الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران: تحولات مركز الثقل في الصراع الإقليمي وانعكاساتها على الفلسطينيين

تحليل استراتيجي-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
تتناول هذه الورقة تداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية المفتوحة على إيران بوصفها تحولًا استراتيجيًا يعيد تشكيل مركز الثقل في الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط، وتجادل بأن هذه الحرب تنقل أولويات النظام الإقليمي والدولي من الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي إلى معادلات الردع الإقليمي وأمن الطاقة والتحالفات العسكرية.  وتحلل الورقة كيف يؤدي هذا التحول إلى تراجع نسبي في مركزية القضية الفلسطينية دوليًا، مقابل اتساع هامش الحركة الإسرائيلية ميدانيًا وسياسيًا، خاصة في غزة والضفة الغربية، كما تناقش سيناريوهات تأثير مآلات الحرب على الفاعلين الفلسطينيين وشبكات الدعم الإقليمي.  وتخلص إلى أن موقع الفلسطينيين في المرحلة المقبلة سيتحدد بقدرتهم على تثبيت أولوية الصراع مع الكيان الإسرائيلي ومنع إدراج قضيتهم كملف تابع ضمن ترتيبات الصراع الإقليمي الأوسع.

مقدمــــة

لم تعد التطورات الجارية في الشرق الأوسط منذ 28 فبراير/شباط 2026 مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تمثل لحظة تحول بنيوي في طبيعة الصراع الإقليمي، مع انتقال الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي إلى حرب مفتوحة ضد إيران وما تبعها من ردود عسكرية مباشرة أعادت رسم أولويات الأمن الإقليمي والدولي. وفي ظل هذا التحول، لم يعد الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي يحتل الموقع المركزي ذاته في أجندة الفاعلين الدوليين والإقليميين، بل بات يتأثر بإعادة ترتيب أوسع لمراكز الثقل الاستراتيجية المرتبطة بأمن الطاقة وتوازنات الردع ومستقبل النظام الإقليمي، وعليه، تسعى هذه الورقة إلى تحليل كيف تعيد هذه الحرب تشكيل موقع القضية الفلسطينية، وما الذي تعنيه التحولات الجارية بالنسبة للفلسطينيين سياسيًا وأمنيًا واستراتيجيًا.

لا تقتصر أهمية هذه المواجهة على بعدها العسكري المباشر، بل تتجاوز ذلك إلى تأثيراتها المحتملة في توازنات القوة الإقليمية وترتيب أولويات الصراع في الشرق الأوسط، ففي ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى، يبرز تساؤل مهم حول انعكاسات هذه الحرب على القضايا الإقليمية الأخرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وتسعى هذه الورقة إلى تحليل طبيعة التحول الذي قد تحدثه الحرب في البيئة الاستراتيجية للمنطقة، وتقييم التأثيرات المحتملة لهذه المواجهة على موقع القضية الفلسطينية في معادلات الصراع الإقليمي.

أولاً: الحرب على إيران وتحول البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط

يمثل التصعيد العسكري الأخير ضد إيران نقطة تحول مهمة في مسار الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط، إذ ينقل المنطقة من مرحلة الصراعات غير المباشرة إلى مستوى أعلى من المواجهة بين قوى إقليمية ودولية كبرى.

فعلى مدى العقدين الماضيين، اعتمدت المواجهة بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى على أدوات غير مباشرة، مثل العقوبات الاقتصادية والعمليات الاستخبارية والحروب بالوكالة عبر أطراف إقليمية مختلفة، غير أن الضربات العسكرية الواسعة الأخيرة تشير إلى انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر مباشرة، وهو ما قد يترتب عليه إعادة تشكيل جزئية لتوازنات القوة في المنطقة.

ومن أبرز التحولات المحتملة التي قد تنتج عن هذه المواجهة:

  1.  إعادة تعريف التهديدات الأمنية في المنطقة

أدى التصعيد العسكري إلى إعادة ترتيب أولويات الأمن الإقليمي، بحيث باتت قضايا مثل القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة وأمن الممرات البحرية والبنية التحتية للطاقة في صدارة الاهتمام لدى العديد من دول المنطقة.

