من التعاطف إلى الإنهاك الجمعي: مخاطر تحوّل جثامين الشهداء غير المنتشلة في غزة إلى أرقام صامتة

دراسة قانونية سياسية-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
تتناول هذه الورقة قضية جثامين الشهداء غير المنتشلة في قطاع غزة بوصفها أحد أبرز التحديات الإنسانية والقانونية في مرحلة ما بعد الحرب على غزة، وتشير التقديرات إلى وجود آلاف الجثامين التي لا تزال تحت الأنقاض، إلى جانب آلاف المفقودين الذين لم يُحسم مصيرهم بعد، في ظل الدمار الواسع ونقص الإمكانيات الفنية لعمليات الانتشال. وتحلل الورقة الأبعاد السياسية والقانونية والاجتماعية لهذه الظاهرة، وتوضح كيف يمكن أن يؤدي استمرارها إلى تحوّل الضحايا تدريجياً من رموز إنسانية حاضرة في الوعي العام إلى أرقام صامتة، بما يفاقم حالة الإنهاك الجمعي داخل المجتمع، كما تناقش الورقة تأثير ذلك على مسارات التوثيق الجنائي والمساءلة القانونية عن الجرائم المرتكبة خلال الحرب، وتخلص إلى ضرورة إنشاء آلية وطنية متخصصة لإدارة ملف الجثامين والمفقودين، وتعزيز التعاون الدولي في مجالات الانتشال والتوثيق، لضمان حفظ حقوق الضحايا ومنع ضياع الأدلة المرتبطة بالانتهاكات.

مقدمــــة

في أعقاب الحرب الإسرائيلية الواسعة على قطاع غزة التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستمرت بتداعياتها حتى أواخر عام 2025، برزت قضية الجثامين غير المنتشلة من تحت الأنقاض كأحد أكثر الملفات الإنسانية والقانونية تعقيداً، فإلى جانب الدمار الهائل الذي طال البنية التحتية والمناطق السكنية، خلّفت الحرب آلاف الضحايا الذين لم يتم انتشال جثامينهم حتى اليوم.

تشير تقديرات صادرة عن جهات صحية وإنسانية فلسطينية إلى وجود آلاف الجثامين تحت الأنقاض، إضافة إلى آلاف المفقودين الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً، في ظل الدمار الواسع، وصعوبة الوصول إلى العديد من المناطق المدمرة، واستمرار القيود المفروضة على إدخال المعدات الثقيلة اللازمة لعمليات الانتشال.

لا تقتصر خطورة هذه الظاهرة على بعدها الإنساني المباشر، بل تمتد لتشمل أبعاداً سياسية وقانونية واجتماعية ونفسية عميقة، فمع مرور الوقت، يهدد استمرار وجود الجثامين تحت الأنقاض بتحول الضحايا من رموز إنسانية حاضرة في الوعي الجمعي إلى أرقام صامتة في الإحصاءات، وهو ما قد يقود إلى حالة من الإنهاك الجمعي داخل المجتمع الفلسطيني، ويضعف فرص التوثيق القانوني للانتهاكات.

تسعى هذه الورقة إلى تحليل أبعاد هذه القضية من خلال مقاربة متعددة المستويات، تشمل البعد السياسي والقانوني والإداري والاجتماعي والرمزي، مع استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل هذا الملف في مرحلة ما بعد الحرب.

أولاً: الإطار المفاهيمي

الإنهاك الجمعي وتحولات الوعي المجتمعي

يشير مفهوم الإنهاك الجمعي إلى الحالة التي يمر بها مجتمع ما نتيجة التعرض المستمر لصدمات جماعية طويلة الأمد، بحيث تتحول الاستجابة العاطفية الأولية – مثل التعاطف والغضب – تدريجياً إلى حالة من الإرهاق النفسي واللامبالاة النسبية.

في سياق الحروب الطويلة والكوارث الجماعية، يصبح استمرار التعرض للمآسي دون أفق واضح للحل عاملاً يؤدي إلى تآكل القدرة النفسية للمجتمع على الاستجابة العاطفية، وهو ما قد يؤدي إلى تحوّل الضحايا من قصص إنسانية فردية إلى أرقام مجردة في الوعي العام.

