الحرب الإسرائيلية الثانية على إيران: ردع واستنزاف وإعادة ترتيب الشرق الأوسط

تقدير موقف استراتيجي-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي
الحرب الإسرائيلية الثانية على إيران، بمشاركة أمريكية مباشرة، تجاوزت أهداف الضربات الوقائية التقليدية لتشمل إعادة فرض الردع الاستراتيجي وتقليص النفوذ الإيراني الإقليمي.
وتمتاز المواجهة بتعدد الجبهات المحتملة، وحساسية الجبهة الداخلية الإسرائيلية، ما يجعل الزمن والاستدامة الاقتصادية والنفسية عوامل حاسمة لمسار الحرب، ويؤثر الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي على المزاج السياسي لكنه لا يعكس استراتيجية الدولة الرسمية. قطاع غزة، رغم تاريخه في الصراع، يبقى حالياً محيداً، مع الحفاظ على التهدئة بالرغم من استمرار الخروقات الإسرائيلية الممنهجة، والسيناريو المرجح هو الاستنزاف الممتد، مع احتمال محدود لتصعيد إقليمي شامل، وتقدّم الورقة توصيات عملية للفلسطينيين لتعزيز الرصد الاستراتيجي، إدارة المخاطر، والحفاظ على مصالح فلسطين في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة.

مقدمــــة

في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، بدأ الكيان الإسرائيلي حربه الثانية على إيران خلال أقل من عام، بمشاركة مباشرة من الولايات المتحدة، وبأهداف تتجاوز بكثير أهداف الحرب السابقة التي اقتصرت على استهداف البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية الباليستية، وتتسم هذه المرة أهداف الحرب بالاتساع والعمق، إذ تشمل السعي إلى فرض خطوط ردع جديدة، تقليص النفوذ الإقليمي لإيران، وإعادة ترتيب أولويات القوة في الشرق الأوسط.

تأتي هذه الحرب في سياق توازن إقليمي متغير، حيث يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى تثبيت نفسه كالقوة العسكرية المهيمنة، بينما تسعى إيران إلى الحفاظ على شبكة نفوذها الإقليمي عبر حلفائها في لبنان والعراق واليمن، ويزداد تعقيد الصراع مع مشاركة الفاعلين الدوليين والإقليميين، بما في ذلك الولايات المتحدة التي تلعب دور الوسيط والمراقب والداعم العسكري.

تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل استراتيجي متكامل للحرب الحالية، وتسعى إلى تقديم رؤية دقيقة تمكن من فهم ديناميات الصراع الإقليمي واستشراف المخاطر والفرص.

وتعتمد الورقة على تحليل المؤشرات العسكرية والسياسية المعلنة، وقراءة الخطاب الرسمي والإعلامي للأطراف المعنية، ومقارنة أنماط السلوك الاستراتيجي التاريخي في الحروب الإقليمية السابقة.

أولًا: أهداف الحرب – بين استعادة الردع وإعادة الهندسة الاستراتيجية

تشير المؤشرات العسكرية والسياسية المصاحبة لاندلاع الحرب الحالية إلى أنها تتجاوز نموذج الضربات الوقائية المحدودة التي اتبعها الجيش الإسرائيلي خلال السنوات الماضية ضد أهداف إيرانية مباشرة أو غير مباشرة، لتقترب أكثر من نمط الحرب الهادفة إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بالكيان الإسرائيلي.

ويستند هذا التقدير إلى مجموعة من المعطيات الميدانية والسياسية المتزامنة، أبرزها:

  • اتساع نطاق الضربات ليشمل عمقاً جغرافياً داخل إيران، مع تركيز ملحوظ على المناطق الغربية المرتبطة بخطوط الإمداد الإقليمية.
  • مشاركة أمريكية مباشرة، بما يعكس انتقال الصراع من مستوى إسرائيلي–إيراني إلى مستوى صراع ضمن هندسة أمنية تقودها واشنطن.
  • تعبئة عسكرية إسرائيلية واسعة، شملت استدعاء أكثر من 130 ألف جندي احتياط، وهو مستوى تعبئة يرتبط تاريخياً في العقيدة العسكرية الإسرائيلية بالحروب طويلة الأمد وليس بالعمليات المحدودة.

وتشير هذه العناصر مجتمعة إلى أن الحرب تسعى لتحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية متداخلة.

