أ. خالد أبو عامر
دراسة تحليلية اقتصادية-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية
| الملخص التنفيذي تستعرض الورقة ما يجري من مداولات بشأن إصدار عملة رقمية مستقرة في قطاع غزة في ظل أزمة سيولة وانهيار واسع للجهاز المصرفي، وتناقش أبعاده الاقتصادية والسياسية في سياق غياب السيادة النقدية واستمرار القيود المفروضة على إدخال النقد والتحكم بالبنية التحتية. وترى أن المشروع، رغم طرحه كحل تقني لتحسين كفاءة المدفوعات، يندرج ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل البنية المالية في مرحلة ما بعد الحرب، مع ما يرافق ذلك من تساؤلات حول مخاطر الرقابة وتجميد الحسابات وضعف الجاهزية التقنية، بما يجعل مستقبله مرتبطا ليس فقط بفاعليته التشغيلية، بل بالإطار القانوني والسياسي الضامن لعدم تحوله إلى أداة ضبط مالي. |
مقدمة
كشفت صحيفة فايننشال تايمز، عن مناقشات أولية داخل ما يُعرف بـ”مجلس السلام” بشأن مقترح يجري دراسته لإصدار عملة رقمية مستقرة في قطاع غزة، ويتقاطع هذا الكشف في لحظة اقتصادية شديدة الحساسية، حيث يترافق مع انهيار بنيوي للبنية المصرفية في القطاع جراء أزمة السيولة المالية، في ظل استمرار الاحتلال بفرض قيود على إدخال النقد إلى القطاع.[1]
فمن ناحية؛ لا يمكن قراءة هذا الطرح بوصفه مقترحا تقنيا محضا يتعلق بتحديث أدوات الدفع أو مواكبة التحول الرقمي التي يشهدها العالم، بل يتعين وضعه ضمن سياق أوسع يتصل بإعادة تشكيل البيئة الاقتصادية والمالية في غزة.
إذ تندرج فكرة الانتقال القسري من الاقتصاد النقدي إلى نموذج دفع رقمي مدار خارجيا ضمن مسار إعادة هندسة المجال الاقتصادي، بحيث يعاد تعريف آليات الوصول إلى المال، وضبط التدفقات المالية، وتحديد دوائر الفاعلين الاقتصاديين.
وبذلك يتحول النظام المالي من كونه مجالا سياديا، إلى مجال خاضع لإدارة تقنية وتنظيمية تتحكم بها أطراف خارجية، في ظل استمرار تحكم الحكومة الإسرائيلية، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، في إدارة المعابر والتحكم بالموارد والسيولة النقدية، وعليه، فإن أي انتقال إلى منظومة مالية رقمية لا يمكن فصله عن البيئة السياسية والقانونية التي تُدار ضمنها.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن طرح العملة الرقمية المستقرة لا يُفهم باعتباره استجابة تقنية لأزمة السيولة فحسب، بل كجزء من إعادة ترتيب أدوات الضبط الاقتصادي وإعادة تعريف السيطرة المالية في القطاع، في ظل القيود المفروضة على إدخال النقد، وما ترتب على ذلك من اختناقات هيكلية في التداول المالي.
