الفجوة السلطوية في غزة: تداعيات عرقلة الاحتلال لاستلام اللجنة الوطنية لمهامها وانتقال الإدارة الحكومية

دراسة تحليلية-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
تبحث هذه الورقة في تعثر تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، خاصة عرقلة انتقال اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، وما نتج عنه من واقع إداري وسياسي مركّب.  تجادل الورقة بأن غزة لا تعيش فراغًا سلطويًا كاملًا، بل حالة فجوة سلطوية تتعايش فيها إدارات حكومية قائمة بقدرات محدودة مع غياب سلطة انتقالية موحِّدة قادرة على إدارة الحكم وإعادة الإعمار، وتوضح أن القيود على الحركة والمعابر منعت تحول الترتيبات الانتقالية إلى إدارة فعلية، ما أدى إلى تشتت الحوكمة وتعطل التعافي المؤسسي رغم استمرار العمل الحكومي الجزئي.  وتبيّن الورقة أن الأزمة الإنسانية باتت مرتبطة ببنية الحكم غير المكتملة بقدر ارتباطها بآثار الحرب نفسها، كما تستعرض السيناريوهات المحتملة لمسار المرحلة المقبلة، مرجّحة استمرار إدارة الفجوة بدل حلّها، وتخلص إلى أن تحقيق الاستقرار في غزة يتطلب تمكين سلطة مدنية انتقالية قادرة على توحيد الإدارة القائمة وتحمل مسؤوليات الحكم بصورة واضحة ومستدامة.

مقـدمــــة

أدخل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الموقع في أكتوبر 2025 بوساطة دولية وإقليمية، الصراع مرحلة جديدة انتقلت فيها الأولوية من إدارة العمليات العسكرية إلى إدارة تداعيات ما بعد الحرب، وعلى رأسها إعادة الإعمار وتنظيم الإدارة الحكومية في قطاع تعرض لتدمير واسع في بنيته المؤسسية والخدمية، وقد مثّلت المرحلة الثانية من الاتفاق محاولة لإنشاء ترتيبات انتقالية تسمح بانتقال تدريجي نحو إدارة حكومية فلسطينية جديدة تتولى الشؤون اليومية للسكان، بما يخفف العبء الإنساني ويمهّد لاستقرار طويل الأمد.

غير أن مسار التنفيذ كشف سريعًا عن فجوة بين التصميم السياسي للاتفاق وواقعه الميداني؛ إذ تعثر انتقال اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى القطاع، واستمرت القيود المفروضة على الحركة والمعابر والبيئة التشغيلية، ما حال دون مباشرة الإدارة الانتقالية مهامها الفعلية، وفي الوقت ذاته، لم يشهد القطاع غيابًا إداريًا كاملًا، حيث واصلت مؤسسات حكومية محلية وكوادر فنية إدارة قطاعات خدمية أساسية بقدرات محدودة، الأمر الذي أوجد واقعًا مركبًا لا يمكن وصفه بفراغ سلطوي كامل ولا بوجود سلطة انتقالية مكتملة.

تجادل هذه الورقة بأن الحالة الناشئة في غزة تمثل ما يمكن تسميته “الفجوة السلطوية”، أي وضع تتعايش فيه إدارة محلية قائمة مع غياب إطار سياسي وانتقالي موحِّد للسلطة، بما يُبقي السيطرة الفعلية منفصلة عن مسؤوليات الحكم المدني، وتفترض الورقة أن تعثر انتقال الإدارة المدنية لا يعكس فقط صعوبات تنفيذية أو خلافات تقنية، بل يرتبط ببنية سياسية تسمح بإدارة القطاع عبر ترتيبات انتقالية غير مكتملة، تُبقي مستقبل الحكم مفتوحًا دون حسم واضح لمسؤوليات السلطة.