  1. استعادة الردع الاستراتيجي

منذ مطلع العقد الماضي، واجه الكيان الإسرائيلي تآكلاً تدريجياً في مفهوم الردع التقليدي نتيجة توسع النفوذ الإيراني عبر شبكة من الفاعلين في لبنان والعراق واليمن، وهو ما وصفه عدد من المحللين الإسرائيليين بـ”الانتقال من تهديد مركزي إلى تهديد دائري متعدد الاتجاهات”.

في هذا السياق، تهدف الحرب إلى إعادة ترسيم خطوط الردع عبر نقل المواجهة إلى مصدر التهديد نفسه، أي داخل المجال الإيراني، بدلاً من الاكتفاء بضرب الحلفاء الإقليميين.

وقد أشار المحلل العسكري الإسرائيلي ألون بن دافيد إلى أن المواجهة الحالية تختلف عن سابقاتها لأنها تستهدف “تغيير قواعد اللعبة وليس مجرد الرد عليها”، في إشارة إلى محاولة فرض معادلة ردع جديدة تمنع إيران من تطوير قدرات تهديد متقدمة قرب الحدود الإسرائيلية.

كما يعكس اتساع بنك الأهداف تحولاً من سياسة الاحتواء إلى سياسة رفع الكلفة الاستراتيجية المباشرة على صانع القرار الإيراني، بما يعيد التوازن النفسي والعسكري الذي يرى الكيان الإسرائيلي أنه اختلّ بعد سنوات من الحروب غير المتكافئة.

2.  تقليص شبكة النفوذ الإيراني الإقليمي

لا يمكن فهم الحرب الحالية بوصفها مواجهة ثنائية فقط، إذ تشير طبيعة العمليات العسكرية المتزامنة إلى استهداف البنية الإقليمية التي بنتها إيران خلال العقدين الماضيين.

فشبكة النفوذ الممتدة من لبنان والعراق وصولاً إلى اليمن شكّلت، وفق الأدبيات الأمنية الإسرائيلية، ما يُعرف بـ”طوق النار” حول الكيان الإسرائيلي.

وقد نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر أمنية تقديرها أن الهدف العملياتي للحرب يتمثل في “تفكيك الترابط العملياتي بين ساحات المحور”، وليس فقط إضعاف إيران عسكرياً.

ويؤكد هذا التوجه ما أشار إليه الكاتب الإسرائيلي آريه فيلمان في صحيفة زمان يسرائيل حين حذر من أن نجاح الحرب خلق “فرصة جيو-استراتيجية نادرة لتعزيز الأمن الإسرائيلي إقليمياً”، لكنه ربط ذلك بضرورة استثمار نتائج الحرب في إعادة ترتيب البيئة الأمنية لا توسيع الصراع بلا سقف سياسي.

بذلك، تبدو الحرب محاولة لإعادة تفكيك منظومة الردع المتبادل التي نشأت تدريجياً بين الكيان الإسرائيلي والمحور منذ حرب لبنان 2006.

3. إعادة ترتيب البيئة الإقليمية وتثبيت الهيمنة العسكرية

يتجاوز الهدف الثالث البعد العسكري المباشر ليصل إلى مستوى النظام الإقليمي نفسه، فمشاركة الولايات المتحدة تعكس إدراكاً مشتركاً بأن الشرق الأوسط يمر بمرحلة انتقالية في ظل التحولات الدولية وتراجع الانخراط الأمريكي المباشر خلال السنوات السابقة، ما أتاح لقوى إقليمية منافسة توسيع نفوذها.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة الحرب باعتبارها محاولة لإعادة تثبيت الكيان الإسرائيلي بوصفه القوة العسكرية الأكثر تفوقاً في الإقليم، بما يعزز موقعه كشريك أمني مركزي في منظومة التحالفات الإقليمية الجديدة.

وتتقاطع هذه القراءة مع الخطاب السياسي الإسرائيلي الذي يربط بين نتائج الحرب وإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي، دون أن يعني ذلك بالضرورة تبني مشروع توسع جغرافي مباشر، رغم حضور هذا الخطاب لدى بعض التيارات الأيديولوجية.

فالتصريحات التي أطلقها ميخائيل بن آري حول البعد الديني للحرب، وكذلك الخطابات الداعمة لفكرة الامتداد الجغرافي التاريخي، تعكس توجهاً فكرياً داخل اليمين الديني، لكنها تصطدم في المقابل بتقديرات أمنية إسرائيلية تحذر من كلفة أي مشروع توسعي مفتوح على الصعيدين الديموغرافي والدبلوماسي.