تشير التقديرات المالية المستندة إلى بيانات ما قبل الحرب وتقارير المؤسسات الاقتصادية الفلسطينية والدولية إلى أن الاقتصاد في قطاع غزة كان يعتمد بدرجة كبيرة على النقد الورقي، حيث شكّلت المعاملات النقدية ما بين 80 و90% من المدفوعات اليومية، وقد قُدّر حجم السيولة النقدية المتداولة داخل القطاع قبل الحرب بما يتراوح بين 2 و3 مليارات شيكل، مدفوعة جزئيا بتدفقات تحويلات خارجية شهرية تراوحت بين 150 و200 مليون دولار عبر القنوات المصرفية وبرامج المساعدات الدولية، غير أن القيود المفروضة على إدخال النقد وتعطل عمل الجهاز المصرفي خلال الحرب أدّيا إلى انكماش حاد في الكتلة النقدية المتاحة للتداول بنسبة تقديرية تراوح بين 60 و80%، ما أسهم في توسع السوق الموازية للنقد وارتفاع تكلفة الحصول على السيولة، ورغم وجود بنية أولية للدفع الإلكتروني، فإن عدد مستخدمي المحافظ الرقمية قبل الأزمة لم يُقدّر بأكثر من 250 إلى 400 ألف مستخدم، وهو ما يعكس محدودية الجاهزية الرقمية للاقتصاد المحلي مقارنة بحجم التحول المالي الذي تطرحه المقترحات الحالية.[2]
تكشف هذه المؤشرات مجتمعة عن مفارقة مالية جوهرية في قطاع غزة؛ فبينما يتسم الاقتصاد بدرجة عالية من الاعتماد على النقد الورقي وضعف الانتشار الرقمي، أدت القيود المفروضة على تدفق السيولة إلى تقليص القدرة الفعلية على استخدام النقد ذاته، وفي ظل هذا التناقض بين بنية اقتصادية نقدية تقليدية وواقع تشغيلي يعاني ندرة حادة في العملة المتداولة، برزت الحلول الرقمية بوصفها استجابة محتملة لأزمة تشغيلية قبل أن تكون خيارا سياساتيا مخططا، غير أن انتقالا بهذا الحجم، في بيئة تفتقر إلى السيادة النقدية الكاملة وتخضع لتداخلات سياسية وأمنية معقدة، لا يقتصر أثره على تحسين كفاءة المدفوعات، بل يمتد ليعيد تعريف العلاقة بين الأفراد والنظام المالي ذاته، وهو ما يفسر الحاجة إلى قراءة المشروع المقترح ليس فقط من زاوية الجدوى التقنية، وإنما ضمن سياق أوسع يتعلق بهندسة المجال الاقتصادي وآليات التحكم بالتدفقات المالية.
أولا: مفهوم العملات الرقمية في سياقها الاقتصادي
يمكن تعريف العملات الرقمية بأنها شكل من أشكال النقود التي لا توجد في صورة مادية كالورق أو المعدن، بل تستخدم وتخزن إلكترونيا عبر محافظ رقمية متصلة بالإنترنت، وتوظف في عمليات الدفع وشراء السلع وتحويل الأموال ودفع الرواتب وغيرها من المعاملات المالية.
ووفقا لما جرى تداوله، فإن المقترح المطروح يتعلق بإنشاء عملة رقمية مستقرة (Stablecoin) تُربط بالدولار الأمريكي بحيث تعادل كل وحدة رقمية دولارا واحدا، وتضخ عبر محافظ رقمية مخصصة للاستخدام داخل القطاع. وعليه، فإن المشروع لا يقوم على إصدار عملة سيادية جديدة بديلا للشيكل، بقدر ما يستهدف إنشاء نظام دفع رقمي محدود جغرافيا، من شأنه إعادة تنظيم الدورة المالية داخل القطاع.
من حيث المقارنة، فإنه لا يوجد نموذج مطابق تماما للحالة التي يجري الحديث عنها، أي إنشاء نظام عملة رقمية مخصص لإقليم خاضع لقيود سياسية وأمنية مشددة مشابه لحالة غزة، ومع ذلك، يمكن الإشارة إلى تجارب بعض الدول التي اعتمدت أنماطا من العملات الرقمية، كتجربة الصين في إصدار اليوان الرقمي، ونيجيريا التي أصدرت عملتها الرقمية eNaira، بالإضافة لفنزويلا التي لجأت إلى تعميم استخدام عملة Tether بعد انهيار عملتها الوطنية.[3]
غير أن هذه التجارب تختلف جوهريا عن الحالة الغزية؛ فهي إما صادرة عن دول ذات سيادة تتحكم بأدواتها النقدية، أو جاءت كاستجابة لأزمات تضخم وانهيار عملتها المحلية، أما في السياق الغزي، فإن التحول الرقمي المقترح يجري في ظل غياب سيادة نقدية أصلا، واستمرار تحكم الاحتلال في حركة الأموال والمعابر، ما يمنح أي نظام رقمي جديد بُعدا سياسيا يتجاوز اعتبارات الكفاءة المالية.