وقد انعكس ذلك في تزايد الحديث عن تطوير منظومات دفاعية مشتركة لمواجهة التهديدات الصاروخية، إضافة إلى تعزيز التنسيق الأمني بين بعض الدول الإقليمية بدعم أمريكي.

2. تصاعد أهمية أمن الطاقة والممرات البحرية

تكتسب الحرب الحالية بعداً اقتصادياً مهماً، نظراً لارتباطها المباشر بأمن الطاقة العالمي، فالتوتر في الخليج و تهديد الملاحة في مضيق هرمز يضعان أسواق الطاقة العالمية أمام مخاطر كبيرة، وهو ما يدفع القوى الدولية الكبرى إلى التعامل مع الأزمة باعتبارها قضية استراتيجية تتعلق باستقرار الاقتصاد العالمي.

وفي هذا السياق، يصبح ضمان استقرار تدفق النفط والغاز من المنطقة أحد المحددات الأساسية للسياسات الدولية تجاه الصراع.

3. احتمالات إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية

قد تدفع الحرب إلى تسريع بعض الاتجاهات القائمة في المنطقة، مثل:

  • تعزيز التنسيق الأمني بين بعض الدول العربية والكيان الإسرائيلي في ما يطلقون عليه “مواجهة التهديدات الإقليمية”.
  • زيادة الاعتماد الإقليمي على المظلة الأمنية الأمريكية.
  • إعادة تموضع التحالفات في المنطقة.

غير أن هذه التحولات ستظل مرتبطة إلى حد كبير بمآلات الحرب ومدى قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في موازين القوى الإقليمية.

ثانياً: تأثير الحرب على القضية الفلسطينية

شكّل الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي الواسع على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، وما أعقبه من ردود إيرانية عسكرية وسياسية، نقطة تحوّل مهمة في البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط، فهذه المواجهة لم تقتصر على كونها جولة عسكرية بين طرفين إقليميين ودوليين، بل أعادت طرح أسئلة أوسع تتعلق بتوازنات القوة في المنطقة وأولويات النظام الدولي فيها، وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مركزي حول موقع القضية الفلسطينية في ظل هذا التحول الاستراتيجي، وما إذا كانت الحرب ستؤدي إلى تهميشها مؤقتاً، أم إلى إعادة إدراجها ضمن ترتيبات إقليمية جديدة.

  1.  إعادة ترتيب أولويات الصراع في المنطقة

طوال عقود، ظل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي يشكّل أحد أهم محركات السياسة في الشرق الأوسط، سواء على مستوى التفاعلات الإقليمية أو في الخطاب السياسي والشعبي العربي، غير أن الحرب المفتوحة على إيران أدخل المنطقة في طور جديد من التنافس الاستراتيجي، يتمحور بدرجة أكبر حول توازنات القوة الإقليمية وأمن الطاقة وطرق الملاحة الدولية.

في هذا السياق، باتت العديد من القوى الدولية تنظر إلى التطورات في المنطقة من زاوية أوسع تتجاوز الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، لتشمل قضايا مثل:

  • أمن الممرات البحرية في الخليج وبحر العرب.
  • حماية البنية التحتية للطاقة في دول الخليج.
  • احتواء القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة في المنطقة.

هذا التحول لا يعني بالضرورة اختفاء القضية الفلسطينية من جدول الأعمال الدولي، لكنه قد يؤدي إلى تراجع نسبي في أولوية التعامل معها مقارنة بملفات الأمن الإقليمي الأوسع.

2.  أمن الطاقة كمحدد رئيسي للسياسات الدولية

أبرزت الحرب الحالية مجدداً مركزية العامل الاقتصادي، ولا سيما أمن الطاقة العالمي، في حسابات القوى الكبرى، فمع تصاعد المخاوف من استهداف منشآت الطاقة في الخليج أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، تحوّل جزء كبير من الاهتمام الدولي نحو ضمان استقرار تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.

