دراسة تحليلية-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
الملخص التنفيذي
أدت الحرب الإسرائيلية على غزة (2023–2025) إلى تدمير نحو 360 ألف وحدة سكنية وتشريد أكثر من 1.6 مليون فلسطيني، مع انهيار البنية التحتية والخدمات الأساسية، واستخدمت الحكومة الإسرائيلية أزمة الإيواء كأداة ضغط سياسي وأمني، عبر ربط التعافي والإعمار بشروط سياسية وأمنية، ما يحول ملف السكن إلى ورقة تفاوضية ويزيد هشاشة المجتمع الغزي.
رغم جهود الدول الوسيطة والمنظمات الدولية، اقتصرت الحلول على مساعدات مؤقتة (خيام ومراكز إيواء)، ولم تُعالج جذور الأزمة البنيوية، وتحلل الورقة سياسات التدمير الإسرائيلية، التداعيات الإنسانية والاجتماعية، التحديات أمام إعادة الإعمار، وتستشرف السيناريوهات المحتملة، مع تقديم توصيات عملية لفصل ملف الإيواء عن التجاذبات السياسية، وتفعيل الرقابة والمساءلة الدولية، ودعم التعافي المبكر المستدام، وحماية الحق الأساسي في السكن.
المقدمــــة
أفرزت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة (2023-2025) واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في تاريخه المعاصر، تمثلت في التدمير الواسع للبيئة السكنية وتشريد مئات الآلاف من السكان، ما جعل أزمة الإيواء أحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمع الغزي في مرحلة ما بعد الحرب[1].
غير أن هذه الأزمة لا يمكن مقاربتها بوصفها نتيجة إنسانية عرضية للعدوان فحسب، بل هي أزمة مدارة سياسياً، تم توظيفها ضمن منظومة أوسع من أدوات الضغط الأمني والسياسي التي تمارسها حكومة الاحتلال على قطاع غزة.
ففي ظل تدمير أكثر من 350 ألف وحدة سكنية[2]، وتعطل مشاريع إعادة الإعمار، وفرض قيود مشددة على إدخال الخيام والمساكن المؤقتة ومواد البناء، وربط ذلك باشتراطات سياسية وأمنية تتعلق بنزع سلاح المقاومة وإعادة تشكيل المشهد السياسي في القطاع، تحولت الاحتياجات الإنسانية الأساسية، وعلى رأسها الحق في السكن، إلى أدوات ضغط غير مباشرة تُستخدم لإعادة ضبط الواقع السياسي والأمني بعد الحرب.
وقد ترافق ذلك مع عجز واضح من قبل المجتمع الدولي والوسطاء والأطراف الضامنة لاتفاق التهدئة عن فرض التزام فعلي بتفاهمات وقف إطلاق النار، والاكتفاء بإدارة الأزمة عبر المساعدات الطارئة، دون معالجة جذورها أو ضمان الحقوق الأساسية للسكان المتضررين.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن أزمة الإيواء في غزة لم تعد مسألة إنسانية بحتة، بل باتت جزءاً من سياسة إسرائيلية ممنهجة، تهدف إلى إبقاء القطاع في حالة هشاشة دائمة، بما يسمح باستخدام الإعمار والإغاثة كورقتي تفاوض وأدوات ضبط سياسي وأمني.[3]
وتسعى الورقة للإجابة عن سؤالها الرئيسي: كيف توظف حكومة الاحتلال أزمة الإيواء في قطاع غزة كأداة ضغط سياسي وأمني، وما تداعيات ذلك على الاستقرار الإنساني والاجتماعي، في ظل عجز المجتمع الدولي عن فرض التزام فعلي بتفاهمات وقف إطلاق النار؟
أزمة الإيواء في غزة
عانى قطاع غزة قبل العدوان الإسرائيلي الأخير (2023–2025) من أزمة متراكمة في قطاع الإسكان، ناجمة عن الحصار الإسرائيلي المستمر منذ العام 2006، وسلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة التي أسفرت عن تدمير عشرات آلاف الوحدات السكنية[4]، وقد شكّلت الحرب التي امتدت لعامين كاملين ذروة هذه الأزمة، حيث وصفتها الأمم المتحدة بأنها من بين أكثر الحروب دموية وتدميراً في التاريخ الحديث.