على المستوى النظري، تُطرح العملات الرقمية لتحقيق جملة من الأهداف، من بينها تحسين كفاءة المدفوعات، ومكافحة جرائم غسيل الأموال، وتقليل تكاليف الاحتفاظ بالنقد الورقي في المصارف، بالإضافة لتعزيز قدرة الدولة على تتبع التدفقات المالية، إلا أن هذه الأهداف في السياق الغزي، قد تتحول من أداة تنظيمية إلى أداة ضبط وسيطرة، خصوصا وأنها مرتبطة ببنية تحكم خارجية، وهو ما يتيح لها إمكانية تعطيل الحسابات أو تقييد الوصول إلى السيولة.
ثانيا: كيف يمكن أن يعمل النظام عمليا؟
على الرغم من أن المقترح ما يزال في طور الدراسة والتقييم، دون إعلان تفصيلي عن بنيته التقنية أو آليات حوكمته، إلا أن تتبع التجارب الدولية في تعميم العملات الرقمية يتيح تصور الإطار العملي المحتمل لتشغيل هذا النظام داخل قطاع غزة.
من الناحية التشغيلية، يُرجح أن يقوم النظام على إنشاء منصة رقمية تتاح عبر تطبيق معتمد يتم تحميله من متاجر الهواتف الذكية، بحيث يمنح كل مستخدم— أفرادا أو منشآت— محفظة رقمية مخصصة تُسجل بياناتها ضمن قاعدة مركزية.[4]
وتضخ الأموال في هذه المحافظ على هيئة رواتب أو إعانات أو مدفوعات ثنائية، كما يتوقع أن يعتمد النظام على آليات دفع فورية، مثل رموز الاستجابة السريعة (QR Code)، لتسهيل عمليات الشراء والتحويل بين الأفراد والمتاجر.
غير أن تشغيل مثل هذا النظام يتطلب بنية تحتية رقمية مستقرة، تشمل شبكات اتصالات حديثة وخدمة إنترنت متواصلة، إذ يتحول الاتصال بالشبكة إلى شرط مسبق للوصول إلى المال ذاته، وفي بيئة تعاني من انقطاعات متكررة في الكهرباء وضعف في شبكات الاتصالات، يصبح العامل التقني عنصرا حاسما في تحديد قابلية التطبيق.
إلى جانب ذلك، يستلزم النظام إطارا قانونيا وتنظيميا واضحا يحدد الجهة المسؤولة عن الإصدار، وآليات الرقابة والمساءلة، وضمانات حماية البيانات، وإدارة النزاعات التقنية والمالية، كما يتطلب وجود احتياطي نقدي من شأنه حفظ ودائع العملاء.
وأخيرا، فإن نجاح أي منظومة مالية رقمية لا يرتبط بالبنية التقنية فحسب، بل بمدى الثقة المجتمعية بها، وقبول الفاعلين الاقتصاديين التعامل من خلالها، وهو عامل لا يمكن تجاهله باعتباره شرطا لإنجاحه.
ثالثا: إعادة بناء الاقتصاد في ضوء المرحلة الثانية
يكتسب طرح العملة الرقمية بعدا إضافيا عند ربطه بالتحولات السياسية الجارية، ولا سيما مع الحديث عن الدخول في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وما يتصل بها من ترتيبات إعادة الإعمار.
ففي هذا السياق، يمكن النظر إلى مدينة رفح بوصفها إحدى المناطق المرشحة لبدء عمليات إعادة البناء كمختبر أولي لتجريب نموذج المدفوعات الرقمية.
ولا ينفصل هذا التوجه عن المناخ الدولي الأوسع، حيث تتبنى الإدارة الأميركية خطابا داعما لتوسيع استخدام العملات المشفرة والأصول الرقمية، وهو خطاب لطالما كرره الرئيس ترامب، غير أن إسقاط هذا التوجه على الحالة الغزية يطرح تساؤلات حول طبيعة النموذج الاقتصادي المراد تكريسه في مرحلة ما بعد الحرب: هل هو نموذج إعادة إعمار تقليدي، أم نموذج يعيد تعريف أدوات السيطرة والضبط المالي ضمن بيئة رقمية مُدارة؟
يبدو أن المقترح لا يطرح كإجراء مؤقت لمعالجة أزمة سيولة فحسب، بل كمؤشر على التخطيط لمرحلة اقتصادية جديدة في القطاع، تعاد فيها هيكلة قنوات الدفع والتحويل، وتدمج فيها شركات ذات خبرة في مجال التقنيات المالية، سواء فلسطينية أو إقليمية، للمساهمة في تصميم البنية الرقمية للنظام المالي الناشئ.