إدارة الجثامين في النزاعات المسلحة

في القانون الدولي الإنساني، تُعد مسألة التعامل مع جثامين الضحايا جزءاً أساسياً من حماية الكرامة الإنسانية في النزاعات المسلحة، إذ تنص اتفاقيات جنيف على التزام أطراف النزاع بـ:

  • البحث عن الجثامين وجمعها
  • توثيق هويات الضحايا
  • ضمان دفنهم بطريقة لائقة
  • تمكين عائلاتهم من معرفة مصيرهم

كما أن عمليات التوثيق الجنائي للجثامين تمثل عنصراً محورياً في التحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إذ تشكل الرفات البشرية أدلة مادية أساسية في أي مسار قضائي لاحق.

ثانياً: حجم الظاهرة في غزة

أدت الحرب إلى تدمير واسع النطاق للمناطق السكنية في قطاع غزة، حيث تشير التقديرات إلى وجود عشرات الملايين من الأطنان من الأنقاض الناتجة عن القصف والتجريف العسكري.

في ظل هذا الدمار، يعتقد أن آلاف الجثامين لا تزال تحت الأنقاض، فيما لا يزال آلاف الأشخاص في عداد المفقودين، ويرتبط ذلك بعدة عوامل، أبرزها:

  • حجم الدمار غير المسبوق في المناطق السكنية
  • صعوبة الوصول إلى بعض المناطق المدمرة
  • وجود ذخائر غير منفجرة تعيق عمليات الإنقاذ
  • نقص المعدات الثقيلة والموارد الفنية

كما أن استمرار القيود على إدخال المعدات الثقيلة والآليات المتخصصة يحد من قدرة فرق الدفاع المدني على تنفيذ عمليات انتشال واسعة النطاق.

ثالثاً: البعد السياسي

الجثمان غير المنتشل كمعطى سياسي

في الحروب المعاصرة، لا تمثل الجثامين مجرد نتيجة إنسانية للعمليات العسكرية، بل تتحول أحياناً إلى عنصر سياسي ورمزي في إدارة الصراع.

فاستمرار وجود الجثامين تحت الأنقاض يعكس حجم الدمار الذي خلفته الحرب، ويشكل دليلاً مادياً على آثار العمليات العسكرية ضد المناطق المدنية.

وفي الوقت نفسه، فإن بطء عمليات الانتشال أو عرقلتها قد يؤدي إلى إضعاف قدرة المجتمع الدولي على توثيق الانتهاكات بصورة منهجية.

غياب الملف عن الأولويات السياسية

رغم الأهمية الإنسانية والقانونية لملف الجثامين، إلا أنه غالباً ما يتراجع في سلم الأولويات السياسية في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تتركز الجهود عادة على ملفات مثل:

  • وقف إطلاق النار
  • تبادل الأسرى
  • إدخال المساعدات الإنسانية
  • إعادة الإعمار

وفي ظل الموارد المحدودة والضغوط الدولية، قد يتم التعامل مع ملف الجثامين باعتباره قضية إنسانية ثانوية مقارنة بملفات الإغاثة وإعادة الإعمار.

رابعاً: إدارة مرحلة ما بعد الحرب

التناقض بين إزالة الأنقاض والبحث عن الجثامين

تشكل عمليات إزالة الأنقاض خطوة أساسية في إعادة إعمار المناطق المدمرة، لكنها قد تتحول في بعض الحالات إلى عامل يهدد إمكانية العثور على الجثامين أو توثيقها.

فالإزالة السريعة للركام دون عمليات بحث منهجية قد تؤدي إلى:

  • تفكك الرفات البشرية
  • فقدان الأدلة الجنائية
  • صعوبة تحديد هويات الضحايا

محدودية القدرات المحلية

تواجه الجهات المحلية في غزة تحديات كبيرة في إدارة هذا الملف، أبرزها:

  • نقص المعدات الثقيلة
  • تضرر المؤسسات الصحية
  • ضعف إمكانيات التوثيق الجنائي
  • محدودية المختبرات القادرة على تحليل الحمض النووي

كما أن تعدد الجهات العاملة في هذا المجال – مثل الدفاع المدني والبلديات والقطاع الصحي – قد يؤدي أحياناً إلى تداخل الصلاحيات وضعف التنسيق المؤسسي.