وبالتالي، يمكن فهم الحرب باعتبارها سعياً إلى هيمنة ردعية أكثر من كونها مشروع توسع إقليمي مباشر.

ثانيًا: تدحرج الحرب واحتمالات اتساعها

تشير المؤشرات العملياتية والسياسية منذ الأيام الأولى للحرب إلى أن صانع القرار الإسرائيلي يتعامل مع المواجهة بوصفها صراعاً قابلاً للتوسع الزمني والجغرافي، وليس عملية عسكرية قصيرة ذات أهداف محدودة.

فقد دعت قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية السكان إلى الاستعداد لحرب طويلة عبر تخزين المواد الغذائية الأساسية وتأمين وسائل اتصال تعمل بالبطاريات، وهي إجراءات لا تُتخذ عادة إلا عندما ترجّح المؤسسة الأمنية احتمال تعرض العمق الإسرائيلي لهجمات ممتدة ومكثفة.

وتحمل هذه الدعوة دلالة استراتيجية تتجاوز البعد الاحترازي، إذ تعكس تقديراً رسمياً بأن الكيان الإسرائيلي قد يدخل مرحلة حرب استنزاف متعددة الساحات، وهو السيناريو الذي حاولت العقيدة العسكرية الإسرائيلية تجنبه منذ عقود عبر مبدأ الحسم السريع ونقل المعركة إلى أرض الخصم.

نقطة التحول: دخول حزب الله

شكّل دخول حزب الله المواجهة في الثالث من آذار نقطة تحول مركزية في مسار الحرب، حيث انتقلت المواجهة من نمط الصراع الثنائي بين الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة ثانية إلى نموذج الحرب الإقليمية المتشابكة.

وقد نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر أمنية أن فتح الجبهة الشمالية يعني تقلص زمن الإنذار المبكر وزيادة الضغط على منظومات الدفاع الجوي، خصوصاً في حال تزامن الهجمات القادمة من لبنان مع ضربات إيرانية مباشرة.

وتنسجم هذه التقديرات مع ما أشار إليه المحلل العسكري الإسرائيلي ألون بن دافيد، الذي اعتبر أن الحرب الحالية قد تتحول إلى “الاختبار الأصعب للجبهة الداخلية منذ قيام الدولة”، في ظل احتمال التعرض لهجمات متزامنة من عدة اتجاهات.

ويعكس هذا التطور تحقق أحد أكثر السيناريوهات التي ناقشتها الدراسات العسكرية الإسرائيلية خلال العقد الأخير، والمتمثل في حرب متعددة الجبهات، حيث يواجه الكيان الإسرائيلي تهديدات متزامنة من الشمال والشرق وربما الجنوب.

معضلة تعدد الجبهات في العقيدة العسكرية الإسرائيلية

تاريخياً، قامت العقيدة العسكرية الإسرائيلية على ثلاثة مبادئ رئيسية:

  1. الإنذار المبكر.
  2. نقل القتال سريعاً إلى أرض الخصم.
  3. الحسم السريع لتجنب الاستنزاف.

غير أن الحرب الحالية تضع هذه المبادئ تحت اختبار غير مسبوق، إذ إن تعدد الجبهات يقلّص قدرة الجيش على تحقيق تفوق حاسم في ساحة واحدة، ويحوّل الصراع تدريجياً إلى معركة إدارة موارد وزمن.

ويشير استدعاء أكثر من 130 ألف جندي احتياط وحشد فرق عسكرية شمالاً إلى إدراك المؤسسة العسكرية أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل فقط في ضرب القدرات الإيرانية، بل في إدارة التزامن العملياتي بين جبهات مختلفة ذات مستويات تهديد متباينة.

وقد أظهرت تجارب سابقة — لا سيما حرب تشرين 1973 وحرب لبنان 2006 — أن الضغط المتزامن على أكثر من جبهة يمثل أحد أبرز نقاط الضعف البنيوية في الأداء العسكري الإسرائيلي، بسبب الاعتماد الكبير على قوات الاحتياط وتأثير التعبئة الطويلة على الاقتصاد والمجتمع.

ديناميات التصعيد واحتمال الانزلاق الإقليمي

يشير نمط التفاعلات العسكرية المتسارعة إلى ما يعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ”سلم التصعيد”، حيث يؤدي كل توسع محدود في نطاق العمليات إلى خلق دوافع مضادة لتوسيع الرد.