من الناحية العملية، يمكن تصور انطلاق المشروع على نحو تجريبي ومحدود النطاق، عبر توظيفه في صرف رواتب العاملين والمتعاقدين مع المنظمات الدولية العاملة في قطاع غزة منها اليونيسف، والصحة العالمية، والأونروا، وبرنامج الغذاء العالمي، لاسيما كونها مسؤولة عن تشغيل عشرات آلاف العاملين في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والإغاثة والدعم النفسي والاجتماعي، ويتيح هذا المسار اختبار كفاءة النظام في بيئة شبه مغلقة ومنضبطة ماليا.
وفي مرحلة لاحقة، قد يجري توسيع نطاق الاستخدام ليشمل المعاملات التجارية بين تجار القطاع، عبر تسوية المدفوعات الخاصة بالتوريدات والسلع بالنظام الرقمي ذاته.
ومع ترسيخ التجربة، يمكن أن يمتد التطبيق ليشمل صرف رواتب الموظفين الجدد في قطاع الأمن الذين جرى الإعلان عن ترشيحهم للتوظيف في جهاز الشرطة.
بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بإدخال أداة تقنية جديدة فحسب، بل بإعادة بناء البنية المالية المصاحبة لمرحلة إعادة الإعمار، على نحو قد يعيد توزيع مراكز القوة داخل الاقتصاد المحلي، ويجعل الوصول إلى المال مشروطا بالانخراط في منظومة رقمية مركزية.
رابعا: الدوافع والمبررات المعلنة للمشروع
يستند القائمون على المشروع إلى جملة من المبررات التي تقدم بوصفها استجابة واقعية لانهيار البنية المالية في قطاع غزة، ويتمحور الخطاب الداعم للمشروع حول فرضية مفادها أن إعادة تشكيل اقتصاد القطاع المدمر تقتضي تطوير أدوات دفع بديلة، قادرة على تجاوز أزمة السيولة النقدية الممتدة منذ أكثر من عامين.[5]
وقد أدى هذا المنع إلى اختلال حاد في الدورة النقدية حيث ارتفعت عمولات الحصول على النقد في السوق الموازية لتتراوح بين (10-50%) من قيمة السحب، انعكس مباشرة على المعاملات التجارية اليومية، وعلى قدرة الأفراد والمنشآت على تسوية التزاماتهم المالية، فمع تقلص المعروض النقدي، ارتفعت تكلفة الحصول على السيولة، وظهرت سوق موازية للنقد تفرض فيها عمولات مرتفعة على عمليات السحب.
قبل الحرب، كان القطاع المصرفي في غزة يعمل ضمن مظلة حوكمة رسمية تديرها سلطة النقد، تضم عشرة بنوك تمتلك ما مجموعه 56 فرعا ونحو 100 صراف آلي، إضافة إلى بنكين محليين لم تعترف بهما سلطة النقد وهما بنكي الوطني والإنتاج.[6]
في ظل هذا الواقع، اضطر المواطنون إلى التوسع في استخدام أنظمة الدفع الإلكتروني المرتبطة بتطبيقات البنوك والمحافظ المالية، بوصفها بديلا اضطراريا عن النقد الورقي، إلا أن هذا التحول لم يكن نتيجة خيار سياساتي مدروس بقدر ما كان استجابة قسرية لندرة السيولة.