وانطلاقًا من ذلك، تسعى الورقة للإجابة عن السؤال التالي:

إلى أي مدى أدى تعطّل انتقال الإدارة المدنية في المرحلة الثانية من الاتفاق إلى إنتاج فجوة سلطوية أعادت تشكيل الحوكمة والوضع الإنساني في قطاع غزة؟

وللإجابة عن هذا السؤال، تحلل الورقة الإطار السياسي والقانوني للمرحلة الانتقالية، وتصميم اللجنة الوطنية وقيودها البنيوية، وآليات عرقلة التنفيذ، وانعكاسات ذلك على الحوكمة والخدمات العامة، قبل أن تستشرف السيناريوهات المحتملة لمسار القطاع في المرحلة المقبلة.

وتكمن أهمية هذا التحليل في أنه ينقل النقاش حول غزة من التركيز التقليدي على وقف الحرب أو إعادة الإعمار بوصفهما هدفين منفصلين، إلى فهم العلاقة بين الحكم المدني والاستقرار الإنساني، باعتبار أن مستقبل الاستقرار في القطاع يعتمد بدرجة أساسية على طبيعة السلطة القادرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، وليس فقط على حجم الموارد المتاحة لإعادة البناء.

أولًا: الإطار السياسي والقانوني وتصميم الإدارة الانتقالية في المرحلة الثانية من الاتفاق

شكّلت المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة محاولة لإعادة تنظيم الواقع السياسي والإداري في مرحلة ما بعد الحرب، عبر الانتقال من منطق إدارة الصراع عسكريًا إلى نموذج إدارة انتقالية مدنية تُمهّد لإعادة الإعمار والاستقرار طويل الأمد، وقد استهدفت هذه المرحلة تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة:

  1. تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى حالة تهدئة ممتدة.
  2. إطلاق عملية إعادة إعمار واسعة بإشراف دولي وإقليمي.
  3. إنشاء إدارة فلسطينية انتقالية ذات طابع تكنوقراطي تتولى إدارة الشؤون المدنية في القطاع.

التحول من إدارة الحرب إلى إدارة ما بعد الحرب

سياسيًا، لم يكن الاتفاق مجرد آلية لوقف العمليات العسكرية، بل مثّل محاولة لإعادة تشكيل نمط إدارة قطاع غزة بعد الحرب، عبر إنشاء ترتيبات حكم انتقالية تفصل – نظريًا – بين السيطرة الأمنية وإدارة الحياة المدنية، وقد شاركت في رعاية هذه الصيغة أطراف دولية وإقليمية رئيسية، أبرزها الولايات المتحدة ومصر وقطر، بهدف إنتاج نموذج إدارة انتقالية يقلل احتمالات العودة السريعة للتصعيد.

هذا التحول يعكس نمطًا بات شائعًا في النزاعات المعاصرة، حيث تسعى الأطراف الدولية إلى نقل الصراع من المجال العسكري إلى المجال الإداري والاقتصادي، باعتبار إعادة الإعمار أداة لضبط الاستقرار السياسي، إلا أن نجاح هذا النموذج يعتمد على شرط جوهري يتمثل في وجود سلطة مدنية قادرة على العمل الميداني، وهو الشرط الذي ظل معلقًا في الحالة الفلسطينية.

الأساس القانوني وحدود الإلزام

من الناحية القانونية، تستند ترتيبات المرحلة الثانية إلى قواعد القانون الدولي الإنساني التي تنظّم مسؤوليات القوة القائمة بالاحتلال، فوفق لوائح لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، تلتزم القوة المسيطرة فعليًا على الأرض بـ:

  • ضمان النظام العام والحياة المدنية (المادة 43 من لوائح لاهاي).
  • تأمين الإمدادات الأساسية للسكان المدنيين وتسهيل الإغاثة الإنسانية (المادة 55 من اتفاقية جنيف الرابعة).
  • عدم عرقلة عمل الهياكل المدنية اللازمة لإدارة السكان.

وبذلك، فإن تسهيل انتقال إدارة مدنية فلسطينية لا يُعد إجراءً سياسيًا اختياريًا فحسب، بل يرتبط أيضًا بالتزامات قانونية تتعلق بإدارة السكان الواقعين تحت السيطرة الفعلية.

غير أن الاتفاق نفسه بقي أقرب إلى تفاهم سياسي متعدد الأطراف منه إلى معاهدة دولية ملزمة ذات آليات إنفاذ واضحة، الأمر الذي أتاح هامشًا واسعًا لإعادة تفسير الالتزامات أو تنفيذها بصورة انتقائية، خاصة في ظل غياب آلية رقابة دولية ملزمة أو جدول زمني تنفيذي صارم.