إلى جانب هذه العوامل، تعود أزمة السكن في غزة إلى أسباب سياسية وتخطيطية وبنيوية، إضافة إلى النمو السكاني الطبيعي، إذ يحتاج القطاع سنوياً إلى ما لا يقل عن 15 ألف وحدة سكنية جديدة لمواكبة هذه الزيادة، غير أن السياسات الإسرائيلية حالت دون تلبية هذه الحاجة، سواء عبر القيود المفروضة على البناء أو التدمير المتكرر والمنهجي للبنية السكنية.[5]
وقد عمّقت الحرب الأخيرة الأزمة بشكل غير مسبوق، إذ انتهجت دولة الاحتلال سياسات تدمير شاملة طالت المباني والمنشآت السكنية والبنية التحتية الأساسية، بما في ذلك شبكات المياه والكهرباء والاتصالات والصرف الصحي، ما يجعل عملية إعادة الإعمار في المستقبل مسألة شديدة التعقيد ومرهونة بالظروف السياسية والأمنية القائمة.
الهدف الإسرائيلي من عملية تدمير قطاع الإسكان
تشير تصريحات متكررة لمسؤولين إسرائيليين حاليين وسابقين إلى وجود توجه واضح لجعل قطاع غزة بيئة غير قابلة للحياة، سواء بشكل مؤقت أو دائم، عبر خلق أزمة إنسانية خانقة تُستخدم كوسيلة ضغط سياسي وأمني.
وقد عبّر رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، عن هذا التوجه صراحة أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست بتاريخ 13 أيار/مايو 2025، قائلاً:
“إسرائيل تدمر المزيد والمزيد من المباني والمنازل في غزة كي لا يجد الفلسطينيون مكاناً يعودون إليه”.
وأضاف” :النتيجة الواضحة والوحيدة لهذه السياسة أن سكان غزة سيختارون الهجرة خارج القطاع”[6].
وفي ضوء هذه التصريحات، يمكن فهم التدمير الواسع الذي طال الوحدات السكنية خلال عامين من العمليات العسكرية باعتباره جزءاً من سياسة ممنهجة تهدف إلى خلق بيئة طاردة للحياة، وتحويل غزة إلى مساحة غير صالحة للسكن، بما يُجبر السكان على النزوح القسري.
ترجمة التصريحات إلى سياسة تدمير ممنهجة
ترجمت هذه التصريحات إلى واقع عملي على الأرض، حيث عمل جيش الاحتلال خلال عملياته العسكرية على تدمير أكبر قدر ممكن من الأحياء السكنية في قطاع غزة، في إطار سياسة شاملة ومنهجية، وتشير التقديرات المتوفرة إلى أن إجمالي الوحدات السكنية المتضررة من الحرب بلغ نحو 360 ألف وحدة، أي ما يقارب 92% من إجمالي الوحدات السكنية في القطاع.
ومن بين هذه الوحدات، دمرت حوالي 160 ألف وحدة تدميراً كلياً، فيما تضررت نحو 60 ألف وحدة بشكل جزئي، إضافة إلى 140 ألف وحدة لحقت بها أضرار جسيمة تتطلب تدخلاً هندسياً معقداً لإصلاحها أو إعادة تأهيلها[7].
وتعكس هذه الأرقام حجم الدمار غير المسبوق الذي لحق بقطاع الإسكان، إذ تفوق الخسائر المسجلة ما تعرض له القطاع خلال الحروب الإسرائيلية السابقة مجتمعة، بما يزيد على تسعة أضعاف عدد الوحدات السكنية التي دمرت خلال حروب 2008–2009، 2012، 2014، و2021، فضلاً عن عشرات جولات التصعيد المحدودة، ويشير هذا الواقع إلى تحول نوعي في طبيعة الاستهداف، من ضربات محدودة إلى سياسة تدمير شاملة تستهدف البيئة السكنية بوصفها ركيزة أساسية للحياة المدنية.[8]
وتكبد قطاع الإسكان خسائر مالية هائلة نتيجة الحرب الممتدة بين 2023 و2025، حيث تأثرت أكثر من 90% من الوحدات السكنية بما في ذلك الدمار الكلي والجزئي، ما يجعل كلفة إعادة البناء والإصلاح، إلى جانب البنية التحتية المرتبطة بالمياه والكهرباء والطرق، تقدّر بين 25 و30 مليار دولار أمريكي.[9]
وتعكس هذه الأرقام أن أزمة الإسكان لا تقتصر على بعد إنساني فحسب، بل تُستخدم أيضاً كورقة ضغط سياسي، من خلال ربط التعافي والإعمار بشروط تتجاوز الحقوق الأساسية للسكان، مما يزيد من هشاشة الوضع الاجتماعي والاقتصادي في القطاع.