الفوائد المحتملة للنموذج الرقمي المقترح
رغم التحفظات المرتبطة بالبعد السيادي والسياسي للمشروع، فإن أنظمة الدفع الرقمية المستقرة قد تقدم، من الناحية النظرية، عددا من المزايا التشغيلية في بيئات الأزمات، إذ يمكن أن تسهم في تقليل الاعتماد على النقد الورقي المعرض للتلف أو المصادرة، وتسريع وصول المساعدات الإنسانية، وخفض تكاليف التحويلات المالية، إضافة إلى الحد من السوق الموازية للنقد، كما قد تتيح درجة أعلى من الشمول المالي للفئات غير المرتبطة بالنظام المصرفي التقليدي، خاصة في ظل تراجع قدرة البنوك المحلية على تقديم خدماتها.
غير أن تحقق هذه الفوائد يظل مشروطا بطبيعة الحوكمة التقنية والقانونية للنظام، ومدى استقلاليته عن الاعتبارات الأمنية والسياسية.
العملة الرقمية: الفرص مقابل المخاطر
| البعد | فرص محتملة | مخاطر محتملة |
|---|---|---|
| السيولة | تسريع المدفوعات | التحكم بالتدفقات |
| المساعدات | وصول أسرع | مشروطية الوصول |
| الشفافية | تقليل السوق السوداء | مراقبة شاملة |
| الشمول المالي | إدماج غير المتعاملين مع البنوك | إقصاء غير المتصلين رقمياً |
خامسا: سوابق وتوجهات إسرائيلية لضبط اقتصاد غزة
لم تكن مسألة إعادة ترتيب البنية الاقتصادية في قطاع غزة غائبة عن الخطاب والسياسات الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب، إذ تكررت إشارات رسمية إلى ضرورة “إعادة تنظيم” الاقتصاد في القطاع، بما يتجاوز البعد الأمني المباشر إلى إعادة صياغة أنماط الإنتاج والتداول والارتباطات التجارية.[1]
ويمكن قراءة هذا التوجه في سياق أوسع يتصل بمحاولات فصل اقتصاد غزة تدريجيا عن الاقتصاد الفلسطيني ونظيره في الضفة الغربية، بما يشمل إعادة تعريف قنوات الاتصال المالي والتجاري بين المنطقتين.
وفي هذا الإطار، طرحت مقترحات ذات طابع نقدي مباشر، من بينها ما نُسب إلى وزير الخارجية الإسرائيلي غدعون ساعر، في نيسان/أبريل 2025 بشأن إلغاء ورقة الـ200 شيكل، باعتبارها أداة ضغط مالي تستهدف البيئة الحاضنة لحركة حماس، ويعكس هذا الطرح توظيف السياسة النقدية كأداة تأثير سياسي وأمني، بما يبرز قابلية المجال المالي للتحول إلى ساحة صراع موازية.[2]
أما على المستوى التقني، فيبرز اسم ليران تانكمان، ضابط الاحتياط السابق في مكتب تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق المحتلة، وله باع طويل في مجال الأمن السيبراني ويشغل حاليا دورا استشاريا ضمن ما يُعرف بـ”مجلس السلام”.
ووفق ما جرى تداوله في اجتماعات عُقدت في واشنطن، أشار تانكمان إلى أن اللجنة المعنية بإدارة شؤون القطاع تعمل على بناء “أساس رقمي عصري”، يقوم على إنشاء منصة موحدة تتيح خدمات الدفع الإلكتروني، وتوسيع نطاق الخدمات المالية، إضافة إلى تطبيقات في مجالات التعليم عن بعد والرعاية الصحية، مع منح المستخدمين قدرة على التحكم في بياناتهم.[3]
غير أن إدراج هذا المشروع ضمن منظومة رقمية شاملة، تتقاطع فيها الخدمات المالية مع قطاعات التعليم والصحة، يعكس تصورا يتجاوز مجرد معالجة أزمة سيولة، ليتصل ببناء بنية تحتية رقمية جامعة تُعاد عبرها صياغة العلاقة بين الفرد والنظام الاقتصادي.
وفي ظل استمرار سيطرة الحكومة الإسرائيلية على المعابر والتدفقات النقدية والاتصالات، فإن أي منصة رقمية من هذا النوع تظل محكومة ببيئة تحكم خارجي، ما يطرح تساؤلات حول حدود الاستقلال المالي الفعلي الذي يمكن أن يوفره هذا النموذج.