اللجنة الوطنية لإدارة غزة كأداة للانتقال الإداري

ضمن هذا الإطار، جرى إنشاء “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” باعتبارها الركيزة التنفيذية للمرحلة الانتقالية، حيث أُنيط بها القيام بوظائف الإدارة المدنية الأساسية، بما يشمل:

  • تنسيق برامج إعادة الإعمار والبنية التحتية.
  • إدارة وتوزيع المساعدات الإنسانية.
  • تنظيم دفع الرواتب واستمرارية الخدمات العامة.
  • إعادة بناء جهاز شرطة مدني تدريجي للحفاظ على النظام العام.
  • التنسيق مع الجهات المانحة والمؤسسات الدولية.

وقد عكست هذه المهام تصورًا لإدارة انتقالية ذات طابع تكنوقراطي، تهدف إلى تقليل الطابع السياسي المباشر للحكم في مرحلة حساسة ما بعد الحرب، بما يسهل قبولها دوليًا ويطمئن الأطراف الإقليمية.

القيود في تصميم اللجنة

رغم الطابع المؤسسي الظاهر للجنة، فإن تصميمها تضمن منذ البداية قيودًا حدّت من قدرتها على التحول إلى سلطة فعلية، أبرزها:

  • غياب صلاحيات أمنية سيادية، ما جعل قدرتها على فرض قراراتها مرتبطة ببيئة أمنية لا تتحكم بها.
  • الاعتماد الكامل على حرية الحركة عبر المعابر التي بقيت خاضعة للتحكم الإسرائيلي.
  • ارتباط التمويل الدولي بآليات موافقة سياسية وأمنية خارجية.
  • تعدد جهات الإشراف الدولية والإقليمية بما أضعف مركزية القرار التنفيذي.

وبذلك لم تُصمَّم اللجنة كسلطة حكم كاملة، بل كهيئة إدارة مدنية مشروطة، تعمل ضمن حدود يحددها السياق الأمني والسياسي الخارجي.

من التصميم المؤسسي إلى إنتاج الفجوة السلطوية

يكشف الجمع بين الإطار القانوني للاتفاق والتصميم البنيوي للجنة عن مفارقة مركزية: فقد جرى إنشاء إدارة انتقالية يفترض أن تتولى الحكم المدني، لكنها تعتمد بالكامل على شروط سياسية وأمنية خارج نطاق سيطرتها.

هذه المفارقة تجعل تعطّل انتقال اللجنة إلى غزة لا يمثل مجرد خلل تنفيذي، بل يؤدي عمليًا إلى نشوء وضع وسيط يتمثل في:

  • استمرار السيطرة الفعلية دون إدارة مباشرة كاملة،
  • وغياب سلطة مدنية انتقالية قادرة على الحلول محلها.

وهو ما يشكل الأساس لما تصفه هذه الورقة بـ “الفجوة السلطوية” — أي حالة إدارة السكان دون نقل السلطة، وإبقاء الحكم في منطقة رمادية بين الاحتلال والإدارة الذاتية غير المكتملة.

ثانيًا: عرقلة التنفيذ وإنتاج الفجوة السلطوية

منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار مرحلته الثانية، برزت فجوة واضحة بين التصميم النظري للترتيبات الانتقالية وبين واقع تنفيذها الميداني، فعلى الرغم من النص على انتقال تدريجي نحو إدارة مدنية فلسطينية تتولى الشؤون اليومية في قطاع غزة، استمرت مجموعة من القيود العملية التي حالت دون تحقق هذا الانتقال، وأبقت القطاع في حالة انتقالية معلّقة.

ورغم ذلك، لا يعني تعثر انتقال الإدارة الانتقالية غياب الإدارة بالكامل داخل القطاع؛ إذ استمرت هياكل حكومية وكوادر محلية في إدارة قطاعات خدمية أساسية، غير أن هذه الإدارة بقيت تعمل بقدرات محدودة ودون إطار سياسي موحد أو تفويض انتقالي واضح، ما أوجد فجوة بين الإدارة القائمة والسلطة المفترض انتقالها، بدل نشوء فراغ سلطوي كامل.