فدخول حزب الله لا يضيف فقط جبهة قتالية جديدة، بل يخلق شبكة ردود متبادلة قد تشمل:

  • استهداف العمق الإسرائيلي بكثافة أكبر،
  • توسيع الضربات داخل العراق،
  • زيادة احتمالات انخراط أطراف إقليمية أخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وفي هذا السياق، يصبح خطر التدحرج غير المقصود للحرب أحد أبرز سمات المرحلة، إذ قد تتحول القرارات التكتيكية المحدودة إلى نتائج استراتيجية واسعة بسبب تداخل الساحات العسكرية.

ثالثًا: البعد الأيديولوجي في الخطاب الإسرائيلي — بين التأثير والحدود

أبرزت الحرب الحالية تصاعد حضور الخطاب الديني–الأيديولوجي داخل بعض الأوساط السياسية والفكرية في الكيان الإسرائيلي، خصوصاً ضمن التيارات اليمينية الدينية والقومية التي تنظر إلى الصراع الإقليمي بوصفه جزءاً من مسار تاريخي–عقائدي يتجاوز الحسابات الأمنية التقليدية.

فقد صرّح السياسي الإسرائيلي ميخائيل بن آري بأن الحرب تمثل “سياقاً دينياً وتاريخياً” مرتبطاً بتحقيق نبوءات توراتية، داعياً إلى عدم التوقف “في منتصف معركة وردت في التوراة”، معتبراً أن المواجهة الحالية تشكّل فرصة تاريخية لإعادة رسم المجال الجغرافي الذي تتصوره بعض التيارات الدينية باعتباره امتداداً لـ”أرض إسرائيل”.

كما ترافقت هذه التصريحات مع مواقف من شخصيات أمريكية داعمة للكيان الإسرائيلي تحدثت عن “حق تاريخي” في التمدد الإقليمي، وهو خطاب يعكس تقاطعاً أيديولوجياً بين بعض تيارات اليمين الديني الإسرائيلي والإنجيلي المحافظ في الولايات المتحدة.

غير أن قراءة سلوك الدولة الإسرائيلية تاريخياً تظهر أن هذا الخطاب، رغم حضوره الإعلامي والسياسي، لا يشكّل بالضرورة الإطار الحاكم لعملية صنع القرار الاستراتيجي.

الأيديولوجيا كعامل تأثير لا كعقيدة دولة

تشير التجربة التاريخية الإسرائيلية إلى أن القرارات العسكرية الكبرى خضعت في الغالب لاعتبارات أمنية وبراغماتية مرتبطة بميزان القوى والكلفة الاستراتيجية، حتى في ظل حكومات يمينية أيديولوجية.

فالكيان الإسرائيلي، منذ تأسيسه، أظهر استعداداً للتراجع عن مكاسب إقليمية واسعة عندما ارتفعت الكلفة الاستراتيجية، كما حدث في:

  • الانسحاب من سيناء بعد اتفاقية كامب ديفيد،
  • الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000،
  • الانسحاب من قطاع غزة عام 2005.

وتشير هذه السوابق إلى أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية بقيت محكومة بمبدأ أساسي: تعظيم الأمن وتقليل الأعباء الديموغرافية والعسكرية طويلة الأمد.

الجدل الداخلي الإسرائيلي حول فكرة “إسرائيل الكبرى”

يعكس النقاش الدائر داخل الكيان الإسرائيلي تبايناً واضحاً بين الخطاب الأيديولوجي والتقدير الاستراتيجي الواقعي.

فقد حذر الكاتب الإسرائيلي آريه فيلمان في صحيفة زمان يسرائيل من أن إحياء فكرة “إسرائيل الكبرى” يتعارض مع الحقائق الديموغرافية والسياسية للإقليم، معتبراً أن تبني هذا الطرح قد يحوّل المكاسب العسكرية للحرب إلى عبء استراتيجي طويل المدى.

وأشار فيلمان إلى أن أي توجه توسعي واسع قد يؤدي إلى:

  • تقويض اتفاقيات السلام مع مصر والأردن،
  • إضعاف مسار التطبيع مع الدول العربية،
  • إدخال الكيان الإسرائيلي في صراعات مفتوحة تفوق قدرتها على الإدارة المستدامة.

ويمثل هذا الطرح تياراً واسعاً داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي ترى أن التفوق العسكري يجب أن يُترجم إلى ردع واستقرار، لا إلى توسع جغرافي مباشر.