خامساً: البعد القانوني

مسؤوليات القانون الدولي الإنساني

بموجب القانون الدولي الإنساني، تتحمل أطراف النزاع مسؤولية:

  • البحث عن المفقودين
  • جمع الجثامين
  • تسهيل عمليات الانتشال
  • احترام كرامة الموتى

كما أن إعاقة الوصول إلى الجثامين أو منع عمليات الانتشال قد يشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني.

أثر فقدان الأدلة

تُعد الرفات البشرية من أهم الأدلة المادية في التحقيق في الجرائم الدولية، ومع مرور الوقت، يؤدي استمرار بقاء الجثامين تحت الأنقاض إلى:

  • تحلل الأدلة الجنائية
  • فقدان القدرة على تحديد أسباب الوفاة
  • صعوبة توثيق الانتهاكات بدقة

وهو ما قد يؤثر مستقبلاً على أي مسار قانوني دولي يسعى لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة خلال الحرب.

سادساً: البعد الاجتماعي والنفسي

لا تقتصر آثار الجثامين غير المنتشلة على الجانب القانوني أو السياسي، بل تمتد إلى البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع.

فعدم تمكن العائلات من دفن أبنائها يمثل شكلاً من الحداد المعطل، حيث تبقى حالة الفقدان مفتوحة دون خاتمة نفسية واضحة.

وقد أظهرت تجارب العديد من المجتمعات التي شهدت نزاعات مسلحة أن استمرار ملف المفقودين دون حل قد يؤدي إلى:

  • ارتفاع مستويات الصدمة الجماعية
  • تآكل الثقة بالمؤسسات
  • تعميق الشعور بالظلم

وفي حالات عديدة مثل البوسنة والعراق وسوريا، استمرت عمليات البحث عن المفقودين والجثامين لسنوات طويلة بعد انتهاء الحروب.

سابعًا: السيناريوهات المحتملة

سيناريو الإهمال المستمر

في هذا السيناريو، يستمر تراجع ملف الجثامين في سلم الأولويات، مما يؤدي إلى:

  • بقاء آلاف او مئات الجثامين تحت الأنقاض
  • فقدان الأدلة الجنائية
  • تعميق الصدمة الاجتماعية

سيناريو المعالجة الجزئية

يتضمن هذا السيناريو تنفيذ عمليات انتشال محدودة ضمن مشاريع إزالة الأنقاض، دون وجود برنامج وطني شامل للتوثيق.

ورغم أنه قد يؤدي إلى انتشال عدد من الجثامين، إلا أنه لا يوفر حلاً جذرياً للمشكلة.

سيناريو المعالجة الوطنية الشاملة

يقوم هذا السيناريو على إنشاء برنامج وطني متكامل لإدارة ملف الجثامين والمفقودين، يشمل:

  • عمليات انتشال منهجية
  • توثيق جنائي احترافي
  • دعم دولي تقني وقانوني

وهو السيناريو الأكثر قدرة على حماية حقوق الضحايا وعائلاتهم.

الخلاصــــة

تكشف قضية الجثامين غير المنتشلة في غزة عن أحد أكثر الجوانب تعقيداً في تداعيات الحرب، حيث تتداخل فيها الأبعاد الإنسانية والقانونية والسياسية والاجتماعية.

ومع مرور الوقت، يهدد استمرار هذا الملف دون معالجة منهجية بتحول الضحايا إلى أرقام صامتة في الإحصاءات، وبنشوء حالة من الإنهاك الجمعي داخل المجتمع الفلسطيني.

كما أن فقدان الأدلة المرتبطة بالجثامين قد يؤثر مستقبلاً على فرص تحقيق العدالة القانونية للضحايا.

التوصيات

  1. إنشاء هيئة وطنية موحدة لإدارة ملف المفقودين والجثامين في قطاع غزة.
  2. تطوير قاعدة بيانات مركزية لتوثيق المفقودين والضحايا وربطها ببرامج تحليل الحمض النووي.
  3. إدماج عمليات البحث عن الجثامين في مشاريع إزالة الأنقاض لضمان عدم فقدان الأدلة.
  4. الاستعانة بخبرات دولية متخصصة في مجال الطب الشرعي الإنساني والتوثيق الجنائي.
  5. إدراج ملف المفقودين والجثامين في أي مسارات قانونية أو سياسية مستقبلية مرتبطة بالحرب.
  6. توفير برامج دعم نفسي واجتماعي لعائلات المفقودين والضحايا.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مارس 2026

شارك:

المزيد من المقالات