أبرز السياسات الإسرائيلية في تدمير المساكن
لجأت دولة الاحتلال إلى حزمة من الأدوات والوسائل العسكرية المتنوعة لتدمير القطاع الإسكاني في غزة، في إطار سياسة تهدف إلى إحداث تغيير جذري في الواقع العمراني والديمغرافي للقطاع. ومن أبرز هذه السياسات:
نسف المربعات السكنية:
اعتمد جيش الاحتلال سياسة نسف المربعات السكنية كاملة، سواء عبر القصف الجوي والمدفعي المكثف الذي حول أحياء بأكملها إلى ركام، أو من خلال استغلال التوغلات البرية لتفخيخ المنازل وتفجيرها بشكل متزامن، وأسهمت هذه السياسة في محو معالم أحياء كاملة وتغيير الطبيعة الجغرافية للمناطق المستهدفة، ما جعل السكان عاجزين عن التعرف على شوارعهم ومناطقهم الأصلية، في مسعى واضح لقطع أي إمكانية للعودة.
الروبوتات المتفجرة والمفخخة:
خلال الحرب الأخيرة، استخدم جيش الاحتلال تقنيات تدمير متقدمة تمثلت في عربات وروبوتات مفخخة، تصل حمولتها إلى ما بين 1–3 أطنان من المتفجرات، وتتم السيطرة عليها عن بُعد عبر أنظمة إلكترونية مزودة بكاميرات مراقبة، وقد جرى تفجير هذه العربات داخل الأحياء السكنية، ما أدى إلى تدمير مساحات واسعة في لحظات معدودة وأحدث دماراً بالغاً في المباني المجاورة.
تجريف الأحياء السكنية:
لجأ الاحتلال أيضاً إلى استخدام الجرافات العسكرية الثقيلة من طرازD9، التي رافقت القوات البرية خلال العمليات، وقامت بتجريف المنازل والبنى التحتية والأحياء السكنية بالكامل، ولم يقتصر هذا الأسلوب على تدمير المباني، بل أسهم في تسوية مناطق كاملة بالأرض، مما يعقد لاحقاً عمليات إعادة الإعمار وإعادة التخطيط العمراني.
أنظمة الذكاء الاصطناعي:
في تطور لافت، استخدم جيش الاحتلال أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة لتحديد واستهداف المباني السكنية، من خلال برامج أبرزها نظام “هابسورا” الذي طورته وحدة 8200 الاستخبارية، ويستخدم لتنفيذ عمليات القصف الجوي بدقة أعلى، ويعكس هذا الاستخدام انتقال عملية التدمير من قرار ميداني محدود إلى نمط صناعي مؤتمت يسرع وتيرة الاستهداف ويوسع نطاقه.[10]
أنماط الإيواء القسري بوصفها أداة ضغط سياسي
أدى التدمير الواسع للقطاع الإسكاني إلى دفع سكان غزة نحو خيارات إيواء قسرية بالغة الصعوبة، تمثلت في:
- المبيت داخل الخيام.
- إنشاء مساكن مؤقتة من الشوادر والنايلون.
- استئجار منازل بأسعار باهظة تفوق القدرة المادية لغالبية الأسر.
وفي المقابل، اضطر آخرون إلى العودة للعيش في منازلهم المتضررة أو المقصوفة، رغم المخاطر الكبيرة لانهيارها نتيجة التصدعات الهيكلية، كما لا تزال عشرات آلاف العائلات تقيم في مرافق عامة مثل المدارس والمستشفيات، التي تحولت إلى مراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة، ومع طول أمد النزوح، تعرضت الخيام للاهتراء، وكشف الشتاء الثالث الذي يعيشه سكان القطاع حجم الكارثة الإنسانية، حيث جرفت السيول عشرات آلاف الخيام، واقتلعت الرياح الشديدة آلافاً أخرى.