أدوات العرقلة التنفيذية

تمثلت القيود الأساسية التي رافقت المرحلة الثانية في ثلاثة مسارات مترابطة:

  1. تعطيل انتقال الإدارة المدنية

لم تسمح سلطات الاحتلال بدخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى القطاع بصورة تتيح لها مباشرة مهامها التشغيلية، ما أبقى الإدارة الانتقالية خارج المجال الجغرافي المفترض لعملها، وبذلك تحولت اللجنة عمليًا إلى هيئة تخطيطية خارجية بدل كونها سلطة تنفيذية ميدانية.

2. التحكم في المعابر وسلاسل الإمداد

استمرت القيود على فتح المعابر بصورة منتظمة، ما انعكس مباشرة على:

  • دخول الطواقم الفنية والإدارية.
  • تدفق مواد البناء.
  • إدخال المعدات الطبية واللوجستية.
  • انتظام المساعدات الإنسانية.

وبحسب تقارير متكررة صادرة عن منظمات أممية خلال النزاعات المعاصرة، فإن التحكم في المعابر لا يؤثر فقط على الوضع الإنساني، بل يشكل أداة حاسمة في تحديد من يمتلك القدرة الفعلية على الحكم، إذ ترتبط الشرعية الإدارية عمليًا بالقدرة على توفير الخدمات.

3. استمرار البيئة الأمنية غير المستقرة

ترافقت القيود الإدارية مع استمرار عمليات عسكرية محدودة وإجراءات أمنية مشددة، بما في ذلك عمليات قصف موضعية أو تحركات عسكرية، الأمر الذي أبقى البيئة التشغيلية غير مستقرة، ومنع إنشاء جهاز إداري دائم أو إعادة تشغيل المؤسسات بصورة طبيعية.

4. الفجوة السلطوية كأداة إدارة سياسية

تشير تجارب دولية متعددة إلى أن تعطيل انتقال السلطة المدنية قد يُستخدم كأداة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، وليس فقط نتيجة خلافات تنفيذية، وفي غزة يتخذ الفراغ شكلًا مختلفًا يتمثل في تأخير نقل السلطة بدل تفكيكها.

يوفر هذا النموذج عدة مزايا سياسية للقوة المسيطرة:

  1. الحفاظ على التحكم دون الإدارة المباشرة: أي التأثير في الواقع الأمني والاقتصادي دون تحمل أعباء الحكم اليومي.
  2. تقليل المسؤولية القانونية الدولية: إذ يخلق غياب سلطة واضحة جدلًا حول الجهة المسؤولة عن الأوضاع الإنسانية.
  3. إبقاء مستقبل الحكم مفتوحًا تفاوضيًا: ما يسمح باستخدام إعادة الإعمار والإدارة المدنية كورقة ضغط سياسية لاحقة.

وقد لاحظت دراسات حديثة في إدارة الاحتلالات المعاصرة انتقال بعض القوى من نموذج “الاحتلال المباشر” إلى نموذج “السيطرة عن بُعد، حيث تُدار المناطق عبر أدوات اقتصادية وأمنية بدل الإدارة البيروقراطية التقليدية.

النتائج المباشرة للفجوة السلطوية في غزة

أدى هذا الوضع إلى نشوء ديناميكيات إدارية معقدة، أبرزها:

  • استمرار عمل هياكل محلية بصورة جزئية دون تفويض سياسي واضح.
  • تضارب الصلاحيات بين جهات رسمية وغير رسمية.
  • ضعف قدرة الجهات الإنسانية على التخطيط طويل الأمد.
  • تأخر إعادة الإعمار رغم توفر تعهدات التمويل.

وبذلك تصبح الأزمة الإنسانية ليست فقط نتيجة الدمار المادي للحرب، بل أيضًا نتيجة غياب بنية حكم قادرة على تحويل الموارد إلى خدمات.

يكشف تحليل مسار التنفيذ أن التعثر لا يمكن فهمه فقط كخرق لاتفاق أو أزمة تقنية، بل كنتاج لتصميم سياسي يسمح باستمرار السيطرة دون نقل السلطة.

