.
ثانيًا، توصيفه الواضح للاحتلال الإسرائيلي بوصفه “وجودًا غير قانوني”، لا مجرد وضع نزاعي مؤقت، وهو توصيف يحمل دلالات قانونية عميقة، إذ ينقل الكيان الإسرائيلي من موقع “طرف في نزاع” إلى موقع “منتهك مستمر للقانون الدولي”، ويعيد تعريف طبيعة العلاقة بين الاحتلال والمجتمع الدولي من إدارة نزاع إلى مسؤولية عن إنهاء وضع غير مشروع.
ثالثًا، تحديده إطارًا زمنيًا لإنهاء الاحتلال، وهو عنصر جديد نسبيًا في قرارات الجمعية العامة. ورغم عدم إلزاميته القانونية المباشرة، إلا أنه يفتح المجال أمام توظيف سياسي ودبلوماسي ضاغط، من خلال ربط استمرار الاحتلال بتقاعس دولي عن تنفيذ قرار صادر بإجماع واسع، ما يرفع كلفة تجاهله سياسيًا وأخلاقيًا.
بناءً على ذلك، لا يمكن النظر إلى القرار الأممي الأخير بوصفه قرارًا رمزيًا مكررًا، بل كحلقة متقدمة في البناء القانوني الدولي للقضية الفلسطينية، تجمع بين المرجعية القضائية لمحكمة العدل الدولية، والإجماع السياسي الواسع داخل الجمعية العامة، وتحديد هدف زمني واضح، وهي عناصر تتيح للفلسطينيين إمكانية الانتقال من خطاب المطالبة المجردة إلى خطاب التوظيف القانوني والسياسي المنظم، إذا ما أُدرج القرار ضمن استراتيجية فلسطينية شاملة.
ثالثًا: الأبعاد السياسية للقرار
يمثل القرار الأممي الأخير بشأن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي تحولًا نسبيًا في المزاج السياسي الدولي تجاه القضية الفلسطينية، إذ يعكس عدة مؤشرات رئيسية على مستوى المجتمع الدولي:
- تزايد الانتقادات الغربية للسياسات الإسرائيلية:
على الرغم من استمرار الدعم العسكري والسياسي الأميركي للكيان الإسرائيلي، شهدت بعض العواصم الأوروبية زيادة في الانتقادات للسياسات الإسرائيلية، خاصة فيما يتعلق بالاستيطان، الضم، وانتهاك حقوق الفلسطينيين، وهذا التغير في الموقف يعزز من قدرة المجتمع الدولي على توجيه رسائل ضغط رمزية وسياسية.
2. تصاعد دور دول الجنوب العالمي:
الدول النامية وكتل مثل مجموعة الـ77 والدول الصديقة، أصبحت فاعلة أكثر في صياغة قرارات الجمعية العامة، مما يعزز شرعية القرارات الدولية الداعمة للقضية الفلسطينية ويمنحها قاعدة جماعية أوسع خارج أطر مجلس الأمن.
3. تآكل الخطاب الإسرائيلي القائم على “إدارة الصراع”:
القرار يعكس تقويضًا جزئيًا للاستراتيجية الإسرائيلية التي تعتمد على إبقاء الوضع تحت السيطرة دون حل نهائي، ويؤكد أن المجتمع الدولي بات ينظر إلى الاحتلال المستمر على أنه انتهاك مستمر للقانون الدولي، وليس مجرد نزاع مؤقت.
العوامل المحددة لفعالية القرار سياسيًا
رغم أهميته، تبقى قدرة القرار على إحداث تغيير ملموس في الواقع السياسي مرهونة بعدة عوامل رئيسية:
- استمرار الدعم الأميركي للكيان الإسرائيلي:
يشكل الدعم الأميركي حجر عثرة أمام تنفيذ أي إجراءات عملية ضد الاحتلال، سواء كانت دبلوماسية أو اقتصادية.
2. غياب إرادة دولية موحدة للتحول من الإدانة إلى الفعل:
القرارات الأممية غالبًا ما تظل رمزية ما لم تصاحبها استراتيجية ضغط دولية متسقة، تشمل حوافز أو عقوبات، أو آليات متابعة دولية واضحة.
3. محدودية أدوات الضغط المتاحة خارج مجلس الأمن:
الجمعية العامة لا تملك أدوات تنفيذية، ما يعني أن فعالية القرار السياسي تعتمد على التنسيق مع الدول المؤثرة، والضغط عبر منظمات حقوق الإنسان، والهيئات القضائية الدولية، وحملات الرأي العام الدولي.