لماذا يتصاعد الخطاب الأيديولوجي الآن؟

يمكن تفسير صعود الخطاب الديني خلال الحرب عبر ثلاثة عوامل رئيسية:

  1.  تعبئة المجتمع في زمن الحرب

يميل الخطاب الأيديولوجي إلى الارتفاع خلال الحروب الكبرى بوصفه أداة لتعزيز التماسك الداخلي ومنح الصراع معنى وجودياً.

2. صعود اليمين الديني داخل الائتلاف الحاكم

شهدت السنوات الأخيرة تزايد وزن الأحزاب الدينية–القومية داخل النظام السياسي الإسرائيلي، ما منح الخطاب العقائدي حضوراً أكبر في المجال العام.

3. لحظة التحول الإقليمي

تخلق الحروب الكبرى شعوراً لدى بعض التيارات بأن النظام الإقليمي يدخل مرحلة إعادة تشكيل تاريخية، ما يدفعها لطرح رؤى قصوى كانت سابقاً هامشية.

حدود التأثير الأيديولوجي على القرار الاستراتيجي

على الرغم من هذا الحضور المتزايد، تشير المؤشرات العملية إلى وجود قيود بنيوية تحدّ من تحول الخطاب الأيديولوجي إلى سياسة رسمية، أبرزها:

  • القيود الديموغرافية المرتبطة بإدارة أراضٍ واسعة ذات كثافة سكانية غير يهودية.
  • الاعتماد الاستراتيجي على الدعم الأمريكي والغربي.
  • حساسية اتفاقيات السلام الإقليمية.
  • الكلفة الاقتصادية والعسكرية لأي توسع دائم.

وبالتالي، فإن الأيديولوجيا تعمل بوصفها عامل ضغط داخلي ومصدر شرعية خطابية أكثر من كونها خطة استراتيجية قابلة للتطبيق.

رابعًا: كلفة الحرب والجبهة الداخلية الإسرائيلية — عامل الحسم الصامت

تمثل الجبهة الداخلية الإسرائيلية أحد أكثر المتغيرات حساسية في تحديد مسار الحرب ومدتها، إذ لا يرتبط استمرار العمليات العسكرية فقط بميزان القوة الميداني، بل بمدى قدرة المجتمع والاقتصاد على تحمّل كلفة الصراع مع مرور الوقت.

وقد أشار المحلل العسكري الإسرائيلي ألون بن دافيد إلى أن المواجهة الحالية قد تتحول إلى الأعنف على الداخل الإسرائيلي منذ عقود، خصوصاً في حال تزامن الهجمات الإيرانية بعيدة المدى مع تصعيد واسع من حزب الله على الجبهة الشمالية، وهو سيناريو يضع العمق الإسرائيلي تحت ضغط ناري متواصل ومتعدد الاتجاهات.

الجبهة الداخلية كجزء من ساحة القتال

على خلاف الحروب التقليدية التي كانت تُدار بعيداً عن المراكز السكانية، أصبحت الجبهة الداخلية في العقيدة العسكرية الحديثة هدفاً مركزياً لإضعاف قدرة الدولة على مواصلة القتال.

وفي الحالة الإسرائيلية، تزداد حساسية هذا العامل لعدة أسباب:

  • الكثافة السكانية المرتفعة في مساحة جغرافية محدودة.
  • مركزية البنية الاقتصادية والتكنولوجية في مناطق حضرية محددة.
  • الاعتماد الواسع على قوات الاحتياط المرتبطة مباشرة بالحياة المدنية والاقتصاد.

وبذلك، فإن أي ضغط مستمر على المدن والبنية التحتية لا يحمل بعداً عسكرياً فقط، بل يتحول إلى أداة تأثير سياسي واستراتيجي.

عناصر الكلفة الاستراتيجية للحرب

تكمن خطورة سيناريو الحرب متعددة الجبهات في تراكم ثلاثة أنماط من الكلفة المتزامنة:

  1. تقلص زمن الإنذار المبكر

دخول حزب الله بكثافة إلى المواجهة يقلص زمن الاستجابة الدفاعية بسبب القرب الجغرافي، ما يزيد الضغط على منظومات الدفاع الجوي ويحدّ من قدرة السكان على التكيف مع الهجمات المتكررة.

2.  الاستنزاف الاقتصادي

تؤدي التعبئة الواسعة لقوات الاحتياط وتعطل النشاط الاقتصادي في القطاعات الحيوية إلى ارتفاع كلفة الحرب بشكل متسارع، وقد أظهرت تجارب سابقة أن الاقتصاد الإسرائيلي، رغم مرونته، يتأثر سريعاً بالحروب الطويلة نتيجة توقف قطاعات الإنتاج والسياحة والاستثمار.