ومن هنا تتبلور الفكرة المركزية للورقة:
إن عرقلة انتقال الإدارة المدنية لا تنتج فراغًا عرضيًا، بل تخلق نموذج حكم انتقاليًا يبقي غزة في منطقة رمادية بين الاحتلال والإدارة الذاتية غير المكتملة — وهي الحالة التي تصفها الورقة بـ”الفجوة السلطوية”.

ثالثًا: انعكاسات الفجوة السلطوية على الحوكمة والوضع الإنساني

إن عرقلة انتقال الإدارة المدنية لا تنتج فراغًا عرضيًا، بل تخلق نموذج حكم انتقاليًا يبقي غزة في منطقة رمادية بين الاحتلال والإدارة الذاتية غير المكتملة — وهي الحالة التي تصفها الورقة بـ”الفجوة السلطوية”.

لم يؤدِّ تعثر انتقال الإدارة المدنية إلى قطاع غزة إلى مجرد تأخير إداري، بل أفرز تحولات عميقة في بنية الحوكمة اليومية وآليات تقديم الخدمات الأساسية، بحيث أصبحت الأزمة الإنسانية مرتبطة بشكل مباشر بطبيعة النظام الإداري القائم، وليس فقط بنتائج الدمار العسكري.

وتكشف متابعة الأداء المؤسسي خلال المرحلة الانتقالية عن أن غياب سلطة مدنية انتقالية موحِّدة رغم استمرار عمل هياكل إدارية قائمة أدى إلى نشوء نموذج حكم هش تتداخل فيه المسؤوليات دون وضوح في مركز القرار.

ازدواجية السلطة وتآكل الفعالية المؤسسية

في ظل عدم مباشرة اللجنة الوطنية مهامها ميدانيًا، استمرت المؤسسات القائمة والكوادر المحلية في إدارة قطاعات حيوية بصورة جزئية، ما يؤدي إلى نشوء حالة من ازدواجية الصلاحيات تتمثل في:

  • تعدد جهات اتخاذ القرار داخل القطاع الواحد
  • غياب مرجعية تنفيذية موحدة.
  • تضارب التعليمات الإدارية والمالية.
  • صعوبة التخطيط متوسط وطويل الأمد.

وتشير أدبيات الحوكمة في البيئات الهشةإلى أن غياب مركز سلطة واضح لا يؤدي فقط إلى ضعف الأداء، بل إلى تآكل الثقة المؤسسية لدى السكان والمانحين على حد سواء، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرة أي إدارة انتقالية لاحقة على استعادة الشرعية.

اختلال منظومة الاستجابة الإنسانية

يؤدي غياب إدارة انتقالية معترف بها وقادرة على التنسيق إلى إضعاف فعالية العمل الإغاثي، حيث تعتمد العمليات الإنسانية الحديثة على وجود شريك إداري محلي قادر على:

  • تحديد الأولويات القطاعية.
  • تنظيم توزيع المساعدات.
  • توفير بيانات سكانية موثوقة.
  • ضمان استمرارية الخدمات بعد انتهاء التدخلات الطارئة.

وفي ظل غياب هذا الإطار، تتحول الاستجابة الإنسانية إلى نمط طوارئ دائم بدل أن تكون مرحلة انتقال نحو التعافي المبكر، وهو ما تحذر منه تقارير الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي باعتباره أحد أبرز مؤشرات تعثر الانتقال من الإغاثة إلى إعادة البناء.

تعطّل إعادة الإعمار كأزمة حوكمة لا تمويل

رغم توفر تعهدات دولية لإعادة الإعمار، يظل تنفيذ المشاريع الكبرى محدودًا، وهو ما يعكس حقيقة أن إعادة الإعمار ليست عملية هندسية أو مالية فقط، بل عملية حوكمة بالدرجة الأولى.

فالفجوة السلطوية وعدم وجود جهة تنفيذية معترف بها وقادرة على:

  • توقيع العقود،
  • ضمان الأمن التشغيلي،
  • إدارة الأراضي والتخطيط الحضري،
  • الإشراف المالي،

يؤدي إلى تأجيل مشاريع إعادة الإعمار أو حصرها في تدخلات جزئية قصيرة المدى.