يمكن القول إن القرار يشكل أداة ضغط سياسية محتملة تتيح للفلسطينيين استثمار السياق الدولي لصالح قضيتهم، لكنه لا يغير موازين القوى على الأرض بمفرده، فعالية القرار تعتمد على قدرة الفعل الفلسطيني على توظيفه ضمن استراتيجية دبلوماسية وسياسية متكاملة، تشمل تحالفات دولية، تفعيل الدور العربي والإسلامي، واستثمار الشرعية القانونية للضغط على الاحتلال والمجتمع الدولي.
رابعًا: التحديات أمام توظيف القرار فلسطينيًا
رغم الأهمية القانونية والسياسية للقرار الأممي الأخير، فإن تحويله إلى أداة فعالة على الأرض يواجه سلسلة من التحديات الجوهرية، يمكن تصنيفها كالتالي:
- غياب آليات التنفيذ الملزمة
لا تتضمن قرارات الجمعية العامة، بما فيها القرار الأخير، أي إجراءات عقابية مباشرة أو آليات متابعة إلزامية لتطبيقها على أرض الواقع.
وهذا القصور يجعل القرار رمزيًا في جوهره ما لم يُدعم بضغط دولي مستمر، أو من خلال تفعيل أدوات القانون الدولي مثل دعاوى المحكمة الجنائية الدولية أو العقوبات الاقتصادية الدولية.
2. الانقسام الفلسطيني الداخلي
الانقسام بين الفصائل الفلسطينية، يضعف القدرة على توحيد الخطاب القانوني والسياسي.
وعدم وجود سلطة فلسطينية موحدة يحد من إمكانية توظيف القرار في مبادرات دبلوماسية أو قانونية متكاملة، ويضعف المصداقية أمام المجتمع الدولي.
3. التفاوت في مواقف الدول العربية والإسلامية
تتراوح مواقف الدول العربية والإسلامية بين دعم رمزي أو خطابي، والتزام عملي محدود بتنفيذ القرارات أو الضغط على الكيان الإسرائيلي.
وهذا التفاوت يقلل من قوة الدفع الجماعية التي يمكن أن تعزز فعالية القرار، ويضعف قدرة الفلسطينيين على حشد دعم موحد في المحافل الدولية.
4. التعقيدات الميدانية والإنسانية
الوضع الميداني في قطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك الأوضاع الإنسانية الطارئة، الدمار في البنية التحتية، والقيود على حرية الحركة والتنمية الاقتصادية، قد يبدد الزخم السياسي الذي يوفره القرار.
وهذه التعقيدات تجعل تنفيذ أي خطوات عملية، مثل إعادة اللاجئين أو تأهيل الأراضي المحتلة، مرهونًا بتعاون دولي واسع وتوافر موارد ضخمة.
توضح هذه التحديات أن القرار الأممي، رغم أهميته القانونية والسياسية، يظل أداة محدودة التأثير ما لم تُدعم الاستراتيجية الفلسطينية بعوامل تنفيذية واضحة، تشمل توحيد الصف الفلسطيني، وتنسيق المواقف الدولية، وتفعيل الآليات القانونية والدبلوماسية المتاحة.
خامسًا: سيناريوهات توظيف القرار
يمكن تصنيف مسارات توظيف القرار الأممي الأخير إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية، تختلف وفق درجة التحرك الفلسطيني والدعم الدولي المتاح:
السيناريو الأول: التوظيف القانوني المتقدم
يعتمد على استخدام القرار كمرجعية قانونية رصينة في المسارات القضائية الدولية، بما يشمل: المحكمة الجنائية الدولية لمساءلة المسؤولين عن الانتهاكات المستمرة للقانون الدولي الإنساني.
والولاية القضائية العالمية لملاحقة الانتهاكات الدولية ضد الفلسطينيين.
وهذا السيناريو يتيح تعزيز ملفات المساءلة القانونية وخلق ضغط دولي على الحكومة الإسرائيلية من خلال الإطار القضائي، ويزيد من الشرعية الدولية للمطالب الفلسطينية.
السيناريو الثاني: الضغط الدبلوماسي التدريجي
يركز على تحريك القرار ضمن سياق دبلوماسي متعدد الأطراف، عبر بناء تحالفات دولية فاعلة تدعم خطوات عملية على الأرض، مثل:
فرض قيود على التعاون الاقتصادي أو العسكري مع المستوطنات، وتوجيه ضغط سياسي على الحكومة الإسرائيلية من خلال المنظمات الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان.