3. الضغط النفسي طويل المدى

يشكل العامل النفسي أحد أبرز نقاط الحساسية في المجتمع الإسرائيلي، حيث يؤدي استمرار حالة الطوارئ والإنذارات المتكررة إلى تآكل الشعور بالأمن الشخصي، وهو عنصر أساسي في العقد الاجتماعي الإسرائيلي القائم على توفير الأمن مقابل الخدمة العسكرية.

خامسًا: موقع قطاع غزة في معادلة الحرب — تحييد واقعي لا جاهزية للتصعيد

تشير المعطيات الميدانية الحالية إلى أن قطاع غزة يقع في حالة تحييد فعلي ضمن معادلة الحرب الإقليمية، رغم استمرار الخروقات الإسرائيلية المحدودة والعمليات العسكرية المتفرقة.

فمن جهة، يبدو أن الحكومة الإسرائيلية معنية بتجنب فتح جبهة إضافية في ظل انخراطها في ساحات أكثر حساسية، الأمر الذي يفسر الحفاظ على مستوى منخفض من الاحتكاك العسكري وإبقاء قنوات التهدئة قائمة بصورة غير مباشرة، بما في ذلك إجراءات جزئية مرتبطة بالمعابر والجانب الإنساني.

ومن جهة أخرى، تلتزم فصائل المقاومة في غزة بسياسة تهدئة واضحة، دون ظهور مؤشرات عملية على نية الانخراط في المواجهة الإقليمية الجارية، وهو ما يعكس تقديراً فلسطينياً لكلفة فتح جبهة جديدة في الظروف الحالية، سواء على المستوى الإنساني أو العسكري.

وعليه، لا تبدو غزة حالياً ساحة مرشحة للتصعيد، بل أقرب إلى عامل استقرار نسبي مؤقت، تسعى الأطراف المختلفة إلى إبقائه خارج دائرة المواجهة المباشرة، ومع ذلك، يبقى هذا التحييد هشّاً، إذ إن أي تغير جوهري في مسار الحرب أو ارتفاع مستوى الضغط الميداني قد يعيد القطاع إلى دائرة التأثير، ولكن بوصفه نتيجة لتطورات خارجية أكثر منه خياراً قائماً بذاته.

سادسًا: السيناريوهات المحتملة لمسار الحرب

يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للحرب الحالية، تختلف وفق مستوى الانخراط الإقليمي وحدود القدرة على الضبط الدولي للتصعيد:

  1. سيناريو الاحتواء المنضبط (الإنهاء السياسي السريع)

يقوم هذا السيناريو على نجاح الجهود الدبلوماسية، في فرض وقف تصعيد بعد تحقيق أطراف الصراع مكاسب ردعية محدودة تسمح لكل طرف بإعلان تحقيق أهداف جزئية.

مؤشرات تحققه:

  • انخفاض وتيرة الضربات المتبادلة تدريجياً.
  • تكثيف الوساطات الدولية والإقليمية.
  • انتقال الخطاب السياسي نحو “استعادة الاستقرار” بدل الحسم العسكري.

نتائجه المتوقعة:

  • تثبيت قواعد اشتباك جديدة دون تغيير جذري في موازين القوى.
  • عودة التوتر إلى مستوى الصراع منخفض الحدة.
  • تأجيل أسباب الانفجار بدلاً من حلها.
  •  سيناريو الاستنزاف الممتد (حرب دون حسم)

يفترض هذا السيناريو استمرار المواجهة لفترة طويلة عبر ضربات متبادلة محدودة وساحات متعددة، دون قدرة أي طرف على تحقيق نصر حاسم أو فرض تسوية سياسية سريعة.

مؤشرات تحققه:

  • استمرار العمليات العسكرية بوتيرة محسوبة.
  • اتساع الضغوط الاقتصادية والأمنية الداخلية لدى جميع الأطراف.
  • بقاء الانخراط الدولي في إطار إدارة الأزمة لا حلها.

نتائجه المتوقعة:

  • استنزاف اقتصادي وعسكري تدريجي.
  • تصاعد التوترات الداخلية في عدة دول بالمنطقة.
  • إعادة ترتيب أولويات الأمن الإقليمي على حساب ملفات سياسية أخرى، ومنها القضية الفلسطينية.
  • سيناريو الانفجار الإقليمي الشامل

ينشأ هذا السيناريو في حال فشل آليات الضبط ووقوع حدث مفصلي كبير يؤدي إلى توسع المواجهة لتشمل عدداً أكبر من الفاعلين والساحات الإقليمية بشكل متزامن.