تراجع القدرة على ضبط الأمن المدني

لا يرتبط الأمن المدني فقط بالوجود الأمني المباشر، بل بعمل المؤسسات الخدمية والإدارية التي تقلل مسببات التوتر الاجتماعي، ومع استمرار الفجوة الإدارية:

  • تتراجع قدرة المؤسسات على حل النزاعات المحلية.
  • يزداد الضغط على الهياكل المجتمعية غير الرسمية.
  • يتعزز الاقتصاد غير المنظم المرتبط بندرة الموارد.

وتشير دراسات الاستقرار ما بعد النزاعات إلى أن غياب إدارة مدنية فعالة يخلق ما يسمى “اللااستقرار منخفض الحدة، حيث لا يحدث انهيار أمني شامل، لكن تتراكم عوامل الهشاشة تدريجيًا.

البعد الإنساني كنتاج لبنية الحكم

تحذر تقارير أممية متكررة من أن القيود على الحركة وإدخال المساعدات تؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي وارتفاع مخاطر الأمراض المرتبطة بانهيار الخدمات الأساسية، إلا أن أهمية هذه المؤشرات لا تكمن فقط في بعدها الإنساني، بل في دلالتها السياسية.

فالأزمة الإنسانية في هذه المرحلة لا تعكس فقط آثار الحرب، بل تعكس غياب بنية حكم قادرة على تحويل الموارد المتاحة إلى خدمات عامة، وبعبارة أخرى، فإن المشكلة لم تعد نقص المساعدات بقدر ما أصبحت غياب السلطة القادرة على إدارتها.

وهنا تتأكد فرضية الورقة:

إن الفجوة السلطوية لا تنتج فراغًا إداريًا فحسب، بل تعيد تشكيل الواقع الإنساني نفسه عبر تعطيل العلاقة الطبيعية بين الحكم والخدمات.

تكشف انعكاسات المرحلة الانتقالية أن تدهور الحوكمة والوضع الإنساني ليس نتيجة جانبية للتعثر السياسي، بل أحد نتائجه البنيوية المباشرة، فكلما طال أمد غياب الإدارة المدنية الفاعلة، تحولت الأزمة الإنسانية إلى حالة مستدامة مرتبطة ببنية الحكم نفسها، ما يرسخ نموذج إدارة الأزمة بدل حلّها.

رابعًا: السيناريوهات المستقبلية — مسارات تطور الفجوة السلطوية

لا يعتمد مستقبل قطاع غزة في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار على وجود الاتفاق بحد ذاته، بل على كيفية إدارة الفجوة القائمة بين السيطرة الميدانية وغياب السلطة المدنية الانتقالية، وبناءً على اتجاهات التنفيذ الحالية، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية تحكم المسار المحتمل للمرحلة المقبلة.

تعتمد هذه السيناريوهات على ثلاثة محركات أساسية:

  1. مستوى القيود على الحركة والمعابر.
  2. قدرة الإدارة المدنية على العمل الميداني.
  3. درجة الاستقرار الأمني واستمرارية التفاهمات.

السيناريو الأول: التنفيذ التدريجي للمرحلة الانتقالية (احتمال متوسط(

يتم تطبيق محدود ومتدرج لبنود المرحلة الثانية، يسمح بانتقال جزئي للإدارة المدنية دون تغيير جذري في الترتيبات الأمنية القائمة، ويهدف هذا المسار إلى منع الانهيار الإنساني دون حسم سياسي نهائي لمسألة الحكم.

المؤشرات الدالة

  • فتح المعابر بوتيرة أكثر انتظامًا ولكن تحت رقابة مشددة.
  • السماح بدخول فرق فنية وإدارية دولية محدودة.
  • بدء مشاريع إعادة إعمار صغيرة أو قطاعية (الإسكان المؤقت، البنية الخدمية الأساسية).
  • زيادة دور المؤسسات الدولية في التنسيق الميداني.