وهذا السيناريو يعتمد على القدرة الفلسطينية على تنسيق المواقف الدولية وتحويل الدعم السياسي إلى أدوات ضغط ملموسة.
السيناريو الثالث: بقاء القرار في الإطار الرمزي
يتحقق في حال غياب استراتيجية فلسطينية موحدة، أو عدم توفر دعم دولي فعلي ومستمر.
وفي هذه الحالة، يبقى القرار مجرد وثيقة رمزية يمكن الاستناد إليها إعلاميًا أو حقوقيًا، دون أن يحدث أي تغيير ملموس على الأرض أو في موازين القوى.
تحليل السيناريوهات
السيناريو القانوني المتقدم يوفر فرصًا لتعزيز الضغط الدولي عبر آليات قضائية لكنه يحتاج إلى توحيد الصف الفلسطيني وتوظيف الموارد القانونية والدبلوماسية.
السيناريو الدبلوماسي التدريجي يعتمد على تنسيق المواقف العربية والإسلامية والدولية واستثمار الشرعية القانونية للقرار في تحركات عملية ملموسة.
بقاء القرار رمزيًا يعكس الضعف الفلسطيني النسبي في ترجمة الشرعية الدولية إلى نفوذ فعلي على الأرض، ويبرز أهمية التحرك الاستراتيجي المتكامل.
الخلاصة
يشكل قرار الجمعية العامة الأخير بشأن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي تحولًا نوعيًا في المسار القانوني والسياسي الدولي للقضية الفلسطينية، إذ يمنح الفلسطينيين أداة شرعية متجددة لدعم حقوقهم الوطنية على المستويين القانوني والدبلوماسي.
مع ذلك، يظل القرار أداة محتملة وليست منفذة ما لم يُدمج في استراتيجية فلسطينية شاملة، تجمع بين توحيد الخطاب القانوني والسياسي، التحرك القضائي الدولي، الضغط الدبلوماسي، وتفعيل الدعم العربي والدولي بشكل فاعل.
في هذا الإطار، يمكن للقرار أن يتحول من مجرد وثيقة رمزية إلى رافعة ضغط حقيقية على الكيان الإسرائيلي والمجتمع الدولي، تعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، وتفتح مسارات جديدة لتعزيز الحقوق، حماية المدنيين، ودفع عملية استعادة الحقوق وفق رؤية فلسطينية واضحة.
التوصيات: (متطلبات تحويل القرار من رمزية إلى أداة فاعلة)
تحويل القرار الأممي الأخير بشأن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي من وثيقة رمزية إلى أداة ضغط قانونية وسياسية فعّالة يتطلب تبني مجموعة من الإجراءات والاستراتيجيات المتكاملة، تشمل:
- صياغة استراتيجية فلسطينية قانونية موحدة على المستوى القانوني والسياسي، بحيث يمثل القرار قاعدة موحدة لجميع المبادرات الدولية والفلسطينية، وتطوير ملفات قضائية واضحة يمكن تقديمها أمام المحاكم الدولية، تشمل الحقوق المدنية، جرائم الحرب، والتعويضات عن الممتلكات المنهوبة.
- تفعيل الدور العربي والإسلامي ككتلة تصويت وضغط، لتحويل الدعم السياسي إلى أدوات نفوذ حقيقية، وبناء تحالفات استراتيجية مع الدول الصديقة لضمان متابعة القرار على المستوى العملي وليس الرمزي فقط.
- الاستثمار في الرأي العام الدولي والمؤسسات الحقوقية، وتوظيف القرار لتعزيز الوعي الدولي بالقضية الفلسطينية وشرعية مطالبها، والتعاون مع المؤسسات الحقوقية الدولية ووسائل الإعلام العالمية لبناء ضغط مستمر على الاحتلال والمجتمع الدولي لتحقيق تنفيذ ملموس.
- ربط القرار بمسارات تنفيذية متعددة الأبعاد
قضائيًا: استثمار القرار كأساس قانوني لدعاوى أمام المحكمة الجنائية الدولية والهيئات القضائية ذات الولاية العالمية.
دبلوماسيًا: حشد الدعم الدولي وتحويل الشرعية القانونية إلى ضغط سياسي ملموس، بما في ذلك التعاون مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والهيئات الإقليمية.
اقتصاديًا: استخدام القرار لدعم سياسات المقاطعة أو العقوبات المستهدفة ضد الاستيطان والممارسات غير القانونية، بما يعزز الضغط على الاحتلال.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية- ديسمبر2025