مؤشرات تحققه:

  • انخراط مباشر لعدة جبهات في وقت واحد.
  • استهداف واسع للبنية التحتية الحيوية أو الممرات الاقتصادية.
  • انتقال المواجهة من الردع المتبادل إلى منطق كسر الإرادة.

نتائجه المتوقعة:

  • اضطرابات اقتصادية عالمية حادة، خاصة في الطاقة والتجارة.
  • ارتفاع مخاطر الانزلاق إلى مواجهة دولية أوسع.
  • تغيرات عميقة في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

أي السيناريوهات أقرب للتحقق؟

تشير المؤشرات العسكرية والسياسية الحالية إلى أن سيناريو الاستنزاف الممتد يبدو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور، وذلك لاعتبارات تتعلق بطبيعة أهداف الأطراف وحدود قدرتها على الحسم.

فمن جهة أولى، لا يبدو أن الكيان الإسرائيلي -بمشاركة الولايات المتحدة- قادر على تحقيق حسم عسكري سريع ضد إيران أو شبكتها الإقليمية، نظراً لاتساع مسرح العمليات وتعدد مصادر التهديد، وهو ما يحوّل الحرب عملياً إلى مواجهة إدارة مخاطر أكثر منها حرب إنهاء قدرات الخصم، وفي المقابل، لا تسعى إيران — وفق نمط سلوكها الإقليمي خلال السنوات الماضية — إلى مواجهة شاملة مفتوحة، بل إلى فرض كلفة تدريجية تُبقي ميزان الردع قائماً دون الانزلاق إلى حرب وجودية.

كما أن الموقف الأمريكي يظهر ميلاً واضحاً نحو ضبط مستوى التصعيد لا توسيعه؛ إذ تهدف واشنطن إلى منع انهيار التوازن الإقليمي مع الحفاظ على مصداقية الردع، وهو ما يدفع باتجاه استمرار المواجهة ضمن سقف محسوب.

وتعزز عدة مؤشرات هذا التقدير، أبرزها:

  • استمرار العمليات العسكرية بوتيرة متدرجة دون انتقال إلى ضربات كاسحة شاملة.
  • الاستعدادات الإسرائيلية لحرب طويلة، بما يشير إلى توقع صانع القرار لغياب الحسم السريع.
  • انخراط أطراف إقليمية بصورة محسوبة تمنع الانفجار الشامل لكنها لا تنهي المواجهة.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المنطقة تتجه — على الأرجح — نحو مرحلة صراع ممتد منخفض الحسم وعالي الكلفة، حيث تصبح إدارة الزمن عاملاً مركزياً في الصراع، وتتقدم قدرة المجتمعات على التحمل والاستدامة الاقتصادية والنفسية على حساب الإنجاز العسكري المباشر.

غير أن هذا الترجيح يبقى هشّاً؛ إذ إن حادثة نوعية واحدة أو خطأ في الحسابات قد يدفع سريعاً نحو سيناريو الانفجار الإقليمي، ما يجعل الحرب الحالية أقرب إلى صراع مفتوح الاحتمالات ضمن هامش ضيق من السيطرة.

الخلاصة: قراءة متكاملة لمسار الحرب وآثارها الإقليمية

تظهر الحرب الإسرائيلية الثانية على إيران، بمشاركة أمريكية مباشرة، على أنها صراع متعدد الأبعاد يتجاوز مجرد الضربات العسكرية التقليدية ليشمل إعادة هندسة الاستقرار الإقليمي والردع الاستراتيجي، مع تأثيرات واضحة على البيئة الداخلية لكل الأطراف.

تشير التحليلات إلى أن أهداف الحرب الإسرائيلية تتراوح بين استعادة الردع الاستراتيجي، وتقليص النفوذ الإيراني الإقليمي، وإعادة ترتيب أولويات القوة في الشرق الأوسط، ومع ذلك، تظل قدرة الكيان الإسرائيلي على تحقيق أهدافه البعيدة المدى محدودة بسبب عدة عوامل: تعقيد البيئة الجغرافية والسياسية، هشاشة الجبهة الداخلية أمام الضغوط النفسية والاقتصادية، واعتمادها على احتياط محدود بينما تواجه أكثر من جبهة في وقت واحد.