النتائج المتوقعة

  • تحسن نسبي في الخدمات الأساسية.
  • انخفاض الضغوط الإنسانية الحادة.
  • استمرار الغموض السياسي حول مستقبل الحكم.

الدلالة

يؤدي هذا السيناريو إلى إدارة الفجوة السلطوية بدل إنهائها، حيث يتحقق قدر من الاستقرار الوظيفي دون انتقال فعلي وكامل للسلطة.

السيناريو الثاني: إدارة الفجوة الممتدة (السيناريو الأرجح وفق المعطيات الحالية)

يستمر تعطيل انتقال الإدارة المدنية، بينما تتشكل ترتيبات حكم غير رسمية تعتمد على هياكل محلية وشبكات إنسانية لإدارة الحياة اليومية، دون اعتراف سياسي واضح أو إطار مؤسسي مستقر.

المؤشرات الدالة

  • استمرار القيود المتقطعة على المعابر.
  • بقاء اللجنة الوطنية خارج القطاع أو بقدرة تشغيل محدودة.
  • توسع دور المبادرات المحلية والمنظمات الإنسانية كبديل مؤقت للحكم.
  • تأجيل مشاريع إعادة الإعمار الكبرى رغم توفر التمويل.

النتائج المتوقعة

  • ترسيخ نموذج حكم هش يعتمد على إدارة الأزمة لا حلّها.
  • تآكل تدريجي للقدرة المؤسسية.
  • ارتفاع الاعتماد على المساعدات الإنسانية طويلة الأمد.

الدلالة

يمثل هذا السيناريو تكريسًا لحالة “اللااستقرار المُدار”، حيث يستمر التحكم السياسي دون تحمل مسؤولية الحكم المباشر، ما يعمّق الفجوة السلطوية ويحولها إلى واقع شبه دائم.

السيناريو الثالث: إعادة التصعيد والانهيار الانتقالي (احتمال منخفض – متصاعد عند فشل المسارات الأخرى)

يؤدي استمرار  الفجوة السلطوية وتدهور الظروف الإنسانية إلى انهيار التفاهمات الأمنية، ما يعيد القطاع إلى دورة تصعيد عسكري جديدة.

المؤشرات الدالة

  • توقف شبه كامل لدخول المساعدات أو الوقود.
  • انهيار ترتيبات التنسيق الأمني غير المباشر.
  • تصاعد الاحتكاكات الميدانية أو العمليات المحدودة.
  • ارتفاع التوترات الاجتماعية الداخلية المرتبطة بندرة الموارد.

النتائج المتوقعة

  • توقف مسار إعادة الإعمار بالكامل.
  • عودة العمليات العسكرية واسعة النطاق.
  • إعادة ضبط المشهد السياسي بالقوة بدل التفاوض.

الدلالة

يكشف هذا السيناريو حدود نموذج إدارة الفجوة السلطوية؛ إذ إن استمرارها لفترة طويلة قد يحولها من أداة ضبط مؤقتة إلى عامل عدم استقرار بنيوي.

تشير المؤشرات الحالية إلى أن المسار الأكثر ترجيحًا ليس الحل السياسي السريع ولا الانهيار الفوري، بل استمرار حالة انتقالية طويلة تُدار فيها غزة ضمن منطقة رمادية بين الاحتلال والإدارة الذاتية المحدودة، ويعني ذلك أن التحدي المركزي في المرحلة المقبلة لن يكون وقف الحرب فقط، بل منع تحول الفجوة السلطوية إلى بنية حكم دائمة.

الخــلاصــــة

تكشف تجربة المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة أن التحدي الأساسي في مرحلة ما بعد الحرب لا يتمثل فقط في وقف العمليات العسكرية أو توفير التمويل لإعادة الإعمار، بل في حسم مسألة السلطة الفعلية القادرة على إدارة القطاع، فقد أظهر تعثر انتقال اللجنة الوطنية لإدارة غزة أن تصميم الترتيبات الانتقالية، مقرونًا بالقيود المفروضة على تنفيذها، أفضى إلى نشوء حالة سياسية وإدارية مركبة يمكن توصيفها بـ”الفجوة السلطوية” — أي وضع يستمر فيه التحكم الميداني دون انتقال حقيقي للسلطة المدنية الانتقالية.