وفي هذا السياق، تميل بعض الدوائر السياسية الغربية إلى التعامل مع الأزمة باعتبارها اختباراً لقدرة النظام الإقليمي على احتواء النفوذ الإيراني أو الحد منه، باعتباره أحد العوامل المؤثرة في استقرار أسواق الطاقة، وقد ينعكس ذلك على ترتيب أولويات السياسة الأمريكية والغربية في المنطقة، بحيث يصبح احتواء التوتر مع إيران أو إعادة صياغة موقعها الإقليمي أكثر إلحاحاً من الدفع الفوري لمسارات التسوية السياسية في الملف الفلسطيني.

3. احتمالات الفراغ الاستراتيجي وإعادة التموضع الإقليمي

في حال أدت الحرب إلى إضعاف ملموس في القدرات العسكرية أو السياسية لإيران، فقد يترتب على ذلك إعادة تشكيل جزئية لشبكة التحالفات الإقليمية، فمن المعروف أن إيران تمثل أحد الداعمين الرئيسيين لعدد من الفاعلين في المنطقة، مثل حزب الله في لبنات في لبنان وحزب الله العراقي  في العراق وانصار الله اليمن، إضافة إلى علاقاتها مع فصائل فلسطينية، مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي.

أي تراجع في القدرة الإيرانية على إدارة هذه الشبكة قد يؤدي إلى:

  • إعادة تموضع هذه القوى بحثاً عن مصادر دعم بديلة.
  • تراجع مستوى التنسيق الإقليمي بين أطراف ما يُعرف بمحور المقاومة.
  • تعزيز اتجاهات التنسيق الأمني الإقليمي بين بعض الدول العربية والكيان الإسرائيلي، في إطار مواجهة التهديدات الصاروخية أو الطائرات المسيّرة.

غير أن هذه التحولات تبقى مرهونة بطبيعة نتائج الحرب ومدتها، إذ قد تؤدي المواجهة أيضاً إلى تعزيز بعض التحالفات القائمة بدلاً من تفكيكها في حال اتسعت دائرة المواجهة.

4. موقع السلطة الفلسطينية في بيئة إقليمية مضطربة

في ظل هذه التحولات، قد تجد السلطة الفلسطينية نفسها في موقع سياسي معقد، فمن جهة، تحرص القيادة الفلسطينية تقليدياً على تجنب الانخراط في محاور إقليمية متصارعة، ومن جهة أخرى يصعب عليها تجاهل انعكاسات الحرب على الواقع الفلسطيني، خاصة في ظل استمرار الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس.

وقد يؤدي انشغال المجتمع الدولي بالحرب الإقليمية إلى:

  • تراجع مستوى الضغط الدولي على الكيان الإسرائيلي في الملف الفلسطيني.
  • زيادة هامش الحركة أمام الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية.
  • استمرار حالة الجمود السياسي في مسار التسوية.

وفي الوقت نفسه، فإن أي تغير في موازين القوى الإقليمية قد ينعكس على طبيعة العلاقة بين الفصائل الفلسطينية والقوى الإقليمية المختلفة.

5. مسارات الحرب وتأثيرها المحتمل على القضية الفلسطينية

يبقى التأثير الفعلي للحرب على القضية الفلسطينية مرتبطاً إلى حد كبير بالمسار الذي ستتخذه المواجهة ونتائجها النهائية، ويمكن تصور سيناريوهين رئيسيين في هذا السياق:

أولاً: سيناريو تفوق الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي

إذا انتهت الحرب بإضعاف كبير للقدرات الإيرانية أو تقليص نفوذها الإقليمي، فقد يترتب على ذلك:

  • تراجع الدعم الإقليمي لبعض الفصائل الفلسطينية.
  • تعزيز موقع الكيان الإسرائيلي الاستراتيجي في المنطقة.
  • زيادة اندفاع بعض الدول نحو ترتيبات أمنية أو سياسية إقليمية جديدة قد تشمل الكيان الإسرائيلي.