سادسا: المعيقات البنيوية والسيادية أمام المشروع
تعد مسألة الثقة أحد أبرز التحديات التي قد تواجه أي منظومة مالية رقمية في قطاع غزة، لا سيما في ظل تجارب سابقة عززت الشكوك إزاء الأنظمة التي تدار أو تشرف عليها جهات خارجية.
فقد سبق أن أصدر وزير الجيش السابق يوآف غالانت، قرارا بتجميد عشرات المحافظ المالية خلال الحرب، الأمر الذي رسخ لدى شريحة واسعة من الفلسطينيين تصورا مفاده أن المجال المالي قابل للاستخدام كأداة ضغط أمني.[4]
في هذا السياق، تبقى احتمالات توظيف أي نظام مالي رقمي لأغراض غير اقتصادية احتمالا قائما، خاصة إذا كانت مفاتيح التشغيل أو البنية التحتية التقنية خاضعة لإشراف أو تحكم غير فلسطيني كامل.
ووفقا لما سبق، يمكن حصر المعيقات التي تقف في طريق المشروع في ثلاثة مستويات رئيسة:
1. معيقات سيادية– رقابية
تجميد الحسابات :إمكانية تعليق أو إغلاق المحافظ الرقمية بقرار إداري أو أمني، بما يحرم الأفراد أو المؤسسات من الوصول إلى أموالهم.
منع التحويلات: فرض قيود على التحويل بين الأفراد أو بين القطاعات، بما يؤثر في انسيابية النشاط التجاري.
مراقبة المعاملات: تسجيل وتتبع كافة العمليات المالية، بما يحول النظام إلى أداة رقابية شاملة على السلوك الاقتصادي.
2. معيقات تقنية–بنيوية
إلى جانب البعد السيادي، يواجه المشروع تحديات تقنية جوهرية، أبرزها:
انقطاع الكهرباء، ما يعيق استمرارية عمل المنصات الرقمية.
ضعف الاتصال بالإنترنت، وغياب بنية اتصالات حديثة.
إن استمرار عمل قطاع غزة بتقنيات اتصال قديمة (الجيل الثاني)، في ظل غياب مؤشرات واضحة على السماح بإدخال تقنيات الجيل الثالث أو الرابع، وهو ما يجعل تشغيل نظام دفع رقمي واسع النطاق مسألة معقدة عمليا.
وفي بيئة تعتمد فيها القدرة على الوصول إلى المال على الاتصال بالشبكة، يصبح الخلل التقني سببا مباشرا لتعطيل الدورة الاقتصادية.
الخلاصة
تكشف مقترحات إصدار عملة رقمية مستقرة في قطاع غزة عن تحوّل يتجاوز معالجة أزمة السيولة النقدية الآنية، ليعكس مسارا أوسع لإعادة تشكيل البنية المالية والاقتصادية في بيئة تفتقر إلى السيادة النقدية الكاملة، فالأزمة الحالية، المتمثلة في انكماش الكتلة النقدية وتعطل القنوات المصرفية التقليدية، وفّرت مبررا وظيفيا لطرح حلول رقمية قادرة نظريا على تحسين كفاءة المدفوعات وتسريع تدفق المساعدات وتقليل الاعتماد على النقد الورقي.
غير أن خصوصية السياق الغزي تجعل من هذا التحول المالي مسألة ذات أبعاد سياسية وسيادية عميقة؛ إذ إن انتقال الوصول إلى المال من المجال النقدي المفتوح نسبيا إلى منظومة رقمية مركزية قد يعيد تعريف آليات التحكم بالتدفقات المالية وحدود الاستقلال الاقتصادي للأفراد والمؤسسات، وبذلك، فإن العملة الرقمية المقترحة تحمل في آن واحد فرصا تشغيلية محتملة ومخاطر تتصل بإمكانية توظيفها كأداة ضبط ورقابة في ظل بيئة تحكم خارجي مستمر.
وعليه، فإن تقييم المشروع لا ينبغي أن ينحصر في كفاءته التقنية أو جدواه التشغيلية، بل في طبيعة الحوكمة التي ستنظم عمله، والضمانات القانونية والسياسية المرتبطة به، ومدى قدرته على حماية حق الوصول إلى المال باعتباره حقا اقتصاديا أساسيا غير مشروط.