وفي موازاة ذلك، شهد القطاع انهيار عشرات المباني السكنية المتصدعة، سقط بعضها على رؤوس ساكنيها نتيجة عدم قدرتها على تحمل الظروف الجوية القاسية، وتشير التقديرات إلى أن نحو 1.6 مليون فلسطيني يعيشون حالياً في الخيام بعد فقدان منازلهم، وهو واقع إنساني بالغ الهشاشة تحاول دولة الاحتلال توظيفه كورقة ضغط سياسي، عبر رهن التعافي وإعادة الإعمار باشتراطات سياسية وأمنية.
التداعيات الإنسانية والاجتماعية لأزمة الإيواء
لا تقتصر آثار تدمير قطاع الإسكان على الخسائر المادية فحسب، بل تمتد إلى تداعيات إنسانية واجتماعية عميقة، أبرزها:
1. تفكك الأسرة والمجتمع:
أدى فقدان المنازل إلى تشتت الأسر واضطرارها للعيش في ظروف مكتظة تفتقر للخصوصية، ما انعكس سلباً على العلاقات الأسرية وأسهم في إنتاج حالة من الانكشاف الاجتماعي غير المسبوق.
2. فقدان الشعور بالاستقرار:
غياب المأوى يقوض الإحساس بالأمان والاستقرار النفسي والمعيشي، ويضع الأسر في حالة دائمة من القلق والترحال، ما يعرقل قدرتها على التخطيط للمستقبل.
3. الضغط النفسي والمعنوي:
العيش الطويل في الخيام يؤدي إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة، خاصة لدى الأطفال والنساء وكبار السن.
4. ارتفاع معدلات العنف:
تساهم حالة عدم الاستقرار والضغط النفسي في تغيّر أنماط السلوك الاجتماعي وارتفاع حالات العنف الأسري والمجتمعي.
5. انعدام الأمن الغذائي والصحي:
ترافق الحياة في الخيام مع غياب شروط النظافة والرعاية الصحية، ما يزيد احتمالات انتشار الأمراض المعدية، مثل الكوليرا والتهاب الكبد الوبائي وغيرها من الأمراض المعوية.
6. ضعف التعليم:
تدمير المنشآت التعليمية وغياب البيئة المناسبة للتعلم يحرم آلاف الأطفال من مواصلة تعليمهم، أو يجبرهم على الانخراط في أنماط تعليم بديلة ضعيفة الجودة.
7. فقدان الشعور بالانتماء:
العيش القسري في الخيام ساهم في تآكل الإحساس بالانتماء والاستقرار المكاني، وأدى إلى شعور متزايد بالاغتراب وانسداد الأفق أمام الأسر.
التحديات التي تواجه قطاع الإسكان بعد الحرب وجهود التعافي
أولاً: التحديات الأساسية
- الدمار في الوحدات الإسكانية:
أدى تدمير مئات آلاف الوحدات السكنية إلى تشريد جماعي واسع النطاق، ما يستلزم استجابة محلية ودولية منسقة لتأمين حلول إيواء مستدامة.
2. إزالة الركام والأنقاض:
تعد إزالة الركام أحد أكبر التحديات، إذ تشير التقديرات الأممية إلى وجود أكثر من 70 ألف طن من الأنقاض، ما يستدعي خطة دولية وإمكانات هندسية غير متوفرة حالياً.
3. نقص مواد البناء:
يواجه القطاع نقصاً حاداً في مواد الإعمار الأساسية، لا سيما الأسمنت والحديد والمواد الصحية، نتيجة القيود الإسرائيلية المفروضة.
4. ارتفاع الأسعار:
تدمير المصانع والمستودعات أدى إلى ارتفاع كبير بأسعار المواد الأساسية، ما فاقم العبء الاقتصادي على السكان.
5. محدودية المساحات:
تشكّل السيطرة الإسرائيلية على نحو 50% من مساحة القطاع، خصوصاً المناطق الشرقية، تحدياً جوهرياً أمام إعادة الإعمار، في ظل تكدس السكان في المساحة الغربية المحدودة.
ثانياً: جهود الوسطاء في الإيواء والإعمار
منذ تنفيذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، باشرت الدول الوسيطة، ولاسيما مصر وقطر، تحركات ميدانية لإيواء النازحين:
مصر : أنشأت 16 مخيماً لإيواء النازحين من الخيام، باستيعاب نحو 100 ألف فلسطيني، كما يجري تجهيز مخيم ضخم في منطقة الزهراء وسط القطاع على مساحة 2000 دونم، بطاقة استيعابية تصل إلى 15 ألف خيمة.[11]
قطر: أنهت تجهيز المخيم القطري في مدينة حمد السكنية بخان يونس، المقام على مساحة 120 دونماً، بطاقة استيعابية تبلغ 900 خيمة.[12]
رغم أهمية هذه الجهود، بقيت محدودة الأثر، إذ تتعرض المخيمات للتهالك سريعاً بسبب الظروف الجوية القاسية، كما لا تزال العديد من المشاريع متعثرة أو غير مكتملة بسبب القيود الإسرائيلية المستمرة على إدخال الخيام ومواد البناء.