ولا يعني ذلك أن قطاع غزة يعيش فراغًا إداريًا مطلقًا؛ إذ لا تزال مؤسسات حكومية محلية وكوادر إدارية وفنية تدير قطاعات خدمية مختلفة وتحافظ على قدر من استمرارية العمل المؤسسي. غير أن هذه الهياكل تعمل في ظل غياب إطار سياسي وإداري جامع يحدد مرجعية القرار ويضمن التكامل بين المؤسسات، ما يجعل قدرتها على إدارة المرحلة الانتقالية محدودة ومهددة بالاستنزاف.

وبذلك لم ينشأ فراغ كامل في السلطة، بل نموذج حكم هش تتوزع فيه المسؤوليات بين هياكل محلية تعمل بقدرات محدودة، وبين ترتيبات انتقالية لم تتمكن بعد من ممارسة دورها فعليًا لاسيما أيضًا في حالة الاستهداف الذي تعيشه، وقد انعكس هذا الوضع مباشرة على فعالية الحوكمة، حيث أدى إلى ازدواجية الصلاحيات، وتعطّل إعادة الإعمار، وضعف القدرة على تحويل الموارد الإنسانية المتاحة إلى خدمات مستقرة.

وتُظهر انعكاسات هذه المرحلة أن الأزمة الإنسانية في غزة لم تعد مرتبطة فقط بآثار الحرب المادية، بل أصبحت مرتبطة ببنية الحكم نفسها؛ إذ إن استمرار غياب إدارة انتقالية مكتملة الصلاحيات يحدّ من قدرة المؤسسات القائمة على الاستجابة المستدامة للاحتياجات المتزايدة للسكان. وبذلك تتحول الأزمة الإنسانية تدريجيًا من نتيجة مباشرة للحرب إلى نتاج لبنية حكم انتقالية غير مكتملة.

وتشير السيناريوهات المستقبلية إلى أن المسار الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار إدارة هذه الفجوة السلطوية بدل إنهائها، عبر ترتيبات جزئية تمنع الانهيار الكامل دون أن تؤسس لاستقرار سياسي وإداري مستدام، غير أن إطالة هذه الحالة الرمادية بين السيطرة الميدانية والإدارة المدنية غير المكتملة قد يؤدي إلى ترسيخ نموذج حكم هش، أو إعادة إنتاج دورات التصعيد في المستقبل.

وعليه، فإن جوهر الإشكالية في غزة لم يعد متعلقًا بإعادة الإعمار بقدر ما أصبح متعلقًا بإعادة تنظيم العلاقة بين السيطرة والمسؤولية، وبين الأمن والحكم المدني، فبدون انتقال فعلي ومنظم للسلطة الإدارية القادرة على توحيد المؤسسات القائمة وإدارة السكان بصورة مستقرة، ستظل أي ترتيبات إنسانية أو سياسية عرضة للتعثر، وسيبقى الاستقرار هشًا ومؤقتًا.

التـوصيــــات

  1. ضرورة  وضع خطط بديلة لإدارة المرحلة الانتقالية وتعزيز قدرات الهياكل المحلية لضمان استمرارية الخدمات الأساسية.
  2. على اللجنة الوطنية الإسراع بإعداد الهيكل الإداري وخطط الطوارئ، وتعزيز التنسيق مع المؤسسات القائمة لضمان جاهزيتها للعمل الميداني الفوري.
  3. على المجتمع الدولي ممارسة ضغط سياسي مستمر على الحكومة الإسرائيلية لفتح المعابر وتسهيل دخول اللجنة والمساعدات، مع توفير التمويل المباشر للمشاريع الحيوية.
  4. على الفاعلين الإقليميين تعزيز الوساطة وضمان بيئة تنفيذية آمنة، ودعم حلول مؤقتة لإدارة الخدمات الحيوية حتى دخول اللجنة.
  5. ربط أي تدخلات إنسانية أو إعادة إعمار بمؤشرات فعالية الحوكمة لضمان تحويل الموارد إلى خدمات ملموسة ومستدامة.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مارس 2026

شارك:

المزيد من المقالات