ويمكن استخلاص ثلاث دلالات رئيسة من النقاش الدائر حول المشروع:
أولًا: أن التحول نحو الرقمنة المالية في غزة قد يصبح مسارا شبه حتمي بفعل القيود المفروضة على النقد، بغض النظر عن الجهة المبادِرة إليه.
ثانيًا: أن غياب إطار حوكمة مستقل وشفاف قد يحول الأدوات الرقمية من وسيلة لتسهيل النشاط الاقتصادي إلى بنية تنظيمية تعيد توزيع القوة الاقتصادية داخل المجتمع.
ثالثًا: أن نجاح أي نموذج مالي رقمي في السياقات الهشة لا يرتبط بالتكنولوجيا بقدر ارتباطه ببناء الثقة المجتمعية وتوفير ضمانات فعلية ضد التقييد السياسي أو الأمني للوصول إلى الموارد المالية.
وبناء على ذلك، فإن النقاش حول العملة الرقمية في قطاع غزة ينبغي أن يُفهم باعتباره نقاشا حول شكل الاقتصاد في مرحلة ما بعد الحرب، وحدود السيادة الاقتصادية الممكنة، وطبيعة العلاقة المستقبلية بين التكنولوجيا والحوكمة المالية في بيئات النزاع الممتد.
التـوصيــــات
- ضمان البنية التحتية والاستمرارية : قبل أي تعميم للمدفوعات الرقمية، يُنصح بتقييم شامل لشبكات الاتصالات والكهرباء لضمان استقرار النظام الرقمي وقدرته على العمل في جميع الظروف.
- إطار حوكمة مستقل وشفاف: وضع قواعد تشغيلية وقانونية واضحة تحمي استقلالية النظام، وتضمن حق الوصول إلى الأموال، وحماية البيانات، وتقيّد أي استخدام سياسي أو أمني لأدوات التحكم المالي.
- تعزيز الشمول المالي والثقة المجتمعية: تبني برامج تدريجية لتعميم استخدام المحافظ الرقمية بين المواطنين والمؤسسات، مع حملات توعية وتدريب لضمان قبول النظام وكفاءته، إلى جانب آليات رصد مستمرة لتقييم الأداء ومخاطر الاستغلال.
المركز الفلسطيني للدراسات السياسية-مارس 2026
[1] من الحصار إلى الاحتكار المُدار: إعادة تشكيل القطاع التجاري في غزة، المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، اضغط هنا.
[2] مطلب إلغاء ورقة الـ200 شيكل.. ضربة لاقتصاد غزة أم للدولة العميقة؟، الجزيرة نت، 1/5/2025، اضغط هنا.
[3] مجلس السلام برئاسة ترامب يبحث استخدام عملة مستقرة لغزة، سي ان بي سي، 23/2/2026، اضغط هنا.
[4] هل تشارك بينانس الاحتلال الإسرائيلي في حصار الفلسطينيين؟، BeInCrypto، 18/10/2023، اضغط هنا.
[1] Donald Trump’s ‘Board of Peace’ explores stablecoin for Gaza، فايننشال تايمز، 23/2/2026، اضغط هنا.
[2] تعتمد التقديرات الواردة على تحليل بيانات ما قبل الحرب الصادرة عن سلطة النقد الفلسطينية وتقارير المؤسسات المالية الدولية، في ظل غياب إحصاءات رسمية محدثة حول المؤشرات النقدية في قطاع غزة بعد الحرب.
[3] الصين تعتزم إطلاق خطة عمل لليوان الرقمي بداية 2026، الجزيرة نت، 29/12/2025، اضغط هنا.
[4] العملة الرقمية للبنك المركزي، مصرف قطر المركزي، 2024، اضغط هنا.
[5] أزمة حادة في توفير السيولة النقدية في قطاع غزة، الجزيرة نت، 8/8/2025، اضغط هنا.
[6] أزمة العملة النقدية المهترئة والتطبيق البنكي في قطاع غزة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 30/9/2025، اضغط هنا.