وفي هذا السيناريو، قد تواجه القضية الفلسطينية مرحلة من التراجع النسبي في الأولوية الدولية، خاصة إذا اعتُبر أن الخطر الإقليمي الأكبر قد جرى احتواؤه.

ثانياً: سيناريو صمود إيران أو اتساع المواجهة

أما إذا نجحت إيران في الصمود أو في فرض كلفة استراتيجية مرتفعة على الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، فقد يؤدي ذلك إلى:

  • تعزيز مكانة القوى المتحالفة معها في المنطقة.
  • ازدياد حضور خطاب “محور المقاومة” في الساحة الإقليمية.
  • ارتفاع مستوى التوتر الإقليمي بما قد ينعكس على الجبهات المرتبطة بالكيان الإسرائيلي.

وفي هذه الحالة، قد تعود القضية الفلسطينية إلى الواجهة كجزء من معادلة الصراع الإقليمي الأوسع.

6. احتمال استخدام المسار الفلسطيني كأداة لاحتواء التوتر

ثمة احتمال آخر يتمثل في أن تلجأ الولايات المتحدة، في حال تصاعد التوتر الإقليمي أو تنامي الغضب الشعبي في العالم العربي، إلى إعادة طرح مبادرات سياسية تتعلق بالقضية الفلسطينية بهدف امتصاص التوتر الإقليمي واحتواء الضغوط الشعبية في الدول الحليفة.

وقد يشمل ذلك إحياء بعض المبادرات السياسية أو إطلاق مسارات تفاوضية جديدة، حتى وإن كانت في البداية ذات طابع رمزي أو محدود التأثير.

الخلاصة

تشير التطورات الحالية إلى أن الشرق الأوسط قد يكون بصدد مرحلة انتقالية تتداخل فيها صراعات النفوذ الإقليمي مع حسابات الأمن الاقتصادي العالمي، وفي مثل هذه البيئة، قد تتراجع القضية الفلسطينية مؤقتاً في سلم الأولويات الدولية، لكنها لن تختفي من معادلة الصراع في المنطقة.

فموقع القضية الفلسطينية سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بمآلات الحرب الدائرة وتوازنات القوة التي ستنتج عنها، فإذا أفضت الحرب إلى إعادة رسم الخريطة الإقليمية، فمن المرجح أن تنعكس هذه التغيرات على طبيعة التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية، سواء عبر تهميشها مرحلياً أو إدراجها ضمن ترتيبات سياسية أوسع في مرحلة ما بعد الصراع.

وفي جميع الأحوال، يبقى العامل الحاسم في التأثير على موقع القضية الفلسطينية هو القدرة الفلسطينية الداخلية على توحيد الموقف السياسي وتعزيز حضور القضية في الأجندة الدولية، بما يمنع تحولها إلى مجرد ورقة ضمن صراعات إقليمية أكبر.

التــوصيــــات

  1. تعزيز الوحدة الوطنية واستعادة وحدة المؤسسات السياسية الفلسطينية، بما يعزز القدرة على التعامل مع التحولات الإقليمية المتسارعة.
  2. تأكيد الأولوية الفلسطينية في الصراع مع الكيان الإسرائيلي وتحييد القضية عن الاستقطابات الإقليمية الأخرى.
  3. تكثيف التحرك الدبلوماسي الدولي والعمل على إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الأجندة الدولية، خاصة في ظل احتمال تراجع الاهتمام الدولي بها نتيجة الانشغال بالحرب الإقليمية.
  4. تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني، خصوصًا في غزة ومواجهة التداعيات الإنسانية والاقتصادية المحتملة للحرب الإقليمية، خاصة في ظل هشاشة الأوضاع في قطاع غزة.
  5. رصد واستباق السياسات الإسرائيلية والاستعداد لاحتمال استغلال الحكومة الإسرائيلية لانشغال المجتمع الدولي بالحرب لفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية والقدس، والعمل سياسيًا وقانونيًا وإعلاميًا لمواجهتها.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مارس 2026

شارك:

المزيد من المقالات