أما البعد الأيديولوجي في الخطاب الإسرائيلي، مثل دعوات بعض الشخصيات الدينية لتحقيق نبوءات توراتية أو فكرة “إسرائيل الكبرى”، فيمثل عامل ضغط داخلي ورغبة في تعبئة الرأي العام أكثر من كونه استراتيجية قابلة للتطبيق، ويخضع دائماً للقيود العملية التي تفرضها الاعتبارات الأمنية والديموغرافية والاقتصادية.

في المقابل، يظهر قطاع غزة في هذه المرحلة كـ عامل استقرار نسبي، وليس كجبهة جاهزة للتصعيد، إذ تحافظ الفصائل الفلسطينية على التهدئة، بينما تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى إبقائه محيداً جزئياً لتجنب فتح جبهة إضافية قد تستنزف الجيش وتزيد الضغط على المجتمع.

أما السيناريو المرجح لمسار الحرب في المدى المنظور فهو الاستنزاف الممتد، حيث تستمر المواجهة بوتيرة متدرجة، مع إدارة الحروب متعددة الجبهات دون حسم كامل لأي طرف، وهذا السيناريو يضع الزمن والاستدامة الاقتصادية والنفسية للجبهات الداخلية في صدارة عوامل تحديد مسار الحرب، مع احتمال مفاجئ للانزلاق إلى تصعيد إقليمي في حال حدوث خطأ استراتيجي أو حادثة نوعية غير محسوبة.

في ضوء ما سبق، يمكن استخلاص مجموعة من الاستنتاجات الجوهرية:

  1. الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل صراع متعدد الأبعاد يستهدف إعادة هندسة قواعد الردع والتوازنات الإقليمية.
  2. الجبهة الداخلية لكل طرف تمثل عامل حسم غير مباشر، إذ يحدد مستوى تحمل المجتمع والاقتصاد مدى إمكانية استمرار الحرب أو الضغط نحو تسوية.
  3. الخطاب الأيديولوجي في الكيان الإسرائيلي يؤثر على المزاج السياسي والرأي العام، لكنه لا يشكل استراتيجية دولة قابلة للتطبيق بدون مراعاة الواقع الأمني والديموغرافي.
  4. غزة والقوى الفلسطينية تبقى حالة استقرار نسبي في المعادلة، لكنها عنصر يمكن أن يغيّر توازن القوى إذا تغيرت الظروف، ما يجعل إدارتها أولوية إسرائيلية.
  5. المدى الزمني للحرب سيكون عاملاً رئيسياً في تحديد نتائجها، بما يجعل الإدارة الاستراتيجية للأزمات والمفاوضات الدولية جزءاً لا يتجزأ من مسار الصراع.

ختاماً، توفر الحرب الحالية نافذة لفهم ديناميات القوة والتهديد والتوازن الإقليمي في الشرق الأوسط، وتوضح أن أي صراع في المنطقة لا يمكن تحليله بمعزل عن الجوانب الاقتصادية، الاجتماعية، النفسية والسياسية، بما يشكل نموذجاً معقداً لإدارة النزاعات الحديثة، حيث يصبح القدرة على ضبط الزمن والتكلفة عاملاً أساسياً في تحديد الفائز والخاسر.

التوصـيــــات

استناداً إلى تحليل الحرب الإسرائيلية الثانية على إيران، يمكن تقديم توصيات استراتيجية مركزة تساعد على فهم التحولات الإقليمية، حماية المصلحة الفلسطينية، وتطوير أدوات الردع والسياسة الخارجية:

  1. مراقبة ديناميات الصراع الإقليمي ومتابعة تطورات الحرب في إيران، لبنان، العراق، ،والخليج بدقة، لتقدير تأثيرها المباشر وغير المباشر على فلسطين.
  2. تقييم التأثير على الجبهة الداخلية الفلسطينية ورصد تداعيات الحرب على غزة والضفة الغربية، بما يشمل الأمن، الاقتصاد، والخدمات الأساسية، لتحديد نقاط الضعف والقوة.
  3. الاستفادة من الفرص الدبلوماسية والسياسية وتعزيز العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة لموازنة التأثير الإسرائيلي والأمريكي في المنطقة.
  4. تعزيز قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود أمام أي ضغط اقتصادي أو أمني ناتج عن تداعيات الحرب الإقليمية.
  5. منع تهميش القضية الفلسطينية والتأكيد في الخطاب السياسي العربي أن أي إعادة ترتيب أمني إقليمي لا يمكن أن تكون مستقرة دون معالجة جذور الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مارس 2026

شارك:

المزيد من المقالات