ثالثاً: قيود وتأثير الوساطة الدولية والإقليمية
- رغم الدور الذي اضطلعت به الدول الوسيطة في تثبيت وقف إطلاق النار وتخفيف بعض التداعيات الإنسانية، ظل هامش تأثير هذه الجهود محدوداً بسبب التعنت الإسرائيلي في ملف التعافي والإعمار.
- اصطدمت المبادرات بسلسلة من القيود المشددة، شملت منع إدخال المساكن المؤقتة وعرقلة وصول مواد البناء، وربط أي تقدم بشروط سياسية وأمنية تتجاوز الطابع الإنساني للأزمة.
- اعتمدت الدول الوسيطة على إدارة الأزمة بدلاً من معالجة أسبابها البنيوية، واقتصرت على توفير حلول إيواء مؤقتة، غير قادرة على مواجهة الواقع الميداني القاسي والتقلبات المناخية واستمرار الاستهداف غير المباشر للبنية التحتية.
- بقيت الوساطة الإقليمية أسيرة للتوازنات السياسية الدولية، ولا سيما الدعم الأمريكي والأوروبي للكيان الإسرائيلي، ما حد من قدرتها على تحويل التعهدات الإنسانية إلى التزامات ملزمة.
يمكن القول إن موقف الدول الوسيطة، رغم نواياها المعلنة، لم ينجح في كبح سياسة التعطيل الإسرائيلية لملف الإيواء، بل ساهم – بشكل غير مباشر – في إطالة أمد الأزمة، من خلال الاكتفاء بالحلول المؤقتة، في ظل غياب مقاربة دولية شاملة تُخرج ملف التعافي من دائرة التفاوض السياسي وتعيده إلى إطاره الإنساني والقانوني الملزم.
السيناريوهات المحتملة لأزمة الإسكان في غزة بعد الحرب
السيناريو الأول: استمرار التعطيل وإدارة الأزمة الإنسانية
- يواصل الاحتلال فرض قيود مشددة على إدخال مواد البناء والمساكن المؤقتة، وربط أي تقدم في ملف الإعمار باشتراطات سياسية وأمنية.
- اعتماد المجتمع الدولي والدول الوسيطة على حلول إغاثية مؤقتة (خيام، مراكز إيواء)، دون الانتقال إلى مرحلة التعافي المبكر.
- تفاقم هشاشة الأوضاع الإنسانية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والأمراض، مع تآكل القدرة المجتمعية على التكيف.
- خطر تحول أزمة الإيواء إلى أزمة بنيوية طويلة الأمد، تهدد الاستقرار الاجتماعي وتغذي دورات عنف جديدة.
السيناريو الثاني: التعافي الجزئي المشروط
- السماح الإسرائيلي المحدود بإدخال بعض مواد البناء والمساكن المؤقتة، ضمن ترتيبات جزئية وتحت رقابة أمنية صارمة.
- تركيز جهود الوسطاء على مشاريع إيواء انتقائية ومحدودة النطاق، دون معالجة شاملة لأزمة الإسكان.
- تحسن نسبي في أوضاع بعض المناطق، مقابل استمرار التدهور في مناطق أخرى، ما يعمّق التفاوت الاجتماعي والمكاني داخل القطاع.
- بقاء ملف الإعمار أداة ضغط سياسي قابلة للتجميد أو التفعيل وفق المتغيرات الأمنية.
السيناريو الثالث: تدويل ملف الإعمار ورفع مستوى الضغط الدولي
- انتقال ملف التعافي والإعمار من دائرة الوساطة الإقليمية إلى أطر دولية أوسع، تشمل الأمم المتحدة وآليات مساءلة قانونية دولية.
- تصاعد الضغوط السياسية والإعلامية على الحكومة الإسرائيلية لإجبارها على الالتزام بتفاهمات وقف إطلاق النار وإدخال مواد الإعمار دون شروط سياسية.
- فتح المجال أمام برامج تعافٍ مبكر أكثر استدامة، رغم استمرار التحديات الميدانية.
- بقاء هذا السيناريو رهناً بتغير موازين القوى الدولية وتراجع الدعم غير المشروط للكيان الإسرائيلي.
السيناريو الرابع: الانفجار الإنساني والاجتماعي
- انهيار كامل لقدرة المنظومة الإنسانية على الاستجابة، نتيجة طول أمد النزوح وتدهور البنية التحتية.
- تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية، وانتشار أنماط عنف داخلي، وتآكل النسيج المجتمعي.
- تحول الأزمة الإنسانية إلى عامل عدم استقرار أمني إقليمي، بما يعيد القطاع إلى مربع المواجهة العسكرية.
- استخدام الحكومة الإسرائيلية لهذا الانفجار كذريعة لمزيد من القيود والتدخلات العسكرية.
السيناريو الخامس: كسر المعادلة عبر مسار إنساني مستقل
- نجاح جهود فلسطينية ودولية في فصل ملف الإيواء والتعافي عن التجاذبات السياسية والأمنية.
- إنشاء آلية دولية ملزمة لإعادة الإعمار، محمية قانونياً، وتخضع لرقابة أممية.
- بدء إعادة إعمار تدريجية تستعيد الحد الأدنى من الاستقرار الإنساني والاجتماعي.
- يُعد هذا السيناريو الأقل احتمالاً في المدى القريب، لكنه الأكثر استدامة على المدى البعيد.
الخـــلاصــــة
شهد قطاع غزة خلال العدوان الإسرائيلي 2023–2025 أزمة إيواء غير مسبوقة، نتيجة تدمير ممنهج لنحو 360 ألف وحدة سكنية، ما أدى إلى نزوح جماعي واسع وتفاقم الأوضاع الإنسانية والاجتماعية، واستهدفت السياسات الإسرائيلية المساكن والبنية التحتية الأساسية، مستخدمة أساليب متقدمة تشمل القصف الجوي، التوغلات البرية، الجرافات الثقيلة، الروبوتات المفخخة، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، بهدف خلق بيئة غير صالحة للسكن والضغط على السكان.
أدت الأزمة إلى تفكك الأسر، تدهور الصحة النفسية، ارتفاع العنف، ضعف التعليم، وانعدام الأمن الغذائي والصحي، مع استمرار تحديات ضخمة لإعادة الإعمار بسبب الركام، نقص مواد البناء، ارتفاع الأسعار، ومحدودية المساحات المتاحة.
ورغم جهود الدول الوسيطة لإيواء النازحين، بقيت الحلول مؤقتة وغير كافية لمواجهة الأزمة البنيوية، وتعرضت الورقة لعدة سيناريوهات مستقبلية تتراوح بين استمرار التعطيل وإدارة الأزمة، إلى التعافي الجزئي المشروط، أو تدويل ملف الإعمار، وصولًا إلى كسر المعادلة عبر مسار إنساني مستقل ومستدام، مع الإشارة إلى أن الأخير الأقل احتمالًا على المدى القريب لكنه الأكثر استدامة.
الخلاصة الجوهرية: أزمة الإسكان في غزة ليست مجرد تدمير مادي، بل أداة ضغط سياسية وإنسانية، وتتطلب معالجة شاملة ومستدامة تضمن إعادة الإعمار والتعافي الاجتماعي في إطار إنساني وقانوني ملزم.
التوصيات لإدارة أزمة الإيواء وإعادة الإعمار في غزة
أولاً: على المستوى الدولي
- فصل ملف الإيواء والتعافي عن التجاذبات السياسية والأمنية، والتعامل معه كالتزام إنساني وقانوني ملزم وفق القانون الدولي الإنساني.
- إلزام دولة الاحتلال بتفاهمات وقف إطلاق النار عبر آليات رقابية دولية، وربط أي تعاون سياسي أو عسكري معها بمدى تسهيلها لإدخال مواد الإعمار.
- تفعيل المساءلة القانونية الدولية بحق المسؤولين عن سياسات التدمير الممنهج، من خلال اللجوء إلى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
- دعم برامج التعافي المبكر بدل الاكتفاء بالإغاثة الطارئة، عبر تمويل مشاريع إسكان انتقالية قابلة للتطوير إلى مساكن دائمة.
ثانياً: على مستوى الدول الوسيطة (مصر وقطر)
- الانتقال من إدارة الأزمة إلى الضغط السياسي المنظم، باستخدام أدوات دبلوماسية واقتصادية لإجبار الحكومة الإسرائيلية على رفع القيود المفروضة على الإعمار.
- ربط جهود الوساطة بجدول زمني ملزم لتنفيذ مشاريع الإيواء، مع متابعة دقيقة وعدم الاكتفاء بالوعود أو التفاهمات الشفوية.
- تعزيز التنسيق مع الأمم المتحدة لإنشاء آلية إشراف دولية على إدخال مواد البناء وتوزيعها، بما يقلل الذرائع الأمنية الإسرائيلية.
- توسيع نطاق مشاريع الإيواء لتشمل حلولًا أكثر استدامة وصلابة، بدلاً من الاعتماد الطويل الأمد على الخيام.
ثالثاً: على مستوى المؤسسات الأممية والمنظمات الإنسانية
- ممارسة الضغط العلني والمنهجي على دولة الاحتلال لوقف عرقلة العمل الإنساني، وعدم الاقتصار على البيانات التحذيرية.
- توثيق الانتهاكات المرتبطة بمنع الإيواء والإعمار بوصفها شكلًا من أشكال العقاب الجماعي، وإدراجها في تقارير المساءلة الدورية.
- تبني معايير حماية خاصة للفئات الهشة (الأطفال، النساء، ذوي الإعاقة، المرضى) عند تصميم مخيمات الإيواء.
- دعم مشاريع الإسكان المجتمعي المحلي منخفضة التكلفة، بالشراكة مع البلديات والمؤسسات المحلية، لضمان استدامة الحلول.
رابعاً: على المستوى الفلسطيني (الرسمي والمجتمعي)
- بلورة رؤية وطنية موحدة لملف الإعمار تفصل بين الحقوق الإنسانية والخلافات السياسية.
- تعزيز الشفافية في إدارة ملف الإيواء لتفادي تسييس المساعدات أو استخدامها كورقة داخلية.
- تمكين المجتمع المحلي من المشاركة في تصميم حلول الإيواء، بما يعزز الشعور بالانتماء والاستقرار.
- الاستثمار في الدعم النفسي والاجتماعي للنازحين بالتوازي مع الحلول المادية لضمان تعافي شامل ومستدام.
خامساً: توصيات استراتيجية ختامية
- اعتبار أزمة الإيواء مؤشرًا مركزيًا لقياس جدية أي مسار تهدئة أو إعادة إعمار، وليس ملفًا هامشيًا.
- التحذير من خطورة تطبيع واقع النزوح طويل الأمد وتحويله إلى وضع دائم.
- الدعوة إلى إطار دولي ملزم لإعادة إعمار غزة يحمي الإعمار من الابتزاز السياسي ويضمن استدامته على المدى الطويل.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-يناير 2026
[1] ترتيبات ما بعد الحرب.. هل حولت إسرائيل ملف إعمار غزة إلى أداة سياسية، موقع ارم نيوز، 24/12/2025.
[2] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 20/10/2025.
[3] اتفاق غزة يراوح مكانه.. نزع السلاح شرط أم ذريعة؟، موقع الجزيرة نت، 25/12/2025.
[4] مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية -اوتشا، 13/9/2016
[5] شبكة منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، 14/9/2022
[6] PM said to tell MKs: Israel destroying homes in Gaza, so Palestinians have nowhere else to go but outside the Strip موقع تايمز أوف إسرائيل، 13/5/2025،
[7] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، مرجع سابق.
[8] حرب الإبادة وقطاع الإسكان في غزة: الأضرار، الآثار، أولويات التعافي، وإعادة الإعمار، مركز رؤية للتنمية السياسية، 7/8/2025.
[9] World Bank puts Gaza reconstruction cost at $52B as Arab leaders mull plan، موقع المونيتور، 19/2/2025.
[10] تعرف على نظام هابسورا الذي استخدمته إسرائيل في تدمير مساكن غزة، 19/2/2025، الجزيرة نت.
[11] اللجنة المصرية: تسكين 100 ألف أسرة فلسطينية نازحة في غزة، 10/11/2025، موقع قناة العربية.
[12] اللجنة القطرية تشرع بتجهيز “مخيم قطر” لإيواء مئات العائلات في جنوب القطاع، لجنة إعادة إعمار غزة، 10/12/2025.



